اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: ثبوت الحقائق وانتفاؤها

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    ثبوت الحقائق وانتفاؤها

    مما تقرر في أحكام النظر واللسان أن النفي إما أن ينصرف إلى الذات والماهية في الخارج ، كأن يقال لمن ليس بطبيب : ليس طبيبا ، فانتفت ماهية الطبيب في الخارج ، إذ ليس الموصوف بطبيب ، وإما أن ينصرف إلى المجاز ، وهو الطبيب الماهر الذي استكمل أسباب الصنعة ، فليس بطبيب ماهر ، إن كان طَبِيبًا فَثَبَتَ له أصل النسبة إلى المهنة ، فَانْتَفَى الكمال الواجب دون الأصل ، فلا يخلو الوصف من إثبات الأصل مع حصول النقص الموجب للذم ، فهو طبيب سيئ لا يجيد من الصنعة ما يجعله أهلا أن يؤتمن على الجسد ، وإن كان طبيبا في الجملة قد استكمل من الدرس ما به حصلت الإجازة ، وإن كانت إجازة ناقصة ، بل قد تكون في أحيان ، إجازة الزور ! ، فتلك شهادة لا تُصَدَّقُ ، إذ تخالف الحقيقة وإن كان الظاهر حصول الوصف إلا أن تَخَلُّفَ الحقيقة في الخارج وإن ثَبَتَ الاسم يبطل الدعوى فهي اسم بلا مسمى ، ودعوى بلا بَيِّنَةٍ ، فليس ثم بَيِّنَةٌ تشهد بل الفعل في الخارج ينقض الدعوى ، فهو طبيب بالاسم ، وفعله في الخارج لم يستوف ماهية الطبيب الماهر شَرَائِطَ وَأَرْكَانًا مع انتفاء الموانع التي تخرجه عن حد الوصف كأن يذهل بخرف أو اختلاط فينسى ما تعلم فلا يكون ثم حقيقة في الخارج يطلق عليها لقب الطب ، فكل حقيقة في الخارج لا بد لها من كينونة تجاوز المعنى المطلق في الذهن ، فجنس الطبيب جنس مطلق في الذهن يدل على ذات عاقلة حَصَّلَتْ من علوم الطب ما يُسَوِّغُ لَهَا أن تُبَاشِرَ المهنة ، فلا بد أن تستوفي قدرا من العلم يَزِيدُ على ماهية الإنسان المطلقة فكل إنسان طبيب بالقوة إذ المحل يقبل آثار التَّعَلُّمِ فإذا عُلِّمَ تَعَلَّمَ ، فإذا علم الطب صار طبيبا وإذا علم الفلاحة صار فلاحا ..... إلخ ، فهو فاعل بالقوة ، فإذا حَصَّلَ أسباب الفعل صار فاعلا بالفعل إذ يُبَاشِرُ فَتَعَلَّمَ من طرائق الطب والفلاحة ما يجعله طَبِيبًا أو فلاحا بالفعل فَقَدْ مَهَرَ الوظيفة فاتصف المحل بوصف زائد وهو ما تعلم من فنون الصنعة ، وذلك أصل في كل وصف ، فالاتصاف بأي معنى يحتمل الاتصاف بقوة الوصف ابتداء إذ المحل يقبل آثار الوصف بما رُكِزَ فيه من قوة التعقل ، فالعقل مناط التكليف ومناط الفهم والتدبير ومناط العلم الزائد الذي يصير به المتعلم عالما بالفعل ، فَيَزِيدُ في الخارج من ماهية الفعل المخصوص ما يجعله فاعلا ماهرا يمارس من العمل ما لا يمهر غيره ، وإن كان محله ابتداء يقبل الاتصاف بالفعل ، فالناس جميعا قد وُلِدُوا أطباء ! إذ ركز فيهم العقل الذي يقبل آثار التعلم فإذا عُلِّمَ الطب تَعَلَّمَ ، وإذا عُلِّمَ الفلاحة تَعَلَّمَ ، فصار الوصف مطلقا في الذهن ، وهو الوصف الأول ، وصف الإنسان القابل للتعلم أَيَّ علم ، والانتحال أَيَّ نحلة ، فإذا قَيَّدَ الذهن هذه الحقيقة المطلقة ، حقيقة الإنسان العاقل فهو جنس في التعريف ، كما يقول أهل النظر ، فيصدق في الخارج في جميع الآحاد ، فإن زاد العقل قيدا زائدا على الحقيقة الإنسانية المطلقة ، وهو قيد الوصف طبا أو فلاحة .... إلخ ، ضاقت دائرة الحد بما زيد فيه من القيد ، فصار الحد الإنسان الطبيب أو الفلاح فلا يصدق في كل إنسان ، فإذا انتقل العقل من حد الذهن المطلق إلى آخر مقيدٍ في الخارج صدقت حقيقة الطبيب في فلان أو فلان من الأطباء ، فَثَمَّ قَيْدٌ زائد في الخارج وهو الشخص الذي قام به الوصف فانتقل من القوة إلى الفعل إذ اجتهد في تحصيل أسباب الطب شيئا فشيئا ، فثبت له اسم الطبيب مطلقا مبدأ التعلم ، فهو يجتهد في تحصيل الشروط بما يفقه من العلوم الخاصة التي لا يَفْقَهُهَا كل أحد فهي ، كما تقدم ، قدر زائد على العقل المجرد ، فالعقل آلة فهم وإدراك تَقْبَلُ من العلم ما تُعَلَّمُ ، فهي تطاوع وتستجيب لما يكون من مُؤَثِّرٍ من خارج ، فَقَدْ خَلَقَهَا الرب ، جل وعلا ، تقبل آثار الخير والشر ، الطب والفقه ..... إلخ من الأعراض التي تقوم بجواهر النفوس على وجه تظهر فيه آثار الحكمة الربانية ، إذ يَسَّرَ ، جل وعلا ، كُلًّا لما خُلِقَ له ، فكان ثَمَّ نفوس تقبل آثار الطب ، فوضع فيها من الملكات الخاصة ما جعلها تمايز بَقِيَّةَ المحال ، فإذا وجدت من يُبْرِزُهَا فَيُهَيِّئُ لها أسباب التَّعَلُّمِ فإنها تَبْرَعُ في الطب ما لا يَبْرَعُ غَيْرُهَا ، فتكون الحكمة أن يوضع السبب في المحل القابل لآثاره ، فمن الفقه أن يمتحن الطالب قبل بدء الطلب ، فإن آنس الممتحِن منه ميلا إلى الطب كانت الحكمة أن يدرس الطب ، وكان السفه أن يدرس الفلاحة ، فالاختيار يلائم المحل ، وذلك ما لا يمدح مطلقا ، فقضاء التكوين لا يوافق حكم التشريع في أحيان كثيرة ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، فقضاء التشريع يَتَوَجَّهُ إلى مناط التكليف وهو العقل الذي هُيِّئَ أن يقبل آثار الخير فذلك الفضل إن هُدِيَ ، وآثار الشر إن خذل ، على وجه لا جبر فيه ولا قهر ، وإنما يختار الإنسان بإرادة تؤثر فلا يشترط أن تختار ما ينفع ، بل قد يخالف عن الحكمة الشرعية فلا يَتَضَلَّعُ من أسباب الخير التي تلائم كل محل ، فالمحال كلها قد خُلِقَتْ على فطرة توحيد ناصح فَرُكِزَ فيها من الإيمان قوة ما تأويله إيمان الفعل أن تباشر أسباب الوحي تصديقا وامتثالا ، فقد يخالف عن الحكمة الشرعية ولكنه لا يخرج عن الحكمة الكونية التي جعلت محل أبي بكر يقبل من آثار الإيمان بالفعل ما لم يقبله محل أبي جهل ، وإن كان كلاهما ، ابتداء ، مؤمنا بالقوة الفطرية التي ركزت في الجبلة الآدمية ، فكلاهما يدخل في حد العموم في قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" ، فاقتضت حكمة التكوين أن يكون التمايز بين المحال بالنظر في قدر التكوين النافذ ، وإن كانت جميعا تقبل آثار التشريع الحاكم ، وإلا كان التكليف جبرا إن كانت محال الإيمان وحدها من يقبل الاتصاف بالإيمان قوة فوحدها من ركزت فيه قوة الإيمان دون غيرها إذن لصح اعتراض الكافر واحتجاجه بقدر التكوين إذ محله ابتداء لا يقبل آثار الإيمان فمثله كمثل الحجر الأصم فلا يقبل التكليف بالوحي ، فذلك مما أَبَتْهُ السماوات والأرض ، فلم تتحمل الأمانة ، كما في قوله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، فلم تتحمل الأمانة إشفاقا واقتضت الحكمة أن يتحملها من رُكِزَ فيه المحل القابل لآثارها وهو الإنسان ، فركزت فيه قوة العقل ، ولم تُرْكَزْ فيها ، في المقابل ، قوة الإيمان الذي يناط به تكليف وإن كان فيها من مادة التسبيح والانقياد ما لا يفقه البشر بمدراك الحس الظاهر فضلا أن ذلك مما يكون جبرا لا اختيارا فهي تُسَبِّحُ خاضعة مضطرة فلا يناط بهذا الاضطرار تكليف ، فلا يكون تكليف إلا باختيار ، فلا بد من محل حي حساس يتحرك بالإرادة التي تصدر عن علم وتصور يحصل في العقل فهو يُحَسِّنُ فَيَخْتَارُ الفعلَ وَيُقَبِّحُ فَيَخْتَارُ التركَ ، فلا يخرج عن ذينك الوصفين ، ولا بد له من معيار تصور به يحكم على الأشياء حسنا وقبحا ، فذلك حكم أول تصدر عنه إرادة تصدقه إذ تميل إلى فعل ما يستحسن وَتَرْكِ ما يستقبح ، وإن لم يكن المفعول حسنا في نفس الأمر والمتروك قبيحا في نفس الأمر ، فلكلٍّ معيار به يتصور الحسن والقبيح ، وذلك ما يقضي ضرورة أن يقع الاختلاف والتعارض بل والتناقض بين العقول فلا يحسمها إلا حكم من خارج يجاوز العقول إذ سلم من الحظوظ والأغراض فلا حاجة له يتأول لأجلها الحكم بالحسن والقبح وإنما تجرد حكمه من الضرورة والحاجة ، وليس ذلك إلا حكم الوحي فهو الناصح الأمين فيصدق في الخبر ويعدل في الحكومة ، فكان من رِكْزِ العقل ما رُكِزَ في المحال جميعا من آمن ومن كفر ، فالجميع على فطرة أولى ناصحة تقبل آثار العلم النافع والعمل الصالح ، فَلَوْ عُرِضَ عليها الوحي بلا مُؤَثِّرٍ من خارج يحرفها عن الفطرة الأولى بما يكون من تَزْيِينٍ للباطل وَتَقْبِيحٍ للحق ، فلا بد من مؤثر من خارج يحيد بالنفس عن الفطرة الأولى خلاف ما لو تركت بلا تأثير فإنها تختار الحق طوعا فلا تفتقر إلى قوة تجبرها أو مؤثر يُلِحُّ وَيُكَرِّرُ بما يُزَخْرِفُ وَيُزَيِّنُ من زخرف القول غرورا ، فإذا كان انحراف عن فطرة التوحيد التي جاءت الرسالة تصدقها وَتُبَيِّنُ ما أجمل منها ، فإن الاختيار يَفْسَدُ بقدر ما تحيد النفس عن الفطرة الأولى ، فإنها رضيت مؤثرا من خارج له حظ عاجل أن يحرفها عن الحق فذلك ما يحفظ مكاسبه فعنده من آلة الدعاية ما به يصوغ عقل الجمهور فيحول الناس إلى كتلة صماء تَرْتَدُّ ، كما يقول بعض من صنف في حال الجماهير النفسانية ، تَرْتَدُّ إلى وصف بدائي فهي تستبيح من الأقوال والأفعال ما يخالف بها عن فطرة الحق الأولى بل وفطرة الإنسان ، فإنه لا يتخيل في أسوأ أحواله أن يقارف ما قارف من جناية القتل والهتك بما كان من أَثَرِ الدعاية التي تطمس على القلوب وَتُعْمِي الأبصار وإن لم تخرج بصاحبها عن حد التكليف فهو مؤاخذ بما يصنع مَجْزِيٌّ بِمَا يُجْرِمُ ، فلئن كان ثَمَّ مؤثر من خارج فَثَمَّ ما يضاده من دعاية الخير التي لَوْ تَضَلَّعَ مِنْهَا ما احتاج إلى غيرها ، وإنما صادف الباطلُ نَفْسًا عاطلة من الحق فَتَمَكَّنَ منها ، فمن حاد عن الحق فذلك في نفسه فعل ، ولو تَرْكًا ، فَالتَّرْكُ فعل فيكون عقاب الفاعل التاركِ في هذه الحال أن يُبْتَلَى بانتحال الباطل فقد قارف جناية الانصراف عن الحق وهي وإن كانت تَرْكًا لا فعلا يُبَاشِرُ إلا أنها من وجه لا تخلو من إرادة ، فأراد صاحبها ما خالف عن الشرع إذ انصرف عنه فكان أن عُوقِبَ بالشر ، وإن ظن ذلك خيرا فهو يَجِدُ فيه لذة عاجلة وهو يَتَسَلَّى بأوهام الحرية التي يُزَيِّنُهَا الشيطان من الإنس والجان إذ يجعل الفعل الفاضح الفاحش الخارج عن حدود الشرع والأدب ، يجعله دليل حرية يمارسها الفاجر وهو يظن أنه على طريق ناصح إذ اختل معيار الحدود والتعاريف فصارت الحرية أن يصنع الإنسان ما يشاء فيخرج عن قانون الشرع والأدب ، وهو في هذه الحال لم يفارق وصف العبودية الذي رام التحلل منه ، فما استفاد إلا أن خرج عن عبودية الحق إلى أخرى للباطل ، فصار عبدا للهوى إذ أبى أن يصير عبدا للخالق ، جل وعلا ، وصارت حاله إلى اضطراب عظيم بانشعاب الأهواء وتغايرها فهو كل يوم عبد لإله جديد إذ يكثر التَّنَقُّلَ بَيْنَ الأهواء على وجه يوقعه في الاضطراب فلا يجد من الطمأنينة ما يروم فما قارف ما قارف إلا أن يجد سبب به يسعد ولو لذة ووهما ، وعادة من تقوده شهوته أن الملل إليه يسارع فهو يروم طرده بما يكثر من التنقل بين الشهوات فلا يزيده ذلك إلا حزنا وضيقا وإن كان ظاهره السعادة ، فليس إلا غيبوبة العقل بسكرة لذة تطرأ سرعان ما تذهب فلا تبقى إلا حسرة الفكرة ، وهو يظن أنه حر فله الاختيار المطلق وإن خالف عن الشرع المحكم فيشبع في نفسه غريزة الطغيان والتأله أن يضع لنفسه من طرائق الأخلاق والأحكام ما يوافق الهوى فضلا أن يكون ذا ولاية فيفرض ما يهوى على الناس جميعا فيكون من طغيانه ما عمت به البلوى فمبدأ الأمر طاغوت صغير في نفسه لم يلبث أن تعاظم فصار طاغوتا قد عمت به البلوى ولم يجد من يحسم مادته إذ الناس قد اشتغلوا بلذاتهم وشهواتهم فكان أن زاد فيها الطاغوت بما يوسع من أسباب الشر ويضيق من أسباب الخير ، وكان أن صنع للناس عدوا هو الحق ، فهم يسعون في حربه ، وآلة الدعاية تصنع منهم قطيعا من الضُّلَّالِ يُسَاقُ سوق النعاج ، فليس له إلا أن يشاهد أو يكون آلة بها ينفذ الطاغوت أغراضه ، فصارت النفس تِرْسًا في آلة قتل واستئصال لخصم في الخيال صنعته آلة دعاية ماكرة تجعل الناظر يختار ما اخْتِيرَ له ! ، فقد نابت عنه قوى خفية فاختارت له ما يظن أنه اختياره فهو يحقق غايته في الإصلاح واستئصال مادة الفساد ! ، فكل ما يخالف عن مصالح تلك القوى الخفية فهو مادة ضلال في الفكر وفساد في الحكم يجب إفناؤها ولو تجرد الناس من وصف الإنسانية المطلق فضلا عن فطرة الإنسان المؤمن الذي رُكَزَتْ فيه مادة تأله وتنسك يَتَوَرَّعُ صاحبها أن يسفك ويهدم بلا حق ، فهو بفطرته الأولى يدرك الحسن من القبيح ، ولو في الجملة ، فركزت فيه قوة تحسين وتقبيح بها يدرك الخير والشر وإلا ما صح تكليفه بالأمر والنهي ، فجاء الوحي يرشد هذه القوة فهو يضع الأحكام وضع الشارع الحكيم الذي علم من أوصاف المحال ما أحاط ، وكان له من قصد الخير بها فهو لها ناصح فلا حظ له إن في العاجل أو في الآجل ، فـ : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) ، فلا أجر عاجلا في جاه أو رياسة أو ثروة يحمله أن يَتَكَلَّفَ من النصح ما لا يصدق فهو يرشد الناس إلى ما يحقق أغراضه وإن كان لسان القول أنه يُرْشِدُهُم إلى صالح أمرهم في الحال والمآل فعنده ، كما تقدم ، من قوة الدعاية والإقناع ولو بالإلحاح كذبا يكرره حتى تميل إليه النفوس وتصغى إن لم يكن لها حظ من الوحي ، فوحده الذي يَعْصِمُهَا من الزَّيْغِ في التصور والظلم في الحكم إذ نصح قصده من كدر الحاجة والفقر فلا يروم عاجل منفعة فلا يكون ذلك إلا من فقير إلى الأسباب يخدع الجمهور فيوهمه أنه يَبْلُغُ به المأمن ، وحقيقة أمره أنه يَبْلُغُ به ما يحفظ رياسته وجاهه ويحقق له من عاجل النفع ما صار ديدن السياسة المحدثة إذ حادت عن جادة الرسالة المنزَّلة ، وإن زعمت في أحيان أنها تعظم الوحي وتوقره فلا يكون ذلك إلا دعوى كدعوى الطب آنفة الذكر ، فلا بد لها من دليل صدق يشهد في الخارج أن صاحب هذه الدعوى طبيب بالفعل قد مَهَرَ من فُنِونِ العلاج ما يجعله أهلا للتطبيب ، فمن زعم أنه مؤمن فلا بد له من قدر زائد على الدعوى المحضة ، وإلا ادعى كلٌّ وصلا بِلَيْلَى فلا تُقِرُّ له بذاكا ، أو وصلا بسلمى كما في بعض روايات البيت التي تنسب لأبي العتاهية ، فلا بد من قدر زائد من شاهد الصدق إقرارا في الباطن يجاوز حد المعرفة المحضة فهي أمر يحصل لكل أحد بما رُكِزَ فيه من قوة العقل الذي يقبل آثار التكليف فهو من هذا الوجه مؤمن بالقوة ، كما تقدم من حال الطبيب بالقوة ، فحصل له إيمان مجمل قد رُكِزَ في الجنان ضرورة ، فهو وصف كل مولود ، فجاء التقييد بالحال "على الفطرة" في الخبر المشهور : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" ، على تقدير : يولد مفطورا على التوحيد ، فدلالة "أل" في "الفطرة" مئنة من العهد الخاص فهي فطرة التوحيد ، فحصل هذا الإيمان المجمل الذي يفتقر إلى البيان ، فجاء الوحي يَنْقِلُهُ من القوة إلى الفعل ، بما بَيَّنَ من مجمله إن في التصور أو في الحكم ، فجاء بالخبر الصادق والإنشاء العادل فكان إخباره إخبارَ الناصح في قوله ، وكان إنشاؤه إنشاءَ الناصح في فعله ، فلم يقل كذبا ولم يحكم جورا ، إذ تجرد من حظوظ البشر فالوحي وصفُ الغنيِّ الذي لا يحتاج السبب ، بل هو الذي خلقه وأجراه على وجه تظهر فيه آثار الحكمة والرحمة ، فكان وضعه في المحل الذي يلائم فكان تأويله في الخارج ما ينفع المحل ، إن سبب تكوين في مطعوم أو مشروب ، أو سبب تشريع في معلوم أو محكوم ، فالحكمة الربانية قد استغرقت المقادير الكونية والمقادير الشرعية ، فكان الوحي خير ناصحٍ إذ تجرد من الأغراض والعلائق خلافا للمخلوق فمهما ادعى من التجرد والإنصاف فَلَهُ حظ أن يحكم بما يشاء إذ كان في الجبلة ، في المقابل ، نُزُوعٌ إلى الطغيان ، إن لم تَتَزَكَّ بالوحي فتصدق ما أجمل فيها من فطرة التوحيد فهي تحوطه بما يكون من إيمان الفعل الثاني الذي يصدق إيمان القوة الأول ، إيمان الفطرة المجمل ، كما أن أسباب الطب دراسة تجعل الطبيب بالقوة القابلة لآثار التعلم ، تجعله طَبِيبًا بالفعل بما يباشر من هذه الأسباب فلا بد من قدر زائد به يتأول الحقيقة في الخارج بما يباشر من أسبابها الخاصة فهي تخرجه عن الوصف العام الذي يتصف به كل محل فلا يحصل به التمايز فالناس جميعا أطباء بالقوة إذ حصل فيهم من العقل ما لو عرضت عليه أسباب الطب لقبلها فتعلم وصار طبيبا بالفعل ، فكذلك الإيمان فلا يقتصر على إيمان القوة الأولى فقد يعرض لها من النوازع ما يحيد بها عن جادة الهدي إلى جادة الغي بما جبلت عليه النفوس من الحظوظ فلا يلجمها إلا حَكَمَةُ الوحيِ التي تصدق الفطرة الأولى فتحوطها من نوازع الشرك والجور ، فلا تفسد قوتها العلمية النظرية ، ولا قوتها العملية الإرادية ، ثم هي تزكيها فتزيد فيها ما يجاوز حد التصديق المطلق فتبلغ بها حد الإيمان بالفعل بما فصلت من أخبار الصدق وأحكام العدل ، والوحي ، مع صدقه في النصح قد سلم من الكذب والخطأ فلا يخبر إلا بالحق خلافا للمخلوق فلو سلم جدلا أنه ناصح متجرد قد سلم من نَوَازِعِ النفس فلا يخبر بالصدق ولا يحكم بالعدل في كل حال ، فنفسه ناقصة في إخبارها وإنشائها ، فقيرة لا تستقل بذاتها ، إذ تحتاج إلى الأسباب فحملها ذلك أن تَتَأَوَّلَ في الأحكام فتجعل الباطل حقا إذا وافق ما تهوى ، وتجعل الحق باطلا إن خالف عنها ! ، وهي لأجل ذلك تَصْطَنِعُ من الحجج والبراهين ما يخالف عن الحق فثم معيار تضاهي به معيار الوحي ، فتقارف جناية الكذب والتضليل لفئام من الجماهير التي تصيرها آلة الدعاية والفكر كائنا يتحرك بلا وعي يعقل ، فيقارف من الأفعال ما لم يكن ليقترفه لو خَلَى بنفسه فتدبر ، فكان من وجوه النقص في الجمع الهائل ألا يرزق القائد الناصح الذي يحسن يوجهه إلى الحق ، وأن تغفل الآحاد عن الحق فلا يكون لها حظ من الرائد الناصح الذي لا يكذب فهو من الأهواء قد تجرد وليس ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا الوحي المنزَّل ، فلو خَلَى العاقل بنفسه وتجرد من نوازع النفس وسلم من آلة الكذب والتضليل ما استجاز ما يصنع حال الجمع الذي يحركه أصحاب الأهواء والحظوظ ، فهم صناع الرأي ، وهم من يضع معيار الحسن والقبح ، ومن يصنع العدو والصديق ، ومن يحرض على القتل باسم الحق والعدل وإن اقترف من الجناية ما أجمع العقلاء على قبحه ، ولو لم يكن لهم حظ من دين أو مذهب ، فثم ركائز ضرورية في النفوس لا يخالف عنها إلا جاحد أو مسفسط ! ، فأصحاب الدعاية يصنعون العقول الجامعة التي تستغرق عقول الآحاد فهي تصهرها في بوتقة النخب الفاعلة في السياسة والحرب والاقتصاد ...... إلخ ، فتنطق بما ألقى السحرة على ألسنتها ، فهي تنطق بما تَكَرَّرَ حتى تَقَرَّرَ وصار دينا يُنْتَحَلُ بلا حجة تقنع إلا الإلحاح على العقول بما