ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" ، فأراد أبو ذر ، رضي الله عنه ، تكفير الذنب وأراد الإحسان إلى الأخ ، فسماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخا له في الخبر ، فـ : "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ" ، وذلك من القصر بتعريف الجزأين وهو قصر إضافي اقتضاه السياق إذ يوصي الأخ بأخيه فقد ابتلاه الرب ، جل وعلا ، أن جعله تحت يده فلو تدبر لعلم أن ذلك من التكليف لا التشريف ، وأنه ما ساد إلا لينظر الرب ، جل وعلا ، أيعدل أم يظلم ، أيشكر أم يكفر ، أيلين أم يقسو ، وقد أطنب في الإخبار إذ يذكره بحق أخيه أن ابتلاه الرب ، جل وعلا ، فجعله تحت يده ، وذلك جعل التكوين أن قدر له سيادة عليه ، فجاءت الوصية أمر إيجاب لا يخلو من إرشاد في قوله : "فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" ، فاللام : لام الأمر ، وقد ذكر الطعام واللباس في سياق التمثيل لِعَامٍّ إذ هما من آكد ضرورات البدن ، فخصهما بالذكر ، من هذا الوجه ، فلا يخص ذكرهما العام وهو معنى الإحسان فهو جنس يستغرق الإحسان المعقول ونظيره المحسوس ، وبعد الأمر جاء النهي أن : "لا تكلفوهم ما يغلبهم" ، وجاء الاحتراز في ختام الخبر ، فـ : "إن كلفتموهم فأعينوهم" ، ولا يخلو الشرط من معنى الإلهاب والتهييج فهو باعث على الفعل ، والفاء في جواب الشرط "فأعينوهم" نص في الربط وإن لم تخل من دلالة السببية والفور ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وجاء الاستفهام إنكارا صدر الخبر في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟! إنك امرؤ فيك جاهلية" ، ومن ثم كان الاستئناف على حد التوكيد فلا يخلو من دلالة تعليل على تقدير لام يُصَدَّرُ بها السياق ، فتأويل الكلام : لأنك امرؤ فيك جاهلية ، فذلك سبب أن عَيَّرَهُ بأمه ، وقد نكرت الجاهلية فتصدق في أدنى ما يطلق عليه اللقب ، فهي تحمل على المعنى المطلق الذي يحصل في الخارج إذا حصل أدنى قدر من الحقيقة والماهية يصح به إطلاق اللقب ، فلقب "جاهلية" المنكَّر يصدق على مطلق الحقيقة ، وهو ، من وجه آخر مما يحمل على التعظيم أو التحقير ، فالنوعية التي تدل على المعنى المطلق إما أن تطلق إطلاق التعظيم وإما أن تطلق إطلاق التحقير ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، وهو ما يشبه ، من وجه ، إطلاق الكفر والفسق في الخبر المشهور : "سِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ، فَفَرْقٌ بين جاهلية وكفر وفسق تدخل عليها "أل" ، فهي تحمل على المعنى الأكبر ، إلا أن تَرِدَ قرينة ترجح حملها على المعنى الأصغر ، فَفَرْقٌ بينها وبين ما نُكِّرَ منها ، كما يذكر بعض المحققين ، فهي تحمل على المعنى الأصغر إلا أن ترد قرينة ترجح حملها على المعنى الأكبر ، فالجاهلية المنكَّرة تنصرف بادي الرأي إلى الجاهلية الصغرى التي تنقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، ولا تخلو من دلالة التعظيم بالنظر في معنى الوعيد ، فإن إطلاق هذا اللقب على معصية يدل على عِظَمِهَا فهي من الكبائر التي لا تقدح في أصل الدين إلا إذا استحلها الفاعل أو كان التَّعْيِيرُ وَالتَّنْقِيصُ من قدر المؤمن لأجل دينه فهو يسخر منه ويتهكم لأجل إيمانه ! ، فيدخل الناقض لأصل الدين من هذا الوجه وإن كان الفعل ابتداء كبيرة تنقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فَنُكِّرَتْ من هذا الوجه ، مع ما تقدم من عظم شأنها فتلك كبيرة عظمى فِيهَا من الفحش ما يوجب حملان التنكير على التعظيم وإن لم تبلغ حد الجاهلية التي دخلت عليها "أل" فالأصل فيها أن تحمل على المعنى الأكبر ، كما تقدم ، فهي جاهلية تستغرق أجناس المعنى ، فدلالة "أل" من هذا الوجه مئنة من استغراق معنوى لأجناس المعرَّف ، فالجاهلية الكبرى جاهلية الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر ، أو جاهلية يقترف صاحبها ناقضا من نواقض الإيمان ، وإن لم يحصل في الخارج أصل الكفر أو الجاهلية جحودا ونكرانا ، فقد يُقَرُّ وَيَقْتَرِفُ مع إقراره ناقضا من نواقض الإيمان إن قولا أو عملا ، فيقدح في أصل الإيمان دون أن يقترف أصل الكفر فلا يشترط لِزَوَالِ أصل الإيمان من التصديق حصول نقيضه من أصل الكفر من التكذيب ، بل يَزُولُ بِنَاقِضٍ يُغَايِرُ عن التكذيب ، فليس الكفر كفر التكذيب وحسب ، بل ثم كفر بالقول أو بالعمل وإن لم يَزُلِ التصديق من القلب ، وما قِيلَ في الكفر والفسوق يُقَالُ في الجاهلية ، فالجميع قد نُكِّرَ لفظه ، جاهليةً في خبر أبي ذر رضي الله عنه : "إنك امرؤ فيك جاهلية" ، وكفرا وفسوقا في خبر : "سِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ، فيحمل في هذه الأخبار على معنى عظيم يفحش ، ولكنه لا يَنْقُضُ أصل الدين الأول ، فَالتَّنْكِيرُ مئنة من عِظَمِ الجرم ، ولكنه لا يَبْلُغُ به حد الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين إلا إذا اقْتَرَفَهُ استباحة أو عَلَى قاعدة دين فَهُوَ يُعَيِّرُهُ أو يَسُبُّهُ أو يُقَاتِلُهُ بُغْضًا لدينه فعنوان الإيمان هو سبب التعيير والقتال والسب ، فذلك ما ينقض الأصل ، خلاف ما لو كان الأمر عصيانا مجردا ، فذلك ما لا ينقض أصل الدين وإن قدح في كماله الواجب على وجه تعظم فيه الجناية إلا أن يكون ثَمَّ من مانع الوعيد ما يَثْبُتُ ، أو يكون من التأويل ما يرفع الحكم والإثم جميعا ، وذلك ما يقال في أي قتال بين طائفتين من المؤمنين ، وإن وقع البغي ، فقد يكون ثَمَّ من مانع الوعيد ما يَرْفَعُ الإثم ، فيكون ثَمَّ مصيبة تكفر ، أو يكون ثَمَّ من الطاعة ما يرجح هذا العصيان .... إلخ ، وقد يكون ثَمَّ تأويل يَرْفَعُ الإثم ، ولو بالنظر في مجموع الطائفة ، فقد يكون ثم آحاد لا يَرْتَفِعُ الإثم في حقهم ، فيكون ثم من الهنات التي يُؤَاخَذُ بِهَا وإن لم يكفر ، فغاية أمره أن يأثم مع أن هذا الإثم لا يوجب الخلود في النار سواء أكان الوعيد لنوع أم لشخص بِعَيْنِهِ ، كما هي الحال في قاتل عمار ، رضي الله عنه ، فهو ممن ثبتت له صحبة ، ولو في الجملة ، فثم من الوعيد الخاص ما يزيد على الوعيد العام فإن سُلِّمَ أن الوعيد واقع لا محالة ، فهو وعيد عصيان لا كفران ، وذلك استثناء من أصلٍ : أن الصحابة ، رضي الله عنهم ، في الجنة ، وذلك ما يقتصر بداهة على من صَدَقَ فيه حد الصحابي في الاصطلاح ، فذلك عنوان في الاصطلاح يَزِيدُ على العنوان العام في اللسان فحقيقة الاصطلاح ، كما تقدم مرارا ، تَزِيدُ على حقيقة اللسان كما يَزِيدُ المقيد على المطلق ، وكما يقضي الخاص في العام ، فلا يقدح في هذه القاعدة استثناء أبي الغادية قاتل عمار ، إذ جاء الوعيد الخاص في حقه ، فقاتل عمار في النار كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا تَعَارُضَ إذ لا تَعَارُضَ بَيْنَ خاص وعام ، فَلَئِنْ عمت النصوص المتواترة الصحابة جميعا بالثناء والمدح الذي يجعلهم من أصحاب الجنة ، فلا إشكال في خاص يخرج أحد أفراد العام فلا يُبْطِلُ ذلك دلالة العام على بَقِيَّةِ الأفراد ، فالعام المخصوص حجة فيما وراء صورة التخصيص ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، فيخرج واحد أو آحاد ولا يقدح ذلك في دلالة العام على بقية الآحاد ، وخروجه لا يكون بداهة إلا بقرينة تخصيص معتبرة فلا يخرج بالهوى والتحكم ، وإلا لو كان الأمر دعوى مجردة من القرينة لادعى كلٌّ دخولَ ما شاء من الأفراد في دلالة العام وخروج ما شاء ، وذلك من التحكم إذ لا دليل فيجزئ في رده دعوى تعارضه ، إذ دعوى تكافئ أخرى فيكون التساقط إذ تساوى الإثبات في طرف والنفي في آخر ، فالإيجاب والسلب إذا تساوا في القدر فاجتمعا في محل فمآل الناتج هو الصفر ! ، فيكون التساقط الذي يَرُدُّ الأمر إلى الأصل الأول بلا زيادة يوجبها المثبِت أو نقص يُثْبِتُهُ النافي ، فلا يقدح خروج أبي الغادية ، لا يقدح في العموم فذلك استثناء لا يقاس عليه فضلا أن الوعيد غير مؤبد إذ لا يلزم من دخول النار الخلودُ فِيهَا ولا يلزم أن فلانا نوعا أو شخصا في النار أن يخلد فيها فلو قطع بدخوله النار ومعه أصل الإيمان فهو يخرج