تضييع الأمانة قصدا فتلك دلالة الفعل المضعَّف "ضَيَّعَ" في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" ، ذلك التضييع قصدا لا الضياع الذي قد يقع سهوا ، ذلك التضييع مما أخبر به الوحي إخبارَ الذم فهو من أشراط الساعة الصغرى ، وحصوله مئنة من نقص في الجيل المتأخر ، فكلما باعد أصحابه عن النبوة ، معدن الخير ، زاد الشر ، إذ طال الإسناد وانشعب ، وغفل الناس عن الأمر والنهي ، وذلك قانون يطرد ، فإذا قارب الناس الوحيَ كان الخير أكثر والشر أقل ، وإذا باعدوا كان الخير أقل والشر أكثر ، فإذا ضيعت الأمانة فانتظار الساعة كائن لا أنه واجب ، فليس الأمر في الخبر أمر تكليف ، بل دلالته دلالة الخبر عن شرط من أشراط الساعة ، فذلك يجري مجرى الاستعارة إذ ناب الأمر عن الخبر ، فتقدير الكلام : انتظار الساعة كائن إذا ضيعت الأمانة ، وهو ، من وجه آخر ، يرشح إنشاء التكليف نهيا فلا تُضِعِ الأمانة فَيَنَالَكَ الذم والوعيد ، ولا تخلو دلالة "إذا" الشرطية من دلالة الكثرة ، فيصير ذلك أمرا يطرد فيكاد يكون العرف ، فالخيانة والغش أصل ، وثم من ندرة الأمانة ما يثير العجب ! ، كما في الخبر ، فـ : "لا يكاد أحدُهُم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً" ، فصار الأصل هو الخيانة ! ، وصارت الأمانة استثناء يضرب به المثل أن خرج عن العادة ! ، فإن النادر مضربُ المثل تدبرا لحاله التي خالفت عن العادة ! ، كما قال من قال من أهل الشأن في سياق التفسير لوصف العجب الذي يثبت لله ، جل وعلا ، على وجه يليق بجلاله ، إذ العجب جنس عام تندرج فيه آحاد ، فثم عجب يدل على جهل تقدم ، فيعجب الإنسان من شيء لم يكن يعلمه فإذا صادفه ورأى من خروجه عن سنن العادة أصابه العجب فانقدح في عقله معنى يغاير ما اعتاد من السنن ، مع انتفاء التوقع فلا سابق عهد يقيس عليه فهو أمر جَدَّ فلا أصل له يقاس عليه ، وإن في نظر المتعجب فقد يكون ثم أصل ثبت عند غيره ، فلم يعجب كما عجب الأول فَلَهُ سابق معرفة تحول بينه وبين أن يلدغ ! ، فـ : "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" ، فإن اللدغة الأولى تُثِيرُ العجب فهي أمر جديد حادث لا أصل له سابق ، وأما الثانية فلئن أثارت العجب فليس ذلك أنها جديدة فريدة ، وإنما يعجب الناظر آنذاك من حصولها ثانية تُصَدِّقُ الأولى فالسنن واحد فيعجب الناظر كيف اطرد السنن فلم يخالف ، ويعجب كيف حصل الشيء مرة بعد أخرى ، وإن تغايرت الأزمان ، كما يقال في سنن التاريخ أنه أمر يتكرر ، فيعيد نفسه وإن اختلفت الشخوص فلا يسير إلى الأمام مطلقا فلئن دارت عجلة الزمان إلى الأمام فإن السنن يتكرر ، وإن اختلف الزمان واختلفت الشخوص واختلفت الآلات والوسائل ، فالبشر طينة واحدة والنوازع والدوافع لم تتغير ، فطغيان من يروم الرياسة على وجه يقارف به من فعل السياسة أو الحرب الجائر أَمْرٌ يتكرر في كل طاغوت ، وانظر في أحوال أولئك على اختلاف الأعصار والمشارب الدينية والفكرية تجد النفس الحاملة لهذا الخلق الذميم ، تجدها واحدة في الوصف ، فالكبر والعجب والشح والأثرة وقسوة القلب وبلادة الطبع وانتهاز ما يسنح وإن خالف عن الوحي والأخلاق ، وإن مطلقة قد أجمع على حسنها العقلاء جميعا ، فهي مما لا ينفع في إطار السياسة المحدث الذي صار قطب رحاه المصلحة