اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الإيمان والهجرة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:07:01 AM

    المشاركات
    4,684
    العمر
    39

    الإيمان والهجرة

    مما عظم به الزيغ في المذاهب المادية ما كان من قول أصحابها إذ غلوا في تقرير المادة حتى جعلوها كل شيء ! ، فصار الفكر إفرازا من الدماغ كإفراز الصفراء من الكبد والبول من الكلية كما يقول بعض الفلاسفة الماديين من المعاصرين ، وصار العقل جوهرا لا غريزة ، كما في تقريرات الفلسفة القديمة ، فعقل المعاني وهو حركة لطيفة تحصل في الجنان بها يقلب الناظر وجوه الاستدلال فحركته في المعقولات نظر وتدبر لا جِرْمَ له في الخارج ، فليس إفرازا يحس ، كما يزعم القوم ، وإنما هو معنى لطيف يقوم بالجنان فلا يدركه الحس الظاهر ، وإن أدرك آثاره وَتَأَوَّلَهَا فإن الجوارح تَتَأَوَّلُ ما يقوم بالجنان من المعاني ، فعلا أو تَرْكًا ، فيكون من حركة الظاهر ما يصدق حركة الباطن على ما تقدم مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن تصورا والظاهر حكما ، وهو ما رَدَّ به أهل السنة على مقال الإرجاء المحدث الذي تَنَاقَضَ ، من وجه ، فأعطى الملزوم الباطن من عنوان الإيمان ما لم يعط لازمه من العمل ، والتلازم بَيْنَهُمَا يستوجب التسوية في الحكم فالفرع له حكم الأصل ، واللازم الظاهر تَبَعٌ لملزومه الباطن ، فإذ كانت حركة الباطن إيمانا فلازمها من حركة الظاهر يستحق إطلاق العنوان نفسه ، عنوان الإيمان ، فهو الاسم المركب من أجزاء وشعب : منها ما بطن ومنها ما ظهر ، وما بطن منه التصور كالتوحيد ، ومنه الحكم كالحياء ، فليس كل ما بطن علما بل منه العمل ، فالحياء من عمل القلب ، وذلك شاهد آخر لمن أدخل العمل في حد الإيمان ، فـ : "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" ، فالحياء عمل ، وإن بطن ، فهو خُلُقٌ والأخلاق من جنس الأعمال ، فدخل في الإيمان بدلالة "مِنْ" ، في "شعبة مِنَ الإيمان" ، فهي ، من وجه ، تفيد ابتداء الغاية ، فابتداء غاية الحكم على الحياء إنما تكون من عنوان الإيمان فهو داخل في حده فَوَجَبَ له من حكمه ما يستغرقه ويستغرق سائر الشعب ، كما في الخبر ، فكان العام صدر الخبر : "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً" ، فدلالة "أل" في "الإيمان" مئنة من عموم يستغرق آحاد المعرَّف وَشُعَبَهُ ، ما بطن وما ظهر ، ما كان قولا أو عملا ، فالجميع داخل في الحد وإن على تَفَاوُتٍ ، فليس دخول لا إله إلا الله ، كدخول غيرها ، فهي أعلى الشعب ، بل هي أصلها ، فلا شعبة بعدها تصح إلا إذا صحت ابتداء فسلمت من القادح في الأصل ، فسلمت النواة الرئيسة وبعدها كانت الزيادة ، فلا تصح الزيادة إلا إذا صح الأصل ، فإذا صح التوحيد صح ما بعده ، فَصَحَّ من شعب الإيمان ما به يَزْدَادُ شيئا فشيئا فكلما أتى بشعبة حصل له من الإيمان ما ينفع إذ قد صح الأصل ، خلاف ما لو لم يصح الأصل فحصل من ناقضه ما يَنْفِي جنس التوحيد من القلب فَعُدِمَ الشرطُ المصحِّح ، فلا يصح ما بعده ، وإن كان في نفسه صحيحا يحمد ، فالشجاعة أمر يحمد في نفسه ، فذلك حمد الأخلاق الذي أجمع عليه كافة العقلاء ، ولكنه لا يصح إيمانا فَيُكْسَى لحاء الدين ، فَتُقَيَّدُ الحقيقة الأخلاقية بالقيد الفارق ، فَثَمَّ أخلاق جبلة ، وثم قيد يزيد في الشرعة ، فالأول مناط مدح وذم ، والثاني مناط ثَوَابٍ وعقاب ، فَقَيْدُ الشِّرْعَةِ ، عند التدبر والنظر ، لا يخالف عن قيد الجبلة ، فإن الشرعة لم تأت بما يخالف عن الجبلة ، كما أن المنقول الصحيح لا يعارض المعقول الصريح ، فذلك أصل في الدين جليل ، فلم يكن قيد الشرعة الزائد ثوابا أو عقابا بمخالف عن قيد الجبلة والعقل الأول ، مدحا أو ذما ، فما مدح فهو مناط ثواب وما ذم فهو مناط عقاب على وجه يطرد فيه الحكم وينعكس فَيُوَافِقُ قياس الحكمة من هذا الوجه ، أيضا ، فلا يَمْدَحُ العقل الصريح والجبلة