منها ولو طال زمان المكث فناره نار تطهير لا نار تخليد ، فإذا طُهِّرَ من الذنب خرج إلى الجنة فإذا دخلها لم يخرج منها أبدا ، وذلك قدر فارق بين النار والجنة ، فالنار من دخلها قد يخرج منها إن كان دخوله تطهيرا من ذنب ولو عَظُمَ ، وعليه يحمل دخول أبي الغادية إن سُلِّمَ أنه سيدخلها قطعا ، وأما الجنة فمن دخلها فلا يخرج منها أبدا ، وفي كلتا الحالين يعظم الفضل من الرب ، جل وعلا ، ولا يقال إن قتل عمار ينقض أصل الإيمان ، فليس من نواقض الإيمان قتل مسلم ، ولو صحابيا جليل الشأن كعمار رضي الله عنه ، فتلك معصية تقدح في كمال الإيمان الواجب بل ويبلغ فيها الذنب حد الكبيرة ، فأطلق عليها اسم الكفر في الخبر : "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" ، وتنكيره ، كما تقدم ، مئنة من النوعية التي تعظم حينا وتصغر أخرى والسياق قد رشح دلالة التعظيم ولكن التنكير في المقابل قد رجح حملها على المعنى الأصغر الذي يصدق بأدنى حد من الحقيقة في الخارج ، فقتال عمار وقتله كفر أصغر لا يقدح في أصل الدين الجامع وإن قدح في الكمال الواجب ، إلا أن يكون ذلك على قاعدة دين فيكون قِتَالُهُ أو قَتْلُه بُغْضًا لدينه ، فذلك قادح في أصل الإيمان يوجب حمل الكفر في هذه الحال على الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، ولم تكن الحال كذلك فالقتال ، كما تقدم ، كان قتال بَغْيٍ أو تأويل ، فلم يكن على قاعدة دين ، ولم يُكَفِّرْ أحد الفريقين الآخرَ ، بل قد نهى عمار مَنْ كَفَّرَ أهل الشام ، فلما حكم بعض أهل العراق على الطائفة الباغية من أهل الشام أنهم كفار نَهَاهُ عمار فهم إخوانهم وإن بغوا عليهم ، وقد تأول علي ، رضي الله عنه ، لأهل النهروان ذلك ، وجرمهم أعظم ، والذم في حقهم أعظم ، كما في الخبر : "كِلاَبُ النَّارِ كِلاَبُ النَّارِ ، ثَلاَثًا ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ" ، خلافا لأهل الشام فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر المشهور : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" ، وصفهم أنهم مسلمون ، فشتان بَغْيُ مَنْ وَصَفَهُ الخبر أنه ضال وإن لم يحكم عليه بالكفر الأكبر ، وهو ما تأوله علي ، رضي الله عنه ، في قتال الخوارج فلم يقتالهم قتال الكفار إذ امتنع أن يكفرهم فقاتلهم قتال البغي ، فأهل الشام أولى بذلك ، فشتان من وُصِفَ أنه ضال وإن لم يكفر على الراجح من أقوال أهل العلم ، ومن وُصِفَ أنه مسلم وإن وقع في البغي كما هي حال أهل الشام ، فقتالهم قتال البغاة لا على قاعدة دين ولا قاعدة دنيا وإن في الجملة فلم تخل النفوس من حظ رياسة وإن خَفِيًّا إلا أن الغالب كان التأويل على وجه يرفع الإثم فكان على قاعدة القصاص لدم عثمان ، رضي الله عنه ، وذلك ، أيضا ، مما ينظر فيه نظر المجموع الغالب فتلك حال غلبت على أهل الشام وإن لم تَعُمَّهُمْ جميعا ، فلا يخلو جمعٌ حال القتال من أهواء أو حظوظ نفس ، ظهرت أو خفيت ، عظمت أو صغرت ، وإنما الحكم للمجموع الغالب والله ، جل وعلا ، يَتَوَلَّى السرائر ، فكان قتال التأويل طلبا للقصاص وإن وقع فيه من البغي ما وقع ، فالبغي ، من هذا الوجه ، على أنحاء ، فَثَمَّ بغي على قاعدة الطعن في الدين ، فيكون قتال المؤمن وسبابه لأجل دينه فعنوان الإيمان هو عنوان القتال والسب ، فذلك مما يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع فقتال المؤمن وسبه لأنه مؤمن مئنة من بغض الدين الذي ينتحله فيكون النقض من هذه الجهة لا من جهة القتال والسب فهو معصية من جملة المعاصي القولية والعملية والأصل فيها أنها تَنْقُضُ كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، وَثَمَّ بَغْيٌ على قاعدة دنيا كالقتال على الملك فيكون الدافع هو أغراض السياسة الجائرة في استلاب الملك كما قد وقع في بَغْيِ عبد الملك بن مروان على ابن الزبير ، رضي الله عنه ، وهو الإمام الذي جاءته بيعة الأمصار جميعا إلا الشام بل وبايعه منها من لهم من الشوكة ما تحصل به المنعة كالضحاك بن قيس حتى كان