ومن قوله تعالى : (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) ، فجاء التقييد بالحال الأولى "مؤمنا" ، وبعدها الحال الثانية "قد عمل الصالحات" ، وهو من تقييد الملزوم باللازم ، فمن أتى بالإيمان النافع المجزئ الذي يبلغ بصاحبه الدرجات العلى ، وهو الإيمان الواجب ، من أتى به فلا بد أن يعمل من الصالحات ما به يصدق أصل الدعوى ويستكملها حتى يبلغ حد الإيمان الواجب ، وقد عَمَّ لفظ "الصالحات" ، عم بدلالة "أل" في "الصالحات" ، فهي تستغرق كل صالح من العقد والقول والعمل ، وقد رشحت "أل" دلالة الكثرة المستغرقة وإن كان الجمع المزيد بالألف والتاء ، بادي الرأي بالنظر في أصل الوضع في المعجم ، وإن كان هذا الجمع مئنة من القلة ، فجاءت "أل" تعرفه في اللفظ وَتَرْفِدُهُ في المعنى فزادت فيه استغراقا لجميع أجناس الصالحات ما بطن منها وما ظهر ، ما كان من العقد أو القول أو العمل ، فعمت الصالحات على وجه استكمل صاحبه الإيمان الواجب ، وجاء الجواب في سياق البشرى ، فـ : (أُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) ، فجاءت الإشارة إلى البعيد في "أولئك" مئنة من التعظيم ، وقد أخبر بالنظر في المعنى ، فإن "مَنْ" مُفْرَدَةٌ في اللفظ مجموعة في المعنى ، فكان الشرط مفردا بالنظر في لفظها ، وكان الجواب مجموعا بالنظر في معناها ، فليس ثم تعارض إذ الجهة منفكة ، فجهة الإفراد لفظا ، وجهة الجمع معنى ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة تغليب بالنظر في قرينة العموم ، عموم التكليف ، فهو يعم كل آت وآتية ، ولا تخلو إشارة البعيد من دلالة في المعنى فهي مئنة من التعظيم في حال ، والتحقير في أخرى ، فهي من الأضداد المجملة التي تَتَزَاحَمُ فِيهَا المعاني على وجه يفتقر إلى قرينة من خارج ، فالسياق في موضع يرجح التعظيم ، وفي أخرى يعظم التحقير ، فتكون إشارة البعد علوا كما في هذا الموضع ، وتكون سفلا كما في قوله تعالى : (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، فكان الجواب بالاسمية في قوله تعالى : (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) ، فهي ، كما تقدم ، مئنة من الثبوت وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده وهو مما يحسن في موضع البشارة ، كما يحسن في موضع النذارة ، كما في الشطر الأول من شطري القسمة وهو ما تقدم هذه الآية من وعيد الإجرام في قول الرب جل وعلا : (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) ، فالإجرام في هذا السياق يشاطر الإيمان قسمة العقل والنقل في باب الأسماء والأحكام ، فَثَمَّ طباق إيجاب بين الإجرام والإيمان ، وإن لم يكن طباقا تاما فهو طباق بالنظر في اللازم ، فالطباق التام بين الإيمان والكفر ، فكان اسم الذم في باب الأسماء والأحكام وهو ما ينصرف بادي الرأي أن يحمل على المعنى الأكبر فهو إجرام الشرك والكفر الناقض لأصل الدين الجامع كما قد ورد في بعض التفاسير ، وثم توكيد بالناسخ "إن" على حد الاستئناف ولا يخلو من توكيد آخر إذ دخل على خبر ، واسمية الخبر مئنة من الثبوت والديمومة ، وَثَمَّ ، أيضا ، ضمير الشأن في : "إنه" ولا مرجع له لنباهة الذكر ، فالشأن عظيم ، وهو إتيان المجرم ربه ، جل وعلا ، يوم القيامة على وصف الإجرام الذي ورد مورد الحال فهي وصف في المعنى ، كما