الصحيحة لا يَمْدَحَانِ أمرا ويأتي الشرع بضده من وعيد عقاب أو نهي تحريم أو كراهة ، وإن كان الحكم ، ابتداء ، حكم الوحي ، فهو الذي يعين الحق من الباطل ويضع لذلك ما أحكم من معيار النظر ، فيواطئ صحيح الخبر ، فهو الدليل نصا والمدلول فِقْهًا يأرز إلى اصطلاح اللسان الأول ، إرث الفقه المنقول وقسيم الإرث السمعي من الدليل الشرعي فلا يكتمل الانتفاع به إلا أن يكون ثم من إرث اللسان ما يُبِينُ عن دلالاته وإلا فهو لفظ يُنْطَقُ وصوت يُسْمَعُ فلا يفيد معنى يُفْهِمُ إلا إذا رد إلى إرث محكم من دلالات اللسان لا كما يزعم أصحاب الوضعية المنطقية ، وهي طريق فلسفية حديثة ، إذ يجردون الألفاظ من معانيها إذا كان محل البحث ما لا يدرك بالحس من أمور الغيب والميتافيزيقا ، فآل الأمر أنه مجرد تركيب لغوي فارغ يعارض استعمالا حقيقيا للكلمات ، فقد فطن المتأخر إلى ما ضل عنه اللِّسَانُ المتقدِّم بِنَقْلِهِ المتواتر الذي يفيد القطع في الدلالة ، فجاء يقترح معنى جديدا يوافق ما يهوى وإن لم يستند إلى دليل إلا دعواه ، فكانت دعوى على دعوى ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مما يخالف عن القياس الناصح فإن الدعوى لا بد لها من بَيِّنَةٍ ، وإلا كان الترجيح بلا مرجح بما يقترح العقل من معنى يستحسن ، فصار الهوى هو المرجِّح ، وهو ما يضطرب معياره ، فالأهواء لا تَنْفَكُّ تختلف حتى تبلغ حد التعارض والتناقض ، فكلُّ عقل يقترح من دلالات الألفاظ ما يوافق قياسه ، لا سيما إن كان محل البحث قدرا يزيد على دلالة اللفظ المفردة فقد يسلم بها الجميع ، ولكن كُلًّا يقترح من الدلالة الزائدة بما يعتبر من القرائن ما يخالف عن الآخر ، فلا بد من معيار محكم يحسم النِّزَاعَ بَيْنَ العقول إذ تفاوتت في النظر ، فاختلفت أحكامها ، فاعتبر بعضٌ من قرينة العقل ما لم يعتبر الآخر ، لا سيما في مسائل الغيب التي لا تدرك بالحس فلا تحد العقول ماهيتها في الخارج ، وإن كان لها حقيقة في نفس الأمر فهي بَيْنَ الواجب والجائز في العقل لا المحال فإن الوحي في باب الغيب لم يأت بمحالات في نفس الأمر وإنما أتى بمحارات في الحقيقة والماهية في الخارج ، مع إيجاب أو جواز لها في الذهن ، فحارت العقول في الكيف وَأَثْبَتَتْ في المقابل ما جُرِّدَ من المعاني فهي أجناس مطلقة تندرج تحتها آحاد في الخارج على وجه يحصل فيه التفاوت تبعا للتفاوت في الذوات التي تقوم بها تلك المعاني فلا يقوم في الخارج معنى مطلق دون محل يقوم به وصفا ، سواء أكان وصف ذات أم وصف فعل ، وصف معنى أم وصف خبر ، فلا بد من معيار يحسم النِّزَاعَ وَيُعَيِّنُ المراد ، فإن إفراغ الألفاظ من مَضَامِينِهَا الثابتة بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الذي يجري مجرى الضرورة يُفْضِي إلى بطلان المعيار الحاكم في قضايا الخلاف ، فالاستدلال فيها لا بد أن يأرز إلى مقدمات لسانية يجمع الخصوم عليها ، فهي العلم الضروري الذي يَنْتَفِعُ به النظار في استنباط العلم النظري أو الظن الراجح ، فلا بد من هذه المقدمات اللسانية وإلا كان الكلام هذرا ، وما صح في الدنيا عقد إن عَقْدَ دين أو عَقْدَ دنيا ، فالكلام مناط العقد ، سواء أكان باللفظ أم بالسطر ، ومنه عقد التوحيد الذي يناط به حكم الصحة لأي عقد آخر في الدين ، سواء أكان عقد باطن يزيد في التصور بما يثبت من الغيوب التي لا يستقل العقل بِدَرَكِهَا وإن لم يُحِلْهَا ، على التفصيل المتقدم ، فلا بد من وحي يمد الجنان الباطن بقدر زائد من البيان لما أجمل من فطرة الإيمان ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إن استند الناظر إلى تحقيق الحس والتجريب ، كما زعم أتباع المذهب الوضعي المنطقي ، إذ كيف يدرك الحس ما عنه غاب في دار أخرى تغاير هذه الدار ، وهو يعجز أن يدرك بعض الغيوب في هذه الدار ، فما يجهل أكثر مما يعلم ، سواء أكان من الغيب المطلق أم الغيب النسبي ، فلا يجزم بإثبات ولا نَفْيٍ وإن في غيوب تجريبية يدرك