من النصوص الدالة على انشطار الإيمان إلى أجزاء وشعب ، الخبر المشهور أَنَّ : "الطَّهُورَ شَطْرُ الْإِيمَانِ" ، وذلك القول المعتمد في مذهب أهل السنة ، فالإيمان عندهم اسم جنس إفرادي ، وهو مما يطلق على القليل والكثير ، وهو ، من وجه آخر ، اسم مجموع من أركان وشعب ، فالحقيقة في الخارج تَتَأَلَّفُ من أجزاء منها جزء رئيس لا تحصل الحقيقة في الخارج إلا به ، فَتَخَلُّفُهُ يَنْقُضُ البنيان في الخارج ، كالأساس من البيت فإذا زَالَ الأساس زَالَ البنيان ، فلا يقوم بلا أساس ، فتآكلُ الأساسِ أو انْتِقَاضُهُ يُفْضِي إلى انهيار البنيان ، خلافا لِزَوَالِ طَابِقٍ من طَوَابِقِهِ فَزَوَالُه لا يُزِيلُ الأصل ، وإن نَقَصَ من الحقيقة في الخارج ، فمسمى البنيان لا يَزُولُ بِزَوَالِ طابق من طوابقه ، وإن نقص فلا يطلق عليه أنه بُنْيَانٌ تَامٌّ بل هو ناقص في الخارج ، فكذلك المسمى المعقول ، فمنه التام ومنه الناقص ، ومن أجزائه في الخارج ما إذا زَالَ زَالَ المسمى كله ، فلا بَقَاءَ لفرع قد ذهب أصله ، وَثَمَّ في الخبر : "الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ" ، ثَمَّ طهور مخصوص فدلالة "أل" فيه دلالة العهد الخاص ، فهو الوضوء الذي لا تصح صلاة إلا به سواء أكان اسْتِئْنَافًا إذا انْتَقَضَ ، أو استصحابا له ، فهو شرط صحة يُؤَثِّرُ في الماهية الإيمانية المخصوصة ، فدلالة "أل" في "الإيمان" ، أيضا ، دلالة العهد الخاص فهو الصلاة ، فهي إيمان إذ هي منه ، فهي ركن من أركان الإسلام ، وشعبة من شعب الإيمان ، وهي إيمان إذ لا يصح إيمان إلا بها ، على قول من يحكم بانتقاض الإيمان بترك الصلاة ، فهي ، من هذا الوجه ، تجري مجرى الركن الأعظم الذي لا يصح للإيمان مسمى معتبر إلا إذا حصلت في الخارج ، فالركن يفارق الشرط إذ هو جزء من الماهية ، فالصلاة ، من وجه ، جزء من ماهية الإيمان في الخارج ، وهي وجنس العمل المجزئ في حصول أدنى قدر من الإيمان هما معا شرط صحة في الإيمان ، فالصلاة ركن من وجه ، شرط صحة من آخر على قول من يحكم بِانْتِقَاضِ إيمان مَنْ تَرَكَهَا ، فهي ركن يدخل في حد الماهية ، خلافا للشرط فهو خارج عن حد الحقيقة في الخارج ، وإن كان وجود الحقيقة مُنَاطًا به فهو يدور معه عدما ، لا وجودا فقد يحصل الشرط ولا يَلْزَمُ من حصوله حصول المشروط في الخارج ، فقد يتوضأ ولا يصلي ، وقد يستصحب وضوءه بعد الصلاة فلا يلزم من وجوده أن توجد الصلاة ، فالركن يخالف إذ هو جزء من الماهية في الخارج ، فكان في الخبر ما يُشِيرُ إلى عهد أول في باب الشرط ، وهو عهد الوضوء إذ هو طهور الصلاة ، وعهد ثان في باب الركن وهو عهد الصلاة فهي جزء من ماهية الإيمان في الخارج ، بل هي من أعظم الأركان ، بل قد يصح ، من وجه ، أن يطلق على الصلاة عنوان الإيمان الرئيس ، إذ هي ركن يُؤَثِّرُ في ذات الحقيقة على ما تقدم من قول من يحكم بَانْتِفَاءِ الحقيقة الإيمانية في الخارج ، ولو جنسا مطلقا ، إذا انْتَفَى ركن الصلاة ، فهو ركن يُضَاهِي ركن الشهادة إذ هو تَالِيهِ في الذكر في حديث