قرر النحاة ، فكان الإتيان مقيدا بوصف الإجرام فذلك شرط قد أبان عن شطر القسمة الأول ، شطر الذم والوعيد ، وجاء الجواب ، أيضا ، على حد الاسمية وذلك مما يقرر المعنى ويؤكده ، فوجب الاقتران بالفاء ولا تخلو من دلالة الفور وذلك آكد في النكاية إذ عجلت الفاء بالمساءة ، ولا تخلو من دلالة السببية على وجه يواطئ القياس الصريح بما يكون من تلازم بين الشرط والجواب تلازمَ السبب والمسبَّب ، فالإجرام سبب في استحقاق صاحبه جهنم ، فجاء التوكيد بالناسخ واسمية الجملة وتقديم ما حقه التأخير وهو الظرف "له" ، ولا تخلو لامه من دلالة الاستحقاق فذلك جزاء العدل فلا ظلم ، وزيد في النكاية بالوصف الذي ختمت به الآية على وجه استغرق شطري القسمة ، أيضا ، في سياق نفي أُكَّدَ بِتِكْرَارِ أداة النفي "لا" في قوله تعالى : (لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) ، وثم وجه إيجاز بحذف الظرف "فيها" في الشطر الثاني لتقدم ذكره في الشطر الأول ، فتقدير الكلام : لا يموت فيها ولا يحيى فيها ، وذلك مما اطرد واشتهر في اللسان وهو جار على الأصل في هذا الباب إذ الأصل أن يدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر فلا حذف بلا دليل سواء أكان من السياق ، كما في هذا الموضع ، والأصل فيه أن يتقدم ، وإن جاز تأخره في مواضع فذلك خلاف الأصل وإن كان من الجائز في اللسان فلا حذف إلا بدليل سواء أكان من السياق أم كانت قرينته من العقل فلا بد من تقدير محذوف به يستقيم المعنى .
وذلك شطر ذم ووعيد ، ولا يخلو من دلالة إنشاء يدل عليه خبر الذم دلالة الملزوم على اللازم ، فإن لازم الوعيد بخبر الذم النهي عن الوصف أو الفعل الذي يستجلبه ، ولا يخلو السياق من دلالة التغليب آنفة الذكر ، فذلك شطر يقاسم الشطر الثاني قسمة العقل في هذا الباب فهي بين الوعيد والوعد ، والوعيد يجري ، أيضا ، مجرى التخلية للمحل بما يكون من نذارة تستوجب مفارقة الإجرام ، فهو يتحاشاه إن لم يكن قد قارف منه قولا أو عملا ، وهو يتوب منه إن قارف من آحاده ما يدخله في الوعيد ، فيتلبس بإجرام باطن أو آخر ظاهر ، على وجه استغرق محال التكليف وأحواله ، فَثَمَّ منه القول والعمل ، وَثَمَّ منه الباطن والظاهر ، فإذا لم يَتَلَبَّسْ بالإجرام فالواجب الحذر ، وإن وقع فيه فالواجب التوبة والمفارقة بالندم والإقلاع والعزم ألا يَرْجِعَ ، وبعد التخلية كانت التحلية في خبر الوعد الصادق في قوله تعالى : (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) ، فَثَمَّ إيجاز بالإضمار إذ تقدم مرجع الضمير في "يأته" فهو يرجع على "ربه" في الآية السابقة ، وهو جار على الأصل آنف الذكر أَنَّ مرجع الحذف أو الإيجاز يتقدم ، وإن جاز أن يتأخر ، فقد يتأخر مرجع الضمير في أحوال ، إما لفظا دون الرتبة ، وإما لفظا ورتبة على تفصيل ذكره أهل الشأن في باب المراجع في الضمائر ، وقد جاء الوعد في الجواب وهو ما رشح ، كما تقدم ، دلالة التعظيم في إشارة البعيد في قوله تعالى : (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) ، ولم يخل ، أيضا ، من دلالة الاقتران بالفاء فهي فاء الربط التي دخلت على الجواب الدخولَ الواجب فذلك من مواضع الإيجاب في هذا الباب ، كما قد ذكر النحاة ، ولا تخلو مما اطرد من السببية ، فإن ثم تلازما بين الشرط والجواب