منها مقدمات تصلح في الاستدلال فلا يطيق الجزم وإنما غايته أن يحكم بغلبة الظن ، بل إن علوم التجريب كالكيمياء لا تخلو من فرض فلا يحصل فيها الجزم في كل مسألة بل ثَمَّ من المسائل ما لا يدرك بالحس ، فصغر الجسيمات وسرعة التفاعل اللحظي وإعادة توزيع الذرات وما يكون بينها من علائق تستند إلى فروق في القطبية ، كل أولئك مما بلغ من الصغر ما يفتقر إلى آلات بحث دقيق قد تخطئ وقد تصيب فلا يمكن نفي الخطإ ، ولو هامشا افتراضيا ، فصار للغيب حظ في علوم التجريب ، وإن دق ، فكان افتراض مسارات تسلكها التفاعلات ولا يجزم الناظر فيها أن هذا التغيير في الذرات وإعادة التوزيع لها هو ما يقع بالفعل فالتفاعل لحظي ، فيكون اجتهاد الناظر أن يُوَفِّقَ بَيْنَ المتفاعِل والناتج ، فثم مراحل انتقال يعاد فيها ترتيب الذرات فيكون الانتقال من حال إلى أخرى ، ولو بدا أنه فجأة ، فهو مما يمر بمراحل انتقال وإن دقت في الملاحظة واختزل زمانها ، وكذلك الشأن ، لو تدبر الناظر ، في كل تغيير يطرأ ، وإن بدا أنه فجأة ، فلا بد من مراحل انتقال ، قد تطول وقد تقصر ، فَلَيْسَ الصبي يَبْلُغُ دفعة ، وإن كان التكليف قد يحصل فجأة إذا نام الصبي فاحتلم فتحمل من التكليف بعد يقظته ما لم يكن قبلها ! ، فبينه وبين التكليف رقدة يرقدها ، وذلك ، بداهة ، ما سبقته مراحل من النضج الباطن قد لا يدرك الناظر آحادها مفصلة ، فهي مما يَتَعَذَّرُ دَرَكُهُ بالنظر في أَفْرَادِهِ ، وإنما يكون من المجموع المتراكم ما تظهر آثاره ما لا تظهر الآحاد ، وكذلك الشأن في نسج العلائق بين الأفراد والجماعات والدول ، فلا تنشأ بغتة ، وإنما يكون التعارف ثم التقارب وقد يَتَخَلَّلُهُ الفتور أو يعقبه التنافر ، وقد يكون ثَمَّ من إخلاص القصد ما يحول دون وقوع الشرخ أو النقص ، وقد يكون الأمر مصلحة عاجلة تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ! ، فلا يُكِنُّ الطرفان إخلاصا ولا يَرُومَانِ إحسانا إلا بقدر ما يحصدان من أرباح ومصالح لا تخرج عن نطاق الحس الظاهر ، الذي صار معيار التحسين والتقبيح الرئيس في مناهج فلسفة ونظر صيرت الإنسان حيوانا همه الرئيس إشباع غرائزه والسيطرة على هذا العالم سيطرة الإله المهيمن ! ، لا العبد المستخلف ، فذلك ، كما يقول بعض النظار ، ما حمل بعض المذاهب المادية في الفكر والسياسة أن تجحد الغيب فهو يحول دون إثبات هذه السيادة المطلقة إذ يَرُدُّهَا إلى غائب لا يدرك بالحس ، ويوجب عليها من الخضوع له والانقياد لأمره ونهيه ما به تبطل صلاحيات العقل المطلقة التي افْتَكَّهَا عنوة من اللاهوت ، فأبطل أي مرجع يجاوز من خارج ، وراح يدفع أي صائل ، فلا يرى في الوحي إلا عدوا يروم استرقاقه كما استرقه لاهوت الكنيسة في العصر الوسيط ، فراح يعقد إيمانا جديدا أعلى شعبه الإيمان بمدركات الحس واعتماد التجريب مصدرا وحيدا للمعرفة ! ، على وجه يخالف ، كما تقدم مرارا ، قياس العقل الصريح الذي يزعم الناظر انتحاله فإنه لا ينفك ، ولو في علوم التجريب ، يثبت قدرا من الغيب به تَتَّصِلُ حلقات الحقيقة الكونية كما في مسارات التفاعلات الكيميائية ، فكيف يصح في الأذهان استدلال إن اقتصر على مدارك الحس وحده ومجاله محدود وعلمه منقوص بل ما يجهل أكثر مما يعلم ، وما يدرك بالتجريب لا يبلغ به في أحيان كثيرة حد اليقين ، فالوحي وحده بما سلم من ألفاظه أن تُبَدَّلَ ومن مَعَانِيهِ أن تُحَرَّفَ ، الوحي وحده ما يَبْلُغُ به ما يَرُومُ من اليقين الجازم الذي تطمئن به نفس الناظر فلا تطمئن إلا بذكر الرب الخالق ، جل وعلا ، فتحرر أولى الشعب وأعلاها ، شعبة التوحيد إيمانا بأعظم غيب ، الرب الخالق ، جل وعلا ، وهو ما يوجب على الناظر بما ركز فيه من قوة العلم الضروري ، أن يفرده بالحكم ، فمن يملك العين فهو الأحق بالتصرف فيها ، ومن يدبر الأرزاق فهو وحده من يستحق الإفراد بالأديان ، على وجه يجاوز دين التصديق المجرد في الجنان إلى آخر يطرد فيه القياس فيكون دين الطاعة مطلقا ، تَصْدِيقًا بالخبر وامتثالا للأمر والنَّهْيِ ، فهو دين صحيح تطرد أحكامه العقلية فلا تَتَنَاقَضُ ولا تَتَخَالَفُ فيكون إثبات الملزوم دون اللازم أن تقصر الطاعة على التصديق دون الامتثال ! ، فالدين اسم يكافئ اسم الإيمان ، كما تقدم في الخبر : "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ" ، وكما في أدلة قد بلغت بمجموعها حد التواتر المعنوي فهي تقطع بالحقيقة الإيمانية المركبة من العقد والقول والعمل ، فجاء النص على أعمال ، سواء أكانت من الباطن أم من الظاهر ، جاء النص أنها من الإيمان ، كما في الخبر : "فأي الإيمان أفضل" ، فجاء الجواب : "الهجرة" ، وهو لو تدبر الناظر ، اسم يعم أعمال الباطن والظاهر جميعا ، فيكاد يضاهي هو ، أيضا ، اسم الدين الكامل ، فدلالة "أل" في "الهجرة" تَتَفَاوَتُ على وجه يستوجب نظرا يزيد في قَرِينَةِ السياق فقد يُرَجِّحُ في أحيان حد الاصطلاح الخاص أو العهد في هجرة بِعَيْنِهَا ، كهجرة الحبشة أو هجرة يَثْرِبَ ، وقد تزيد الدلالة فتكون "أل" مئنة من استغراق لآحاد الجنس المعرَّف ، فاشتق الاسم من مادة "هجر" ، وهو مئنة من المفارقة ، وَحُدَّ حَدَّ الهيئة ، على وزان الفِطرة ، وذلك مما يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا فكأنه قد لازم المهاجر حتى صار من وصفه اللازم ، فهو يستصحب الهجرة مباشرة لأسبابها أو استحضارا لِنِيَّتِهَا فلا يقطع الهجرة ، ولو في الباطن ، فذلك يشبه ، من وجه ، ما يكون من نقض النوايا الباطنة ، إن في صلاة ، فمن نقض نِيَّتَهَا فَنَوَى الخروج جزما فقد بطلت صلاته وإن أتمها في الظاهر ، فلا يحصل وجود في الشرع يعتبر وإن حصل وجود في الخارج به تَبْرَأُ الذمة في الظاهر ، فلا تَبْرَأُ حقيقة ، لا في أحكام الدنيا بالنظر في شرط النية فهو مما اعتبره الفقهاء وإن كان بحثهم ينصرف إلى أفعال الظاهر وأقواله إلا أنهم اعتبروا النية فجعلوها شرط صحة في كل عمل ، وإن اقتصروا في إثباتها على ما يصدر في الظاهر فهو دليل يجزئ في الاستدلال عليها بالنظر في أحكام الدنيا وإن خالف صاحبها فأظهر من القول أو العمل ما لا يبطن ، فذلك قدر يزيد ومناط لطيف لا يدركة إلا الرب اللطيف الخبير ، تبارك وتعالى ، فوحده من يدرك ما استقر في القلوب من النوايا والعقود ، ومنها عقد التوحيد ، أصل هذا الدين ومناطه الرئيس وشرط صحة أعماله ، ما بطن منها وما ظهر ، فهو أعلى الشعب ، كما تقدم في الخبر : "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ" ، فكان الإجمال صدر الخبر ، وكان الإخبار بالاسمية فَصَدَّرَ اسم الإيمان وهو المعرَّف ، فكان التعريف بحد الأجزاء عددا ، فهو اسم ذو شعب وأركان ، ثم كان الحد بأعلى الشعب "لا إله إلا الله" ، فهي ، كما تقدم ، أصل الشعب ، فلا تصح شعبة قول ولا عمل ، إلا إذا صحت شعبة التصور والنظر ، فكان مستمد الناظر ما جاء به الوحي الخاتم على وجه بلغ حد التواتر الجازم فذلك دين النبوات جميعا فَتَوَاتُرُهُ حاصل في الأمم كلها ، فلا يقتصر على نصوص الوحي الخاتم ، وإن كان تَوَاتُرُهَا أدق وأظهر ، فيفيد باتصال إسناده قدرا يزيد على إسناد الرسالات السابقة ، فقد انقطع إسنادها وانخرم اليقين بصحة النقل بما كان من تبديل اللفظ وتحريف المعنى وإن سلم منها قدر معتبر فهو يواطئ ما جاء به الوحي الخاتم الذي زاد عليها جميعا وصف الهيمنة إذ سلم لفظه ومعناه ، فقياس العقل الصريح أن يكون هو المرجع الحاكم إذ يفيد اليقين الجازم فيقضي بمحكمه فيما تشابه من الرسالات قبله ، فما وافقته فيه فهو الحق ، وما خالفته فهو الباطل ، وما أخبرت به فلم يوافقه الكتاب المهيمن ولم يخالف فهو مما تجوز حكايته استئناسا في مواضع لا يَنْبَنِي عليها عمل ، فهو مما يستشهد به أهل التفسير في تفاصيل القصص ، فلا يجعلونه مناط استدلالٍ فِي عَقْدٍ أو شرع ، فذلك ما لا يصح إلا أن يكون الكتاب المهيمن شاهدا سواء أَثَبَتَ صراحة أم حكى ما كان في الأمم السابقة