تملك النخب الفاعلة من أدوات التأثير صوتا وصورة ، فلهما في العقل أَثَرُ السحر فهما من البيان الذي يخلب الألباب ، فـ : "إن من البيان لسحرًا" ، فَثَمَّ من أخرج الخبر مخرج الذم ، فهو سحر يقلب الحق باطلا والباطل حقا فيكون اختيار الجمهور لما اختاره الساحر ! وإن خالف عن الوحي النازل ، بل وإن خالف عن كل معيار يصح فيصدق المسحور بما ليس بمعقول حتى تبلغ به الحال ما يستثير السخرية إذ استخفه الساحر فانحط به إلى دركة البهائم فصار ينقاد طوعا بلا إكراه فأينما يوجهه الساحر فهو يتوجه ، فيشارك بقدر ما يتيح له الساحر ، فإن شارك فلا يخرج اختياره في سياسة أو حرب أو أخلاق أو اقتصاد عما يختار له الساحر فهو ولي أمره فليس الجمهور إلا قطيعا ضالا يفتقر إلى الراعي ، فإن لم يسترعه الوحي فيكون رائده في التصور والحكم فَثَمَّ رعاة كثر ولكلٍّ غاية وإن أظهر النصح فبقدر ما يحصل به غرضه أن يطغى فيحكم ، فنوازع الطغيان في النفس تعظم إن لم يكن لها من الوحي رائد ينصح ، فتطغى بما حصل لها من الأسباب ، ومن أعظمها أسباب الدعاية والفكر إذ تصنع العقل الجامع الذي يستجيز المخالفة عن البدائه فهو قوة هائلة لا حظ لها من قيادة ناصحة إذ غاب الوحي أن يكون الناصح الرائد ، فكان سحر فلان أو فلان فلكلٍّ في الفكر والسياسة والأخلاق والاقتصاد مذهب ! ، وكل يتكلف من الحجج ما يصدق مقاله ، فيزعم النصح ، ويحسن القول فعنده من البيان ما يسحر ، وهو ما أخرج البيان في الخبر كما تقدم مخرج الذم وإن احتمل المدح ، فإن بيان الوحي يصدق فيه أنه ساحر لا أنه خادع وإنما يؤثر في النفوس كما يؤثر السحر لا أنه يخيل تخييل السحر أو يؤثر في الخارج تأثير الضر ، وإنما يؤثر في النفوس آثار الخير من الصدق والعدل ، بما له من قصد شريف فليس ممن يطلب الأجر أو يتكلف في الاستدلال ، وبما له من علم محيط ، وبما له من لسان بليغٍ فِعْلُهُ في النفس فِعْلُ الضرورة الملجئة التي تحمل العاقل أن يبادر فيصدق ويمتثل ، فَيَصْدُقُ فيه أنه ساحر من هذا الوجه إذ يحمل الناظر ضرورة لا يطيق دفعها ، ولا يحصل له من الفعل ما ينفع إلا بقدر من التوفيق يزيد ، فيخرجه من وصف القوة إلى وصف الفعل ، فذلك قدر يجاوز التصديق المجرد فهو يجتهد في تحصيل الأسباب الزائدة من الانقياد والإذعان وما يكون من مرجح أول في الجنان فمعيار التحسين والتقبيح قد سلم من عارض النقص والحاجة ، فيصدقُ الوحيُ العقلَ النصحَّ فلا يرشده إلا إلى الحق فيحسن الحسن ويقبح القبيح ، ولا يجاوز قدر التشريع فهو رائده في التصديق والامتثال ، فيحصل له من الإرادة ما به يتأول هذا التصديق الناصح الذي ركن إلى معيار الوحي الصادق ، فلا تكون إرادته إلا إرادة الحق قولا وعملا وتلك حركة في الجنان تزيد على التصديق المحض ، وهي الشاهد الأول في الجنان لصدق دعوى الإيمان ، ولا تصح الدعوى إلا أن يكون الشاهد الثاني في الخارج من القول والعمل ، فيكون الجزء الثاني والثالث من أجزاء الماهية الإيمانية التي تجاوز التصديق الباطن فذلك الجزء ألأول ، بل ليس له من الاعتبار ما ينفع إن لم يكن تصديقا زائدا عن التصديق المحض ، فهو تصديق به يطمئن القلب وتسكن النفس فيكون من الإذعان والإقرار ما يزيد على العرفان المحض فهو يحصل ، كما تقدم ، لكل محل يعقل ، آمن أو كفر ، فيكون من الجزء الثاني نطقا والثالث عملا ما يصدق الدعوى الإيمانية ، فهي ما اشْتُرِطَ له من الاتِّبَاعِ ما أُطْلِقَ فيه العامل في قول الرب الشارع جل وعلا : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فأطلق عامل الاتباع أمرا في "اتبعوني" ، وهو على الأصل في اللسان إذ دلالته دلالة الإيجاب الملزِم وقرينة السياق بذا تشهد إذ محبة الرب ، جل وعلا ، أول فرض وآكده وهي سبب النجاة الذي يحرص كل عاقل على تحصيله ، فاستغرق الأمرُ الاتباعَ الباطن والظاهر على وجه استغرق الحقيقة الإيمانية النافعة ، فهي وحدها من يخرج الإيمان من حد القوة إلى حد الفعل المجزئ ابتداء ، فهو أول الإيمان الذي لا ينفع إلا بمادة إسلام من فعل الجوارح ولو جنسا لا يستوفي الواجب كله وإن أتى منه في الخارج بما يصدق أنه عمل صالح يوافق ما حكم به الوحي النازل ، مع صدق الدعوى في الجنان فذلك إخلاص القصد ، وشاهده في الخارج وقسيمه في حد الإيمان النافع ما يكون من حصول الشهادة في النطق فهي عنوان الإيمان الذي يخرج بصاحبه من إيمان القوة إلى إيمان الفعل ولا يزال صاحبه يزداد من وصف الفعل حتى يبلغ الغاية كما أن الطبيب ، وهو محل الشاهد ، يكون مبدأَ أمره طبيبا بالقوة ، فَلَهُ من ملكة العقل والتدبر ما به يباشر أسباب العلوم جميعا ، فهو طبيب بالقوة وصانع بالقوة وزارع بالقوة ...... إلخ ، فإذا باشر من الأسباب ما يزيد على القوة صار فاعلا بقدر ما مهر من الطرائق وَحَصَّلَ من الأسباب في الخارج فيحصل له مطلق طب يجعله طبيبا بالفعل وإن لم يكن الطبيب الماهر المأمون بل لا بد أن يجتهد في تحصيل الأسباب من العلوم والتجارب حتى يبلغ حد الطبيب الكامل ، فيزيد في طبه بقدر ما يزيد في علمه وعمله ، فذلك قانون عام في حصول الأوصاف في الخارج ، فكذا الإيمان فإنه مطلق أول به يحصل اسم الإيمان مطلقا ، فيحصل الأصل الجامع دون الكمال الواجب الذي يجتهد صاحبه في تحصيل أسبابه حتى يبلغ حد المؤمن الكامل كما يبلغ الطبيب المجتهد حد الطبيب الكامل ، فالقانون ، كما تقدم واحد ، فهو يعم سائر الأحكام إن في العقائد أو في الصنائع ، فإن التدرج في البناء أو في الهدم سنة ربانية جارية فلا يوجد شيء ينشأ فجأة ولا آخر ينهار فجأة وإن بدا للغافل أن الظهور أو الانهيار مفاجئ فإنما رأى الناظر آخر الأمر فلم يتتبع أطواره من النشوء إلى القوة إلى الضعف والانهيار ، مع ما يتخلل ذلك من تفاوت فالأيام دول وكذا الحقائق فيكون الذهن في أحيان حادا قد صفا من الكدر والشاغل فنظره نظر ثاقب يخرق الحجب لا حجب الغيب على طرائق الغلاة من المتنسكة ، وإنما يحسن يستقرئ السنن الكونية ، ويحسن يقيس على ما تقدم من وقائع التاريخ البعيد والقريب ، فيحصل له من الظن الراجح علم بما هو كائن ، وإن لم يطابق الحقائق في التفصيل الدقيق فهو يقاربها في الجملة ، وقد يوافقها في تفاصيل كثيرة ، وقد يحصل من تخلف بعض الأجزاء ما لا يقدح في قياسه فإن سنن التاريخ كسائر الأحكام لا بد لها من استيفاء شروط وانتفاء موانع فقد يحصل من المانع ما لا تجري به السنة على الجادة المعهودة فيكون من تخلف بعض أجزائها في الخارج ما يخالف عن قياس الناظر الراجح فلا يجزم بغيب فذلك ما لا يعلمه إلا الرب ، جل وعلا ، وإنما غاية العقل أن يجتهد في النظر استنباطا وقياسا يركن فيه إلى وقائع تقدمت ويحسن يتدبر معطيات الأسباب الكائنة فإنها بما رُكِزَ فيها من القوى المؤثرة تفضي في الغالب إلى مسبَّبات ، فذلك قياس العقل في الاستنباط فالمقدمات تفضي إلى نتائجها ، فيكون من دوران الحقائق مع أسبابها وجودا وعدما ، زيادةً ونقصًا ، ما يشهد لما تقدم من ثبوت الحقائق أو انتفائها ، أو حصول بعض وانتفاء آخر ، فيكون من زيادة الحقيقة الإيمانية ، وهي المثال المشهور ، يكون من زيادتها بالطاعة ما يدور مع السبب طردا ، ويكون العكس إذ تنقص في الجنان بما يكون من تخلف أعمال الجوارح ، فالأركان تشهد لما يقوم بالجنان من الحقائق ، وهي أَثَرٌ من آثارها فإن الأركان جند الجنان وخدمه فلا تملك الخروج عن أمره ، كما لا يملك الجند الخروج عن أمر الملك ، وهي ، من وجه آخر ، مادة تَزِيدُ في الحقيقة الباطنة ، فالأسباب الظاهرة ترفد الحقائق الباطنة ، والجند إذا أخلص وَتَفَانَى فإن سلطان ملكه يرسخ ، فالأركان تَزِيدُ في سلطان الجنان ، فدولته كسائر الدول لا بد لها من قانون يحكم ، ولا بد لها من قاض يقضي ، ولا بد لها من جند يُنْفِذُ حكمها فَيَتَأَوَّلُ أمرها ونهيها ، ويذب عن ثغورها فهو جند يدفع العدو ، وهو جند يزيد في الأرض بما يطلب من أسباب الزيادة ، فثم جند يدفع فلا تنقص رقعة الدولة ، فإذا استقر أمرها وصلب عودها فتمكنت حقائقها من النفوس وظهرت آثارها في الأرض كانت حركتها أن تطلب الزيادة ، فذلك ما جبلت عليه ، فلا تشبع إن من خير أو من شر ! ، فمنهومان لا يشبعان ، كما في الأثر المشهور ، طالب العلم فهو طالب الخير وطالب المال ، وطلبه في الجملة أمر لا يقبح ، وإنما يقبح الاشتغال به عما هو أولى فيصير شرا بما طرأ عليه من الوصف الزائد ، فصار تحصيله غاية لا وسيلة وصار هو الشغل الرئيس إن لم يكن الوحيد فتلك عادة النفس إن لم تَتَضَلَّعْ من الحق زيادة ، فيفسد تصورها وينقض ، وتفسد إرادتها وتفسد أحكامها وأفعالها في الخارج إذ تباشر الأسباب طلبا للزيادة في الجاه والثروة وطلبا لأسباب القوة واللذة ، وافقت الشرعة أو خالفتها ، فلا تبالي بحلال أو حرام ، فقد اختل معيار الحسن والقبح بما كان من استبدال آثم ، إذ استبدل الوضع المحدث بالوحي المنزل ، ولكل معياره الذي يخالف الآخر بل ويناقضه ، فإن زيادة الحقيقة الإيمانية تكون باختيار الوحي معيارا يحكم وتأول أخباره بالتصديق وتأول أحكامه بالامتثال ، ونقصانها في المقابل يكون باختيار الوضع المحدث معيارا فيكون فساد التصور في طلب الأسباب ، فصارت القوة واللذة غايات ، وصار الجاه والثروة مناط السكون والحركة فلا تتحرك النفوس إلا طلبا له وَانْتِصَارًا وذبا عنه إن مشروعا أو محظورا ، فقد نقصت العقول إذ أعرضت عن المنقول من محكم الرسالة فلم يعد لها غاية إلا تحصيل العاجل ، وإن ناقصا فانيا ، وأعرضت عن الشريف من الآجل الباقي ، فصار تحصيل السبب من القوة والثروة غاية ، فاشتغلت النفس بالمفضول عن الفاضل ، فاشتغلت بأسباب الدنيا ، وإن كانت من الأسباب المشروعة ، فهي من جملة الوسائل التي تتبع مقاصدها حسنا أو قبحا ، فنقصت حقيقة الإيمان في الجنان بما كان من فساد التصور والحكم ، فدولة الإيمان في الجنان كدولة السياسة في البلدان ، فهي دولة ذات رأس وأركان ، وذات سلطان في القضاء والحكم والإنفاذ ، وهي مما يبدأ في القلب مطلقا فإذا زادت قوتها اتسعت رقعتها فعمت من أعمال الجوارح ما يصدق الحقيقة الحاصلة في القلب ، فَلِكُلِّ دولة من دول الإيمان رقعة ضاقت أو اتسعت ، فالدول تَتَفَاوَتُ في قوتها ، وَتَتَفَاوَتُ في رقعتها ، فلكلِّ قلبٍ من أسباب الإيمان حظ ، قل أو كثر ، ورقعة القول والفعل في الخارج تختلف ، فلكل إيمان في الجنان من حقائق القول والعمل ما يصدقه ، فتتسع الرقعة بالطاعة وتضيق بالمعصية حتى تكاد تزول بل قد تفنى فيدهمها المحتل ويقوض أركانها كما هي حال الإيمان إذا انتفى الأصل أو طرأ عليه من الناقض ما ينفيه وإن لم يَزُلْ منه التصديق ، فتزيد الحقيقة الإيمانية ، ولواحقها من الحقائق التشريعية والأخلاقية ، والحقيقة الوظيفية ، كحقيقة الطب والفلاحة محل الشاهد آنف الذكر ، والحقيقة السياسية وتوابعها من الحقائق العسكرية والاقتصادية ، كل أولئك مما يزيد حتى تبلغ الدولة أوج القوة ، وينقص في المقابل حتى يزول فلا يبقى من دولته في الخارج شيء يصح إطلاق لقبها عليه ، فقد صارت دولة من الماضي فلا حقيقة لها في الشاهد ، وَيَتَرَاوَحُ في أخرى فهي بين مد وجزر فيصدق فيها أن لها في الخارج حقيقة وإن كانت ضعيفة ، فالدول منها البائد ومنها الحاضر ، والحاضر مما يَتَفَاوَتُ فمنه القوي ومنه الضعيف بما قضى به الرب ، جل وعلا ، من سنة التغاير والتداول ، وكذلك دولة الإيمان في الجنان والأركان ، فمنها البائد بما يكون من ناقض الاعتقاد أو القول أو العمل الناقض ، ومنها الحاضر الذي يقوى تارة بما يكون من أسباب القوة من القول والعمل الذي يصدق حكم الجنان فهو الملِك الذي يحكم بما يحصل له من التصور ، صح أو فسد ، فمن دولة الإيمان ما هو حاضر ، فهو الذي يقوى تارة ، ويضعف أخرى بما يكون من أسباب الضعف من مخالفة القول والعمل عن جادة الوحي إن في تَرْكِ الطاعة أو في فعل المعصية فأسباب الضعف مِنْهَا أسباب الفعل والمباشرة ، ومنها أسباب التَّرْكِ والمفارقة ، فإذا قارفت الدولة سياسة فاسدة في السلم أو في الحرب ، في التجارة أو في الزراعة أو في العمارة ، أو تَرَكَتْ من أسباب الصلاح ما به قوام الملك وآكدها العدل فهو معنى شريف جاء الوحي يزكيه إذ جاء بحده المحكم ، وجاء بتفصيل دقيق يصدقه في جميع نوازل الحياة ، فإذا تركت أسباب القوة والصلاح ضعفت وانهارت أجزاؤها تباعا فلا يكاد يبقى منها إلا الصورة ، فثم مطلق دولة لا يكاد يثبت بها من الحقيقة إلا الأصل المجرد من أسباب الظهور والمنعة بل قد يزيد الفساد فتذهب الدولة وتفنى إذ جرت عليها أسباب الزوال ، وإن شيئا فشيئا فلا يحسها الناظر بمدرك حس عاجل وإنما هي مجموع أقوال وأفعال يتراكم فيدركه الناظر الذي يحسن يستقرئ تاريخ الدول فهو تيار أحداث يتصل لا يدرك آخره إلا بدرك أوله وما جرى بعده من إفساد يتراكم فيؤثر بمجموعه ما لا يؤثر بآحاده ، فهو كالحطب الصغير الذي يجتمع بعضه إلى بعض فتكون النار الحارقة التي تأكل الأخضر واليابس كما ضرب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم المثل لصغائر الذنوب أو محقراتها ، فلا يأبه بها العبد لحقرها فإذا بها تجتمع عليه فتحرقه ، فتؤثر بمجموعها ما لا تؤثر بآحادها ، ويكون من تراكمها ما يفسد المحل وإن لم يظهر الأثر المباشر فهو ما يحمل صاحبه أن يستخف بالشيء اليسير ، واليسير إلى اليسير عظيم ، وإنما السيل اجتماع النقط إن في الخير زيادة أو في الشر نقصا ، فكذلك الدول فهي بين قوي فاعل وضعيف عاجز ، وفان زائل ليس له ذكر إلا في بطون الكتب والمراجع ، فهو تاريخ بلا حاضر ، وكذلك الإيمان فمنه القوي ومنه الضعيف ومنه الزائل بما طرأ عليه من الناقض من القول أو العمل ، وكذلك الشأن في حقائق الصناعات فطبيب ماهر وآخر فاشل وثالث زائف ، وبينها من درجات القوة أو الضعف بها تصديق ما