بَغْيُ مروان بن الحكم إذ امتنع من البيعة وجمع ما بقي من بني أمية مع بعض أوليائهم في الأردن فناجزوا الضحاك وحزبه على قاعدة العصبية بين اليمانية والقيسية ، فكان اليمانية عصبة بني أمية ، وكان القيسية عصبة الضحاك فظهرت آثار الجاهلية في العصبية والحمية على وجه ينتقص من الدين ما ينتقص وإن لم يأت على أصله الجامع ، فيشبه ، من وجه ، ما تقدم من زجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي ذر ، رضي الله عنه ، فَوَصَفَهُ أن فيه جاهلية ، ولم يصفه أنه جاهلي كامل ، وإنما داخله من شعب الجاهلية تعييرا بالأم ما ينتقص من الحقيقة الدينية دون أن يقدح في أصلها ، فكذلك كان الشأن في بَغْيِ مروان وابنه عبد الملك مِنْ بعده ، فكان البغي استنادا إلى حمية الجاهلية إذ استعملها بنو أمية في حرب الزبيريين ، وكانت عصبيتهم العربية وإن نفعت في قمع المحدثات التي كانت أصولها في الجملة أعجمية ، إلا أنها أضرت ما أضرت إذ أضعفت عصبية الدولة فضلا عن مخالفتها أحكام الشرعة التي تفاضل بين الناس بالتقوى لا باللون أو بالعرق ، وذلك ما قد عمت به البلوى في المقابل في دعوى الشعوبية لا سيما الفارسية فجعلت مناجزة العرق العربي غايتها وحملها ذلك أن تناجز الإسلام نفسه أن نَزَلَ في العرب مع أنه لم يكن حكرا عليهم فرحمته عامة تستغرق العالمين جميعا ، ومعياره محكم قد جعل التفاضل على أساس من التقوى ، وذلك أمر لا زال الفرس ينتحلونه إلى يوم الناس هذا بل قد ظهر من بغيهم على العرب ما قد اشتهر في ميادين السياسة والحرب فلم ينس القوم ثأرهم وإن كسوه لحاء المذهب ، فحقيقته العرق والجنس ، فالفرس قد تحملوا من إرث الضغائن ما تحملوا حنقا أن أزال العرب ملكهم العتيد الذي اقتسم العالم القديم مع الروم بل وفاقهم في أحيان حتى اضطرهم إلى الانحياز عن بلاد الشام حتى استرد هرقل الشام وما استلبه الفرس فَرَدَّهُم ردا أدخل السرور على أهل الإيمان في مكة أن كان الروم أقرب إليهم في الجملة فهم أهل كتاب خلافا للفرس عباد النار ، وكان ذلك تأويل الخبر الصادق في قول الرب الخالق جل وعلا : (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يدل على عموم الإعجاز الخبري بما أطلع عليه الرب ، جل وعلا ، نبيه المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يستغرق غيوبا ماضية كقصص الماضين ، فـ : (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) ، وغيوبا حاضرة كما قد أعمله بما كان من أمر عمير بن وهيب وصفوان بن أمية إذ تعاهدا على قتله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان ذلك ، كما في قصص السِّيَرِ المشهور ، كان ذلك سَبَبًا في إسلام عمير ، رضي الله عنه ، ويستغرق ، أيضا ، غيوبا مستقبلة إن بالنظر في زمان النُّزُولِ فوقع تأويلها في حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما تقدم من غلبة الروم بعد انهزامهم أمام الفرس ، وهو يستغرق ، أيضا ، من الغيوب المستقبلة بالنظر في زمن النزول ما وقع تأويله بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما تقدم من خبر : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" ، أو ما لم يقع تأويله بعد كأشراط الساعة التي جاء بها الوحي ، فذلك من خبره الصادق ، فكان من العصبية الفارسية شعوبيةٌ تحملت الضغائن فأبغضت العرب إذ فتحوا بلادهم مع أنهم ، لو تدبروا ، قد فتحوها بسيف الإسلام لا بسيف العرق والعصبية فلم يكن الفتح عربيا لينقموا على العرب وإنما كان إسلاميا فيلزمهم أن ينقموا على الإسلام وذلك ما التزمه زنادقتهم ممن دخل في الإسلام نفاقا ورام إفساده من الداخل ، كما في حركة الزندقة والوضع الشهيرة مطلع الخلافة العباسية فقد كان ضعف العصبة العربية ، من وجه ، وهي معدن الوحي أن نَزَلَ بلسانهم وضعف العرب يقترن في العادة بضعف الإسلام ، كما يقول بعض خصوم الرسالة في سياق التحريض على العرب فإضعافهم كما هي الحال في هذه الأعصار إضعاف للإسلام فهم نواته الصلبة وحاضنته الرئيسة أن نَزَلَ بلسانهم فعندهم من العلم به في الجملة ما ليس عند غيرهم وإن كان تاريخ الإسلام حافلا بعلماء من الموالي أصولهم غير عربية وهم مع ذلك أئمة في العلوم الإسلامية ، روايةً ودرايةً ، ولا يخلو قولهم من تناقض بالنظر في حال رجالٍ كسلمان الفارسي ، رضي الله عنه ، فإنهم يعظمونه وقياس العقل أن يذموه فهو خائن للفرس أن كان في جيوش الفتح العربية ! ، فَلَوْ طردوا القياس لأوجبوا ذمه ولعنه كما يصنعون مع بقية العرب الفاتحين من عمر إلى خالد إلى سعد ..... إلخ من قادة الفتح وإن اختصوا عمر ، رضي الله عنه ، بقدر زائد من الفحش أن كانَ رأسَ الأمر الذي أزال ملكهم التالد ، فأزاله بسيف الرسالة لا سيف الجنس الذي توهمه القوم فانتحلوه جيلا بعد آخر حتى تأولوه في هذه الأعصار قتلا وهتكا لا يستحله الفاعل ولو من الكافر ، فعدوانه قد جاوز حد الشرع ، فـ : (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، بل وجاوز حد العقل ، لو تدبر الناظر ، وما كان الحامل لهم عليه إلا العصبية الشعوبية في مقابل العصبية العربية الأموية فلا ينكر الناظر ما فيها من نقص إلا أنها لم تبلغ هذا القدر في الفحش والظلم ، وما يقال في هذه العصبية الفارسية يقال في كل عصبية ناجزت الوحي ، كما هي الحال الآن في العصبية الغربية لا سيما الأنجلوساكسونية ، فإنها تتعصب للعرق الأبيض الأنجلوساكسوني البروتستانتي ، فلا ترى في نفسها إلا السيادة استنادا إلى العرق ، ولا ترى غيرها إلا خدما أو عبيدا كما كانت الحال في منشأ العالم الجديد إذ كان السود عبيدا يستجلبون لحرث الأرض فلا وظيفة لهم في الحياة إلا خدمة السيد الأبيض ، وكذلك الحال في العرق الملون فلم يقتصر عدوانهم على العرق الأسود ، وإنما عم جميع الأعراق ، لا سيما إن كانت تحمل رسالة الإسلام فهي العدو التاريخي الأبدي لحضارة قامت على تقديس العرق وذلك ما جاء الوحي يبطله بل ذمه أن كان من أجناس الجاهلية ، فجاء الوحي يبطله أن جعل معيار التفاضل ، كما تقدم ، هو التَّقْوَى ، وعجبا أن يَنْبِزَ أولئك أهل الإسلام بالرق وهم من قارف من جرائمه ما صار مضرب المثل في العصر الحديث ، فلم يمض على جنايتهم قرنان أو يزيد وتلك وصمة لا يمحوها الزمن وقد سطرتها أيديهم فكانوا شهودا من أهلها على عظم الجناية في مقابل ما كان من رق في أحكام الرسالة بلغ الغاية في العدل والإنصاف والرحمة والإحسان ، وإن وقع ما وقع من انحراف في أعصار إلا أن المجموع الغالب كان خيرا ، كسائر أحكام الدين ، وإن لم يخل من شر فضلا أن نواة الإسلام الأولى كانت مثالا يقاس عليه فكان الخير فيها أعظم وكان الشر أدنى وأقل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مئنة من صحة الدعوى إذ كلما قاربها الإنسان بِنَاظِرِهِ وتدبرها بعقله وجد الخير والعدل والرحمة وكلما باعد عنها لم يجد من تلك المعاني ما يجده في سيرة الأوائل فكانت سيرتهم من هذا الوجه دليلا من أدلة الصحة .

فكان بغي بني أمية ، وهو محل شاهد تقدم ، كان بغيهم على الزبيريين استنادا إلى العصبية القبلية اليمانية ، وكان قتالهم لا على قاعدة دين فلم يُكَفِّرُوا ابن الزبير ولم يكن قتالهم له أنه مؤمن وإنما كان قتالهم على الملك فدخلهم النقص والذم من هذا الوجه فقتالهم له ظلم لا يَبْلُغُ الظلم الأكبر ، والتأويل في حقهم وإن رفع الحكم فلا يرفع الإثم ، وقل مثله في صنيع بني العباس معهم فقد قاتلوهم بعصبة مختلطة وإن غلبت عليها العصبة الفارسية فتذرعوا بمظالم بني أمية العربِ في حق الموالي من العجم ، فهيجوهم على بني أمية وكان ما كان من البغي لا على قادة الدين ، أيضا ، فلم يبغضوهم أنهم كانوا على ملة الإسلام إلا ما كان من زنادقة العجم الذين دخلوا في دعوتهم إذ تشفي أحقادهم القديمة على العرب كما قال القائل يصف حالهم :
من كَانَ يسألني عَنْ أصل دينهم ******* فَإِن دينهم أن تهلك العرب .
فلم يكن بغض بني العباس لبني أمية ، في الجملة ، أنهم مسلمون ، وإنما كان البغض لأمر دنيا فكان البغي على وجه لا يرفع التأويل فيه الإثم والذم لما كان من إسراف في القتل وإن رفع الحكم بالكفر .

وثم ، في المقابل ، بغي على قاعدة تأويل سائغ يرفع الحكم والإثم جميعا كما هي حال أهل الشام ، وثم بغي على قاعدة تأويل مرجوح غير سائغ وإن رفع الحكم فلا يرفع الإثم كما هي الحال في قتال الخوارج ، فرفع الحكم بكفرهم على الراجح من أقوال أهل العلم ، فإن التفضيل في قول البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ" ، يحمل على المبالغة فليسوا أشر الناس فالكفار أشر منهم ، وإطلاق الوصف أنهم كلاب أهل النار لا يلزم منه خلودهم في النار ، فدخولها ، كما تقدم ، لا يلزم منه الخلود فيها ، فقد يدخلها أهل العصيان دخول التطهير ومن هذا الجنس الخوارج ، فالتطهير ، أيضا ، من الجنس العام الذي تندرج فيه آحاد ، فثم تطهير من عصيان شبهة كما هي حال الخوارج فلم يكن ضلالهم من شهوة أو معصية ظاهرة بل قد كانوا أصدق الناس في القول حتى قبل أهل العلم حديثهم إذ لا يكذبون خلافا لمن فشا فيه الكذب كالرافضة ، فحديث الخوارج من أصح الحديث ، وقد خرج لهم أصحاب الكتب إن احتجاجا أو استشهادا كما قد روى البخاري عن عمران بن حطان الخارجي وإن استشهادا ، على تفصيل في ذلك ، وكانوا من أعف الناس وإن أسرفوا في القتل على وجه جاوز حد العقل في أحيان كثيرة فَعَفُّوا عن أكل مال بلا إذن وقتلوا عبد الله بن خبيب وبقروا بطن جاريته واستخرجوا وليدها ! ، فكان من الجهل والغلو ما بلغ حد التنطع والتعصب الذي يفسد العقل فلا يحسن يقيس ويحكم ، فحكمه لا يوافق العدل الذي أمر به الرب ، جل وعلا ، فهو من أحكام العقل الضرورية فضلا عن حكمه في الشرع الذي جاء يواطئ قياس العقل الصريح ، فأولئك ليسوا في الجملة كفارا وإن كانوا في الجملة ضلالا ، فوعيدهم من هذا الوجه وعيد مطلق فهو وعيد أنيط بوصف أو عنوان عام تندرج فيه آحاد وهو عنوان الخوارج فتحته آحاد كثيرة ، فقد يكون منهم الكافر الزنديق فيكون جزاؤه الخلود في النار ، وقد يكون منهم التقي الورع الذي صدق في قصده واجتهد في تحري الحق ما استطاع فلم يَبْلُغْهُ إذ قصر عقله عن دركه لا هوى أو تقصيرا وإنما اجتهد ما استطاع فكان أن عمل بما غلب على ظنه أنه الحق وإن كان باطلا ظاهر البطلان فكان من الشبهة المعتبرة ما رفع عنه الحكم والإثم معا وذلك إن ثَبَتَ فَفِي حق آحاد فالجنس العام قد شملهم بالذم والوعيد ، وإن خرج واحد باستثناء يخصه فَقَدْ قُصِرَ على محله فلم يجاوزه ، فخرج من الوعيد لمعنى في الباطن لا يعلمه إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، فلا ينجو من الوعيد العام في الدنيا إذ عمه الخبر بدلالته ، وإن نجا من الوعيد العام يوم الحساب والجزاء فقام بقلبه من الإخلاص وتحري الحق ما منع نفاذ الوعيد في حقه أو كان من العمل الصالح لا سيما والخوارج من أعبد الناس أو المصيبة المكفرة أو عذاب القبر أو أهوال القيامة أو شفاعة صالح من أهله ، فهو من أصحاب الكبائر الذين تجوز في حقهم الشفاعة فيدخلون من هذا الوجه في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي" ، فهم يدخلون في عموم : "أهل الكبائر" فذلك من المعرف بالإضافة ودلالة التعريف من هذا الوجه دلالة عموم تستغرق أصحاب الكبائر جميعا ، وإن دخله التخصيص من وجه فخرج من هذا العموم أصحاب الكبائر الناقضة لأصل الدين الجامع ، كالكفر والسحر ، فأولئك قد خرجوا بقرينة نص منفصل قد ورد في مواضع أخرى من الوحي كما في قوله تعالى : (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) ، فأولئك هم الكافرون ، سواء أكان كفرهم كفر أصليا أم كفر نفاق أم كفر ردة أم كفر تكذيب وجحود أم كفر قول وعمل يقترف صاحبه من ناقض الإيمان ما قد عم جنسه الناقض الباطن والناقض الظاهر من القول والعمل ، فالعموم في "أهل الكبائر" يدخل فيه الخوارج ، فكبيرتهم ، كما تقدم ، لا تنقض أصل الإيمان الجامع وإن نقضت كماله الواجب .