ولم يعقب فسكت في موضع بيان ، والسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، فتلك حجة من اعتبر الشرع المتقدم شَرْعًا نافذا في الأمة الخاتمة ، خلاف من اشترط قدرا زائدا من إقرار الشرع الخاتم فلم يجعل حكايته وسكوته قدرا يجزئ في الاستدلال إذ لا ينسب لساكت قول ، وقد يجاب بما تقدم من دلالة التقرير ، فحكاية الشرع المتقدم مع السكوت في موضع البيان وهو ما يضاف إليه أصل جليل يأرز إليه الناظر في هذه المآزق ، وهو أصل العصمة ، فالوحي الخاتم ذِكْرٌ محفوظُ اللفظ والمعنى ، فلا يقر باطلا إذ يذكره ولا يعقب ، فقد ذكر من أخبار الماضين ما هو باطل يذم ، فحكى ما كان من الشرك ، وذكر باطلا آخر نسخ حكمه فبطلانه بطلان العمل به إذ لا يجوز العمل بالمنسوخ المتقدم بعد ورود الناسخ المتأخر ، كما في جملة أحكام شرعت في الرسالات المتقدمة ثم كان النسخ في الرسالة الخاتمة فكان من حكمة التشريع في التدريج ما تظهر به آثار الربوبية ، فالوحي يُرَبِّي الأمم بأخباره وأحكامه كما يُرَبَّى الطفل الوليد حتى يبلغ الفطام فالنضج والبلوغ ، فكان بلوغ الرشد بإكمال الدين خبرا وحكما ، فـ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، ودلالة الإضافة في "دينكم" مئنة من العموم ، فهو يعم دين الخبر ودين الحكم على وجه استغرق كل نَازِلٍ يطرأ ، إن بالمنطوق الصحيح أو بالمفهوم الصريح ، فالقياس أصل محكم من أصول التشريع الخاتم ، فكان من دلالة العموم في اللفظ المضاف إلى الضمير المعرَّف في "دينكم" ، كان من هذه الدلالة ما استغرق خصال الدين جميعا ، ما بطن منها وما ظهر ، وهو ما يواطئ دلالة "أل" في "الهجرة" في الخبر : "فَأَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْهِجْرَةُ» ، قَالَ: وَمَا الْهِجْرَةُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ»" ، فأفضل الإيمان الهجرة ، وأعلى شُعَبِهِ قول لا إله إلا الله ، وهو قول يزيد بداهة على القول المجرد الذي يَتَلَفَّظُ به اللسان فهو مبدأ الإيمان ومناط الإثبات الذي يحصل به من عقد العصمة ما ينصرف إلى أحكام الدنيا ، فـ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى" ، فيثبت به من اسم الدين ما ينفع صاحبه بالنظر في أحكام الدنيا إذا استوفى شرائطه ، ومنها الصلاة والزكاة ، فهما من أظهر الأركان ، وذكرهما في هذا السياق يجري مجرى التمثيل لعام يستغرق خصال الإسلام العملية ، فلا يخصص ذكرهما في سياق التمثيل ، لا يخصص عموم اللفظ الجامع ، لفظ الإسلام الذي يثبت بالقول ، فهو الآية الظاهرة التي يناط بها الحكم في هذه الدار ، وهو حكم لا بد له من شرائط تُسْتَوْفَى ، فذكر الصلاة والزكاة مثالا لا يخصص العموم ، كما تقدم من تقريرات الأصوليين في مثل هذه المواضع ، إذ قد علم باستقراء نصوص الباب أن ثم موجبات أخرى للقتال ، وإن نطق أصحابها بالشهادة وأدوا الصلاة والزكاة ، فَلَوْ تَوَاطَأَ أهل محلة أن يبدلوا من الوحي لفظا أو يعطلوا منه حكما لوجب على الإمام ذي الولاية العامة أن يقاتلهم ، سواء أكان لهم تأويل فيكون قتالهم قتال المتأول الباغي أم لم يكن لهم تأويل فاقترفوا من ناقض التوحيد بالتبديل أو التعطيل ..... إلخ ما لا عذر لهم فيه وإن عُذِرَ غيرهم فقد يقوم به من مانع الحكم ما لا يقوم بهم ، إذ لهم من العلم ما تقام به الحجة ، خلاف من نشأ في دار حرب أو بدعة أو دار أخرى قد عمت فيها البلوى بالجهل المطبق على وجه لا يخرج الناس من دائرة الإثم الأعم وإن أخرجهم في الجملة من دائرة الإثم الأخص ، الإثم الأكبر الذي يقضي بمروق صاحبه من الدين كله ، فقد أتى بناقض للأصل ، فلم يجزئه النطق ، فشعبة الإيمان الأعلى قد يعرض لها من الناقض ما يبطلها وإن لم يجحدها صاحبها ، فقد ينقضها بناقض قول أو ناقض عمل ، فحصل من اسم الإسلام قدر يجزئ بقول الشهادة وإقامة الصلاة وأداء الزكاة وَانْتِفَاءِ نواقض الإسلام سواء أكان ذلك بمعنى باطن كالجحود أو آخر ظاهر من قول أو عمل ، على وجه يواطئ قسمة العقل الصريح إن في إثبات الحقيقة والماهية المركبة من أجزاء ، العقد والقول والعمل ، أو في نقضها ، فثم ناقض من كل نوع ، فثم ناقض عقد وناقض قول وناقض عمل ، فاطرد القياس وانعكس ، إن في الإثبات أو في النفي ، فليس ثم تعارض بَيْنَ الأخبار ، فإن أعلى الشعب قول التوحيد ، وأفضل الإيمان الهجرة ، وأوثق عراه الحب في الله والبغض في الله ، فالأول وهو الشهادة قول ، والثاني وهو الهجرة عمل ظاهر ، والثالث وهو الحب في الله والبغض في الله عمل باطن ، وجميعها ، لو تدبر الناظر ، مما يتواطأ في قدر مشترك ، فشهادة التوحيد أصل الدين ، ولو في أحكام الدنيا ، وإن لم تجزئ وحدها في حصول العصمة النافعة في الدنيا فضلا عن حصول النجاة في الآخرة ، فهي الأعلى إذ بها يثبت الأصل الأول ، وهو الشرط الرئيس في تصحيح الأقوال والأعمال جميعا ، ما بطن منها وما ظهر ، والهجرة ، وإن كان لها من الدلالة الأخص ما تشير إليه دلالة العهد في "أل" إن قصر الناظر المعنى على هجرات مخصوصة ، كهجرة الحبشة وهجرة يَثْرِبَ ، فإن كان ذلك وجها من وجوه التأويل إلا أن ثم آخر تَتَّسِعُ به الدلالة فتعم سائر خصال الترك والمفارقة ، فلا تقتصر على المفارقة بالأبدان بالانتقال من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو من دار البدعة إلى دار السنة ، وإنما تستغرق خصال الترك والمفارقة بالجنان فيهجر الشرك ويفارقه بما يكون من تصديق باطن وإذعان كامل يوجب في القلب من إرادة الشرع ما به يحصل الترجيح ، فيكون ترجيح الفعل لأعمال الخير ومنها التوحيد ، وترجيح الترك لأعمال الشر ومنها الشرك الذي ينقض شهادة التوحيد ، فالهجرة ، من هذا الوجه ، تكافئ الشهادة ، ولو بلادلة اللازم ، فإن مفارقة كل معبود باطل ونفيه في الاعتقاد الباطن يكافئ دلالة النفي صدر الشهادة ، فلا إله ، فهو يَنْفِي كل إلهٍ باطل ، وذلك ما يكافئ ، من وجه آخر ، دلالة الكفران بالطاغوت تخلية لمحل التكليف من وصف النقص قبل أن يُحَلَّى بوصف الإيمان ، فهجرة الجنان تكون من الشرك إلى التوحيد ، ومن الكفران إلى الإيمان ، فيحرر الإنسان اعتقاده من نواقض الدين ما بطن منها وما ظهر ، ويخلص التوحيد لرب العبيد ، جل وعلا ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، أعلى الشعب ، فالهجرة تستغرقها من هذا الوجه ، فضلا أنها تعم بدلالة "أل" ، فهي تستغرق هجرة الجنان أن يفارق نواقض الإيمان الباطنة ، وهجرة اللسان فلا ينطق بالكفر ، وهجرة الأركان فلا تقترف من الأعمال ما ينقض الإيمان ، سواء أكان العمل فعلا كالسجود لغير الله ، جل وعلا ، أم تَرْكًا كترك التحاكم إلى الوحي فيهجره إلى غيره من شرائع الوضع المحدَث ، أو ترك الصلاة عند من يُكَفِّرُ تَارِكَهَا على التفصيل المشهور في مدونات الفقه ، والدلالة ، لو تدبر الناظر ، تَزِيدُ فلا تقتصر على هجرة ما ينقض أصل الدين الجامع من العقد أو القول أو العمل ، بل تعم كل قادح في الدين ، وإن في كماله الواجب من اعتقادات البدعة المحدثة التي لا تبلغ حد البدعة العظمى الْمُكَفِّرَةِ ، ومن أقوال الفحش والهجر التي لا تبلغ حد الكفر بسب لله ، جل وعلا ، أو سب لدينه أو كتبه أو رسله عليهم السلام أو استهزاء وتهكم بالقول الصريح بل المعنى يزيد فهو يعم القول ولو بالتلميح ، لا سيما على مذهب من يدخل الإشارة في حد الكلام ، ولو مجازا ، بالنظر في الغاية وهي ما يحصل في القلب من المعنى ، فكل ما يفصح عنه في الخارج ، ولو إشارة ، يدخل في حد الكلام ، لا أنه الكلام الذي يعتبر به في عقود الظاهر الدينية والدنيوية ، فذلك لا بد فيه من لفظ ومعنى ، فلا يجزئ المعنى الباطن في حصوله وإن كان هو الغاية منه فما وضعت الألفاظ إلا لتحكي ما يقوم بالباطن من المعاني والاعتقادات ، وعمت الهجرة ، أيضا ، هجرة الأركان لكل معصية تقدح في كمال الإيمان الواجب ما لم يقترفها مستحلا أو مستهزءا ، فعمت الهجرة ، من هذا الوجه ، خصال الترك جميعا ، سواء أكان المتروك محسوسا كهجرة الأبدان ، أم كان معقولا كهجرة الاعتقادات والأقوال والأعمال الباطلة ، وسواء أكان المتروك مما ينقض أصل الدين الجامع أم كان مما ينقض كماله الواجب ، وسواء أكانت الهجرة لبقعة أعم فيفارق مصرا قد عظم فيه الشر ، فيخرج من بيته مهاجرا كما قد خرج الخارج في قول الرب الشارع جل وعلا : (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ، أم لبقعة أخص كهجرة مجلس بعينه يقارف فيه من العصيان ما لا يطيق المهاجِر إنكاره باليد أو بِاللِّسَانِ ، فلا يجزئه في هذه الحال إلا أن يهاجر ببدنه فيفارق موضع العصيان ، ويهاجر قَبْلَهَا بِقَلْبِهِ فَيُبْغِضَ المعصيةَ وأهلها ، فإن تعذرت هجرة البدن فأضعف الإيمان أن يهاجر بقلبه ، كما في الخبر المشهور الذي بَيَّنَ درجات الإنكار ، على وجه يسلم صاحبه من الذم ، فعمت الهجرة ، من هذا الوجه ، خصال الترك كلها على وجه يحفظ شعبة الإيمان الأعلى أن تقدح سواء أكان القدح للأصل أم للكمال ، على التفصيل المتقدم ، فيفارق المهاجر خصال الشر جميعا وهو ما أجاب به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم السائل : "أن تهجر السوء" ، فحذف المعرَّف إذ قد تقدم ذكره في السؤال ، فتلك قرينة تسوغ الحذف إيجازا ، فحذفه على تقدير : الهجرة أن تهجر السوء ، وَحَذَفَ ضميره على تقدير : هي أن تهجر السوء ، والاسمية في كلتا الحالين مئنة من التقرير والتوكيد لما تحمله من دلالة الثُّبُوتِ ، فضلا عن دلالة الإطناب بـ : "أن" وما دخلت عليه "تهجر" فزيادة المبنى مئنة من زيادة تضاهيها في المعنى ، فضلا عما تدل عليه "أن" من معنى الاستقبال الذي يستغرق ظرف الزمان الآتي فهو مما تستحضر به نية الهجرة فيعقد صاحبها العزم ألا يقطعها أبدا ، فهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر ، فمآل الكلام : الهجرة هجرتك السوء ، فيظهر حال التأويل بالمصدر من دلالة الحصر والتوكيد قدر زائد ، إذ ثم قصر بتعريف الجزأين ، وهو ما يحمل على الحقيقة إذ استغرق خصال الشر جميعا فدلالة "أل" في "السوء" مئنة من عموم يستغرق ، فهو يعم خصال السوء ، ما بطن منها وما ظهر ، فإذا طهر المحل منها وَخُلِّيَ من مادتها الفاسدة كانت التحلية بأضدادها من الخير على حد التلازم الوثيق ، إذ نفي الشيء يستلزم إثبات ضده ، والنفس بما جبلت عليه من حياة الحس والحركة الإرادية لا تظل شاغرة ، فإذا هجر صاحبها السوء فلا بد أن يشغلها بضده من اعتقادات الخير وأقواله وأعماله ، وإلا شغلته بالسوء الذي هجره ، فلا تتم هجرته إلا أن يتلبس بضد المهجور ، فيتحرى الخير في العقد والقول والعمل ، فيكون له حظ من الإثبات في الشهادة ، فذلك شطرها الثاني ، وفيها ، أيضا ، من دلالة التلازم ما في هجرة السوء إذ يهاجر صاحبها كل معبود باطل إلا المعبود بحق ، جل وعلا ، فلا إله يعبد في الباطن اعتقادا ، وفي الظاهر قولا وعملا إلا المعبود بحق ، وهو الله ، جل وعلا ، فحصل التلازم بين النفي والإثبات كما حصل في الهجرة من السوء إلى الخير ، فالهجرة ، من هذا الوجه ، تكافئ شعبة التوحيد ، أعلى شعب الإيمان ، وبهما يستأنس من حد الإيمان اسما مجموعا مركبا من أجزاء ، عقدا وقولا وعملا ، وتحت كلٍّ من الآحاد ما تستغرقه شعب الإيمان ، فكان الحد الأعلى "لا إله إلا الله" ، وكان الحد الأدنى : "إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ" ، وكان المثال : "الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ" ، فخص الحياء بالذكر تَنْوِيهًا بشأنه ، فهو خلق هذا الدين ، كما في الخبر الصحيح : "إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ" ، فقدم بقاعدة كلية مؤكدة بالناسخ ، فضلا عن لام التوكيد المؤخرة في "لكل" ، وتقديم ما حقه التأخير ، وهي قاعدة كليه عمومها محفوظ ، وبعدها كان الخصوص ، فأفرد خلق الإسلام بالذكر تنويها بشأنه ، وَحَدَّهُ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده .

    وقل مثله في خبر البراء بن عازب ، رضي الله عنه ، وفيه : " كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ؟» قُلْنَا: الصَّلَاةُ قَالَ: «الصَّلَاةُ حَسَنَةٌ وَلَيْسَ بِذَاكَ» قُلْنَا: الصِّيَامُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى ذَكَرْنَا الْجِهَادَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحَبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ»" ، فقد ذكر من الشرائع والشعائر ما به يستأنس أهل السنة إذ يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان ، دخول الشعب والأجزاء في الماهية المعرَّفة ، ماهية الإيمان ، فسأل عن أوثق العرى ، فدل ذلك أن ثم عرى غيرها ، كما أن ثم شعبا غير شعبة التصديق بالاعتقاد والقول ، وهي التي تحكم المرجئة أن قصروا عليها حقيقة الإيمان وماهيته في الخارج ، فأخرجوا العمل من مسماه ، على تفصيل في ذلك ، فكان من العرى أعمال الصلاة والزكاة والحج والجهاد ، وهي أعمال ظاهرة تجاوز حد التصديق بالقلب واللِّسان ، ثم كان الجواب : "أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحَبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ" ، وكان التوكيد بتعريف الجزأين "أوثق عرى الإيمان" و "الحب في الله" ، وذلك ، لو تدبره الناظر ، لاستنبط منه ، أيضا ، معنى يكافئ شعبة الإيمان الأعلى ، شعبة التوحيد ، فإن الحب في الله فعل يكافئ إثبات المعبود بحق ، والبغض في الله ترك يكافئ نفي كل معبود سواه ، فإنه إذا أبغض المعبودات الباطلة فقد نفى مادتها الفاسدة من جنانه ، فالبغض يحمل صاحبه أن يفارق ويهاجر فهو ، أيضا ، يكافئ الهجرة من هذا الوجه ، ولا يظل المحل شاغرا بل لا بد من لازم لهذا النفي فيكون إثبات الضد حبا في الله ، جل وعلا ، فتثبت مادة التوحيد النافعة بإثبات المعبود بحق ، والميل إلى كل ما يرضيه من خصال الإيمان قولا وعملا ، فهو يحبه ويحب شرعه ويحب أهله وخاصته ، فيواطئ فعل الظاهر ما قام بالقلب من معنى الحب فعلا والبغض تركا ، فلازم الحب للشيء فعله ومجاورة أهله ، ولازم البغض له تركه وهجرة أهله ، فيهاجر من الشر الذي يبغضه الله ، جل وعلا ، إلى الخير الذي يحبه ، فتواطئ إرادته في الفعل والترك ، إرادة الشرع الحاكم فتلك آية صدقه في دعواه أن لا إله إلا الله ، والمقابلة بين الشطرين ، وطباق الألفاظ إيجابا في الحد : "الْحَبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ" ، كل أولئك مما يستغرق قسمة العقل فهو آكد في بيان المعرَّف ، وهو مما يستغرق ، لو تدبر الناظر ، جميع الأحوال والمحال ، فيعم العقود والأقوال والأعمال فإنها لا تنفك أن تكون مما يجب الله ، جل وعلا ، أو يبغضه ، ولو بالنظر في المآل ، فالمباح وإن لم يرد لذاته فهو يراد لغيره من الواجب والمندوب فيكون من المحبوب ، وقد يراد لغيره من المحرم أو المكروه فيكون من المبغَض الذي يبغضه العبد ويفارقه طاعة لرب ، جل وعلا ، وابتغاء مرضاته ، ولا تخلو "في" من دلالة السببية ، فيكون سبب الحب وسبب البغض هو الله ، جل وعلا ، فهو يجتهد أن يوافق مراده الشرعي الحاكم إن في الحب أو في البغض .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 21499

    الكنية أو اللقب : جليلة

    الجنس : أنثى

    البلد
    المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : أدب

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 1

    التقويم : 143

    الوسام: ★★★
    تاريخ التسجيل21/1/2009

    آخر نشاط:13-09-2017
    الساعة:01:05 AM

    المشاركات
    2,079

    نرجوكم أ. مهاجر
    أن تقسموا نصوصكم القيمة هذه إلى فقرات متباعدة قليلا
    فنحن نريد الاستفادة من مدادكم فلا نستطيع والله!

    جزاكم الله خيرا وبارك في علمكم

    ومنْ لي سوى الرحمن ربّـًا وسيّدًا !؟---ومن غيره أُبديه ما الغير جاهلُهْ !؟
    وهل لانكسار العبد إلاَّ وليـُّـهُ !؟---وقــد واربَ الأحــزانَ والهمُّ قاتلُهْ
    ,’




تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •