مِمَّا مُدِحَ به أهل الإيمان في التنزيل أنهم يغيبون فلا يشهدون الزور ، فهم : (الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) ، فغابوا عن الزور فلا يشهدونه سواء أكان شهود الفعل أم الإقرار بالقول أو السكوت في موضع البيان مع انتفاء شبهة الإكراه الملجئ في المواضع التي يجوز فيها الترخص فالعزيمة في هذا الباب أصل لا سيما في حق رءوس الناس والترخص استثناء فيجوز للآحاد من مقارفته ما لا يجوز لرءوس الناس ، فضلا عن الهيئة المجموعة فلا تخلو من نقص في القول والعمل أَنْ صَارَ للظالم سلطان راسخ ، والجماهير كما يقول بعض الفلاسفة تصنع بمجموعها من الفعل ما لا يتصوره آحاد الناس فقوة الجمع ، إن في الخير أو في الشر ، تستخرج من النفوس من طاقة الفعل ما لا تطيق حال الانفراد ، فلا يخلو الجمع ، إن سكت عن الظلم وإن لم يقارفه أو يعاضده ، لا يخلو أن يوصف بالغافل إذ صار للظلم فيهم كلمة ، وإن كانوا آخرَ أمرهم مجبورين لا يطيقون دفع الظلم ، فكان الأمر في المبدأ مقدورا ، فلا يكون تسلط ظالم إلا بتقصير ظاهر فَلَوْ وجد من يأخذ على يده ابتداء ما أمعن في الظلم وأسرف في القتل والهتك ، فذلك التكليف العام في الخبر ، فـ : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْهُ" ، فأنيط الحكم بالناس وذلك اسم عام يستغرق آحاد العام جميعا ، ولا يخلو من دلالة عهد خاص فهو ينصرف ، ابتداء ، إلى المؤمنين فهم أول من يخاطب بالتكليف لاستيفائهم الشرط الأخص وهو شرط الإسلام ، ولا ينفك الخطاب ، من وجه آخر ، أن يَعُمَّ الناس جميعا ، إذ أمة الدعوة تخاطب بالتكليف العام فشرط التكليف الأعم وهو العقل يحصل في كل مكلف من الإنس أو الجن ، فالثقلان قد خوطبا بالتكليف ، فتكليف الأخذ على يد الظالم ، وهو محل الشاهد ، تكليف عام يستغرق الناس جميعا ، فجاء الخبر في سياق الذم : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ" ، فكان القيد الزائد : "فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ" ، ولا يخلو من مثال في الحس بالأخذ على اليد فهو مثال لا يخصص عموم المعنى ، إذ الغاية أن يحصل الإنكار سواء أكان بالقول أم بالعمل أم بالقلب آخر الأمر سلامةً من الإثم وإن لم يسلم الصالحون من العقاب إذا نَزَلَ فذلك من شؤم الظلم إذا حصل واشتهر فذاع ولم يكن ثَمَّ من الجمع قوة تُنْكِرُ وَتُغَيِّرُ على وجه لا تخالف فيه مقاصد الشرع المسدد وما اعتبره من الحرمات ، ولم يخل الخبر من وعيد في جواب الشرط إذ : "أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْهُ " ، فذلك العقاب العام الذي لا يسلم منه الصالح فضلا عن الطالح فهو يدخل من باب أولى ! ، فجاء الذم الذي لا يخلو من دلالة إنشاء يَنْهَى عن إقرار الظالم فذلك مبدأ أمره ، فلا يطيق أن يستبد إلا أن يجد فسحة لينشعب في أروقة الحكم وَيُرَسِّخَ أركانه في الأرض ، فإذا رآه الناس فأهملوه أو تغافلوا أو زادت الجناية أن أَيَّدُوهُ ، ولو في ظلمه ، فكانوا عضده في القتل والهتك ، ولو بالتأييد والتحريض فكان التفويض في انتهاك المحارم فقد صاروا بذلك فاعلين بالقوة وإن لم يباشروا الفعل ، فإن أي فعل ، خيرا كان أو شرا ، لا بد له من حاضنة تأييد تشهده فلا تنكره ، بل تؤيده وتعضده ، فالأفكار لا بد لها من رجال يتحملونها ، ولا بد لها من قوة تدفع عنها ابتداء ثم تسعى في نشرها بعد ذلك ، فذلك قانون التدافع العام بين الأديان والأفكار في الذهن ، والأعيان والأبدان في الخارج ، فالدول والممالك تتصارع ، وليست ، لو تدبر الناظر ، إلا هيئة مجموعة من الأفكار والسياسات تقوم بأشخاص في الخارج فليست مطلقة في فضاء الفكر ، بل لا بد من تأويلها في الأرض ، فالفكرة أول ، والدولة ثان ، ولا بد لأي رأي من قوة عنه تدفع غائلة الخصوم فإنهم قد جبلوا على التشاح والبغي فلا بد من سلطان يزجر ، وإلا اسْتُبِيحَ الحق وَانْتُهِكَ ، ولا بد من سلطان يتحمل أعباء الفكرة ، فقد صارت عَقْدَهُ الرئيس فَبِهَا يحيى ولأجلها يتحرك وينتصر من خصومها ، فلا ينشعب به الولاء في سبل تخالف عن صراطه الذي يعتقد أنه حق محكم فهو عنده يقين جازم فلا يعدل عنه إلى شكوك وأوهام ، سواء أكانت كذلك أم كانت حقا في نفس الأمر قد غاب عنه إذ تَضَلَّعَ من ضده ، فامتلأ باطلا حتى مشاشه في مقابل ما امتلأ به عمار ، رضي الله عنه ، فخالط الإيمان القلب ومازجه ، واستعير المعنى المحسوس لِبَيَانِ المعقول فمخالطة الإيمان القلبَ وممازجته من جنس المخالطة في المشاش فهو العظم اللين الدقيق ، فبلغ الإيمان الأجزاء الدقيقة من رءوس العظام ، فَقَدْ بَلَغَ غَيْرَهَا من الأعضاء والأركان ، من باب أولى ، وذلك مما يستأنس به من يقول إن الإيمان يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، فَيَزِيدُ حتى يَبْلُغَ المشاش وَيَنْقُصُ حتى يخرج من الجنان فلا يَبْقَى منه شيء ، وَبَيْنَهُمَا مراتب تَتْرَى لا يحصيها إلا الرب الأعلى ، عز وجل ، فَثَمَّ من يفارق الإيمان فهو على ضده من الكفران ، وتلك قسمة النقل والعقل ، فـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وذلك حكم عام وإلا فقد يحصل من التداخل ما لا يوجب التناقض ، كأن يكون ثم أصل إيمان نافع وشعب كفران أصغر فلا تقدح في الأصل الجامع وإن قدحت في الكمال الواجب فصح من هذا الوجه اجتماع الحقيقتين في محل واحد على وجه لا تضاد فيه ولا تناقض إذ الجهة منفكة ، فلم يجتمع الأصلان ، أصل الإيمان وأصل الكفران ، فذانك من أعظم المتناقضات فلا يجتمعان ولا يرتفعان ، سواء أكان الإيمان هو الإيمان النافع بالرسالات والنبوات أم كان إيمانا بطريقة في الفكر محدثة ، فمن تلبس بأصل لم يَتَّسِعِ المحل لغيره ، فالغمد لا يحتمل إلا سيفا واحدا فلا يتسع لاثنين ، وثم من يزيد عن هذا الأصل ، فقد جاوز حد التصديق والإقرار الباطن ، ولا ينفعان ، لو تدبر الناظر ، إلا أن يكون ثم قدر يجزئ من تصديق الظاهر بالقول والعمل فيحصل جنس الإيمان النافع ثم يزيد صاحبه في الطاعة حتى يبلغ الإيمان ماهيته عضوا عضوا فيزيد حتى يبلغ المشاش فقد استغرق الكيان كله ، فكان كمال الإيمان الواجب بل وزاد من زاد من المؤمنين فبلغ حد الكمال المستحب ، فحصل التغاير والتفاوت من أدنى درجة إلى أعلاها ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يعم جميع العقود والأفكار ، فالنفوس تَتَفَاوَتُ في انتحالها وإن اندرجت جميعا في الجنس العام فيصدق في هذه الجماعة أو تلك أنها تنتحل هذه الفكرة أو تلك ، فجميعهم يندرجون في العنوان الرئيس ، وهو الجنس المطلق في الذهن ، ولكن الحقائق والماهيات في الخارج تَتَغَايَرُ أيما تغاير ، فتكون الفكرة الواحدة باردة في قلب وإن صَدَّقَ بها فلا يتحرك لأجلها ولا تشغله إلا فضول فِكْرٍ وربما ذهل عنها فلم يعرها الاهتمام ، وتكون في آخر حارة تستعر فصاحبها صادق مخلص بل قد يجاوز الحد فيقع في الغلو والتعصب حمية زادت لم تُلْجَمْ بحكمة العلم والعقل الذي يلجم النفوس فلا توافق أهواءها في نحلة أو مذهب تحب ، بل تَتَحَرَّى العدل في الخصومة والحكم ، فـ : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فذلك أعظم واجب لو تدبره الناظر فاستغرق مادته في الخارج فلا يقتصر على العدل المتبادر في خصومات الأموال والجنايات ، وإنما يزيد العدل في التصور والحكم ، في العقد والشرع والسياسة والحرب ، فالتوحيد أعظم أجناس العدل إذ يَرُدُّ أعظم حق ، وهو حق العبودية ، إلى صاحبه الذي به تفرد لما انفرد به من كمال الذات والوصف وإن لم يبلغ الناس منه أي خير ، فكماله الذاتي ابتداء يوجب إفراده بحق التوحيد فكيف لو تدبر الناظر نعمه التي أرسلها تترى وأعظمها ، لو تدبر الناظر ، نعمة الرسالة فهي التي سلكت بأتباعها الجادة ، جادة السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة بما أقرت من العدل في خاص الشأن وعامه ، فلم يقتصر العدل على الحقوق والأنصبة في التجارات والتَّرِكَاتِ ، وإنما عم الجنس الأشرف ، عدل التوحيد والتشريع فكان الصدق وكان العدل الذي به وجب إفراد الرب ، جل وعلا ، بالعبادة توحيدا لا يضاهيه فيه أحد ، فكان خير الرسالة النازل ، وكان خير الدنيا بما أجرى الرب ، جل وعلا ، من الأرزاق والأموال ، وهو ما عم كل كائن ، فتلك ربوبية العموم التي استغرقت العاقل وغيره ، المؤمن وغيره ، فاستغرقت الأضداد جميعا على وجه استوفى أجزاء القسمة العقلية ، فكانت الربوبية العامة التي أشاد بها الوحي وَنَوَّهَ ، فـ : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فكان من دلالة التلازم ما تقدمت الإشارة إليه إذ انفراده ، جل وعلا ، بالربوبية ، يوجب ، في النقل والعقل جميعا ، انفراده بالألوهية التي لا تقتصر على عبادة الجوارح شعائر يمارسها الإنسان دليل خضوع وانقياد فهي آية في الظاهر تحكي ما يقوم بالباطن ، وذلك ما لا يقتصر على الخضوع في الشعائر بل يستغرق الخضوع في سائر الأحكام ، كما في الخبر المشهور أَنَّ : "الزُّبَيْرَ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، كَانَا يَسْقِيَانِ بِهَا كِلاهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ: " اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلِ إلَى جَارِكَ " فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: " اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ " فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ، أَرَادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ وَلِلأنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اسْتَوْعَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ : وَاللهِ مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتِ إلَّا فِي ذَلِكَ: {فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}" ، فذلك سبب نزول قد اشتهر في كتب التفسير ، فكانت هذه الواقعة سبب نُزُولٍ خاص لحكم عام ، فالعام النازل على سبب خاص لا يقتصر على عين السبب الخاص إلا لقرينة تخصيص وذلك خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا بقرينة توجب مخالفة الأصل في التكليف وهو العموم المستغرق لكافة الأعيان والأحوال فلا تخرج جميعا عن حد العموم الذي دلت عليه ألفاظ النصوص وإن كان ثم سبب خاص قد وردت عليه ، فلا يقصر العموم على عَيْنِ السبب الأخص ، أو صورة السببِ الخاصة فذلك تخصيص آخر أوسع في دلالته من التخصيص بعين السبب الذي نَزَلَ النص عليه ، فالعموم والخصوص درجات كما يقول أهل الشأن ، فأضيق دوائره عين السبب الذي نَزَلَ عليه النص ، وبعدها صورة السبب فاتسعت دائرة المعنى على وجه يواطئ القياس الصريح إذ أنيط الحكم بصورة سبب لا يستغرق جميع الآحاد في الخارج ، وإن زاد على عين السبب الذي نَزَلَ عليه ابتداء فاستغرقه واستغرق معه كل من يصدق فيه معناه فلا يستغرق جميع الآحاد في الخارج ، فتلك دائرة العموم الأوسع الذي يستغرق جميع الآحاد في الخارج ، والسبب في هذا المثال ، مثال الزبير وجاره الأنصاري ، وهو محل الشاهد ، السبب في هذا المثال لا يخصص العام بل المعنى فيه يعم جميع الأعيان والأحوال ، فيعم جميع أحكام الشرع سواء أكانت مناط اتفاق أم اختلاف ، وسواء أكانت الخصومة فيها خصومة سياسة أم حرب أم حق ري في زاراعة أم محل تنافس في تجارة أو صناعة ...... إلخ ، فهو يستغرق جميع حركات الاختيار ما بطن منها وما ظهر ، ما خص وما عم ، فهي مناط الابتلاء أن يخضع المكلف ويستسلم ، فينقاد لخبر الوحي فهو يصدق ، وحكمه فهو يمتثل فعلا بِهِ يتأول الأمر ، وَكَفًّا به يتأول النهي ، فلا يصح في الأذهان أن يزعم زاعم أنه على جادة الإيمان وهو يَرُدُّ من خبر الرحمن ، جل وعلا ، أو حكمه ما يخالف عن هواه وذوقه ، فيرد الأخبار الصحيحة ويعطل الأحكام الصريحة ، وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان ، وحاله تكذب الدعوى بل وَتَنْقُضُهَا نَقْضًا فإذا جاءه خبر الوحي من طريق صحيحة مرضية ، متواترا كان أو آحادا ، فكلاهما مناط احتجاج في العلم والعمل إن صح ، والمتواتر قد خرج ، بداهة ، من دائرة البحث إذ أفاد في باب الصحة اليقين والقطع ، والآحاد بعده في الاحتجاج فهو ثان في هذا الباب إذا صح الإسناد فإذا جاءه خبر الوحي لم يؤمن به الإيمان المجزئ فلا يقتصر أن يصدق أنه صحيح النسبة إلى الوحي فذلك ما قد وَافَقَ فيه كثيرًا من الكافرين ! ، وإنما يُتْبِعُ الدعوى بالبينة ، فيكون الامتثال ولا تكون المخالفة إلى رأي فلان أو فلان من الأئمة وإن بَلَغُوا ما بَلَغُوا من الورع والفقه ، فهم شهود بضد ما يصنع إذ جعلوا الوحي هو الرائد والمذهب ، إن في العلم أو في العمل ، فلا يخالف عنه المؤمنُ حقا لا دعوى ، لا يخالف عنه لا بقوله أو قول غيره ، فكل فتوى تخالف عن الوحي ، وكل هوى يخالف عنه فهو رَدٌّ ، فذلك شاهد الصدق على دعوى الإيمان ، فلا يُقَدِّمُ عاقل بَيْنَ يدي الوحي قياسا أو ذوقا ، فذلك ما يدخل في عموم النهي أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، كما أثر عن بعض المحققين ، إذ يقول : لا تفتأتوا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء حتى يقضيه الله ، جل وعلا ، على لسانه .
وذلك قضاء النص أو قضاء السكوت في موضع البيان فهو بَيَانٌ لقرينة العصمة أن تجمع الأمة على خلاف الحق ، بل ولا تجمع على خلاف الأولى ، وإن جاز في الجملة ، فالوحي يرشد الأمة ويسددها أن تسلك الجادة الأصدق والأعدل ، فلا يقرها إلا على الحق الناصح ، فيقضي ، جل وعلا ، على لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقضي على جوارحه بما يشرع من العبادات ، ويقضي في دولته بما يسن من سياسات ، ويقضي في ملاحمه بما ينتحل من أخلاقيات ، ويقضي في تجارته بما يعقد من صفقات ، فوضع لكلٍّ من الحدود ما به ينضبط سواء أكانت مقاصد رئيسة أم أحكاما خاصة قد حرر العقل مناطها فقاس عليها النظائر طردا والأضداد عكسا ، وهو يقضي بنص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقضي بفعله ويقضي باجتهاده فإن وافق الأولى كان سكوته إقرارا ، وإن خالف عن الأولى كان كلامه استدراكا كما في الواقعة الأشهر ، واقعة الأسرى في بدر ، ويقضي بإقراره فلا يقر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يخالف عن الحق ، والوحي رائده إذ يسدده ، فكانت العصمة في إقراره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما اختصه به الرب ، جل وعلا ، من وصف العصمة ، وكانت العصمة في إقرار الوحي له ، فالأمر ، عند التدبر والنظر ، يرجع إلى الوحي فهو مناط العصمة فكانت عصمة التبليغ والتبيين ، وكان من العدالة التامة ما يحول بين أصحاب الرسالة وقوادح المروءة فلا يقبل خبر المجروح ، فلا بد أن يُعَدَّلَ التعديل الواجب لقبول خبره وهو مما يَتَفَاوَتُ ، فتعديل الأنبياء ، عليهم السلام ، بداهة أعلى من تعديل سائر الرواة ، فكانت النبوة معدن العصمة وآية التصديق لدعوى الإيمان ، فلا يكون بلا تصديق في الخارج بالقول والعمل ، وكانت النبوة تأويل الألوهية الواجبة فهي الشكر التام على ربوبية الأديان والأبدان ، فذلك التلازم الذي قام عليه بُنْيَانُ الوحي ، فربوبية التكوين والتشريع وما يظهر فيها من آلاء الرحمة والحكمة ، هذه الربوبية سبب رئيس في إيجاب التأله الذي استغرق محال الاختيار جميعا من الاعتقادات والأقوال والأعمال والسياسات والتجارات .... إلخ ، فكانت الألوهية العامة التي لا تقتصر على وجه دون غيره وإنما يجب فيها الإيمان بالكتاب كله لا أن يقتصر المؤمن على بعضٍ يُوَافِقُ هواه دون بعض ، فيلحقه الذم في استفهام الإنكار والتوبيخ في قول الرب القدير الحكيم تبارك وتعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فكانت هذه الألوهية غاية في الاستدلال ونتيجةً مقدماتُها الصريحة في الخارج ما ظهر من آلاء الربوبية سواء أكانت العامة لجميع الكائنات ، أم الخاصة بالعقلاء من الإنس والجن فهم من تحمل أمانة التكليف بالتصديق والامتثال وإن اختص الإنسان بقدر زائد فقد تحمل أمانة الخلافة في الأرض ، فكان له من منصب السلطان في السياسة ما به يسعى في إقامة الوحي في الأرض حكما يفصل وعدلا يشهد بحجته الظاهرة ، فلا بد لها من مُظْهِرٍ بما جُبِلَتْ عليه الدنيا من أخذ بالأسباب ، فلا بد لكل فكرة ، سماوية كانت أو أرضية ، لا بد لها من مُظْهِرٍ يتحمل أعباءها فكان اختيار الإنسان أن كان أعقل الكائنات وأكملها فاقتضت الحكمة الربانية أن يحمل أكملُ الكائنات أشرفَ الوظائف ، وظيفة الخلافة ولا تكون على سنن الرشد إلا أن يكون رائدها الوحي وإن حصل فيها النقص بعد قبض الرسل ، عليهم السلام ، فكان من تاريخ الأمم ما اطرد سننه ، فإن الحكم كلما قارب الوحي كان أرشد ، وكلما عاصر الوحي كان أكمل ، فرجالاته أصحاب النبي الذين تحملوا من أعباء الأمر ما لم يتحمل غيرهم ، فكان إيمانهم ، من هذا الوجه ، أعظم ، فلئن استغرق الجنس العام كل مؤمن ، فإن درجاته تتفاوت ، فكان للجيل الأول منه ما ليس لغيره ، وذلك جار على قياس العقل الصريح إذ تَتَفَاوَتُ الأعيان في الحكم تبعا لاختلافها في الأوصاف ، بل وتبعا لاختلافها في درجات الوصف الواحد كما في هذا المثال ، مثال الإيمان فهو مما يتفاوت في الخارج كمالا أو نقصا ، قوة أو ضعفا ، سواء أكان الاختلاف في أعيان متفرقة أم في العين الواحدة فحالها تَتَفَاوَتُ فتارة تنشط وأخرى تكسل ، وتارة تقوى وأخرى تضعف ، وتارة ينعقد عزمها وأخرى ينتقض على وجه تظهر به آثار الربوبية خلقا وإحكاما ، فسئل من سئل من العارفين بم عرفت ربك ؟! ، فأجاب : بانفساخ الهمم . وعقدها ، لو تدبر الناظر ، بعد انفساخها ، ثم ضعفها وانحلالها بعد ذلك على وجه يظهر فيه التفاوت خلقا للأضداد ولا يخلو من دلالة قاطعة أن النقص والجهل أصل في الإنسان فعجبا أن رَامَ البشرُ منازعةَ الرحمن ، جل وعلا ، أخصَّ أوصافه ، وصف الربوبية والألوهية ، ولا يكون ذلك إلا أنهم اغتروا بما حصل في أيديهم من الأسباب ولم يجدوا من ينكر سواء أكان ذلك تقصيرا من الناس فقد اشتغلوا بفضول المعاش عن إقامة الوحي في الأرض ، أم كان من البطش ما يصح به الاعتذار بالنظر في الآحاد لا بالنظر في مجموع الناس فلا يخلو الجمع من تقصير فلو استقاموا على الطريقة ما تمكن منهم ظالم ، وكذا الشأن في نظر آخر يُعْتَبَرُ فقد يصح الاعتذار في حق العامة ما لا يصح في حق الخاصة لا سيما خاصة الدين والرياسة ممن لهم في الناس كلمة تسمع ، فتعظم البلوى إذا شهدوا وسكتوا أو بَلَغَهُم من الشر ما يوجب الإنكار فلم ينهضهوا وإن اعتذروا وتأولوا وربما حملهم ذلك أن يجدوا من العذر للظالم ما لا يجدون معشاره لخصومه إذا جاوزوا الحد في الإنكار وذلك من الظلم في الحكم أن يُسَوَّى بين الظالم والمظلوم فضلا أن يُنْصَرَ الظالم ويكسى ذلك لحاء الشرع الكامل وهو منه ومن قائله براء إذ ما جاء يسوغ الظلم والعدوان ، فكانت الرؤية التي عمت في الخبر : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ" ، فلا تقتصر على رؤية الحس بالعين وإنما يعم ذلك رؤية العلم من أي طريق تُرْضَى في النقل فيحصل بها من العلم ما يعتبر ، فمناط الأمر حصول الظلم واشتهاره وقعود الناس عن إنكاره ، فكانت تلك الرؤية سببا في حصول العقاب وذلك مناط ذم ووعيد يستوجب إنشاء النهي عن تلك الحال ، فلا يَتْرُكُ الناس الظالم بلا إنكار على وجه لا يخرج بهم عن مقاصد الشرع في هذا الباب الجليل الذي عمت به البلوى بين إفراط وتفريط ، ولو تدبر الناظر ، فثم دلالة تلازم ثان ، إذ يفيد بالمفهوم أنهم لو أخذوا على يده لسلموا من العقوبة وذلك ما يستوجب الأمر بزجره والإنكار عليه على وجه يشاطر النهي آنف الذكر ، فهما قسمة العقل في النظر ، إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ، كما أن إثبات الشيء يستلزم نَفْيِ ضده ، فالوعيد بالشر في الحال الناقصة يستلزم الوعد بالخير في الحال الكاملة وذلك قانون اطرد في الوحي على وجه واطأ القياس الصريح طردا وعكسا .

ولا يخلو تَنْكِيرُ العقاب في الخبر : "أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْهُ" ، لا يخلو من دلالة نوعية تحتمل بادي الرأي بأصل الوضع الأول في اللسان ، فَهِيَ مَئِنَّةٌ من جنس المعنى المطلق في الذهن ، وهو مما يحتمل الانقسام في الخارج على أنحاء ، فلا بد من قرينة في السياق ترجح وجها من وجوه المعنى لا سيما إن دخلها احتمال التضاد ، فاحتملت المعنى وضده فيصح حملها على التعظيم تارة والتحقير أخرى ، أو التكثير والتقليل ، أو المدح والذم ..... إلخ من الأضداد فلا بد من قرينة ترجح إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى ، فالأصل ألا اشتراك ، وأن اللفظ يدل نصا أو ظاهرا أو تأويلا صحيحا على معنى واحد ، فالاشتراك خلاف الأصل فلا يصار إليه ، أيضا ، إلا لقرينة ترجح ، فإن لم يكن ثم قرينة فالواجب البقاء على الأصل ، فاللفظ الواحد يدل على معنى واحد يقابله بالنظر في دلالة المعجم الأولى ، دلالة الإفراد ، مع ما ينضم إليها من قرائن السياق المخصصة أو المقيدة ، فتلك دلالة التركيب ، وذلك قدر يزيد على دلالة المعجم الأولى ، كما في التنكير محل الشاهد ، فتنكير العقاب مئنة من نوعية تَنْقَسِمُ آحادها في الخارج ، فهي تحتمل كثير العقاب أو قليله ، فجاءت قرينة السياق ترجح الأول فهو عقاب عظيم لقرينة التعميم في : "أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْهُ" ، فضلا عن دلالة الذم والوعيد في الخبر ، وكذلك الشأن في ختام الخبر ، فـ : "مِنْ" مئنة من ابتداء الغاية ، ولا يكون من العظيم في موضع الجلال أخذا بالعقوبة ، لا يكون منه إلا عقاب عظيم ، فابتداء العقاب منه ، جل وعلا ، إذ شاء ، فذلك من وصف جلاله الذي يناط بالمشيئة ، فإن شاء أمضى السنة عدلا ، وإن شاء منعها فضلا ، فأمهل بحلمه أو استدرج بصبره ثم أخذ بعدله إذا لم ينزجر العصاة فَيُقْلِعُوا عن المعصية .

والله أعلى وأعلم .