من الاصطلاحات التي عمت البلوى بِتَفْسِيرِهَا في هذه الأعصار : اصطلاح الهيبة التي تحفظ السلطان فلا ينال جنابه ، فعظم الخلاف في تأويل هذا الاصطلاح ، فكان الغلو تارة والجفاء أخرى ، لا سيما وقد خفي الحق وصار القوي هو من يضع الحدود والتعاريف ، فقد احتكر معيار الحسن والقبح ، فصار ما يوافق هواه هو الحسن وإن كان قبحه متواترا يعلمه آحاد الناس ضرورة ، وإنما سكتوا تقية أن يَنَالَهُم القوي بِبَطْشِهِ الذي يطال الأبدان والأرزاق فضلا عن إفساد الأديان والأخلاق لانْتِزَاعِ مادة الخير التي تقاوم بطش السلطان الجائر ، فالطاغوت يَرُومُ الحكم المطلق ولا يطيق الناصح أو المنكر ، فَيُرِي الناس من سطوته وبأسه ما يزجر العامة أن تُنْكِرَ أو تأخذ على يده ، وذلك ، كما تقدم ، آخر الأمر لا المبدأ ، فلا يرسخ ملكه إلا بعد مخادعة الجمهور فإن سَلَّمَ وانقاد ، ولا يخلو ذلك من تقصير وغفلة ، فكان العقاب أن تسلط الظالم فلم يجد من يردعه ، بل وجد من الناس من يعضده ! ، ووجد من نخبة العلم والرأي من يخضع له الجمهور بفتوى أو مقال ، فَلَهُ في الناس ريادة تخدع الجاهل أو صاحب الهوى الذي يؤثر السلامة فيرضى بالدنية في الدين والدنيا فيفتش ما استطاع أن يجد من كلام النخب ما يسكن ضميره فهو على الجادة وهو ذو العقل والرشاد وإن رضي بالضيم ، وهو ما قد يحمله على ضِدٍّ غَالٍ فيكون إنكاره بعاطفة لا عقل لها ، فلم يحسن يصيب الفضيلة بين الرذيلتين ، فتقصير في الأخذ على يد الظالم يعقبه غلو ومجاوزة للحد لا تنظر بعين الاعتبار في مقاصد الوحي وأحكامه ، ولا ترى من الناصحين صادقا فالجميع بين نكالٍ أو إرهاب يحمل صاحبه أن يصمت ، بل وقد يبلغ الإكراه حد الاختبار فلا بد أن ينطق بما يؤيد الظلم والاستبداد ويخلع عليه ألقاب الحكمة والرشاد فَبَيْعَتُهُ واجبة ورياسته كاملة وإن كانت رياسة صبيان استعاذ منها الفضلاء كأبي هريرة ، رضي الله عنه ، فهي مبدأ الزوال كما قد جرت السنة الربانية في نهوض الدول وزوالها ، فإنها في مبدأ الأمر فَتِيَّةٌ تستعمل العقاب ما لا تستعمل العفو ، ويقع فيها من الظلم ما يقع إن لم يكن لجام الوحي لها محكما ، فتنقلب الشدة ظلما وبطشا ، وَبَيْنَهُمَا حد دقيق يخفى كسائر الفضائل إذ تَتَوَسَّطُ الرذائل فهيبة السلطان وسط بين الذلة والجبروت ولا يحكم إلا من هابه الناس فلم يَجْتَرِءُوا ، ومن أمنوه فلا يخشون ظلمه ، فلئن كان الظلم نقصا فإن آثاره لا تظهر مبدأ الملك كما تظهر آخره ، فَفُتُوَّةُ الحكم مبدأ الدولة وحصول القوة والهيبة وتولي أصحاب الرأي والبأس ، كل أولئك مما يطيل في عمر الملك وإن احتوى مادة الانهيار بما يقع من مظالم لا تزال تزداد ولا يزال أمر السياسة والحرب ينقص فيكون الأمر إلى الصبية بعد أن كان إلى العقلاء يرجع ، وإن ظلموا واستبدوا ، فلهم من العقل ما يصلح به الملك ولو في صورة الحكم الظاهرة ، فكان أبو جعفر المنصور يشيد بالعقاب فلا يكاد يستعمل العفو ، إذ لم تبل رمم الخصوم من بني أمية ، ولم تغمد سيوف الحلفاء من بني علي فهم أعداء المستقبل ! ، وقد كان بَنُو العباس بالأمس سوقة فإذا بهم ملوك على الأسرة ، فلا يرضاهم الناس وليس لهم في القلوب هيبة ، وإن جاوزوا حد الشرع فسفكوا ما سفكوا من الدم إذ لم يجدوا طريقا سواها لِتَرْسُخَ هَيْبَتُهُمْ في النفوس وذلك مئنة من نقص ظاهر فكانت الحال مبدأ الخلافة ، سياسة على منهاج الرسالة أحسنت تجمع الهيبة والعدل ، فلم تجعل الهيبة ذريعة إلى الظلم والسفك ، ولم تجعل العدل والصفح سببا في انحلال الملك بما يكون من اجتراء الناس إذ أمنوا العقوبة ، وإنما أحسنت سياسة النبوة تجمع الفضيلتين ، فكانت الهيبة في القلوب راسخة وكانت الخصوم في الجحور كامنة ، فلم يطق المنافق أن يستعلن إذ خشي العقاب فلم يسئ الأدب ، ولو في ظاهر القول والعمل ، وكان من الحكم الصارم ما اتضحت به المعالم ، وكان للعدل دولة وللعفو جولة لا تضيع فيها الحقوق ولا يستخف فيها بالعقول ، ولا يجترئ فيها الخصم أن يسيئ الأدب قي قول أو فعل ، فكان قتل ابن الأشرف وكان قتل المحاربين من بني قريظة وكان قتل أبي عزة الجمحي فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، وكان قتل النضر وعقبة منصرف الناس من بدر ، وكان قتل كبار المجرمين يومَ الفتح ، وكان من عقاب المرتدين ما تحمله الصديق ، رضي الله عنه ، فغضب وأعمل الحزم ولم تغلب عليه مهادنة أو عفو ، فـ :
وضع الندى في موضع السيف بالعلا *******مضر كوضع السيف في موضع الندى .

فإن آل الأمر إلى صبية لا يعقلون ، وعظم الظلم وتراكم فقد اجتمع في الملك السوأتان ! ، فحشفا وسوء كيلة ! ، فآذن ذلك بزوال الملك ، وزيد في الشؤم بما كان من تقصير الناس أن يأخذوا على يده ، كل بما أطاق ، على وجه لا يخرج فيه الناس عن مقاصد الشرع فلا يكون ذريعة إلى فساد ثان أعظم ، فلو كان الاستدراك من المبدأ لخف الأمر فلم تشتد وطأته فحسم الداء في مبدئه أيسر ، وما استفحل منه وعظم فعلاجه أعسر وثمنه أفدح وسنة الكون فيه بالعقاب العام تظهر ما لا تظهر في سنة الشرع في الإنكار ابتداء فيكون الباعث غَيْرَةً أن ينال من جناب التوحيد أو يعطل حكم التشريع ، فإذا قعد الجمع فلم ينهض ، فذلك عموم الناس في الخبر ، كان من العقاب ما يعم ، فلا يسلم منه أحد ، وإن كان في الناس من الأخيار ما به تستدفع النكبات ، فالسنن جمل تتعاضد فلا تعمل متفرقة وإنما يجتمع من أثرها ما به تظهر آثار القدرة والحكمة على وجه يوجب الثناء على رب العزة ، جل وعلا ، ولا يستوي الناس في الأمر والنهي ، فما يجب على الخاصة من أهل الحل والعقد والعلم والفتيا ، ما يجب عليهم من الإنكار يجاوز بداهة ما يجب على العامة فَيَدُ الخاصة على يد الظالم أقوى بما لهم من ذكر في الناس يخشاه الظالم العاقل خلافا لمن سفه نفسه فلم يحسن الأمر لا ديانة ولا سياسة فكان من الغرور والعجلة ما يُورِدُ صاحبه الهلكة ، فاغترار ذي السلطان الجاهل بعموم رياسته وعظم جبايته مع رقة في ديانته كل أولئك مما يطلق يده في الناس بلا نظر في العاقبة فيستعجل من خراب الدور وزوال الملك ما يعظم به الشؤم ويعم به العقاب فهو داخل في حد الجواب في الخبر المشهور : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْهُ" ، فيكون العقاب بذيوع الفتنة ، وإن زعم من زعم أن الظلم والقمع يحول دونها فَرَضِيَ بالصفقة الأدنى إذ لا يحول دون الفتنة إلا العدل الذي جاء به الوحي آمرا ، فـ : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فأنيط العقاب باسم الظالم ، على وجه استغرق فهو يعم مَنْ ظَلَمَ الظلم الأكبر فكفر أو أشرك أو عطل من حكم العدل المنزَّل ما عطل فاستبدل الوضع المحدث به ، وَيَعُمُّ مَنْ ظلم فلم تَبْلُغْ به الحال أن يجاوز حدود الملة ، فظلم الظلم الأصغر الذي يتعدى فيعم الشؤم بالسكوت بل ذلك ذريعة إلى الوقوع فيما هو أعظم من الظلم الأكبر ، فكان الأخذ على يده إنكارا وإن لم يقارف ناقضا من نواقض الإيمان ، كان هذا الأخذ سدا للذريعة ، فالإنكار على من ظلم الظلم الأكبر يجب من باب أولى ، والإنكار على من دونه من أصحاب الولايات الظالمة وإن لم تبلغ أن تكون مارقة ، الإنكار عليهم يسد الذريعة إلى وقوع الأعظم من الظلم الأكبر ، فإن الشيطان من الجن أو الإنس يختبر الناس ! ، فإن آنس غفلة خطا خطوة حتى يأخذ بِيَدِ الإنسان إلى الهلكة ، فالحاكم الظالم إن وجد من الناس قوة في الدين والمروءة لم يجترئ على إعمال الظلم وتعطيل الشرع واستفزاز الخلق بخطاب يصادم الدين والهوية والأخلاق وطبائع المجتمع ، فهو يختبر الناس ، ابتداء ، فيكون جس النبض وقياسه فإن آنس صحوة تَرَاجَعَ خطوة لا أنه ينسحب فكيد الشيطان لا ينحصر ، فَثَمَّ من فنون المكر الكبار ما به يغاير الشيطان في طرائق الإغواء ، وَثَمَّ من خطط الحرب ما يخلف بعضه بعضا فَمَا يُنَالُ سلما بلا حرب فالحكمة تقضي ألا يستفز الناس في أديانهم فيستيقظوا ! ، فإن كان ثم صحوة دين وضمير ، وثقافة رشد وكياسة في أمور التجارة والسياسة لم يفلح المكر الناعم ، فَتُقَدَّمُ الخططُ التي يروجها السحرة فإن لم تفلح الحرب السلمية فلا مناص من حرب أشد قسوة ، فيكون من إجراء الصدمة التي تشيد حاجز الخوف فلا بد من تنكيل يثير الذعر ، حتى يخضع الناس وهو باستقراء تاريخ الأمم ، كما ينوه بعض الفضلاء ، هو ما يقع في أحيان كثيرة ، ولو كانت الشعوب قبل ذلك قوية فَتِيَّةً قد حاربت الاحتلال وقاومت الاستبداد وكسرت حاجز الخوف فخرجت من قمقم ضيق إلى فضاء واسع فإرجاعها إلى الحال الأولى لا يكون بداهة بلا ضرب يُوجِعُ وَيُؤْلِمُ فهو العقاب الناجز الذي يذكر الناس أجيالا ألا تخالف عن حكم الظالم ، فيكون من العنف ما يُخْضِعُ الناسَ في العادة ، فتلك سنة جارية لا تسلم منها أمة من الأمم وإن كان بعضها أعظم قبولا للاستبداد من بعض ، إلا أن سيف الاستئصال وقبضة البطش تذهب المروءة من النفوس فهي تعالج من رسم السلطان القاهر ما يجعلها تخضع إذ يذهب البأس منها وتكون أشد انقيادا لحكم السلطان ، فهو يحكمها كيف شاء إذ امتلك سلطان القانون وآلة التنفيذ فلا نكير إذ يمارس العنف بذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار ، وثم من مظلة القانون ما يقيه صَيِّبَ النَّقْدِ ، فهو يستعمل