الخاصة العاجلة ، وإن أُهْدِرَ لأجلها العام الآجل ، فذلك مما يخالف عن قياس العقل الناصح ، الذي يجعل الحكمة في تقديم الأعم نفعا على الأخص ، والآجل الباقي على العاجل الفاني ، فكان من أخلاق الزعامة الجائرة ولا تخلو من ذكاء وبراعة وإن في الشر فصاحبها عظيم المكر يجيد سياسة التلون والتكيف مع أي وضع طارئ ، فهو رجل كل العصور والمذاهب ! ، فيتلون تَبَعًا لغاياته ، فهو ذو دين مع العالم ، وإن كان مارقا لا دين له إلا هواه ، وهو لين يهادن في خطابه وإن قارف من الجرائم ما ينقض قوله فليس إلا خداعا لمن أصغى ومال فليس له من الإيمان حظ ، وذلك جار على قياس العقل الصريح أن التلبس بشيء يستلزم الانخلاع من ضده ، إن اتحدت الجهة فلا تنفك ، فمن أصغى ومال إلى الباطل فوصفه أنه لا يؤمن ، فذلك ما أبان عنه الوحي الصادق في قول الرب الخالق جل وعلا : (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) ، فأنيط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو انتفاء الإيمان في قوله تعالى : (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) ، وذلك ما يحتمل ، فإنه قد يحتمل انتفاء الكمال الواجب ، فلا يؤمنون الإيمان الواجب إذ أصغوا إلى باطل يقدح في الكمال دون الأصل ، فَثَمَّ مَنْ يستخفه الباطل فيصدق ويسارع ولا يَتَوَرَّعُ أن يقارف من الشر ما به يتأول الكذب الذي أصغى إليه إذ الحكم فرع عن التصور ، فإن كان التصور من دعاية كذب ولم يكن ثم من الإخلاص والنصح في القصد ما به يسلك صاحبه جادة العدل فلا يجرمنه الشنآن أن يظلم فيخالف عن القياس الصريح فضلا عن الوحي الصحيح ، فإن كان التصور من دعاية الكذب وكان العقل ساذجا خفيف النسج ! فسرعان ما تَتَقَاذَفُهُ الأهواء والأذواق ، فهو كل يوم على مذهب إن في الدين أو في الفكر أو في السياسة أو في الحرب ، فليس إلا إناءً قد فرغ من الفضائل النظرية التي تحسن التدبر قبل أن تحكم فآلة العقل قد عطلت ، إما أنها فاسدة لا تحسن من الاستدلال النافع ما به يبلغ الناظر المحل الآمن ، فلا تسلك جادة القياس الصريح فثم في العادة من الهوى ما يميل بها عن الحق فلا تصغي إلى الحق فهو والهوى نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فتجتهد في الباطل فليست عاطلة من الفعل ، وإنما هي فاسدة في القصد وذلك ما يفضي في العادة إلى فساد في الفعل ، فالإرادة كائنة ولكنها فاسدة فآلت الحال أن يجتهد صاحبها في تقرير الباطل والانتصار له فهو من رجالاته المخلصين فيعجب الناظر ، أيضا ! ، كيف يجتهد أهل الباطل في حمل رسالاته إلى العالم ! ، وهو مما تكرر في كل جيل فلا يخلو من مجرمين كبار لهم من الحزم والعزم ما يعجب منه الناظر ويدهش ، فذلك عجب آخر لا يلزم منه جهل المتعجب فقد تكرر لمن أحسن يستقرئ التاريخ ويتدبر وقائعه بآلة نظر صحيحة صريحة ، قد سلمت من الأهواء وفارقت البطالة فهي ناظرة تجتهد في جمع الوقائع وترتيب المقدمات واستنباط النتائج فتمارس من طريقة الاعتبار الصريح ما ينفعها أن تدرك من الشر ما لم يقع لا علما بالغيب فذلك ما انفرد به الرب ، جل وعلا ، وإنما اجتهادا في درك السنن الكوني فهو مما يتكرر وإن اختلفت الشخوص ، فنوازع النفس ، كما تقدم ، واحدة ، فيكون العجب كيف يعيد التاريخ نفسه وإن لم يخرج عن سنن ربه ، جل وعلا ، فهو خالق الزمان والوقائع ، فنهر التاريخ جار بما قد أجرى الرب ، جل وعلا ، من الوقائع فعلمها أزلا علم التأثير فهو علم تقدير أول لا يلزم منه الجبر وإنما يكون التكليف اختيارا على وجه لا يخالف عن العلم الأول ، فذلك مما سلم من الاضطراب ، فَعِلْمُ الرب ، جل وعلا ، بالشيء وَخَلْقُهُ له خَلْقَ التقدير ، لا يَلْزَمُ منه جَبْرُ الفاعل فقد خلق فيه الإرادة ، فضلا أنه يعلم علم اليقين ، ويخلق خلق التأثير على وجه انفكت فيه الجهة فلا تعارض ، فجهة فعله ، جل وعلا ، جهة الخلق ، وجهة المخلوق في المقابل جهة المباشِر بآلة الفعل المُرِيدِ بإرادة الاختيار الباعثة على الفعل أو الترك وهي ما يُسْبَقُ بالتصور فإن صح فكان الإصغاء إلى الوحي كان الخير في القول والعمل ، في الفعل والترك فَوَافَقَ بفعله قَدَرَ الشرع فإنه لا يخرج ابتداء عن قدر الكون ، أصاب أو أخطأ ، آمن أو كفر ، أطاع أو عصى ، فلا تكليف من هذا الوجه ، وإنما التكليف ينصرف إلى الجنس الآخر من أجناس القدر وهو قدر الشرع بما أخبر به الرب ، جل وعلا ، وأمر ، فحال المسدَّد أنه يُوَافِقُ بتصديقه وفعله ما قد شرع الرب ، جل وعلا ، على ألسنة رسله عليهم السلام فيكون الإصغاء إلى الوحي سببا في حصول تصور صحيح وباعثا على إرادة صحيحة في الجنان تظهر آثارها لزوما في الأقوال والأعمال في الخارج فيحصل التوافق بين الباطن والظاهر على وجه سلم من الجبر الباطل فليس العلم سبب إجبار بل ثم من الاختيار قدر به يناط التكليف فلا يكون جبرا وإلا كان بعث الرسل عليهم السلام عبثا تنزه عنه آحاد العقلاء فكيف بأحكم الحكماء ، جل وعلا ، ففعله جار على سنن العدل والحكمة وهو حاصل بالقدرة والقوة فاستجمع الكمال المطلق : جمالَ حكمةٍ وجلالَ قدرةٍ ، ويكون الإصغاء ، من وجه آخر ، إلى الباطل ، فذلك خذلان لا يخرج عن حد العدل والحكمة أن كان المحل فاسدا لا يقبل آثار الخير من الصدق والعدل ، فاقتضت الحكمة أن يحجب عنه الخير فمادته لا تلائم المحل ووضعها فيه عبث آخر تَنَزَّهَ عنه الرب الخالق ، جل وعلا ، إذ وضع الشيء في غير موضعه مما يضر فلا ينفع فضلا أنه إهدار وتضييع ، فلو وضع في موضع يلائمه لكان به نفع عاجل أو آخر آجل ولو كان شرا في الظاهر ككفر الكافر فهو شَرٌّ لم يأت به الشرع وإن وقع بقدر الكون النافذ ولا يخلو ، مع ذلك ، من خير آجل بالنظر في المآل فهو سبب في حصول الحق الذي يناجزه فلولاه ما اجتهد الحزب المخالف أن يدافعه فيستخرج الخالق ، جل وعلا ، من ذلك عبوديات يحبها فهي الحق الذي تَصْغَى إليه النفوس التي سلمت من وصف النقص ، فهي تصدق وتؤمن ، وهي تجتهد في إثبات الدعوى بما تقارف من الخير ما به تَتَأَوَّلُ إصغاءها إلى الوحي فهو يستلزم ميلَ باطنٍ يرجح الصدق في التصور والعدل في الحكم ، ويرجح في الخارج قول الحق وفعل الخير وحكم العدل في خاصة الأمر وعامة الشأن فتجد من عدل الحكومات في الخصومات ، إن في سياسة أو في قتال ، إن في سلم أو في حرب ، فتجد من ذلك ما يُصَدِّقُ إصغاءها إلى الحق فذلك الطرد الذي يستفاد منه الأمر أن أصغوا إلى الحق فهو سبب في حصول الإيمان ، ولا تصغوا ، في المقابل ، إلى الباطل فهو سبب في انتفاء الإيمان ، فذلك العكس ، فاستقام السنن طردا وعكسا ، وكان من إحكام السنة ما يعجب الناظر فيه ، فهو يعجب من إتقانه واطراده وإن كان يعلم النتيجة سلفا كمن يعطي ابنه مالا ليختبره وهو يعلم من كمال عقله ما به ينفق المال على وجه صحيح نافع فهو يحسن الادخار والاتجار ويحسن الانتفاع حال الإنفاق فلا ينفق في سفه ولا يمسك في خير ، وإنما يجري فعله على سنن الحكمة إن في الإنفاق أو في الإمساك ، فيعلم الأب ابتداء على وجه لا يجبر به ابنه ، فابنه يختار اختيارا يؤثر فهو مناط الْمُسَاءَلَةِ ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، وإن كان مثاله أكمل فإن علمه ليس ظنا غالبا كما هو علم الأب من حال ابنه ، وعلمه ، من وجه آخر ، علم الخلق لفعل المخلوق خلاف علم الأب فإنه لا يخلق في ابنه فعله في إنفاق أو إمساك ، والأب يعجب من حال ابنه كيف يحسن ينفق وإن كان حدثا صغير السن فأمارات النجابة ظاهرةٌ على وجه فَاقَ به أقرانه ، فيعجب من هذه الحال وإن غلب على ظنه ذلك ابتداء بما خَبَرَ من حال ابنه ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى في ذلك فإن عجبه ليس عجب الجاهل الذي لا يعلم العواقب ، وإنما يعجب أن كان من خلقه من خرج عن السنن المطرد فَغَالَبَ نَوَازِعَهُ وألجم دَوَافِعَهُ فأحسن قياد النفس فلم يستسلم لأهوائها ولم يخضع لأذواقها ، وإنما ساد فيها فهي خاضعة له خصوع الآلة في يد الفاعل فيجريها على ما يريد من الغاية الدينية العليا ولا تجريه ، في المقابل ، على العادة الجبلية الدنيا ، فما أكثر من يُسْلِمُ لها القياد فيعجز أن يحكم لها اللجام ، إلا آحادا خالفوا عن مقتضى الطبع فسلموا من وصف الذم ، فكان العجب أن ثَبَتُوا وقد زال المعظم ، فهم آحاد بهم تقوم الحجة على الناس ، وإن كانوا القلة النادرة فكان عجب الرب ، جل وعلا ، من صنيعهم وإن تقدم به العلم فهو مما سطر في لوح المقادير وهو ما خلقه الرب القدير الحكيم على وجه أوجب الثناء عليه ، جل وعلا ، أن خلق الأضداد بقدرة وحكمة ، فكان من ربوبيته ما عم كل شيء ، فهو خالق الأضداد خيرا وشرا ، وهو خالق السَّنَنِ الذي به تَتَدَافَعُ سِلْمًا وَحَرْبًا ، جدالا وجلادا ، فيكون من الخير العظيم ما به يجب الثناء التام بوصف الكمال المطلق على الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فكان عجب الخالق ، جل وعلا ، وصف الكمال فلا نقص إذ لا يستلزم ذلك الجهل ، فهو لا يستلزمه في حق المخلوق كما تقدم من مثال الأب الذي يختبر ابنه وهو يعلم ما سيصنع فهو من حسن صنيعه يعجب ، فلئن لم يلزم من عجبه في هذه الحال جهل ، فلا يلزم من باب أولى في حق الرب ، جل وعلا ، فقد اتصف بالعلم المطلق ، علم اليقين الجازم ، فهو العليم الحكيم ، فذلك من القياس الصريح قياس أولى يَنْفِي النقص عن الرب الأعلى ، جل شأنه ، فلئن حصل الاتفاق في جنس الوصف الأعم الذي يثبت مطلقا في الذهن ، وهو معنى العجب إذ جُرِّدَ في الذهن فاشترك فيه آحاد كثر في الخارج ، على وجه يحصل فيه الجهل تارة كعجب المخلوق إذ لم يكن له سابق نظر في سنن الكون فهو يجهل العواقب إذ لم يحسن استقراء الوقائع فتصدمه النتائج وإن لم تصدم غيره ممن أحسن يستقرئ وقائع التاريخ فهي ، كما تقدم ، مادة تتكرر وإن اختلفت الشخوص ، فلا تصدم غيره وإن أصابه العجب كيف اطرد السنن فلا يكاد صاحبه يخرج عن المثال الأول ، وإن خالف فَفِي الوسائل والآلات فلكلِّ زمانٍ من آلات الفعل ما يَجِدُّ مع ثَبَاتِ الوصف ، فالنفس واحدة بالنظر في جبلتها الأولى ففطرت على جمل من النوازع والدوافع يسهل معها توقع النتائج إلا إن كان من الوحي لجام فهو قيد جديد أثار العجب إذ خالف صاحبه عن نوازع الجبلة المادية ، وإن لم يخرج بها عن وصف البشرية فجاء الوحي يلجم هذه النوازع فهو يرشد صاحبها أن يحسن قيادها فتبلغ به المأمن سعادة ونجاة ، فَحُسْنُ عاقبةٍ في الحال والمآل ، وثم عجب الرب ، جل وعلا ، فهو عجب العليم الذي يعلم من صفوة خلقه ممن اختارهم أن يحملوا الأمانة فهم القلة النادرة في أعصار النقص فتأويل الأشراط الآخرة فيها قد كَثُرَ وتلك ، كما تقدم ، دلالة "إذا" مئنة من الكثرة في قول صاحب العصمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" ، وهو ما يؤذن بعظم الشر فصار الخير استثناء فهو مناط التعجب على وجه لا يستلزم ، كما تقدم ، سبق الجهل بل قد علم الرب ، جل وعلا ، أزلا ما يكون من سداد أولئك فهم الذين تحملوا أمانة الوحي فكان منهم المرسلون عليهم السلام ، الذين تحملوا الأمانة ابتداء بلاغا وبيانا ، وكان منهم أتباع الرسالات ، فلا يخلو منهم زمان فهم الحجة الباقية بما تحملوا من أمانة التأويل الصحيح لما قد جاءت به الرسالة فصدقوا أخبارها وامتثلوا أحكامها ، فكانوا حجة على الخلق لا سيما في أعصار النقص إذ ندرت آحادهم فهم من خالف عن الأصل ، أصل الظلم والجهل ، في قول الرب جل وعلا : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، فكان من حال الإنسان المطرد الظلم والجهل ، وعطفهما ، لو تدبر الناظر في قوله تعالى : (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، عطفُهما عطفُ التلازم بين السبب والمسبَّب فالجهل سبب الظلم ، إذ الجهل فساد في التصور يُفْضِي إلى فساد في الحكم فيكون الظلم ، ولا يخلو التعاطف ، أيضا ، أن يكون من عطف الاستيفاء فهو يستغرق شطري القسمة ، فالظلم فساد في القوة العملية ، والجهل فساد في القوة العلمية ، فعم الذم جميع المحال والقوى ، وهو ما اطرد في وصف الإنسان ، فدلالة الكينونة الماضية في قوله تعالى : (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، مئنة من الاطراد وديمومة الاتصاف في الزمن الماضي وقد رفد السياق دلالة الكينونة الماضية فهي مئنة من استغراق لجميع أجزاء الزمان ، فتلك حال الإنسان الغالبة ، ودلالة "أل" في "الإنسان" مئنة من بيان لماهية المعرَّف فضلا عن استغراق آحاده بالنظر في طبائع النفس إن ردت إلى الجبلة فكان الهوى والذوق رائدها فلا يحسم هذه المادة الفاسدة إلا الوحي بما جاء به من عدل يحسم مادة الظلم وعلم يحسم مادة الجهل ، فيحسن الإنسان يتصور ويحكم ويكون منه ما يخالف عن الطبع ، فهو آية بها تقام الحجة على الناس ، فلا يخلو منه زمان وإن ندر فكان استثناء يثير العجب ، كما في الخبر أن : "لا يكاد أحدُهُم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً" ، فتحمل الأمانة في تلك الأعصار الرَّدِيَّةِ وإن ندر إلا أنه مما تطيق النفس في عامة أحوالها إلا حال ضرورة تبيح اقتراف المحظور بقدر ما تَنْدَفِعُ به ، فهي تطيق التكليف بالأمانة وإلا كان أمرها أن تُؤَدِّيهَا عَبَثًا إذ لا تكليف بما لا تطيق النفوس فالتكليف لا يكون إلا بمقدور إن في العلم فلا يأت الوحي بمحال يخالف عن ضرورة البدائه العقلية وإنما غايته أن يأتي بمحار بالنظر في الحقيقة والماهية لا في أصل الشيء فهو بين الواجب والجائز في العقل فيصدق الوحي الواجب ويرجح في الجائز بما أخبر به من القول الصادق وما أمر به من الحكم العادل ، فكان التكليف بأداء الأمانة ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ، وذلك معنى يجاوز سبب النزول ، فهو مثال نَزَلَ عليه العام ، فلا يخصصه ، كما قرر أهل الشأن ، فذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، وإنما الغاية أن يُبَيِّنَهُ ، فكان المثال الذي عم اللفظ الوارد عليه ، فهو يستغرق بدلالة "أل" في "الأمانات" إذ رفدت الجمع المزيد بالألف والتاء فهو ابتداء من جموع القلة بالنظر في أصل الوضع الأول في معجم المفردات المطلقة في الذهن ، فجاءت "أل" ترفده وتزيد في معناه ، فضلا عن دلالة السياق فهو يأمر الأمر العام بما دل عليه الضمير المخاطب المجموع في لفظ الأمر "يأمركم" ، وهو ما يعم ، أيضا ، على وجه يجاوز دلالة المعجم الأول ، فالجمع في الضمير وإن انصرف إلى جماعة الذكور بالنظر في أصل الوضع إلا أنه يعم بدلالة التغليب لقرينة العموم في التكليف وذلك ما اطرد حتى صار الأصل في الشرع وإن خالف عن الأصل في اللسان ، فحقيقة الشرع ، كما تقدم مرارا ، قدر يجاوز عن حقيقة اللسان ، فثم من زيادة المعنى في حقيقة الشرع ما يرفد حقيقة اللسان فيزيد فيها شرائط وأركانا ، فماهية الحقيقة الشرعية تجاوز الماهية اللغوية المطلقة في الذهن ، فجاء الأمر الذي يطيقه عامة من يكلف ممن يعقل من الرجال والنساء ، بل ومن الثقلين ، الإنس والجان ، وهو ما حد في الآية حد الخبر المؤكد بالناسخ "إِنَّ" ، فضلا عن اسمية الجملة "الله يأمركم" ودلالة المضارعة "يأمركم" مئنة من الديمومة والاستمرار ، وزد عليه التوكيد بتكرار الإسناد في : "الله يأمركم" ، فالفاعل في المعنى وهو المبتدأ اسم الله ، جل وعلا ، الأعظم "الله" قد استكن ضميره في العامل "يأمركم" فكان التكرار من هذا الوجه ، فذلك تكليف عام يستغرق الحال والاستقبال فعم أجزاء الزمان وزد عليه الإطناب بـ : "أن" وما دخلت عليه "تؤدوا" فثم إطناب تأويله المصدر على تقدير : إن الله يأمركم بأداء الأمانات فَحُذِفَتْ باء الجر في "بأداء" حُذِفَتْ حال الإطناب في "أن تؤدوا" ، فذلك من الإيجاز المشتهر في اللسان على طريقة الحذف والإيصال وهو مما اطردت شواهده في التنزيل ، ولا تخلو "أن" من دلالة زمانية تطرد التكليف في المستقبل وإن لم تمحضه في هذا السياق فإن الأمر بأداء الأمانة مما يعم الحال والاستقبال جميعا ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الاستقبال إنما هو بالنظر لما يكون من المكلَّف بعد ورود الوحي يخبر فيكون تصديقه تاليا الإخبار ، أو وروده يحكم فيكون امتثاله تاليا الحكم ، فذلك إصغاء إلى الحق يسلم به صاحبه من الذم في آية الأنعام : (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) ، فيحتمل ، كما تقدم ، انتفاء الكمال الواجب إن كان الإصغاء في شبهة أو شهوة لا تذهب بأصل الإيمان وإن نالت من صورته المجزئة في حصول المدح الذي وعد صاحبه بالنجاة ابتداء ، ويحتمل ، في المقابل ، انتفاء الأصل الجامع كما قد يرشح السياق ، بادي الرأي ، لا سيما والآي مكي ، ومكة آنذاك دار حرب وكفر فأهلها لا يؤمنون مطلقا ، ولو مطلق إيمان أول يصح به إطلاق اسم الإسلام المجزئ ، فليس لهم من الإيمان أي حظ ، فالنفي في هذه الحال جار على الأصل الذي قرره أهل الأصول واللسان ، إذ تَسَلَّطَ النفي بـ : "لا" على المصدر الكامن في الفعل "يؤمنون" فأفاد العموم من هذا الوجه ، فضلا عن عموم آخر في الزمان فالمضارع يستغرق في هذا الموضع الحال والاستقبال وذلك آكد في تسجيل الجناية على وجه يعظم به الذم ، فلا يخلو الخبر من دلالة الإنشاء أن لا تصغوا إلى الباطل فذلك الوصف الناقص ، فالإيمان مُنْتَفٍ على وجه شَغَرَ فيه المحل فلا حق يشغله فكان من السنن الجاري الذي يعجب الناظر من تكراره ، وإن كان ثَمَّ سابق عهد به بالنظر في أحوال القلوب وشواغل النفوس فهي بَيْنَ حق وباطل ، فَبَيْنَهُمَا تُرَاوِحُ ، فلا يجتمعان والجهة واحدة ، فلا يخلو الحكم من حق يحمد أو باطل يذم ، فالخبر الصادق إذ ورد على محل النظر ، فإما أن يصدق فَيُحْمَدَ المصدِّق وإما أن يكذب فَيُذَمَّ المكذِّب فلا واسطة ، وكذلك الشأن في الحكم ، فإما أن يكون أمرا بخير أو نهيا عن شر ، فإن صح فالنفس بين امتثال يحمد أو مخالفة تذم ، فلا واسطة أيضا ، فيعجب الناظر في هذه الحال أيضا كيف اطرد السنن بما جُبِلَ عليه البشر ، فيكاد الأمر يكون واحدا فلا يخرج عن العادة ، فإن اختلف شيء فالشخوص الفاعلة لا الأحداث الكائنة ، ولا زالت السنة جارية في تصارع الحق والباطل ، الوحي والوضع ، العدل والظلم ، الحسن والقبح ، الخير والشر ..... إلخ من الأضداد التي خلقها رب الأرباب ، جل وعلا ، وخلق لها من سنن التدافع ما به استحق المحامد المطلقة وما به استخرج العبادات المرضية التي تَبْلُغُ بأصحابها الدرجات العلية فكان من المحن والنوازل ما به تفضح المعادن ، فلا تظهر حقائق النفوس إلا إذا عظمت الخطوب فتبين من صدق ممن كذب وعلم من بكى ممن تباكى ، فعلمت الثكلى من المستأجرة ، وكان من الشدائد ما أبان عن الحقائق فلا تخلو القسمة من صَدِيقٍ يعلم في الغيبة والنكبة وبعد الموت كما أُثِرَ عن علي ، رضي الله عنه ، فيعلم الصديق في هذه الأحوال الثلاث ، ولا تخلو القسمة من شطر ثان يقاسم الصديق قسمة العقل فهو العدو الذي يُفْضَحُ فتستفزه النازلة أن يُبِينَ عن أوصافه الناقصة ، فذلك من الاستدراج الذي يقيم الحجة على الفاعل من فعله الذي اختاره فما ظلمه الرب ، جل وعلا ، وإنما جنت يداه الشر فعوقب في الدنيا بالخزي والفضيحة فضلا عما توعد به من نكال الآخرة إلا أن يسدد إلى توبة في الأولى تَجُبُّ ما قبلها ، وعادة الرب ، جل وعلا ، وهو العدل ألا يسدد للتوبة إلا من علم في نفسه من الخير بقية تُحْمَدُ ، وإن خالطها من الشر ما قد يغلب فيكون التوفيق بغلبة المادة النافعة في حال يقظة تذهب الغفلة فتكون الفكرة بعد السكرة آية اعتبار أخرى بها يظهر من تَنَوُّعِ المقادير ما يدل على العلم والقدرة ، فكان الثناء بهما جمالا وجلالا فذلك الكمال المطلق الذي لا يتصف به إلا الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، فانفرد بكمال الوصف حقيقة في الخارج وإن حصل الاشتراك في أحيان فهو ، كما تقدم مرارا ، في المعنى المطلق في الذهن .

والله أعلى وأعلم .