فثم ، كما تقدم ، تطهير في نار العصاة ، إن تطهير الشبهة كحال الخوارج ، أو تطهير الشهوة كحال العصاة من الموحدين فتطهيرهم كتطهير أصحاب الشبهات كالخوارج وسائر أصحاب المقالات المحدثة ، وإن كان ثم اختلاف في القدر ، فلا يستوي إثم الشبهة وإثم الشهوة ، فإثم الشبهة في الجملة أعظم ، وإن كان أصحاب الشبهة ، من وجه ، أعف فلا يقارف من له مقال ونظر لا يقارف من الدنايا من همته أن يأكل أو يشرب أو ينكح ، فشهوته هي الحاملة له أن يعصي ، فدركته أخس ، ولو تدبر الناظر ، من وجه آخر ، لوجد من التلازم بين الشبهة والشهوة ما لا يخفى ، فهو من قبيل التلازم بين فساد القوة العلمية بالشبهة وفساد القوة العملية بالشهوة ، ففساد العلم يُفْضِي في العادة إلى فساد العمل إلا في استثناء يندر لا يقاس عليه كما تقدم من حال الخوارج فهم من أعف الناس ، فلا يقاس عليهم بل الغالب أن يقترن فساد التصور العلمي بفساد الحكم العملي ، فالعلم أول والعمل ثان يصدقه فهو تأويله في الخارج ، فلا يفسد الحكم الظاهر إلا وقد فسد التصور الباطن ، فاستوى الجنسان : أصحاب الشهوة وأصحاب الشبهة ، فكلاهما إن لم يكن قوله أو عمله ناقضا لأصل الدين فلا تكون شهوته ناقضة للأصل كمن يستحل نكاح المحارم ولا تكون شبهته ناقضة لأصل الدين كالمقالات المغلظة من باطنية ونصيرية ...... إلخ ، فالشهوة والشبهة ، أيضا ، مما يصدق فيهما التقسيم آنف الذكر ، فَثَمَّ منهما ما ينقض كمال الإيمان الواجب ، وثم ، في المقابل ، ما ينقض أصل الإيمان الجامع ، فمقالات الإسلاميين المنتسبين إلى القبلة جنس عام تندرج فيه آحاد ، منها ما ينقض كمال الإيمان الواجب كمقال الخوارج والشيعة الأوائل والمتكلمين والمرجئة والقدرية نفاة الكتابة لا نفاة العلم فنفاة العلم يندرجون في نوع آخر ، وهو النوع الناقض لأصل الدين الجامع كمقال القدرية نفاة العلم ، كما تقدم ، وغلاة الجهمية وغلاة المعتزلة في باب الأسماء والصفات ، وغلاة الباطنية من الإسماعيلية والدروز والنصيرية والبهائية .... إلخ ، ولكلٍّ دركة في الذم والوعيد ، ولكلٍّ دركة من النار ، سواء أكانت نار الخلد فإن الكفار والمنافقين والمرتدين على دركات وإن جمعهم وصف الخلود العام فَثَمَّ تفاوت في الدركات ، فلا يستوي أصحاب النار في الدركات الأخص وإن جمعهم وصف الخلد ، وكذلك الشأن في نار التطهير ، فهي دركات فلا يستوي أصحابها فالشهوات المحرمة التي أنيط بها الذم والوعيد على دركات ، فلكلِّ ذنب من العقاب ما يلائمه ، وذلك جار على قياس الحكمة إذ تقضي أن يوضع الشيء في المحل الذي يلائمه فيحكم على كل محل بما يليق به ، وكذلك الشأن في الشبهات ما لم تكن مكفِّرة في نفسها فهي مما تَتَفَاوَتُ في الذم والوعيد ، فيكون لأهلها إن كانوا على أصل الدين ، فمعهم من التوحيد ما ينجيهم ، يكون لأهلها من الدركات ما يواطئ مقالاتهم المحدثة ، فلكلِّ محدثة إن في العلم أو في العمل ، إن في القول أو في الفعل ، إن في الباطن أو في الظاهر ، لكلِّ محدثة من الوعيد ما يلائمها ، فيواطئ الحكم المحل على وجه تظهر به ، أيضا ، آثار الحكمة التي توجب الثناء بالخير والكمال المطلق على الرب الخالق المهيمن جل وعلا .

فصار من جنس الجاهلية ما اندرجت فيه آحاد كثيرة في الخارج ، فجاهلية كبرى تنقض أصل الدين ، وأخرى صغرى تنقض كماله الواجب ، وفيها من جاهلية العمل ما يقارف صاحبه مِنَ الشهوات ما ينقض كمال الحقيقة الإيمانية ويضعف القوة العملية ، فالشهوات تقدح في الإرادة والعمل ، ومن شؤمها العاجل أن تُضْعِفَ العزمَ وَتَسْفُلَ بالهمة فلا يكاد صاحبها يروم إلا كل خسيسة تنقص الدين وتزري بالمروءة ، فالجاهلية الصغرى منها جاهلية العمل المحرم الذي لا يقدح في أصل الدين وإن قدح في كماله الواجب ما لم يقارفه صاحبه بقيد الاستباحة أو الاستهزاء والاستخفاف بالشرع فذلك في نفسه ناقض سواء أقارف أم لم يقارف ، فالجاهلية الصغرى منها جاهلية العمل ، كما تقدم ، ومنها من جاهلية المحدثات العلمية ما يخرج صاحبه من دائرة السنة إلى دائرة البدعة ، ومن دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام فهو ، كما تقدم ، كمقارف الكبيرة الذي انتقض كمال إيمانه الواجب دون أصله الجامع ، فلا يخرج بها من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر ، وإن صح ، من وجه ، أن يقال بخروجه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر بالنظر في النوع الأصغر الذي ينقض كمال الإيمان الواجب ، وذلك ما يحسن التوقف فيه على نص الوحي ، إذ قد أطلق على بعض الأقوال والأفعال لقب الكفر وإن لم تكن من النوع الأكبر القادح في أصل الدين الجامع ، وذلك معيار من معايير الكبيرة باستقراء نصوص الشريعة .

وكان من الجاهلية في الأوصاف ما يظهر في محال كمحال الجدال فيجهل كل خصم على خصمه ، ويكون من إرادة العلو والانتصار ما يفسد الود بين الناس إذ يعظم التعصب والغلو وهو ما يوغر الصدور بما يكون من البغي والعدوان ، ويتكلف كُلٌّ من الأدلة ما ينصر مقاله ، ولو باطلا ، فظهوره ولو بالباطل أحب إليه من ظهور خصمه ولو بالحق ، فصار حظ النفس في السيادة باعث الهمة أن تجادل وتخاصم فهي عن حظها تناجز وإن ألبسته كساء الوحي النازل ، وذلك من أعظم القوادح في النوايا والمقاصد ، كما يقول بعض المحققين ، فإن من كره الصواب من غيره ونصر الخطأ من نفسه لم يؤمن عليه أن يُسْلَبَ العلم والذكر بل قد يزيد الأمر فتعظم الجناية في حق الديانة فيكون الرياء في الجدال القادح في أصل الإيمان كما في جدال الطرائق الباطنية وسائر المذاهب الفكرية التي تخالف الوحي أصله التوحيدي الأول ، أو أصلا من أصوله الرئيسة التي لا تحصل حقيقة الدين ، ولو مطلقة ، إلا به ، فالقدح فيه قدح في ماهية الدين وإن لم تقدح في أصل التوحيد ، إذ قوادح الدين ونواقض الإيمان ، كما تقدم مرارا ، لا تقتصر على جحود التوحيد بالقلب أو استباحة المحرم باللسان ، بل ثم منها ما يقدح بنفسه من الأقوال والأفعال وإن لم يعتقد القائل أو الفاعل ما يقول ، فتقصده المخالفة في نفسه مع قيام الحجة الرسالية ، تقصده في هذا الجنس من نواقض الإيمان مع انتفاء العذر بالجهل فقد تقصد المقارفة لما يعلم أنه محرم ناقض ، هذا التقصد ما مع تقدم من القيد : قيد بلوغ الحجة وانتفاء العذر بالجهل ، هذا التقصد في نفسه ينقض أصل الإيمان وإن لم يستبح ما يقول أو يفعل ، كما أن الاستباحة للمحرم بلا شبهة تنقض أصل الدين الجامع وإن لم يقارف الفاعل قولا أو عملا .
والجهل في الخصومة حال الجدال ، وهو من جاهلية الْخُلُقِ والمروءة فضلا أنه من جاهلية الدين بما يكون من فساد القصد وفساد الطريقة فمن فسد قصده فقد خالف عن جادة الوحي فافتقر إلى طريقة فاسدة في التأويل والاستدلال ليروج باطله إذ يكسوه لحاء الأديان والأخلاق والمبادئ !! ، كما يظهر في طرائق السياسة المعاصرة وهي آية في هذا الباب الذي قد عمت به البلوى وطمت ، فهذا الجهل حال المناظرة يغلق باب الفائدة ، كما يقول بعض المحققين ، فلا يكون ثم نفع بل إيغار للصدور وإفساد للقلوب بما يطرأ من حادث العلوم ، وهو أمر يفضي ، في العادة إلى استباحة العرض والدم ، فيكون السب باللسان والقتال بالسنان ، ومبدؤهما ما يكون من الاختلاف والجدال في الدين فهو ما يعظم به الهوى بانتحال القول المحدث والمنافحة عنه باللسان جدالا ثم بالسيف جلادا ، فذلك تلازم في القياس الصريح إن في انتحال الحق أو في انتحال الباطل ، فلا بد من باعث آخر في القول والعمل منافحة عما ينتحل ، وأما المناصحة في الجدال فالباعث ظهور الحق وعموم النفع ، هذه المناصحة هي على ضد ما تقدم فهي تفتح باب الفائدة فيظفر صاحبها بفوائد جمة في العلم والعمل ، في الأولى والآخرة ، بما أثار من مسائل العلم النافع دون تكلف الجدال الدقيق الذي يفتش فيه المستدل عن الأدلة بالمناقيش ويحملها ما استطاع على وجوه بعيدة أو باطلة وذلك ، كما تقدم ، مئنة من جاهلية في القصد والقول والعمل على ما تقدم من اتساع هذا الاصطلاح الذي لا يقتصر على الجاهلية التي نص عليها الخبر ، محل الشاهد ، وإنما يعم أنواعا وآحادا تترى منها ما ينقض أصل الدين الجامع ومنها ما ينقض كمال الإيمان الواجب فينهى عنه إذ هو في نفسه محرم ، وهو ، من وجه آخر ، ذريعة إلى النوع الأول ، وهو الأفحش والأعظم جناية ، وهو اصطلاح كالإيمان يعم جميع المحال ، فكما أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ، فعم المحل الباطن والمحل الظاهر سواء الناطق أم الفاعل ، فكذلك الجاهلية فمنها جاهلية الباطن عقدا وتصورا وإرادة ، ومنها جاهلية الظاهر قولا أو عملا فهي تأويل ما يقوم بالباطن منها على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر إن في الحق أو في الباطل .

والله أعلى وأعلم .