القوة في إطار القانون الذي وضعه ! ، فَلَهُ من القوة والبطش مع قلة الورع والديانة ما جعله الحاكم المطلق الذي يسطر من الدساتير ويسن من القوانين ما يحفظ سلطانه ويكرس طغيانه ، فلا يستعمل العفو ، كما تقدم ، وإنما يستعمل العقاب الصارم حتى يخمد ثورة الناس ، فيستأصل بالعنف معادن المروءة من النفوس ، وذلك ، كما تقدم ، قانون عام لا تسلم منه أمة جَرَّبَتِ الطغيان والاستبداد ، فهو يقسم الناس شِيَعًا ويصطفي أحطها دركة فيتخذ منهم من الجند ما به يبطش ، فتعظم الثارات بين الناس ، وتحمل الصدور من الإحن ما يجعل الطاغية في عافية ! ، فقد استخرج باستبداده أسوأ ما في النفوس من الخلائق ، وجعل الناس شيعا تَتَقَاتَلُ ، فَيُفْنِي بعضها بعضا ، وإذا عمت البلوى بالاستبداد صار الشك هو الأصل ! ، فكلٌّ يتربص بمن حوله ويحاذر أن يَتَرَبَّصُوا به ! ، ولا يسلم من ذلك أحد ، لا من الخاصة أو العامة ، فكان من العنف والأخذ بالذنب على وجه يجاوز حد العدل ، فيكون من القتل والهتك والأسر والمصادرة ما به يخضع الناس فقد أبوا الانقياد طوعا ، فلم يكن ثم بد من الإكراه وهو ما يستوجب قدرا من العنف الشديد كما صنع بنو العباس ، وهو مثال تقدم ، فقد اقْتَرَفُوا من المجازر ما جاوز حد العقل في أحيان فلم يكن ثم للناس عهد بهذا العنف الشديد ، إذ لم يصنع بنو أمية بخصومهم ما صنع بهم بنو العباس ، مع ما اشتهر به بنو أمية من الاستبداد في الحكم والعنف الزائد تجاه الخصوم لا سيما من يحمل السلاح أو تحدثه نفسه بالإنكار على ولاتهم ، فكان من ظلمهم قصص لا يجحده الناظر ، وإن كان لهم من المآثر في حفظ بَيْضَةِ الدين ما لا ينكره المنصِف ولو خاصم بني أمية وشاقهم ، فكان لهم من النكاية في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وفي غيرهم من أهل الفضل والعلم والديانة والمروءة ما أوجب الذم ، وإن زِيدَ فيه من كلام الكذبة ما زِيدَ ، فكان نفس الشعوبية ظاهرا في القصص الضعيف المرسل ، وكانت الزيادات في الأخبار الصحيحة دسا للباطل في سياق الحق ليروج في الناس ويقبل ، فكان هذا الظلم الذي لا يجحده الناظر ، وقد يكون ذلك ، والله أعلم ، سَبَبًا في إرسال بني العباس عليهم إرسال الاستئصال والإفناء ، فاقترف بنو العباس من القتل والسفك ما نسخ ظلم بني أمية فهو دونه بكثير ، فكان ذلك ، أيضا ، من شؤم المخالفة عن الوحي وبعد العهد به فكلما ابتعد الناس عن زمن النبوة ، وخالفوا عن طريقها في العلم والعمل كان الشر أعظم ، فكان بنو أمية أصح عقدا من بني العباس فلم يظهر في دولتهم من المحدَثات في العلم والعمل ما ظهر في دولة بني العباس التي نشأت بعصبة فارسية لم تخل من دخائل شعوبية تحمل من الحقد والبغض للعرب ما جعل القائل يقول :
من كان يسألني عن أصل دينهم ******* فإن دينهم أن تهلك العربُ .
فكانت وصاية الأئمة العباسيين أن يُقْصُوا العرب فلو استطاعوا ألا يجعلوا في جندهم أحدا يتحدث العربية لفعلوا ! ، فكان العزف على وَتَرِ الشعوبية استثمارا لمظالم بني أمية الذين اضطهدوا الموالي وأقصوهم ، وإن ظهر من أولئك أئمة علم وفتيا فكان لهم من مناصب الدين ما عظم مناصب السياسة التي استأثر بها بنو أمية ولم يكن الأمويون يضطهدون العلماء ، ولو في الجملة ، وإن لم يسلم من شرهم جمع من العلماء والمفتين ، فكان يعظمون الدين ويحولون دون ظهور المحدَثات فضربوا على أيدي أصحابها ضرب التأديب والتعزير ، وإن كان ثم تداخل دق بين المحدثات الدينية والمعارضات السياسية فكان المعارض لا سيما من الأعاجم يروم مفاصلة تامة مع نظام الحكم الأموي العربي ، فخالف عنه في لسان الخطاب ، فكانت العجمة التي فشت في عهد بني العباس حتى صار شعرهم محل استشهاد لا احتجاج فقد انتهت أعصار الاحتجاج أواخر عهد الأمويين ومطلع دولة العباسيين ، فكانت هجمة العجمة على لسان العرب ، وكانت هجمة البدعة إن في العلم أو في العمل ، وظهر من البدع المغلظة في أصول الدين ما قمعه بنو أمية فلما زال ملكهم تَنَفَّسَ أولئك الصعداء وظهروا بما استتروا به زمن الأمويين لا سيما بعد مقتل الأمين واندحار حزبه العربي ، وظهور المأمون وحزبه الفارسي ذي النزعة الشعوبية الاعتزالية الشيعية ، فكان هذا الثالوث الذي امتحنت به الأمة كلها في الفتنة المشهورة ، وإن كان سؤالها الرئيس : سؤال الاعتزال في مقال خلق القرآن ، إلا أنه حوى من جملة ما حوى سؤال الشعوبية الفارسية وسؤال النحلة الشيعية ، ولو على استحياء ، وسؤال الزندقة لا سيما الفارسية فكان فضاء الفكر والسياسة أوسع من ذي قبل ، فظهر الزنادقة ونشطت حركتهم في التحريف والوضع لولا أن قيض الرب ، جل وعلا ، لهذه الأمة من يحفظ دينها وَيُنَقِّحُ حديثَها من دسائس الزنادقة ، فظهرت حركة النقد في مقابل حركة الوضع وكان ذلك من التدافع الذي استخرج به الرب ، جل وعلا ، من عبوديات المصابرة في الدرس والحرب ما يحب ويرضى ، فكان من حكمة الكون ما تأوله أهل الخير إذ امتثلوا حكمة الشرع أن : (قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) ، وذلك ما يعم المدافعة في ميادين الجدال بالحجة والبرهان ، والمدافعة في ميادين الجلاد بالسيف والسنان ، فكان من نظرية الصدمة ما استعمل بنو العباس فليس الزمان زمان عفو ، بل المبالغة في العقاب حتم لازم لاستئصال بقايا النظام الأموي الذي كان بشهادة أي منصف استقرأ تاريخ هذه الأمة ، كان خيرا وأرسخ قدما في الديانة والسياسة من النظام العباسي ، وإن لم يخرج كلاهما أن يكون من الملك العضوض الذي يخالف عن سنة المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسنة مَنْ خلفه من أئمة الرشد ، فكان النقص في كلا النظامين ، الأموي والعباسي ، ولكن نقص بني العباس كان أعظم إذ كانوا عن زمان الرسالة أبعد ، وذلك ، كما تقدم ، سنن يطرد إن في العقد أو الشرع أو السياسة أو الحرب ..... إلخ ، فعقد الأولين أصح لم يظهر فيه من المحدثات ما ظهر بعد ذلك فكانت البدع أخف ، فهي تظهر شيئا فشيئا ، فلا تظهر دفعة ولا يقع النقص فجأة ، وإنما يكون مكر إبليس أن يستدرج الناس بخطواته من الدقيق إلى العظيم فلا يقر له قرار إلا أن يخرج الناس من الأديان والأخلاق ، وشرع الأولين أكمل إِنْ في تحرير الأحكام أو فِي تأويلها في الخارج فكان العدل في أعصار الرسالة وما تلاها من خلافات الرشد التي اقتفت آثارها ، كان العدل فيها أعظم وأظهر ، وكان سياستها أعدل وحربها أشرف ، وكان أخذها بالعقاب ، وهو محل شاهد تقدم ، أعدل فلم يكن من الإفراط في العنف بذريعة الحفاظ على هيبة السلطان ، لم يكن من ذلك شيء ، وإنما كان الأخذ بالعقاب مشفوعا بالحكمة أن يعمل المبضع الجارح في المحل الملائم ، فلا يقصر ولا يجاوز ، وإنما يستأصل الفاسد فيحسم مادة الكفر والردة في أحيان ، ولما قضت السنة أن يكون القتال فِتْنَةً وَبَغْيًا كان من العدل ما صار مضرب المثل في اقتتال ذات البين وإصلاحها بعد ذلك ، فكان القوم خير من تأول الوحي حقيقة لا دعوى ، فَصَدَّقُوا وَامْتَثَلُوا في السلم والحرب ، ولو سلم جَدَلًا أن اقتتالهم كان على الملك ، فاقتتالهم خير من اقتتال الخلف ، وهل صنع بعضهم بِبَعْضٍ ما صنع بنو العباس بِبَنِي أمية ، أو ما أوقع بنو أمية بآل البيت من المظالم ، وإن زاد من زاد في تاريخ الإسلام ما رام به تصويره أنه بحور من الدماء ! ، فكان التذرع بأخطاء لا تنكر ، ولكنها الأقل لا الأكثر ، فكان ذكرها وتكرارها لترسخ في أذهان النشأ أنها الأصل الغالب لا الاستثناء النادر بالنظر في سياق التاريخ المتصل فهو حلقات تَتَّصِلُ فلا يفسر حلقات مفردة يُعْزَلُ بَعْضُهَا عن بعض ليجد فيها المستدل بغيته في الاستدلال لنظرية في السياسة أو في الحرب أو في الاقتصاد أو في الأخلاق استحسنها بِهَوَاهُ دون رَدٍّ إلى مرجع محكم يجاوز عقله ، فعقله هو المحكم الذي يُرَدُّ إليه ما تشابه من نصوص الكتب ووقائع الدول ، فكان التحكم في تفسير التاريخ استنادا إلى نادر لا حكم له ، وَتَغَافُلًا عن الغالب فالحكم له ، فَيُرَدُّ إليه ما ندر من متشابه الأقوال والأعمال لا سيما ما يكون في أعصار الفتن إن في السياسة أو في الحرب فالعقول تذهل في الفتن ما لا تذهل في أحوال السلامة كما هي الحال في هذه الأعصار التي عظمت فيها الفتن التي تستفز النفوس فيفارق كثير منها حد العدل في نظره وحكمه ، فلم يعد ثم حياء ولا خجل فضلا أن يكون ثم دين وورع ، وصارت المسارعة في خصوم الوحي سَبِيلَ السلامة والأمن في إطار محدث عظمت فيه المخالفة عن سنن الوحي فَقَدْ بَعُدَ العهد أكثر وأكثر ! ، فصار زمان بني العباس خيرا وأرشد ! ، وكان الدس والزيادة بأخبار باطلة ابتداء ، أو زيادات باطل في ثنايا حق ، فكل أولئك من جملة ما يُطْعَنُ به الناس في أديانهم وأخلاقهم لترسخ صورة الباطل في الأذهان ويسدل الستار على مثال القدوة والتأسي من تاريخ الأمة الخاتمة ، أمة الرسالة ، إذ قد صارت كغيرها من الأمم فليس تاريخها إلا بحارا من الدماء وحلقات تَتْرَى من المؤامرات ، وذلك ما يتوسل به الخصم أن يطعن في الدين نفسه بما يكون من تشكيك في الأصول وزيادة في النصوص وتكلف لوجوه من التأويل الباطل تكاد تبلغ بأصحابها حد الباطن على وجه عمت به البلوى فلا يسلم منها إلا من سلمه الرب ، جل وعلا ، فلم يسلم منها حملة الوحي والدين فسارع منهم من سارع في الظالمين وراح يُثْنِي ويؤيد وجعل ذلك من دعاية السلام الذي يعقده الضعيف مع القوي فَيُثْنِي عليه بالخير وهو يقارف من جنايات القتل والسفك ما يوجب عداوته ، فقد نصب العداوة على قاعدة الدين فلا مسالمة وإن اقتصت الحال في أحيان المهادنة التي يبرز فيها خطاب الاستسلام ، وهو خطاب ذائع في أعصار الانهزام ، وأعظم ما يكون من البلاء أن يظهر الباطل على القلوب ، كما أُثِرَ عن أحمد رحمه الله ، فلئن ظهر الباطل في فضاء السياسة والدعاية وذاع القمع والاستبداد ، ولم يكن ثم من فسحة أن ينكر الناظر فلا يجد حصنا يأوي إليه إلا الوحي فيحصن القلب من دعاية الباطل أن يتضلع من ضدها ، فيكون الحق زاده في التصور والحكم ، فظهور الباطل أن يَغْزُوَ قلبه ، فلئن سلم قلبه فقد نجا وإن أصاب العطب قلوب الناس جميعا ، فـ : (كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) ، فلا يضر الواحد في زمن الفتنة أن يهلك الناس جميعا إن امتثل ما أُمِرَ به فلا يطيق ما زاد عنه ، فلا يكلف ما لا يستطيع ، فهو يجتهد ما أطاق أن يصيب الحق في نوازل الخاصة والعامة ، وإن لم يكن له أثر في الناس بولاية حكم أو نصح فحسبه أن يصيب الحق فيسلك جادته ، فلا يصيبه من الباطل ما أصاب غيره ، ولئن داهن الضعيف إذ لا يطيق إلا ذلك ! ، فالتاريخ والقانون وشرعة السياسة والحرب ، كل أولئك لا يكتبه إلا القوي الغالب والمصيبة تعظم إن لم يكن له من الدين والورع ما يحول بينه وبين الدس والافتراء ليرسخ سلطانه في الأرض ، ولو سلطان الظلم والجور ، فضلا عن الشرك والكفر ، وهو أعظم الظلم ، فكل أولئك مما يدخل في عموم المعنى الذي اشتق منه اسم الظالم في قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ مِنْهُ" ، فلئن داهن الضعيف فقد جاوز الحد ، فهلا اقتصر على المداراة ولم يبذل من دينه ما به يتوسل إلى رضى القوي الذي لن يرضى إلا أن يخضع الخصم خضوع العبد التابع ، وذلك ما يفتقر إلى صدمات تَتْرَى فهي تضعف بُنْيَانَ أي أمة فإن السنن في الأمم والدول واحد ، وإن كان بعضها أشد إباء لا سيما إن كان مرجعه في التصور والحكم وحيا يشد من أزره فلا تعظم قيمة الإنسان إلا إذا آوى إلى ركن الوحي الشديد ، فهو زاد ينفع ودرع يمنع صاحبه ، وبعض الأمم في المقابل أشد قبولا للضيم بما اعتاد من الاستبداد والقهر ، والسنن ، مع ذلك ، واحد ، ولو في الجملة ، فإذا حِيلَ بين الناس وَبَيْنَ أسباب الوحي وهي أسباب المنعة والإباء ، وإذا اقترف في حقهم من جرائم الصدمة في الأفكار والسياسات والأبدان ، فكان ضربات تَتْرَى يتذرع صاحبها أنه يحفظ الهيبة ، وليس فعله إلا إذهابا لأخلاق الشجاعة والمروءة ، وإذاعة لأخلاق الجبن والشح والتجسس الذي صار فضيلة فهو الذريعة إلى حفظ الأمن وذيوع الاستقرار والخير ...... إلخ من الأخلاق التي يستخرجها الاستبداد من النفوس ، لا سيما النفوس الخسيسة فسرعان ما تَرْكَنُ إليه إذ يهبها من حظوظ المال والرياسة ما يشبع غَرَائِزَهَا الدنية التي انحطت في أحيان كثيرة عن دركة الحيوانية ، فكان ما تقدم من طريقة المنصور العباسي فلا رحمة ولا شفقة ، وإنما دماء تُسْفَكُ وحرمات تُنْتَهَكُ وأخذٌ بالعقاب ، ولو شُبْهَةً ، فتلك وصاية بعض الأئمة من بني العباس لقائد سفاك فَمَنِ اشْتَبَهْتَ في أمره فاقتله ! ، فإذا كانت تلك قاعدة الحكم والسياسة فَثَمَّ من الرعب ما يذيع في النفوس فتسلم للطاغية إذا حكم ، فهي تحاذر من شره الذي استطار ، وجنس العقاب واحد ، فإن إعماله مبدأ الدول حتم لازم ، فلا يكون العفو والملك لما يستقر ، ولكن آحاد الجنس في الخارج ، من وجه آخر ، مما يَتَغَايَرُ ، فدولة العدل لا سيما إن كان مرجعه الوحي ، دولة العدل تستعمل العقاب مبدأ أمرها في حق من ظلم وجاوز الحد فلا يكون لين في موضع شدة ، ولا يكون ، في المقابل ، ظلم يَتَأَوَّلُ صاحبه أنه يحفظ للسلطان هيبته ، فلم يستعمل الصديق ، رضي الله عنه ، مع أهل الردة أخلاق الجمال والعفو ، وإنما استعمل العقاب فأثخن في أعداء الملة ولم تأخذه بهم شفقة ولا رأفة ، ولم يظلم مع ذلك فيذبح بالشبهة ! ، وإن تأول هو وبعض قواده كخالد ، رضي الله عنه ، في مواضع فكان رهق لا يكاد يسلم منه قائد وهو يعالج من أسباب الحرب ما يشتبه ويشتبك ، وليس ثم معصوم بعد البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَمَنْ بعده فَغَايَتُهُ أن يجتهد في النظر والحكم ، وأن يتأول ما أفضى إليه اجتهاده فيتحرى العدل فلا إفراط ولا تفريط ، فكان من المخالفة ما لا يسلم منه حاكم أو قائد فطار به من طار من خصوم الرسالة فهو يفتش في المتشابه النادر ولا يسعه ألا أن يحمله على أسوأ المحامل ليطعن في تاريخ كامل قد اتصلت حلقاته بواقعة تحتمل التأويل فليست من الخطأ قولا واحدا ، فيحملها على أسوأ محامل التأويل ولو سلم أنها من الخطأ قولا واحدا فهي من المتشابه النادر الذي يُغْمَرُ في محكم غالب أصاب الحق في أكثر المواضع ، فكان العدل في العقوبة مع حسم وحزم فلم يستعمل الصديق أخلاق الجمال في موضع جلال ، ولم يعف في موضع العقاب بل اشتد في العقاب وإن لم يجاوز حد العدل ، فذلك عقاب العدل ، خلافا لآخر يغلظ صاحبه العقوبة لا عدلا وإنما يجاوز منه الحد المشروع والمعقول جميعا ! ، فيسرف في القتل والهتك صدمة بها يرسخ الملك ولو خالف عن سنن الديانة فكذا صنع المنصور إذ أسرف في قتل الخصوم والتمثيل بهم ، وكانت الحجة التي تَطَّرِدُ في أعصار الطغيان ، فلا بد من الشدة لحفظ الهيبة والحشمة ونظام الحكم الذي يضبط الأمر بما جبل عليه البشر من فطرة الاجتماع والانتظام في عقد جامع يحول دون الفوضى ، فـ :
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم ******* وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا .
فلا يصلحون إلا بذلك ، لا بالاستبداد الذي صار النظام ذريعة إليه ! ، فلا نظام ولا أمن إلا بالفتك والقمع فلا بد من الحفاظ على الهيبة ! ، وهو من الحق الذي أريد به باطل ! ، فإن هيبة السلطان حتم لازم ، ولكنها ليست ذريعة إلى التكبر والتجبر والاحتجاب عن الناس فيحول بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَا يحولُ من الحرس والجدر ، فكأنه يحتجب من عدو فلا يقاتله إلا من وراء جدر ! ، فهو ، من هذا الوجه ، يدخل في عموم قوله تعالى : (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) ، فقد صار الأمير والملك والرئيس حربا على قومه ، على الكبير والصغير .
والهيبة ، من وجه آخر ، مما يُحْمَدُ في مجلس السلطان ، فلا بد من رعاية مقام الأمير لا التعظيم والتقديس وادعاء العصمة ! ، فضلا عن خلع ألقاب الجلال التي لا يصح إطلاقها إلا في حق ذي الجلال التام ، الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، فكان عمر يقف لامرأة تذكره ، فنادته باسمه مجردا وذكرته به مصغرا ، فهو عُمَيْرٌ الذي يصارع الفتية في سوق عكاظ ! ، ولم يكن ثم أنفة أو كبر أن يقف ويسمع ، فيخضع وَيَنْتَصِحَ حقيقة لا رياء ، فثم من يظهر الانتصاح أن يقال إنه متواضع قريب من الرعية فتلك مشاهد تمثيلية لا تكون إلا في جمع يسجل وينشر فَهُوَ بتواضع الزعيم يُشِيدُ وَيُنَوِّهُ ، وله يعجب ! ، فأنى له هذا التواضع ، فهو بين الرعية والجند ، وهو خير من يرأس الجمع ! ، فلم يكن وقوف عمر ، رضي الله عنه ، من هذا الجنس الباهت الزائف ، ولم يكن ثم من يسجل أو يرقب ليخشى عمر إن بطش بمن ينصحه ، فأنى لعجوز أن تستوقف رجلا يهتز عرش كسرى إذ ذكر اسمه ، فضلا أن تجرده من لقبه بل وتذكره بما كان من سالف أمره وهو فتى يذكر باسمه مصغرا ! ، فلم يكن من عمر إلا الخضوع والاستماع ، والإنكار على من رافقه إذ زجرها فقد اجترأت على أمير المؤمنين ، فكانت تلك حاله في رعيته حقيقة لا رياء ، فليس ثَمَّ خيال يُبْدِعُ التصوير لتحقيق مآرب في السياسة والحكم ! ، وكان عمر في موضع آخر في مجلس حكمه يحفظ الهيبة حقا لا كِبْرًا ، فنهى المغيرة أن يدعوه باسمه مجردا دون لقب الولاية حفظا لهيبة السلطان أن تضيع فإذا ضاعت ضاع الملك فهو لا يصلح إلا بحزم وعزم يسلم صاحبه من الجور والظلم ، وذلك كسائر الفضائل ، وسط في الرذائل ، فالهيبة وسط بين الذلة والكبر ، فلا يكون التبسط الذي يزيد عَنِ الحد فينقلب إلى ضده استخفافا بالسلطان وانتقاصا من قدره ، والحاكم ، في المقابل ، يُسَلِّي نفسه أنه يتواضع ويبذل عرضه صدقة ، فلئن جاز ذلك في الحق الخاص فلا يجوز في الحق العام فإن عرضه في هذه الحال عرض السلطان والولاية فما سُبَّ إلا لأجلها ، فلئن رام التصدق فليكن من كيسه الخاص لا من كيس العامة ، فإن اجتراء الناس عليه بالسب والقذف يضيع الهيبة ويغري الخصوم أن يجهزوا عليه فلا بواكي له إلا طائفة من الأنصار قد ذهبت هيبتها بذهاب هيبته فسهل على الناس التضحية بهم كباشا تذبح ! ، ولا يكون في المقابل من الكبر وتصنع العظمة ما يُنَفِّرُ الرعية ويحول بينها وبين الحاكم الذي لا يجيد من فن التواضع إلا تكلفا يفضحه الطبع الغالب والحكم الجائر ، فكانت الفضيلة التي تَعْسُرُ في مثل هذا الباب الدقيق ، فهي وسط بين رذيلة الذلة ورذيلة الكبر ، فلا بد للسلطان من هيبة ، ولا بد له من تواضع يقمع شهوة التكبر والتجبر ، فلا تنقلب الهيبة تقديسا سواء أكان باعثه الغلو في الحب أم الخوف والجبن الذي يكسى لحاء التوقير والتعزير فلا ينادى عليه إلا بلقب الملك ومن يناديه يلعنه في الباطن إذا خلا بنفسه أو بمن يأمن شره ! ، فلم يكن ثم من يتحسس لينقل خبره ! ، فذلك سلطان الشر الذي أبان عنه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله : "شِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ" .
فَتُبْغِضُهُم القلوب وتلعنهم الألسنة ، في السر والعلن لو أطاقت ! ، فقد تخلقوا بأخلاق الكبر والجبروت ، وتقصدوا نِزَاعَ المعبود ، جل وعلا ، وصف السيادة المطلقة ، وهو ما يظهر في مسلك جائر قد عمت به البلوى في هذه الأعصار وهو مسلك السياسة إذ حاد أصحابها عن جادة الديانة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أعظم ما اختلف فيه البشر ، وأعظم ما خالفوا فيه عن جادة الحق فكان بعث الرسالات أن تصحح الديانات فَتُرَدَّ السيادات التشريعية والسياسية إلى رب البرية ، جل وعلا ، إذ وحده من استحق ذلك بدلالة التلازم بين فعل الربوبية وتكليف الألوهية ، فما كان الوحي إلا أَنْ تُحَرَّرَ نَظَرِيَّةُ السيادة فيستبين البشر منها ما يصلح الحال والمآل ، ولا يكون ذلك إلا أن يُفْرَدَ بها الرب الخالق والإله الشارع ، جل وعلا ، فكما يُقِرُّ العقلاء بسيادته في الكون إذ يخلق ويرزق ويدبر وذلك ما سلم منه خصوم الوحي في الماضي ، فـ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، ولم يسلم منه خصومه الآن فقد بلغ بهم الطغيان كل مبلغ فراموا التحكم في سنن الكون فكان من إفسادهم ما عم البر والبحر ، وَظَهَرَ المقال الذائع أن الإنسان سيد هذا الكون ! ، فهو الذي يتحكم في الطبيعة ، وهو الذي يضع من الطريقة في السياسة والاقتصاد والحرب ما لا سلطان عليه من خارج ، فالوحي ما صدر من العقل وإن ناقصا ذا هوى قد فارق حد العدالة بما خالف عنه مِنْ أحكام الديانة فكلما كان عن الوحي أبعد كان قياسه أفسد ، وإن أصاب جملا من السنن الكونية بما مهر من العلوم التجريبية وذلك مما يحمد وسيلة لا غاية ، فلا تكون الغاية الاشتغال بسنن المادة واستعمالها في استجلاب اللذات العاجلة على وجه يعظم فيه الشح والتنافس على العرض الزائل ، فيصير الصراع على أسباب البطون والفروج غاية الدول والملوك ! ، فضلا عن شهوة أعظم وهي شهوة الرياسة طغيانا يشبع به الحكام غرائز السيطرة والتحكم ، فهي مما تلتذ به النفوس لذة الوهم أن يُبْذَلَ لها من التعظيم والتوقير ما يسد فاقتها لا سيما إن كانت في جوهرها ناقصة دنية لا فضيلة لها في دين ولا دنيا فلا تنفك تفتش عما يداوي هذا الجرح الغائر في النفس فلا تحسن من العلاج ما به بَشَّرَ الوحي إذ يكمل ما نقص من التصور ويشبع في الإنسان حاجة الخير أن يَتَأَلَّهَ وَيَتَعَبَّدَ للمألوه المعبود بحق ، جل وعلا ، لا أن يصير إلها يطغى فهو يسعى في إخضاع الناس لسلطانه بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى ، وذلك دين النفس وعادتها فإنها إن لم تشبع الغريزة الصحيحة اشتغلت بضدها فمن زهد في المنكح الطيب الحلال قارف من الفواحش ما تسوء به العواقب ، فكذلك الشأن في حركة النفس وهي أشرف بداهة من حركة البطن والفرج ، فالسيادة أشرف من البطانة ! ، وعزم النفوس أن تسود خير من عزمها أن تملأ البطون ، والسيادة ، كما يقول بعض المحققين ، آخر ما يغادر قلوب الصديقين فكيف بالأراذل الذين عطلوا الأحكام والشرائع ونابذوا الوحي فهو الخصم العنيد إذ وحده من يحول بينهم وبين ما يشتهون من لذة الوهم في السيادة ، ولو ناقصة باطلة ، فحركة النفس وإن كانت أشرف إلا أنها لا تخرج عن السنة المحكمة ، سنة النفس الحية الحساسة المتحركة بالإرادة ، فلكلِّ نفسٍ إرادة وحركة في الخارج ، ولا بد لها من تصور أول ، سواء أكانت شريفة أم خسيسة ، فثم من تصوره قاصر فلا يجاوز المأكل والمنكح فتكون إرادته أن يحصل منها ما يلتذ به البدن ، وما سواه فلا اعتبار له بل قد يزهد فيه ويزدريه فلا يطيق من المعالي ما به يبلغ رتبة السيادة فرضي بدركة لا يشتغل فيها إلا بالأكل والشرب ، وثم من تصوره قد جاوز ذلك فلا يرضى إلا بالسيادة ، فَلَهُ من همة النفس ما يناطح به الجبل الأشم ، فإذا لم يصب أسباب السيادة الدينية أن يخضع للوحي فلا يصدر إلا عن حكمه ولا يغار إلا على جنابه أن يُنَالَ بأذى ولا يباشر من أعمال السيادة سياسة أو حربا إلا وهو يَرُومُ سيادة الوحي ، فإذا ساد الحق ساد أهله سيادة الخير فلا ظلم ولا تكبر تذرعا بالهيبة والمنعة فإنها لا تحصل إلا بالعدل الذي تطمئن به النفس فلا يطمئن ظالم وإن أحاط نفسه بالجند والحرس ، فيخشى من حرسه ما لا يخشى من غيره ، لا سيما إن ضم إلى الجور الخيانةَ فلا يأمن خائنٌ إذ يَرْمِي الناس جميعا بدائه ! ، فإذا لم يصب الإنسان أسباب السيادة الدينية التي بها صلاح حاله ومآله ، فإنه يُفَتِّشُ في غيرها ليشبع في نفسه لذة الوهم أن يعظم ويقدم ويفرش له بساط السياسة الأحمر وَتُعْزَفَ له ألحان التحية والاستقبال ويقام له من مراسم الاستقبال ما يستعرض به السلاح ويخطو فيه خطى الكبر والعظمة ، فليس له من الوحي حَكَمَةٌ تلجم هذا القصد الفاسد فَتَرُدُّهُ إلى حكم العدل النافذ ، فيستقيم قياسه إذ يفرد ربه ، جل وعلا ، بالحكم فوحده من له الخلق والرزق والتدبير وذلك ، كما تقدم ، ما أقر به خصوم الرسالة في الأعصار الأولى فكان لهم من الفطرة ما قدروا به أنفسهم حق قدرها فلم يكن ثم من غرور الأسباب ما عمت به البلوى في هذه الأعصار التي فتن فيها الناس بفنون المعاش والرفاه ولو ردوها إلى الأصل فهي من رزق الرب ، جل وعلا ، وهي مما انْتَفَعَ به العقل إذ تدبر في سننه في الكون فأحسن يستعملها ، فالسنن والعقل الذي يتدبرها ، كلاهما خَلْقُ الرب ، جل وعلا ، فإليه وحده يُرَدُّ الفضل ، لو عقل الإنسان الغاية من خلقه فتواضع وخضع لربه ، جل وعلا ، فلا يطيق الخروج عن قدره وإن خالف ما خالف عن شرعه فما كان ذلك إلا بالقدر الذي استغرق الخير والشر خلقا ، فلو أحسن يتدبر ما وقع في التناقض بل لأقام واستقام فلم يخالف عن قياس العقل الناصح الذي يوجب التلازم بين الربوبية فعل الخالق جل وعلا ، والتأله والتنسك فعل المخلوق ولا يكون إلا بالمشروع من الوحي المعصوم خبرا وحكما ، ففيه الغنية عن غيره ، وبه يخضع الإنسان لربه ، جل وعلا ، فلا تحدثه نفسه أن يطغى فإنه لا يقارف هذه الجناية فيجاوز الحد ويروم التأله في السياسة والحكم إلا أن حصل له من أسباب القوة والمنعة ما حمله على الطغيان وليس له من أسباب الدين والإيمان ما يلجم به هذه الغريزة ويحسم هذه المادة الفاسدة ، وليس ثم حوله من يأخذ على يده فيكون الإنكار الذي لا يهاب صاحبه إلا الشارع ، جل وعلا ، وهو ، مع ذلك ، يحسن النظر والقول فلا يحيد عن سنن الشرع في إنكار أو حسبة فيصيب في كل حال الوجهة ، فيستعمل من آلات التغيير ما يطيق ، فيحصل من مجموع الناس من يأخذ على يد الظالم ، ولو لم ينطق أحد ، فحالهم إذا صلحوا تغني عن مقالهم ، وقوة الجمع تُثِيرُ في نفس الظالم الذعرَ ، لا جرم كان حرصه أن يفرق الناس ويجعلهم شيعا فَيُغْرِيَ بينهم العداوة والبغضاء إذ يستعمل بعضا على بعض ، فتعظم الثارات وتستحكم العداوات ويشتغل بها الناس عن مدافعة السلطان الجائر ، فضلا عن إفساده للأديان والأخلاق بما يذيع من المذاهب وما يحض على الرذائل إن تصريحا أو تلميحا ، فإذا استجاب الناس وخضعوا فقد كفوه مؤنة البطش ! ، فلا يخشى منهم إنكارا ولا يقيم لهم اعتبارا إذ انحطوا في نظره فصاروا كالدواب التي يسوقها ، فإذا تبدلت الحال وصار الناس في عافية من الدين لم تحدث الملكَ نفسُه الأمارة أن يخالف عن حكم الشرعة ، فلم تصر بهم الحال أن يَتَبَجَّحَ السلطان بخرق الناموس وإظهار الجبروت واستباحة ما حرم ديانة ومروءة من الدماء والفروج والأموال ، فلم تصر بهم الحال كذلك فكانت من هيبتهم في عين السلطان الجائر ما يجعله يحاذر فهو يخشى بأسهم خلاف ما لو نجح في إفسادهم وإرهابهم ، ولو على مهل في إطار خطة محكمة تَنْزِعُ من الناس أسباب المقاومة المعنوية والمادية شيئا فشيئا ، فتغيير العقائد والأفكار يستغرق أجيالا ، والخصم ليس في عجلة من أمره فما هو اليوم حلم فهو غَدًا حقيقة ولو طال زمانه ، وإذا لم يخش الحاكمُ الرعيةَ فكبر على أديانهم وأخلاقهم أربعا ، بل وكبر على دنياهم فهو غاش لهم مستهين بهم خائن لخاصتهم وعامتهم ، مُفَرِّطٌ في أرضهم وثرواتهم ، وهو ، مع ذلك ، يتبجح ويضحك ، ولسان حاله : من يُنْكِرُ علي ما أفعل ؟! ، وإذا لم تكن ، في المقابل ، هيبة للحاكم في نفوس الناس لا تبلغ الغلو الذي يصل به في أحيان إلى إلحاقه بالرسل والأولياء ، فإن لم تكن الهيبة المحمودة في نفوسهم فَسَدَتِ الحال وانقطع سلك الملك وانفرطت حباته ، والحق ، كما تقدم ، فضيلة بين رذيلتين ، والوسط قصد بين طرفين : الإفراط غلوا ، والتفريط جفاء .

والله أعلى وأعلم .