جبريل المشهور ، فثم عهدان في الخبر ، وعهد الطهور ، من وجه آخر ، قد يستغرق طهورا آخر وهو الغسل ، فهو طهور الحدث الأكبر ، وبه تستباح الصلاة كما الوضوء ، فالغسل يجزئ في رفع الحدث الأصغر إذ يرتفع الأكبر فيرتفع الأصغر تَبَعًا ، فيندرج الأدنى في الأعلى ، ولو بلا اشتراط نية رفع الحدث الأصغر ، فارتفاع الأكبر يَرْفَعُ الأصغر تَبَعًا ، وذلك ما يشبه ، من وجه ، تداخل النَّوَايَا ، ففي الغسل قد تَتَدَاخَل النوايا كمن جامع ليلة عيد وَافَقَ يوم جمعة ، فغسله يستغرق نِيَّةَ رفع الحدث الأكبر وقسيمه الأصغر ، ونية الغسل في العيد لما فيه من معنى الاجتماع وهو ما رُجِّحَ حكمةً في غسل الجمعة فَثَمَّ اجتماع فيها كالعيد فَقِيسَ العيد عَلَيْهَا ، من هذا الوجه ، فاستغرق غسله نية رفع الحدث ، ونية الاغتسال للعيد ، ونية الغسل يوم الجمعة على خلاف في إيجابه ، فَثَمَّ من أوجب ، وَثَمَّ من حمل لفظ الواجب في الخبر أنه من السنن المؤكد كما في قول النبي المسدد صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" ، فحمل على أنه سنة مؤكدة لقرينة التخيير في قوله عليه الصلاة والسلام : "من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، في فرض لازم ، فذلك حق ثابت لا فرض لازم ، فيجري لفظ الإيجاب في خبر : "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" ، يجري ذلك مجرى المبالغة إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، إذ ليس الغسل شرطا في الصلاة وإنما يجزئ فيها الوضوء كما في الخبر آنف الذكر : "الطهور شطر الإيمان" ، فهو نص في الباب على حد القصر بتعريف الجزأين "الطهور" و "شطر الإيمان" ، واسم الطهور في هذا السياق اسم شرعي يَزِيدُ في اصطلاح الوحي معنى مخصوصا فيجاوز حد الطهر في اللسان ، فاسم الشرع يزيد في المعنى على اسم اللسان ، فذلك مما يجري مجرى تخصيص العام أو تقييد المطلق ، فالأسماء العامة المطلقة في اللسان قد جاء الشرع يَزِيدُ فِيهَا جملا من القيود ، وهي مما يَزِيدُ في حد الحقيقة في الخارج ، وإن قصر ، من وجه آخر ، أَفْرَادَهَا ، فإن اسم الطهر إن أطلق على الغسل المطلق فهو يصدق في حق من غسل يديه فقد طهرهما من الأذى ، بل ويصدق في حق الحائض إذا انقطع الدم وزال الأذى ، فقد طهرت لا الطهر الأخص الذي يجيز الصلاة والجماع ، على خلاف في الجماع فَثَمَّ من اجْتَزَأَ على معنى الطهر في اللسان ، فلم يشترط الغسل وإنما اشترط انقطاع الدم وغسل المحل فهو يجزئ في الجماع ، وذلك قول أهل الظاهر ، رحمهم الله ، واستدل أصحاب هذا القول بمعنى "طهر" المخفف في قوله تعالى : (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، فلا يظهر فيه من دلالة التكلف لأعمال الطهر ما يوجب قدرا زائدا على انقطاع الدم ، وثم من استدل بقراءة التشديد والتضعيف في "يَطَّهَرْنَ" ، فهي مئنة من تكلف الأسباب ، فلا يحصل الطهر المجزئ بانقطاع الدم وغسل المحل بل لا بد من قدر زائد من تكلف أسباب الطهر في الاصطلاح ، وهو الغسل المخصوص ، وذلك ، أيضا ، من جملة الأسماء التي استعيرت في اصطلاح الشرع للدلالة على حقيقة أخص في الخارج ، فهي تزيد من الشروط كالنية والأركان كتعميم الجسد كله بالماء ، والسنن كجمل من الأفعال المخصوصة التي دلت عليها الأخبار ، وليست داخلة في ماهية الغسل المجزئ وإن دخلت في ماهية الغسل المستحب ، كغسل الفرج ومحل الأذى إن كان الغسل من جماع أو احتلام ، والوضوء وتخليل الرأس ، ونقض الضفائر ثم إفاضة الماء على الرأس ثلاثا ، على خلاف آخر في نقض الضفائر فَثَمَّ من اشترطه فأدخله في ماهية الغسل الواجب ، وثم من فَرَّقَ بين غسل الحيض فأوجب فيه النقض ، وغسل الجنابة فلم يوجبه إذ يشق النقض حال الجنابة التي تَتَكَرَّرُ لحق الزوج في الفراش خلافا للحيض فلا يحصل إلا مَرَّةً في الشهر ، فصار النقض للضفائر جزءا من الماهية الواجبة في حال ، وجزءا من الماهية المستحبة في أخرى ، فحصل التفاوت في هذا القول إذ فَصَّلَ فَفَرَّقَ بَيْنَ الماهيتين ، ماهية الغسل من الجنابة ، والغسل من الحيض ، وهو أمر محل نظر ، إذ حقيقة الفعل في الشرع واحدة فلا تَتَفَاوَتُ ، وقد يقال إن الماهية واحدة ، وإنما حصلت المشقة حال الغسل من الجنابة لتكراره ، والمشقة تجلب التيسير فكان رفع الحرج بالتخفف من هذا الجزء من الماهية ، وهو النقض للضفائر فلم يزل جزءا من الماهية الواجبة في الحالين ، وإنما اغتفر تَرْكُهُ في حالٍ حصلت فيها المشقة فهي ، كما تقدم ، تجلب التيسير ، فحقيقة الغسل في الشرع تزيد على حقيقته في اللسان ، فمن غسل يده في اللسان فقد صح أنه تَلَبَّسَ بِفِعْلِ الغسل في اللسان لا غسل الشرع بداهة وإلا أجزأ الجنب أن يقتصر على غسل محل الأذى فيصدق فيه ، من هذا الوجه ، أنه قد اغتسل غسلا يجزئ في استباحة الصلاة ! ، وليس أحد يقول ذلك إلا من دخل في فَضَاءِ العناد للشرع على وجه يصدق فيه عنوان السفسطة ! ، وكذلك الشأن في الوضوء ، فَثَمَّ ماهية في الشرع تزيد على ماهية اللسان المطلقة ، فإن الوضوء في اللسان يصدق على غسل اليدين وبه احتج من قال إن أكل الجزور لا ينقض الوضوء ، فحمل الوضوء في الخبر : "أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ قَالَ إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ قَالَ أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ قَالَ نَعَمْ" ، حَمَلَهُ على غسل اليدين ، ودلالة "مِنْ" ، في "من لحوم الإبل" دلالة السببية ، ولا تخلو من دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية الوضوء من أكل الجزور ، وسبب الوضوء هو أكل الجزور فهو ناقض من نَوَاقِضِ الوضوء ، ولا يخلو السياق من حذف إيجاز لما دَلَّ عليه السياق اقتضاء ، فالوضوء من أكل لحم الجزور ، لا من لحم الجزور مطلقا فإن إطلاقة في الخبر قد ينصرف إلى فعل يغاير فعل الأكل كالمس باليد ، فوجب تقدير المحذوف الذي قَيَّدَ الإطلاق بفعل الأكل ، وهو ، من وجه آخر ، مما دل عليه السياق اقتضاء إذ لا ينتفع باللحم إلا في الأكل ، فذلك مما قد علم ضرورة ، كما في قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ......) ، فَحُرِّمَ نكاحهن ، لا مسهن بداهة ! ، فانصرف النهي إلى الفعل الذي دل عليه السياق إذ يُعَدِّدُ المحرمات في النكاح ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن المحذوف يظهر ، بداهة ، على وجه لا حاجة فيه أن يُقَدَّرَ المحذوف ، فأكل الجزور ونكاح المحرمات مما يظهر ، بادي الرأي ، لقرينة السياق ، فصرف بعض النظار الوضوء في الخبر إلى غسل اليد ، فحمل اللفظ على حقيقته اللغوية المطلقة ، وعضد قوله بما حكى من إجماع الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، على نسخ الوضوء من لحم الجزور ، وأجيب أن ذلك خلاف الأصل ، إذ يجب حمل اللفظ في نص الشرع على اصطلاحه الأخص لا اصطلاح اللسان الأعم ، إلا لقرينة توجب هذا التأويل ، فثم تأويل في كلتا الحالين ، لو تدبر الناظر ، فإن ثم من قرينة الشرع ما أوجب التأويل بالزيادة في حقيقة اللسان شروطا وأركانا ، فالطهر ، كما تقدم ، يحصل في اللسان بغسل المحل وإزالة الأذى والخبث ، فكان من قرينة الشرع إذ أوجب ماهيات مخصوصة في الخارج ، كان من قرينته ما أوجب تأويل اللفظ فَحُمِّلَ من المعنى الشرعي الزائد ما لم يحمله ابتداء بالنظر في أصل الوضع ، وقد يكون ثم ، في المقابل ، تأويل يستند إلى قرينة توجب صرف اللفظ في نص الشرع من المعنى الراجح المتبادر إلى آخر مرجوح ، فالراجح في نصوص الشرع حمل الألفاظ على الحقيقة الاصطلاحية الشرعية الأخص ، لا الحقيقة اللغوية الأعم ، إلا لقرينة توجب صرف اللفظ إلى الحقيقة اللغوية كما في قول رب البرية جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) ، فالصلاة في هذا السياق تَنْصَرِفُ إلى الصلاة في اللسان مطلقا ، وهي الدعاء بالثناء والرحمة ، فليس ثم قرينة في الخبر الذي أوجب الوضوء من لحم الجزور ، ليس ثم قرينة توجب هذا التأويل أن يصرف اللفظ من حقيقة الشرع إلى حقيقة اللسان ، وقد يجاب إن إجماع الخلفاء الأربعة على نسخه هو القرينة ، وذلك ما يجاب عنه ، من وجه آخر ، بأن إجماع الخلفاء الأربعة ليس الإجماع المعتبر في الشرع فهو إجماع بعض المجتهدين لا جميعهم ، فلا يعدو أن يكون اجتهادا لا يقبل مطلقا ، لا سيما إن عارض نصا صريحا ، فيقال إن اجتهادهم يحمد أن غَلَبَ على ظنهم النسخ ولم يثبت في نفس الأمر ، فليس كل اجتهاد يوافق الحق في نفس الأمر ، وإنما منه ما يصيب أجر الاجتهاد دون أجر الإصابة في نفس الأمر ، وإن أصاب الحق ، من وجه آخر ، فأصاب الحق الذي يجب عليه ، فهو مصيب في حق نفسه إذ يجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده ، وكذا من قَلَّدَهُ ممن عجز أن يَنْظُرَ بنفسه في الأدلة فكان اجتهاده في اختيار من يفتيه ، وَأَيُّ مفت أجل شأنا من الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، لا سيما وقد اتفقت أقوالهم في المسألة ، وذلك ، كما تقدم ، قد يصح عامل ترجيح إذا تعارضت الأقوال ولم يكن ثم نص فكان الباب باب اجتهاد في نازلة استجدت ، فيرجح الطرف الذي فيه الخلفاء الأربعة إذ لإجماعهم من الاعتبار ما له وإن لم يبلغ حد الإجماع المعتبر في الشرع كأصل من أصول الأحكام فهو ، كما تقدم ، لا يثبت إلا باتفاق جميع المجتهدين ، إن بالقول أو بالسكوت ، على تفصيل في حجية الإجماع السكوتي ، فلا تصح معارضة النص باجتهاد ، ولو كان اجتهاد الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، فليسوا بمعصومين ، وليسوا جميع المجتهدين ليقال بعصمة ما أجمعوا عليه وإنما هم بعض المجتهدين ، فيصيبون وهو الغالب ويخطئون وهو النادر ، فإجماعهم مظنة الإصابة لا يقين الحق في نفس الأمر ، فقد يخالفون باجتهادهم الحق في نفس الأمر مع سلامتهم من الأهواء والأغراض ، فقد ورد النص يزكي الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وذلك عموم يستغرق آحاد الجنس في الخارج ، ولو صغارَ الصحابة ، رضي الله عنهم ، فكيف بسادتهم وَرُءُوسِهم فهو أحق بالتعديل من باب أولى فقام من قرينة التزكية ما يوجب سلامة النية والقصد ، لا السلامة من الخطأ في الاجتهاد والتأويل ، فقد يجتهد آحاد منهم أو جمع لا يبلغ حد الإحاطة بجميع المجتهدين ، فيكون جمع من بعضهم ، كما في هذا الموضع ، فيجتهد هذا الجمع المخصوص الذي هو بعض من جماعة المجتهدين ، فيجتهد في طلب الحق وهو له أهل بما حصل له من آلة الاجتهاد حفظا وفقها ، ويبذل الجهد ويستفرغ الوسع ويجرد القصد قبل الشروع في النظر ، فيجتهد على هذه الحال المثلى فلا يصيب الحق في نفس الأمر فلا يُذَمُّ إذ فاته الحق في اجتهاد أو فُتْيَا في نازلة سواء أكانت من المنصوص عليه فقد لا يبلغه النص وقد يبلغه من طريق لا ترضى عنده وإن كانت مرضية في نفس الأمر ، وذلك ، بداهة ، ما لا يكون في قرن الصحابة ، رضي الله عنهم ، القرن الأول ، وإنما قد يحصل في القرون التالية إذ ليس لها من تزكية الوحي الخاصة ما للقرن الأول ، وإن لم تخل ، أيضا ، من تزكية في حديث القرون المفضلة ولكنها دون تزكية الصدر الأول ، فالنص لم يبلغ أبا بكر ، رضي الله عنه ، أن الجدة تَرِثُ فَتُنَزَّلُ منزلة الأم فهي أم وإن علت ، فاجتهد ألا يعطيها ، فكان اجتهاده في هذه الحال محمودا إذ استقرأ ما أحاط به من الكتاب والسنة فلم يجد لها إرثا باسمها الأخص ، اسم الجدة ، فلم يدخلها في اسم الأم في قوله تعالى : (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، إذ قصره على الأم المباشرة فهي ما يَتَبَادَرُ إلى الذهن ، فذلك ظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل مرجح يُرَجِّحُ ما خالف عن الظاهر فلم يرجح بادي الرأي ، فلم يحمل الأم في الآية على الجدة ، فذلك تأويل يفتقر إلى قرينة معتبرة ولم يكن ثم عنده مبدأ الأمر قرينة تعتبر في هذا المحل ، فلم يعط الجدة شيئا ، فذلك اجتهاده مبدأ أمره ، وهو الاجتهاد الذي يحمد صاحبه وإن لم يوافق الحق في نفس الأمر فإنه لم يأل جهدا ونصحا للكتاب والسنة وعامة من وَلِيَ أمرهم من المسلمين ، فَاسْتَقْرَأَ ما قد علم من النصوص فلم يَرَ فيها للجدة شيئا ، فكان اجتهاده فِي طلب الحق بما حصل له من آلة الاجتهاد ، فلم يصبه في نفس الأمر ، وإن أصاب الأجر الواحد وأصاب في حق نفسه وحق من يَسْتَفْتِيهِ ، فكان على الظاهر حتى أتاه الدليل الناقل عن الأصل ، وهو الظاهر ، فَمَعَ صاحب الدليل من زيادة العلم ما يوجب الانتقال إلى قوله ، كما أن المدعي إذا أقام بَيِّنَةً صحيحة معتبرة فالواجب قبول دعواه ، وإن لم تقبل بادي الرأي إذ لا بَيِّنَةَ ، فليست إلا دعوى مجردة من الدليل يجزئ في رَدِّهَا دعوى مثلها ! ، فدعوى في مقابل دعوى على وجه تَتَسَاقَطُ فِيهِ الدعاوى ، فكان من دليل الناقل عن الأصل قدر زائد إذ أخبر بما رأى ، فقد أعطى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجدةَ السدسَ ، فجاء الخبر الناقل عن الأصل من طريق واحدة ، ولم يقبلها الصديق ، رضي الله عنه ، ابتداء ، لا أنه يطعن في عدالة الراوي ، فإنه لم يَرْضَهَا من جهة الضبط لا من جهة العدالة ، فثم قرينة أخرى أوجبت التوقف احتياطا لا أنه يَرُدُّ خبر الواحد فلا يحتج به كما زعم من زعم ممن أنكر الاحتجاج بخبر الآحاد واحتج بمثل هذا الخبر ، فإن احتجاجه به وهو خبر آحاد ، هذا الاحتجاج ينقض دعواه فقد احتج بما منع الاحتجاج به ! ، فضلا أن ثم قرينة قامت في حق الصديق ، رضي الله عنه ، وهي طول ملازمتِه النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو من أعلم الناس بالسنة وإن كان من أقلهم رواية لاشتغاله بأعباء الخلافة فضلا أن عمره لم يطل بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم تُتَحْ له فسحة رواية كما أتيحت لغيره ممن عُمِّرُوا طويلا وحمل الناس عنهم علما غَزِيرًا ، فاحتاجهم الناس إذ انْقَرَضَ الصدر الأول إلا الآحاد في هذا المصر أو ذاك ، فوجب عليهم من التبليغ والتبيين ما لم يجب على المتقدمين ، فكان الأمر الأول وَفْرَةَ مجتهدين وَكَثْرَةَ ناقلين تحملوا الشرع عن الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكفى بعضهم بعضا المؤنة ، فكان الْمُكْثِرُ منهم يكفي الْمُقِلَّ ، كما هي حال الصديق إذ أقل ولم يخش وعيد كتمان فقد كفاه الجمع الكثير مؤنة التبليغ والتبيين ، فكانت قرينة طول الملازمة ، آنفة الذكر ، مما حمله أن يتوقف في قبول خبر الواحد ، فذلك معنى زائد يوجب التوقف لا الرد ، فَلَوْ سُلِّمَ به فليس دليلا يحتج به من ينكر الاحتجاج بخبر الواحد فإنه يرده مطلقا ، والصديق لم يرده وإنما توقف لقرينة عارضت فاحتاجت هذه القرينة إلى مرجح ، فكان خبر الثاني شاهدا يعضد الأول فَرَجَّحَ الخبر وأبطل الاحتمال الذي اعتبره الصديق ، بادي الرأي ، فقد قضى بظنه الراجح فلا يرجع عنه لخبر واحد ، لا أنه يرد خبر الواحد مطلقا فلو اجتهد وحصل له من غلبة الظن ما يخالف عن خبر الواحد ما وسعه إلا اتباع الخبر ، فيرد ظنه الراجح بما حصل عنده من الخبر الصحيح الثابت ، وإنما توقف ، كما تقدم ، لقرينة تزيد على ظن راجح في الاجتهاد قد تجرد من القرائن في الخارج ، فإن الحديث لم يصح عنده بادي الرأي ، لا أنه يكذب الناقل وإنما لاحتمال الخطأ لا مطلقا وإنما في هذا الموضع بعينه لما تقدم من قرينة طول الملازمة فإنها مِمَّا رَجَّحَ التوقف لا الرد ، فَتَوَقَّفَ أن يحكم بصحة الخبر فَلَوْ صح ما وسعه أن يؤخره ويقدم رأيه ، ولو ظنا راجحا ، فالخبر يزيد عليه في الدلالة سواء أكان متواترا يفيد اليقين أم آحادا يفيد الظن ، فظن الآحاد يرجح ظن الاجتهاد ويزيد عليه ، فلما كانت شهادة الثاني عضدا لخبر الأول ، حصل من الرجحان ما أوجب على الصديق أن يحكم بصحة الخبر ، فَرَجَحَا بمجموعهما ما تقدم من قرينة الملازمة الطويلة ، فذلك مِمَّا يجري مجرى التعارض بَيْنَ القرائن فأقواهما يقدم ، وذلك يشبه ، من وجه ، ما قِيلَ في شك الإمام أنه قد سها ، فإن غلب على ظنه أنه ما سها ، وسبح به واحد لم يرجع عن ظنه الراجح إلى تسبيح الواحد ، فإن زاد من سبح فسبح ثان فتلك قرينة عضدت الأول فرجحا بمجموعهما ما حصل في نفسه من الشك ، خلاف ما لو جزم أنه لم يَسْهُ لا عنادا وإنما اعتقادا وإن لم يصح في نفس الأمر فلو سبح به الجميع في هذه الحال فإنه لا يرجع إلى تسبيحهم إذ كيف يغادر ما يعتقد أنه يقين ؟! وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر ، فكيف إن كان المعارِض لا يستند إلى رأيه فقد يكون هو الساهي ، وإنما يستند إلى خبر كما تقدم في إرث الجدة ، مع قرينة ما عضده من خبر الثاني فهما بالمجموع يوجبان على الصديق أن يرجع عن فتواه واجتهاده ، بل أحدهما يوجب ذلك إن لم تعارضه قرينة كطول الملازمة فكان التوقف لقرينة فاحتاج إلى ثان يعضد الأول فيرجحان هذه القرينة التي قامت بنفسِ الناظر فَضْلًا أن الخبر وإن من طريقين لم يخرج أن يكون آحادا ، فهو من العزيز الذي جاء من طريقين ، والعزيز من الآحاد فلا حجة فيه على أي وجه لمن أنكر الاحتجاج بخبر الآحاد .

فكذا يقال في حديث الوضوء من لحم الجزور ، فاجتهاد الخلفاء الأربعة لا يعارض النص ، وإن كان النص ، من وجه آخر ، مما يحتمل ، فسؤال السائل في الخبر : "أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟! ، قَالَ نَعَمْ " قد يحمل على الْأَوْلَى ، فإذ أجابه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "نعم" ، فهو يَرُومُ التوكيد لا الإيجاب ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إنه قد خَيَّرَهُ فِي الشطر الأول : "أَأَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ قَالَ إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ" ، ولم يُخَيِّرْهُ في الثاني فدل ذلك أنه واجب إيجاب الفرض لا إيجاب الندب المؤكد ، وكذا يقال فيما تقدم في غسل يوم الجمعة ، فـ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" ، فَحُمِلَ لفظ الواجب أنه الحق اللازم الذي يحسن التنويه به وإن لم يكن فرضا ، فَثَمَّ حق الإيجاب الملزِم ، وثم حق الندب ، وهو ، عند التدبر والنظر ، حق يَزِيدُ على مطلق الندب ، فَهُوَ من الندب المؤكد ، إذ الندب كالفرض ، فكلاهما درجات فلا تستوي الفرائض جميعا ، وكذا النوافل ، فمنها المؤكد ومنها الراتب ومنها المطلق ، فذلك ما قد يحتج به من قال بالنسخ إذ السؤال يحتمل أنتوضأ وضوء الإيجاب أم وضوء الاستحباب ، والدليل إذا دخله الاحتمال المعتبر سقط به الاستدلال ، كما يقول أهل الشأن ، وقد قيل مثله في الخبر المأثور في غسل الجمعة ، فـ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" ، فدخله الاحتمال أنه واجب توكيدا لا فرضا ، لا سيما مع قرينة رجحت السعة في الترك ، وهي خبر آخر ، فـ : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" ، فالغسل أفضل استحبابا وإن حصل القدر المجزئ بالوضوء ، فضلا عن دلالة المحتلم فإنها تحتمل البالغ فهو محتلم بالقوة وإن لم يكن محتلما بالفعل ، وتحتمل ، من وجه آخر ، من احتلم بالفعل ويدخل فيه من جامع سواء أَنْزَلَ أم لم يُنْزِلْ ، فدخل الاحتمال من هذا الوجه ، فسقط الاستدلال ، فضلا عن قرينة أخرى كما في إنكار عمر على عثمان أن تأخر في الجمعة ولم يغتسل فلم يأمره بالخروج والاغتسال فلو كان واجبا ما صحت جمعة عثمان إلا به ، وأجيب بأن حمل المحتلم على المحتلم بالفعل تحصيل حاصل فالغسل واجب عليه سواء أحتلم يوم الجمعة أم احتلم في غيره ! ، فضلا أن الإيجاب لا يلزم منه بطلان العمل ، فقد يكون من الواجب الذي لا ينقض أصل الحقيقة في الخارج ، وإن نَقَضَ كمالها الواجب ، كما يقال في خصالٍ من الإيمان ليست هي الأساس وليست من الأركان الرئيسة التي لا تحصل الحقيقة في الخارج إلا بها ، وإنما هي من الشعب الواجبة التي لا يكمل الإيمان الكمال الواجب إلا بها ، فإن تخلفت انتقض الكمال الواجب ولم ينتقض الأصل الجامع ، فكذلك الشأن في إيجاب الاغتسال يوم الجمعة فهو إيجاب لأمر خارج عن ماهية الجمعة وليس شرطا في صحتها فيحمل على إيجاب زائد من خارج يحصل أصل الفعل بدونه وإن لم يحصل كماله الواجب .
والاحتمال قد يقال باعتباره ، أيضا ، في خبر غسل اليدين من لحم الجزور بحمل اللفظ على حقيقة اللسان المطلقة ، لا حقيقة الشرع المقيدة ، فالاحتمال قد يقال باعتباره بالنظر في إجماع الخلفاء الأربعة ، آنف الذكر ، فهو مما قوى الاحتمال ، وإن كان من وجه آخر قد أطلق إطلاق النسخ وليس ذلك مما يحصل بالاحتمال فلا بد من دليل بِعَيْنِهِ هو النص في محل النِّزَاعِ ، وقد يجاب إن الخلفاء الأربعة ما كانوا يقولون بالنسخ احتمالا فَفَتْوَاهُم ، من هذا الوجه ، تجري مجرى الخبر ، فيكون الخلاف من باب تعارض الأخبار فيقدم أصحها وأكثرها طرقا فهذا خبر ورد من أربعة طرق في مقابل الخبر الأول : "أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ قَالَ نَعَمْ" ، فيرجحه من هذا الوجه ، وقد يقال ، أيضا ، إنهم ما نَقَلُوا النسخ فَقَالُوا : كان مبدأ الأمر كذا وانتهى إلى كذا ، وإنما اجتهدوا في الحكم بالنسخ فلم تخرج فتواهم أن تكون اجتهادا فلا يعارض النص ، كما تقدم ، فحصل من التفاوت بَيْنَ حقيقة اللسان وحقيقة الشرع ما يوجب النظر إذ كان ثَمَّ احتمال يعتبر ، وإلا فالأصل ، كما تقدم ، أن يحمل اللفظ في نص الشرع على الحقيقة الشرعية المقيدة حتى ترد قرينة توجب تأويله وتأويله ، في هذه الحال ، أن يُرَدَّ إلى أصله في اللسان المطلق .

والله أعلى وأعلم .