على حد المقدمة والنتيجة ، أو السبب والمسبَّب ، فالمعنى الذي اشتق منه الشرط هو مناط الحكم فيدور معه الجواب وجودا وعدما ، كما قد قرر أهل الشأن ، وذلك جار على قياس العقل الصريح ، فجاء الجواب على حد الفور فتلك دلالة ثالثة من دلالات الفاء في هذا الموضع ، وجاء الجواب ، كما تقدم ، على حد الاسمية مئنة من التقرير والتوكيد فضلا عن تقديم ما حقه التأخير في "له" واللام فيه مئنة من الاستحقاق وهو ما يطابق الاستحقاق الأول في قوله تعالى : (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) ، أو يقابله بالنظر في السياق المركب فخبر يقابل آخر ، ولفط يطابق آخر ، كما قد طابقت الدرجات العلى جهنم ، وهو طباق غير تام ، فالطباق التام بين جهنم والجنة ، وهو ما قد أبان عنه عطف البيان في : (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) ، ولا يخلو ، أيضا ، من طباق غير تام ، إذ الطباق التام القياسي في دُورِ الآخرة هو الطباق بين الجنة والنار ، وجهنم جزء من النار فهي دركة من دركاتها ، فيكون ذلك طباق كل وجزء ، فالجزء وهو جهنم قد ناب عن كله وهو النار فهي اسم لدار تفاوتت دركاتها سفلا ، كما الجنة ، في المقابل ، اسم لدار تفاوتت درجاتها علوا ، ومن دركات النار ما لا يخلد أصحابه فتلك دركة التطهير التي يدخلها العصاة من الموحدين ولو تدبرها الناظر في مُقَابِلِ دَرَكَاتِ الكفار الذين أجرموا فنقضوا أصل الدين الجامع ، لو تدبر الناظر نار التطهير في مقابلها لحكم عليها أنها درجة لا دركة ، فإن مصير أهلها النجاة ولو بعد حين من العذاب تطهيرا للمحل أن يقبل آثار الخلود في دار النعيم ، خلافا لدركات النار الأخرى فأهلها فيها يخلدون وإن كانوا من وجه آخر يَتَفَاوَتُونَ ، فأهونهم عذابا أبو طالب ، وأشدهم المنافقون فهم في الدرك الأسفل ، وبينهما من الدركات ما لا يحصيه إلا الرب العليم الحكيم ، تبارك وتعالى ، إذ تفاوتت العقوبة بِتَفَاوُتِ الجرم ، وذلك مقتضى الحكم ، وهو مما يستأنس به من يقول إن الكافر مخاطب بفروع الشرع النازل ، فكان التفاوت في العقاب وإن جمعهم في الدنيا جنس الكفر سببا ، وفي الآخرة جنس الخلود في النار مسبَّبًا ، فثم تفاوت في الآحاد في الخارج فهم جميعا كفار مخلدون في النار ، وهم ، من وجه آخر ، على أنحاء شتى ، فبعضهم أكفر من بعض ، فتكون دركته أسفل ، فثم قياس حكمة أن أنيط كل حكم بخلود في دركة بعينها ، أَنْ أُنِيطَ بمقدار الكفر الذي قارفه صاحب هذه الدركة ، فتفاوتوا سفلا ، فالكافر خير من المنافق والمرتد ، والكافر الذمي خير من الكافر الحربي ، والكافر العفيف خير من الكافر الفاجر ، والكافر الذي يصدق في قوله وَيُوفِي بعهده في أمور الدنيا من السياسات والتجارات ..... إلخ خير من الكاذب ، والكافر الذي يحفظ الأمانة من مال أو عرض خيرٌ من الكافر الخائن ....... إلخ ، وذلك ما يجده أولئك ، أيضا ، في الدنيا ، فيكون من عاجل الثواب في الدنيا ما يجده الناظر في حال بعض الكفار فلهم من الأخلاق والأفعال ما صدق الفطرة الأولى في مواضع ، وإن خالف بكفره أصل الفطرة فلم يخالف بأخلاقه وأحواله شُعَبًا منها ، فكان من الثواب العاجل أن وَفَّاهُ الرب ، جل وعلا ، أجره في هذه الدار سعة في العيش ورفعة في الشأن وحسنا في الذكر وصحة في البدن وَبَرَكَةً في المال والولد ...... إلخ من وجوه الثواب العاجل فليس في الآخرة إلا عذاب الخلد ، فـ : (قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، وذلك ما قد يحمل على ظاهره فالأعمال هباء منثور بالنظر في الجزاء الآجل في الآخرة لا الجزاء العاجل في الدنيا ، وقد يقال ، أيضا ، إن ذلك قد ينفع في الآخرة لا رفعا للعذاب فلا يخرج من النار كافر ، فالعموم في الآية من هذا الوجه محفوظ ، فأعمالهم هباء منثور إن توجه النظر إلى جنس العذاب فهو خالد لا ينقطع ، إذ فات هذه الأعمال شرط الصحة الأول ، وهو التوحيد ، وأعمالهم تَنْفَعُ إذ يَتَفَاوَتُونَ في الدركات ، فبعضهم دون بعض ، إذ بعضهم أكفر من بعض ، فالحكمة تقضي أن يكون عذاب بعضهم أشد من بعض ، فحصل التلازم طردا وعكسا ، على وجه يوافق قياس العقل الصريح ويستوفي الدركات جميعا فلكلٍّ منها أهل يستحقونها فلا ظلم اليوم ، وكذلك الشأن ، في المقابل ، في درجات الجنة العلى ، فـ : (أُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) ، ودلالة "أل" في "الدرجات" دلالة الاستغراق لآحاد المعرَّف في الخارج ، فمثله كمثل الصالحات ، إذ لفظه ابتداء يدل بأصل الوضع الأول في المعجم على جمع قلة ، ودرجات الجنة كثيرة لا تكاد تحصى ، فجاءت "أل" ترفد الدلالة فهي مئنة من الاستغراق لآحاد كثيرة في الخارج ، وهي كالدركات ، إذ لكلِّ درجةٍ أهلٌ يستحقونها بما أتوا به من الأسباب الجالبة لها على وجه يحصل فيه التفاوت بتفاوت درجات الإيمان ، كما تَتَفَاوَتُ دركات النار بِتَفَاوُتِ درجات الكفران ، فالقياس ، كما تقدم ، يطرد وينعكس على وجه يستوفي شطري القسمة ، ويستوفي داخل كل شطر جميع آحاده في الخارج ، فلكلٍّ عاقبةٌ تلائم وصفه مدحا أو ذما ، وذلك ما يرشح التفاوت في الإيمان زيادة ونقصا ، إذ لكلِّ درجةٍ في الجنة سبب به تُنَالُ ، فثم درجة دنيا يستحقها من حقق أدنى أوصاف الإيمان ، فَثَمَّ درجة في الجنة يدخلها الجهنميون كما في الخبر المشهور ، فيكاد أصحابها يأتون بأصل الدين الجامع ، مطلق الإيمان الأول ، دون زيادة عليه فسلموا من الوعيد المؤبد بما حصل لهم من توحيد في الجملة ، ولم يسلموا به من الوعيد المؤقت ، فمعهم أصل الإيمان الجامع دون كماله الواجب الذي أنيط به حكم النجاة ابتداء ، فمثله كمثل صاحب الكبيرة ، فهو متوعد بالعذاب المؤقت ، وعيدا غير جازم فقد يعفو الرب ، جل وعلا ، فضلا ، وقد يؤاخذ عدلا ، فصاحب الكبيرة تحت المشيئة كما اشتهر في مقال المحققين ، وإن آخذ فَبِقَدْرِ الكبيرة فيكون تفاوت آخر ، وإن في الدركة الواحدة ، فبعض الكبائر قد توعد أصحابها ما لم يتوعد غيرهم ، فوعيد القاتل أشد من وعيد الزاني ، ووعيد الزاني بحليلة الجار أشد من وعيد الزاني بِغَيْرِهَا وإن كان الفعل واحدا فقد استجمع في هذه الحال معنى الشهوة ومادة الخيانة ، فآحاده قد اختلفت فبعضها أقبح من بعض ، بل قد تبلغ في أحيان حد الكفر كمن يستحل نكاح المحرمات أو نكاح البهائم ، فيستحل ما قد حرم فهو يكفر من هذا الوجه لا أنه قارف الفعل فهو في نفسه غير ناقض لأصل الإيمان ، وإن كان من الأفعال ، من وجه آخر ، ما هو نَاقِضٌ بنفسه ، كالسجود لغير الله ، جل وعلا ، أو تغيير مناط الحكم وتبديله ، وثم درجة أعلى في الجنة ، فوق درجة الجهنميين ، فتزداد الدرجة رفعة بازياد الإيمان شيئا فشيئا حتى تبلغ درجة الإيمان الواجب فتكون النجاة من العذاب ابتداء ، ثم يكون تفاوت آخر فالناس يتفاوتون في النوافل بعد استيفاء الفرائض ، فترتفع الدرجة وتعلو بما يقارف من أجناس الطاعة ، فيزيد بعد الواجب نافلة تجبر النقص ، فاستغرقت "أل" في "الدرجات" ، كل درجة في الجنة ، وقد وصفت باسم التفضيل "العلى" ، ولا تخلو من دلالة العهد الخاص فهي درجات مخصوصة أعدها الرب ، جل وعلا ، لأهل الإيمان الكامل الذين عملوا من الصالحات الباطنة والظاهرة ما أبلغهم المأمن وحلاهم بالوصف الأكمل ، وبعد الإجمال جاء البيان على حد العطف أو البدل في قوله تعالى : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) ، أو هو مما يجري مجرى الجواب عن سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فما هي هذه الدرجات التي وعد بها المؤمن العامل ؟ ، فجاء الجواب : هي جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، فيجري ذلك مجرى الحذف إيجازا ، وهو ما اطرد في مثل هذه المواضع على وجه حمل بعضا أن يجري ذلك مجرى الحقيقة لا المجاز فاطراده في الوحي قد صيره حقيقة ولو في عرف الشرع الأخص ، وقد يرجح البدل وعطف البيان ، من وجه ، إذ لا حذف فيه ، فالأصل عدم الحذف فلا يصار إليه إلا ضرورة تلجئ فهي توجب من تقدير المحذوف ما يستقيم به المعنى ، وقد يقول قائل إن تقدير المحذوف يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا بما يكون من الزيادة والإطناب في المبنى المقدر فهو يدل على زيادة تضاهيه في المعنى ، ومن ثم كان الإطناب بالحال "تجري" ، فإن إضافة الجنات إلى عدن قَدْ أَكْسَبَهَا من التخصيص ما جَوَّزَ الحال منها ، وهي حال بها استحضرت صورة لَمَّا تَقَعْ بعد فهي من الغيب المستقبل فاستحضرت الصورة المستقبلة في الحال إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده فكأن الصورة حال يباشره الناظر ، وبعده كان تقييد ثان بحال أخرى وهي حال أصحابها : "خالدين" ، فحال تبين عن وصفها ، وأخرى تبين عن وصف أهلها وكل أولئك من الإطناب في المبنى مئنة من آخر يضاهيه في المعنى ، وهو آكد في الحث والحض على فعل الخير ، إذ يبلغ بصاحبه الدرجات العلى فلا يخلو الخبر من هذا الوجه أن يدل على إنشاء يلازمه ، إذ لازم الخبر وعدا إنشاء الأمر فعلا ، وذلك وجه استعارة صحيح إذ استعير الخبر للإنشاء ، فالإخبار عن الشر يتضمن لزوما استعارة بها يحصل النهي عن فعل الشر لئلا يحصل لصاحبه من الوعيد ما يسوء ، والإخبار عن الخير ، في المقابل ، يتضمن لزوما استعارة بها يحصل الأمر والحث على فعل الخير ليبلغ صاحبه من الوعيد ما يحسن ، فاطرد القياس وانعكس في كلتا الحالين ، وعيد الشر ووعد الخير ، بل كُلٌّ قد تضمن الآخر إن في الإخبار أو في الإنشاء بما تقدم من دلالة التلازم ، فإن وعيد الشر بفعل الكفران والعصيان يدل بدلالة التلازم على وعيد خير لمن تلبس بضده من الطاعة والإيمان ، فيكون النهي عن الأول وهو يستلزم ، أيضا ، الأمر بضده ، فالنهي عن الكفران يستلزم الأمر بالإيمان ، والأمر بالإيمان يستلزم النهي عن الكفران ، فيجري السياق على سنن القياس الصريح طردا وعكسا على وجه تعظم به الدلالة إن خبرا أو إنشاء يستلزمه ، ومن ثم كان الختام على حد العطف على ما تقدم من رفد المعنى وزيادته بإطناب المبنى ، فـ : (ذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) ، فجاءت الإشارة باسم إشارة آخر وُضِعَ للبعيد ، وهو ، كما تقدم ، مما يحتمل احتمال الأضداد ، فيحتمل التحقير ويحتمل التعظيم ، كما في هذا الموضع ، فأشار إلى جزاء الجنة إشارة البعيد تعظيما فلا أشرف من هذا الجزاء ، ولم يخل السياق من تعريف للجزأين : "ذلك" و : "جزاء مَنْ تزكى" ، فَعُرِّفَ الجزء الأول قياسا في اللسان فاسم الإشارة من المعارف نصا ، كما قد ذكر أهل الشأن ، وَعُرِّفَ الجزء الثاني بالإضافة إلى الاسم الموصول "مَنْ" وهو معرفة ، والمضاف إلى المعرفة معرفة ، فجاء القصر بتعريف الجزأين على حد الحقيقة وهو مما يُقَرِّرُ المعنى ويؤكده ، ولا يخلو الخبر من عموم دل عليه الموصول وذلك مما يحسن في سياق البيان لمقادير الأعمال فَتُصَاغُ الألفاظ صَوْغَ الأصل العام الذي يستغرق آحاده في الخارج ، ولا يخلو من دلالة تغليب إذ تذكيره في اللفظ وإفراده لا يقصره على المذكر المفرد وإنما يَعُمُّ المؤنثَ والجمع ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة تعليل إذ أنيط الحكم جزاء بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو التزكية ، وذلك ما عم إذ أُطْلِقَ فَعَمَّ تزكية الباطن بصحيح التصور وصالح الإرادة وسائر حركات التكليف العملية في الجنان ، وعم تزكية الظاهر بسائر الأقوال والأعمال ، سواء أكانت من الأفعال أم من التروك ، وسواء أكان من التزكية الخاصة أم من التزكية العامة بما يكون من نصح في أمور الفتيا والسياسة والحرب التي تعم بها البلوى فيخلص النصح فيها تزكية لنفسه أن يغش المسلم فذلك مما يَنْفِي نسبته إلى الجماعة المؤمنة ، فـ : "مَنْ غَشَّنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا" ، وفي رواية : " مَنْ غَشَّ ، فَلَيْسَ مِنِّي" ، والمعنى واحد إذ نفي النسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما ينصرف إلى نفي النسبة الدينية للوحي الذي جاء به ، وهو ما تنتحله الجماعة التي انتفت النسبة إليها في الرواية الأولى ، رواية : "مَنْ غَشَّنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا" ، وهو ما يحتمل النفي العام إن كان الغش على وجه يقدح في أصل الدين الجامع ، ويحتمل نفيا دونه يوجب من الوعيد ما لا يدوم ، فهو نفي بما كان من غش يقدح في كمال الدين الواجب كالغش المتبادر في أمور التجارات ما لم تبلغ به الحال أن يستبيح أو يستخف بحكم الشرع استهزاء فذلك ، كما تقدم مرارا ، ناقض بنفسه وإن لم يكن الفعل ناقضا بل وإن لم يقترفه المستبيح أو المستهزئ .

فاستوفت هذه الآيات بلفظها الموجز ، استوفت أجزاء القمسة في باب الأسماء والأحكام على وجه بديع معجز ، حصل به البيان التام في ألفاظ موجزة احتملت من المعاني ما يعظم ، وذلك وجه ظاهر من وجوه البلاغة في اللسان أن تُجْمَعَ المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة يسهل حفظها واستحضار معانيها ، وذلك ما اطرد في التنزيل وإن كان فيه من الإطناب في أحيان ما يقتضيه السياق ، فالبلاغة ليست الإيجاز مطلقا ، أو الإطناب في مقابله ، وإنما البلاغة أن يخرج الكلام على قدر المراد ، فيكون الإيجاز في مواضعه ، والإطناب في مواضعه ، وذلك قياس الحكمة في العقل أن يوضع الشيء في المحل الذي يلائمه فلا زيادة ولا نقص .

والله أعلى وأعلم .