يقوم بالباطن من الحقائق التي استجمعها المؤمن فإيمانه يزيد وينقص ، واستجمعه الصانع فصناعته تَحْسُنُ تارة وتسوء أخرى ، واستجمعته الدول فهي تقوى في نفسها وَتَتَّسِعُ تارة ويصير لها من قرار السياسة ما يؤثر في فضائها القريب والبعيد ، وتضعف أخرى فتضيق رقعتها ولا يكون لها من قرار السياسة ما به تؤثر ، بل تصير مُنْفَعِلَةً تَتَأَثَّرُ بقرار غيرها فتصير تابعة لا متبوعة ، فالحقيقة أيا كانت ، في الأفكار أو في الصنائع أو في السياسات ، الحقيقة تتفاوت بين قوة وضعف ، بَيْنَ زيادةٍ ونقصٍ ، وَبَيْنَهَا من صور التدافع الذي يؤثر بالزيادة تارة وبالنقص أخرى ، بينها من صور التدافع ما يظهر تأويله في تغاير الحال ولو في المحل الواحد ، فتارة يقوى الإيمان بما يكون من أسباب الزيادة إن في التصور أو في القول أو في الفعل ، وتارة يضعف ويفتر سواء أكان ذلك باقتراف ما يضعفه أو الغفلة عن الذكر ، ولو لم يقارف معصية ، فالغفلة عن الذِّكْرِ والفترة عن الفعل تضعف المحل ولو لم يقارف سببا من أسباب العصيان المباشر ، وبهذا التدافع بين الأغيار قوة أو ضعفا ، وبما يكون من آثار الأسباب في المحال زيادة أو نقصا ، بهذا التدافع يظهر من آيات القدرة والحكمة الربانية ما يوجب الثناء بالخير العظيم على الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى فهو الذي يدبر الكون بما يجري من الأسباب ، وهو الذي يدبر الشرع بما ينزل من الأخبار والأحكام ، فاستقام الكون على سنن الربوبية واستقامت القلوب على سنن الألوهية ، فذلك من التلازم العقلي الصريح الذي يسلم به كل عاقل ، فالألوهية بالتصديق والقول والعمل الذي يستغرق الخاص والعام ما كان من سياسة الأفراد وما استغرق سياسة الأمم والدول ، الألوهية لازم التصديق بالربوبية على وجه يصلح الحال والمآل جميعا فلا صلاح لهذا العالم إلا أن يسير على منهاج الشرع المنزَّل كما أنه لا يصح وَيَبْقَى إلا بما يجري الرب ، جل وعلا ، من أسباب الرزق المنزَّل ، فهو رب الأديان بما ينزِّل من الأخبار والأحكام وهو رب الأبدان بما ينزِّل من الأرزاق ، فهو الذي أنزل كلا ، سبب الكون النافذ ، وسبب الشرع الحاكم ، فالجميع من كلمه وعلمه المحيط ، والتلازم بينهما ، كما تقدم ، تلازم وثيق في حصول الحقائق الإيمانية أو انتفائها ، في قوتها أو ضعفها ، فلا صلاح للمحل إلا بمباشرتها على وجه يستقيم به القياس فيصدق بالربوبية تَكْوِينًا ويمتثل الألوهية تشريعا بالخبر إثباتا ونفيا ، والحكم أمرا ونهيا .

    واللسان وهو آلة النطق الظاهرة يحكي ما يقوم من هذه الحقائق إن بالمحال الباطنة أو بالأخرى الظاهرة ، في أعمال الآحاد أو في أحكام الجماعات ، فاللسان يحكي زيادة الحقائق وقوتها ، أو نقصها وضعفها ، ويحكي القول أو العمل ، ويحكي لازمه في الخارج ، فيحكي إذا أثبت ، يحكي ثُبُوتَ مطلقِ الحقيقة والماهية في الخارج فهي أدنى ما يصدق فيه الاسم والعنوان ، ويحكي ما يفوق ذلك من ثبوت قدر زائد لا يزال يتدرج حتى يبلغ بصاحبه الكمال الواجب وربما زاد فبلغ قدرا من النفل به يتأول الحكم المستحب ولا يكون ، بداهة ، إلا أن يَبْلُغَ الواجب ابتداء ، فالعقل لا يبلغ الرقم اثنين إلا وقد حصل له الرقم واحد فلا يقفز من الصفر إلى الاثنين دفعة إلا على قول أصحاب الطفرة التي صارت من عجائب النظر في تاريخ الكلام والفلسفة فهي مضرب المثل في الأقوال الشاذة التي تَفَرَّدَ بها أصحابها فخالفوا عن المنقول والمعقول في الذهن والمحسوس في الخارج ، واللسان ، في المقابل ، يَتَأَوَّلُ من النَّفْيِ ما يواطئ الحقيقة في الخارج ، فهو منطق ألفاظ تُسْمَعُ بها حكاية المنطق الباطن أحكاما تَثْبُتُ أو تُنْفَى إما نفي الكمال الواجب دون الأصل الجامع فيحكي ما يكون من نقص يطرأ على الحقيقة بمباشرة بعض قوادحها ، وهي إما أن تقدح في الكمال الواجب وإما أن يعظم أثرها فتقدح في الأصل فَتَزُولَ الحقيقة في الخارج ولو قدرا مطلقا به يثبت جنس الشيء ، فاللسان يحكي هذه المعاني المتغايرة المتفاوتة على وجه يدق ، فَبِهِ يظهر من آي الخلق المحكم ما يوجب الثناء على الرب المهيمن ، جل وعلا ، إذ ركز في العقول إلهامًا من وضع اللسان ما به يترجم الإنسان عن مكنون فؤاده ، فامتاز بهذا المنطق الباطن عقلا ، والمنطق الظاهر لفظا ، فهو مناط التفضيل والتكريم وهو مناط التكليف الزائد الذي لا يطيقه حيوان أعجم لا يُبِينُ هذا البيان المفصل .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 29-09-2017 في 02:58 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •