تحركات تركيا وإيران وروسيا الأخيرة ، وتبادل الزيارات والوفود رفيعة المستوى ، كل أولئك مئنة من حلف جديد يَتَشَكَّلُ ، وإن كان تكتيكيا مرحليا قد ظهرت آثاره في مفاوضات التسوية للحرب في سورية ثم عملية إدلب الأخيرة التي تلعب فيها تُرْكِيَا الدور الأكبر ، فحصل التحالف ، ولو مؤقتا ، مع ما بَيْنَ هذه القوى من تَنَاقُضَاتٍ فالناظر في تاريخها لا يجد إلا حروبا ضروسا خاضتها هذه القوى مع بعضها فكلٌّ منها قد حارب الآخَرَيْنِ ، فَثَمَّ قسمة ثلاثية في العقل فلم يكن ثم ود ولا صفاء بين روسيا الأرثوذكسية والخلافة العثمانية السنية والدولة الصفوية الشيعية ، فحاربت روسيا الدولة العثمانية واستقطعت من ولاياتها ما استقطعت ، وحاربت روسيا الدولة الصفوية لا سيما في أعصار ضعفها فاستقطعت منها ولايات الشمال وكان النِّزَاعُ على مناطق النفوذ في بحر قزوين ، وهو أمر ازداد في هذه الأعصار فهو من البحار ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة ، إذ يُعَدُّ أكبر البحار المغلقة في العالم ، فضلا عن ثرواته الكبيرة ، وكان الصراع المشهور بين العثمانيين والصفويين ، وهما من القوى التَّقْلِيدِيَّةِ العتيدة في المنطقة ، ومع ذلك تَنَاسَى الجميع خلافاتهم ، ولو مؤقتا ، فَمَا يُفَرِّقُهُمْ أكثر مما يُجَمِّعُهُمْ بالنظر في الأيديولوجيا والتاريخ ، ولكن المصالح ، ولو تكتيكية ، قد جمعتهم في مقابل حلف آخر تقوده أمريكا ، أو على الأصح يقوده الرئيس ترامب الذي لا يحظى باحترام الداخل الأمريكي ولا يحظى باحترام الدولة الأمريكية وهو الأهم ، فالمؤسسات الأمريكية تشعر بالخطر من سلطات هذا الرئيس وما يثيره من مشاكل استنادا إلى هذه السلطات الكبيرة فَتَرُومُ تَرْوِيضَهُ وتحجيمه ما استطاعت ، فلا يصدق في هذا الحلف أن أمريكا هي التي تقوده ، فليست الدولة الأمريكية براغبة أن تقود حلفا هشا من مصر ودول الخليج وبعض المرتزقة في السياسة والحرب ، كالمجموعات الكردية إن السياسية أو العسكرية ، فهو حلف يصدق فيه أنه يتألف من مجموعات وظيفية هشة بما فيها الدول فقد تراجع دور مصر فصارت مجموعة وظيفية من الدرجة الثانية بعد أن كانت قبل ذلك مجموعة وظيفية من الدرجة الأولى ! ، فتأخرت درجة في الوظيفة لا أكثر فلم تكن يوما بعد معاهدة السلام برمانة ميزان أو صاحبة قرار في المنطقة خلافا لما كانت عليه الحال قبل ذلك وإن وقعت في قبضة الاحتلال البريطاني ثم التخطيط الأمريكي الذي دَبَّرَ حراك يوليو 52 إلا أن ثم من الأوراق ما كانت تملكه مصر آنذاك فكان هامش المناورة أكبر لا سيما ودور مصر ، ثقافةً واقتصادًا ، كان دورا كبيرا في المنطقة بِمَا لها من ريادة فكرية ، سواء أكانت ريادة حق أم ريادة باطل ، فكان فيها من حركات الإصلاح الإسلامية ، وإن دخلهات ما دخلها من آثار التغريب ، وكان فيها الأزهر على ما أصابه من جمود وتقليد وما دخل مناهجه من طرائق الكلام والتصوف ، وكانت دولة غنية تملك من المال ما يغنيها عن غيرها ، فَضُيِّعَ هذا المال في مغامرات السياسة والحرب لصناعة زعامة من ورق ولكنها على أدنى حال كانت زعامة مشاغبة وإن في الإقليم فكانت مصر قوة إقليمية ، وكان لها من وظيفة التغريب قدر عظيم ، فكانت رأس المنطقة إذ بَدَأَ فيها مشروع الحداثة مبكرا ، وكان فيها من نهضة التعليم ما لا ينكر وإن كان في الجملة غَرْبِيًّا فقد وضع أسسه القس البريطاني دانلوب ، وأشاد به اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة" فلا بد من صناعة نخبة جديدة تقود المجتمع بعد رحيلنا ولن يكون ذلك إلا بالمدرسة فهي صانعة العقل ، سواء أصنعت عقلا محتلا من بريطانيا فوضع دانلوب من المناهج ما يوافق المصالح البريطانية وما يضمن سيطرة المركز على مصر بعد رحيله فكان مشروعه العلماني في التعليم استكمالا لمشروع محمد علي وإن تَغَيَّرَتِ الوجهة من فرنسا إلى بريطانيا إلا أن الجذور الفرنسية للعلمانية الفكرية في مصر كانت راسخة ، وقد استفادت منها بريطانيا فلم تهدم القديم كله وإنما احتفظت بالتصور العلماني العام وزادت في بنائه طوابق كثيرة ، لا سيما في التعليم الحديث الذي خرج نخبة الحداثة التي وصفها بعض لوردات بريطانيا ، كما ينقل بعض الفضلاء ، أنها سوط وطني يَجْلِدُ ويؤلم يمسكه السيد البريطاني الأبيض ، فَنَوَاةُ الدولة الصلبة قد صارت علمانية والقوة الصلبة قد أعيدت هيكلتها فنشأ جيش جديد نسخ جيش أحمد عرابي وقد كان فيه من بقايا الدين والهوية قدر ، ولو ضئيلا ، فلما هُزِمَ عرابي وَحُلَّ الجيش ، أحيل ضباطه جميعا إلى التقاعد واستأنفت بريطانيا جيشا جديدا يلائم أغراض المرحلة القادمة فهو الآلة العسكرية الصلبة التي تقمع كل من يعارض المصالح البريطانية ، وهو المحضن الذي خرج نخبة يوليو التي صارت بعد ذلك حائط سد منيع قَلَّمَ أظفار الحركة الإسلامية السياسية ، فكان الإسلام هو العدو الاستراتيجي الأول ، فالخطر الحقيقي ، كما يقول بعض المنصرين ، هو نظام الإسلام فليس هوية روحية أو فكرية مجردة ، وإنما جاء بنظام محكم في السياسة والحرب وذلك ما أقض مضاجع المحتل إذ لا يَقَرُّ لِنِظَامِه قَرَارٌ وَثَمَّ نظام بديل بل هو النظام الأفضل والأحكم ، نظام الوحي المنزَّل ، وذلك ما أقر به بعض خصومه وإن لم يُقِرَّ به كثير ممن ينتسب إليه بالاسم ، لا سيما من النخبة العلمانية على كافة مستوياتها السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية ومن انضم إليها من شرائح الأغنياء الذين رَامُوا مفارقة العامة فلا بد لهم من نظام حياة عصري يخالف عن نظام العامة الكلاسيكي ، فهو نظام ريفي ساذج خلافا للطبقة الأرستقراطية التي صارت أرستقراطيتها في الأعصار الأخيرة امتلاك الثروة لا أكثر وإن لم يكن ثم أَصْلٌ ، فذلك ناتج آخر من نتائج التحول الاقتصادي المفاجئ بعد إلقاء مصر سلاحها بعد حرب العاشر من رمضان وتحولها إلى المال والأعمال ! ، فظهرت طبقة تملك المال ولا تملك الأخلاق فهي نتاج التحولات الفكرية والاقتصادية بعد هزيمة يونيو 67 والتي أفقدت الناس الثقة في السلطة وأفقدتها الثقة في المرجعية القومية التي ذاع صيتها فكانت من الجدر التي أقامها المحتل الأجنبي قبل رحيله إذ عزز في النفوس ولاءات جديدة تخالف عن ولاء الإسلام الذي صار ولاء عتيقا بل عدوا لا صديقا كما تقدم من حال الشريف حسين فكانت ثَوْرَتُهُ في الحجاز منشأ الولاء القومي العربي الذي نسج على منواله من جاء بعده فَنَمَا الفكر القومي وازدهر ، وصار هو معقد الولاء والبراء الجديد واندفع الزعيم الخالد في مصر ! في مغامراته الفاشلة فكان تحت يده من المال ما بدده فلم يكن إلا سفيها يستحق الحجر حتى جاءت 67 لتعلن وفاته السياسية والفكرية بعد سنوات من الخداع الاستراتيجي للعرب فلم يكن يريد النهوض بهم على قاعدة الإسلام وتاريخهم شاهد شهادة الصدق أن لا نهوض لهم إلا بالوحي ، وذلك ، أيضا ، ما قاله بعض الخصوم فقوة العرب تصاحب دوما قوة الإسلام فهو الرسالة التي رفعت من شأنهم بعد أن كانوا همجا هملا ، فكان المشروع القومي الذي تولت مصر كِبَرَهُ لما تملك من أدوات القوة الفكرية والسياسية آنذاك في محيط حديث النشأة ، فكان لها فضلُ فكرٍ وفائضُ قوةٍ ، ولكنها كانت ، في المقابل ، أسيرة في قبضة محتل ماكر أعاد صياغة الأفكار والقيم والمبادئ والعلائق الاجتماعية بل ومظاهر السلوك الخاصة ، وكانت المدرسة ، كما تقدم ، كلمة السر فهي التي خرجت جيل الاحتلال ، الجيل الخاضع لقيم المركز المنتصر ، فكانت مدارس الخديوي سعيد نواة أولى ، ومشروع التعليم الحديث في مصر قد اقترن باسم أبيه محمد علي أول من ابتعث البعوث لتحصيل العلوم التجريبية التي رام بها سد الفجوة المادية بينه وبين الغرب وذلك مما يحمد في الجملة ، ولكنه حال التفصيل يدل على طريقة أخرى في الفكر والتصور تخالف عن الطريقة المثلى التي جاء بها الوحي ، فكان تأثر البعثات بطرائق المركز في الفكر والتصور والتخطيط والبناء لنقل مثال الدولة المدنية الحديثة إلى الشرق ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مثال وضعي محدث يتسم بالصرامة والاستبداد إذ يروم جمع كل القوى الصلبة والناعمة فيجرد المجتمع من أدواته الفاعلة التي يقاوم بها استبداد السلطة وذلك ما رام محمد علي فنجاح مشروعه الذي يخالف عن قيم الجماعة ومبادئها ، لن يكون طوعا فهو يطعن الجماعة في إرثها التاريخي والفكري والأخلاقي فلا بد أن تُقَاوِمَ بداهة فلو كان بِيَدِهَا سبب من أسباب القوة لطالت عليه الشقة ، فاختزلها أن استبد وظلم فجرد المجتمع من أدواته الفاعلة وأحاطه بقبضة استبداد قوية وكان للتعليم دور رئيس في ذلك لا أنه ضار غير نافع فالجهل أفضل ! إذ لا يصنع التعليم شيئا في بلد ضعيف فقير جدا ! ، كما يقول الاستبداد اليوم فهو أفحش حالا ، فالاستبداد القديم رام التَّعَلُّمَ ولكن في إطار لا يخرج عن قيم الدولة وأهدافها فَيُخَرِّجُ لها موظفين ذوي كفاءة لا سيما في مجالات الخدمة والإدارة ، وأما الاستبداد الآن فلا تَعْنِيهِ كفاءة ولا يُرِيدُ التعليم ابتداء إذ كان سببا من أسباب اليقظة ، ولو علم تجريب لا يتطرق إلى مناط الخلاف الرئيس في القيم والمبادئ والأخلاق والسياسات العامة .... إلخ فذلك مناط خلاف يعظم بين المجتمع وأي سلطة تستبد وتحكم بقبضة القوة الصلبة ، فكان مشروع محمد علي خيرا من مشروع الاستبداد المعاصر ، فليس الآن مشروعٌ إلا السيطرة ولو بهدم البنيان الاجتماعي وتقويض أركانه وتحويل البلاد إلى دويلات أو أشباه دول مع ما يصاحب ذلك من انهيار أخلاقي وارتفاع تدريجي لمظاهر الجريمة المنظمة إذ انحلت عرى الحكم المركزي ، ولو نسبيا ، فلم يَعُدْ ثَمَّ من الأسباب ما كان أيام الملكية ومبادئ الجمهورية فكان من فائض الثروة ما يُرْشَى به الشعب ليسكت ، وكان من جودة التعليم بقية مع أنه تعليم غربي حقق طفرة في العلم التجريبي ولكنه استلب ، ولو بطريق غير مباشرة ، استلب الهوية ولو انهزاما أمام الغرب الذي حقق طفرة في العلم والبحث جعلته السيد الذي يقود الأحلاف وينصب الحكام ويعزلهم ملوكا كانوا أو رؤساء ، فكان من حلقات الهزيمة التي بدأت مع تولي محمد علي مقاليد الحكم فهو أول حاكم لمصر يخالف عن قيمها ومبادئها وَيَرُومُ تَغْيِيرَ هويتها فحكمه ، عند التدبر والنظر ، أول انقلاب على هوية مصر وأهدافها العظمى ومثلها العليا ، وإن كان انقلابا ناعما نجح فيه محمد علي في خداع النخبة المصرية المتدينة بما أظهر من التدين والورع وهو في نفس الآن قد أقام العلائق الخفية مع الدولة الفرنسية التي اختارته ليكون وكيلا ينوب عنها في مشروع تغريب مصر الذي ألقت بذرته في الأرض واضطرتها المقاومة الباسلة ، الفكرية والعسكرية أن تفارقه ، فكانت المقاومة التي انطلقت من الأزهر ، وهو ، كما تقدم ، سبب رئيس من أسباب قوة مصر في أعصار مضت وإلى أوان قريب فكان له دور رئيس في مشاريع السياسة الثورية ! لا سيما في القارة الإفريقية ، فكان محمد علي ، محل الشاهد ، هو النائب المخادع الذي تدين وَتَنَسَّكَ حتى تَمَكَّنَ من الحكم وسيطر على مقاليده فبدأ مشروعه بصدمة فكرية وسياسية واقتصادية ، إذ لا يمكن فرض نظام غريب على مجتمع ذي هوية متماسكة أخرجت المحتل الأجنبي منكسرا فكان استبدال المحتل المحلي به ، فمحمد علي وإن لم يكن مصريا إلا أنه ينتسب إلى الإسلام ويتدين به في الظاهر في محيط يعظم الإسلام ، ولو هوية ، ومنه استمد القوة الروحية في صراعه مع المحتل الأجنبي فلا يمكن لأي حاكم أن يتولى مقاليد الحكم ، بادي الرأي ، إلا أن يُظْهِرَ من التدين ما به يداهن الشعب المتدين ! ، ولو بالفطرة ! ، فهي فطرية يغلب عليها من وجه آخر ، التصوف والروحانية ، إلا أنها كانت من القوة والتماسك إبان الحملة الفرنسية الأجنبية وحملة محمد علي المحلية ! ، كانت من القوة والتماسك أن اضطر محمد علي أن ينافق الشعب فلا يخرج عن قيم الجماعة حتى تحققت له رياسة مصر بتدخل فرنسي زَكَّاهُ عند الباب العالي ، وتفويض شعبي عاطفي يتسم بالطفولة والسذاجة فكل من صلى وصام وأظهر النسك فهو أهل للأمانة وإن لم تسبر أغواره ، فكان من سذاجة الاختيار أن لم تَبْلُ الجماهير سرائر الحاكم الجديد وكان على النخبة المتدينة ، رجالات الأزهر ، كان عليها وِزْرٌ أكبر ، فهي التي اختارته ورشحته والجماهير التي تُعَظِّمُهَا لما لها من دين وعلم لم تجد بدا إلا أن تقبل تَزْكِيَتَهَا لمحمد علي فَنَادَتْ به واليا لمصر فكان ما كان من صدماته السريعة المتتالية التي تخلص فيها أول ما تخلص ممن زكاه ورشحه فَنَفَى من نَفَى من شيوخ الأزهر وَتَفَنَّنَ في الوقيعة بَيْنَهُمْ باللعب على وَتَرِ الخلافات التي كانت بينهم والتي لم تخل من حظوظ النفس في الرياسة وذلك أول الوهن الذي أحسن محمد علي يستثمره ، فَقَضَى على قوة مصر الناعمة ثم كانت الصدمة التالية في القضاء على النخبة العسكرية القديمة نخبة المماليك إذ رام احتكار القوة المسلحة ، وكانت الصدمة الاقتصادية أن تملك الأرض كلها وَصَيَّرَ الناس رقيقا يعملون فيها ، ولو كانوا في الظاهر أحرارا ، فهم رقيق الأرض ، وكانت الصدمة الفكرية في مظاهر التغريب فجعل بطانته من الأروام والأجانب وبدأ في ابْتِعَاثِ الشباب إلى بلاد الغرب على قاعدة الانهزام والانبهار ، فلم يكن محمد علي ، كما يصفه بعض الفضلاء ، إلا رجل الغرب وحامي مصالحه في المنطقة ، ولا تُحْفَظُ هذه المصالح وللإسلام صوت وسوط ، فهو العدو التاريخي للحضارة الغربية وهو حائط الصد أمام أي احتلال مباشر أو غير مباشر فلا بد من تهيئة المجتمع ليقبل المشروع الجديد ولا بد من جملة صدمات سياسية وعسكرية واقتصادية وفكرية ، وهو الأخطر ، وذلك مثال محمد علي القياسي الذي سار عليه كل مستبد حتى الآن ، فنجح الغرب في تقويض حائط الصد الذي وقف قرونا طويلة سدا يمنع نفاذه إلى نَوَاةِ الشرق الصلبة ، وكان القرآن والتاريخ ، كما يقول بعض المنصِّرين ، أكبر العوائق فلا قرار للغرب إلا أن يحرف القرآن إذ تغيير لفظه أمر يعسر فلا بد من حمله على معان جديدة تَنْزِعُ عنه وصمة الإرهاب والتطرف والراديكالية ! فَثَمَّ نصوص تحض على ذلك ، وثم عنصرية ودموية يُحَرِّضُ عليها الوحي ويدل عليها تاريخ هذه الأمة فقد صيره التعليم الحديث ! ، حلقة من حلقات الاستعمار الإمبريالي ، فهو نسخة مكررة من فتوحات الإسكندر وفتوحات كسرى وقيصر ! ، مع إهمال القدر الفارق في المضمون الفكري والأخلاقي الذي احتوته الرسالة والتي فارقت به كل نظام أرضي محدث ، فضلا عن تبسيط الدين في أذهان الناس وقصره على الشأن الخاص ، فبطل تصور الناس لهذا الوحي إذ لم يعد إلا جملة من العقائد والشعائر الخاصة التي تدل على ضعف الفهم لرسالة الإسلام ، فَلَوْ كان الإسلام محصورا في هذه المعاني الخاصة دون عناية بالشأن العام ما رَدَّهُ أبو جهل ، فهو من أعظم الناس فِقْهًا بهذا الوحي ! ، فَقَدْ كفر عن بَيِّنَةٍ عظمى إذ أدرك من معنى الألوهية ما لا يطيقه سيد أرضي طاغٍ اعتاد وطأ العبيد بِنِعَالِهِ فكيف يقبل نظام حياة يعيد توزيع النفوذ في المجتمع فيستلب السادة جملا من حظوظهم لا على وجه يفضي إلى شيوعية ملحدة فكانت ثورة على الإقطاع والاستبداد ولكنها أخرجت الناس من طاغوت الإقطاع الذي يمارسه كبار الملاك إلى إقطاع آخر : المالكُ فيه واحد وهو الدولة وذلك رسم يقارب رسم الدولة في عهد محمد علي وإن لم تكن شيوعية إذ يُشْبِهُهَا في تَرْكِيزِ السلطات في يد واحد صار هو الدولة ، وصار الجميع له خدما أو رقيقا ، فالجميع موظفون في دولته فهو مالك الأرض الأوحد وهو الحاكم المطلق الذي استجمع السلطات كلها في يده بعد أن قضى على كل رأس في المجتمع ينازعه وبعد أن جرد الناس من السلاح المادي وجردهم من السلاح الفكري وهو الأعظم شؤما إذ استبد بأمر التعليم فكانت تلك سابقة نوعية في الشرق أن تهيمن الدولة على فضاء التعليم فهو من أعظم أسباب القوة الناعمة التي طالما نجح المجتمع في الاحتفاظ بها لا سيما وَأَوْقَافُهُ كانت تُوَفِّرُ له الدعم المادي الذي يجعل العالِمَ حرا لا سلطان لأحد عليه فهو يأكل من المال العام الذي وقفه الناس فلا تَمْتَنُّ عليه الدولة بالراتب آخر الشهر فيخشى أن يغضبها فينقطع عطاؤه ! ، لا جرم كان حرص محمد علي أن يضع يده على الأوقاف فيستلب المجتمع هذه القوة الاقتصادية التي تجعل له من حرية التعبير ما لا يطيقه أي مستبد ، فكان تأميم الأوقاف ومعه تأميم العقول إذ احتكرت الدولة أدوات التعليم وبدأت في وضع المناهج التي تخدم أهدافها وغاياتها وكانت في الجملة علمانية وافدة ، فقد انتهت الثورة على خورشيد باشا وهي ثورة توافق قيم الأمة المصرية المسلمة ، انتهت هذه الثورة إلى تولية رجل جاء بمنهاج يخالف عن هذه القيم فقد انقلب عليها رأسا على عقب وكان الانقلاب تاما قضى على قوى المجتمع كلها ، الصلبة والناعمة ، بصدمات تترى تَقَصَّدَهَا محمد علي فلن يحكم السيطرة على مجتمع يغايره الأهداف والقيم إلا أن يستبد في الحكم ويستعمل أداة البطش والقمع ، وذلك أمر يَرَاهُ الناظر في كل حلقة من حلقات الاستبداد في الشرق فقد جاء بعد محمد علي حكام نهجوا ما نهج من التغريب واستعملوا من أدوات السلطة العنيفة ما استخدم لإخماد أي مقاومة لا سيما المقاومة التي تتخذ الإسلام قاعدة لها ، ولو في الجملة ، ولو كان أمرها أمر إصلاح هادئ بوسائل سلمية ناعمة ، فكل أولئك مما فقه أبو جهل ، فإن إسلام الشعائر لا يهدد سلطانه ، وإسلام الإصلاحات الشكلية دون إجراءات جذرية تستأصل الجاهلية القرشية من جذورها العميقة فلا بد من تطهير الأرض قبل بذر الوحي فيها فلا تقبله إلا أرض طيبة قد سلمت من آفات الجاهلية وأعظمها الاستبداد بأسباب القوة الفكرية تشريعا وأسباب السياسة توزيعا للنفوذ فالحكم قد نشأ على قاعدة سياسية أرضية محدثة تُوَزَّعُ السلطة فيها على مراكز قد استأثرت بأسباب القوة الناعمة والصلبة وكلٌّ يحظى منها بقدر يضاهي ما له من أسباب ، فذلك توزيع السلطة في الملك الأرضي المحدث وهو ما جاء الوحي ، بداهة ، يقوض أركانه فيستبدل نظرية سياسية جديدة بهذه النظرية الأرضية المستبدة ، فَنَزَعَ السلطات التشريعية من البشر وردها إلى رب البشر ، جل وعلا ، وأعاد توزيع الثروة على وجه لا يظلم الغني فيستلب ماله تأميما أو مصادرة ، فأعطى كل فرد في المجتمع حق الإنكار والحسبة وجعل له من الأثر النافع في الشأن العام ما استرد به المجتمع دوره في الحياة فصار له من أسباب القوة ما حسم مادة الاستبداد الأرضي فالجميع قد رُدَّ إلى الوحي السماوي ، وثم رقابة الأمة أن تأخذ على يد الظالم إذا استبد ، فأعطاها حق التولية والعزل ، على تفصيل في ذلك ، فنظام الإسلام نظام محكم قد حسم مادة الاستبداد الأرضي وهو ما لا يطيقه أي طاغ مستبد سواء أكان محتلا من الخارج أم محتلا من الداخل قد ناب عن المستبد في المركز ، فكان التعليم ، كما تقدم ، أعظم أسباب التغيير فقد ساهم في حرف العقل الجمعي عن غايات الأمة العظمى فكان ذلك انقلابا هائلا على المجتمع ، وإن اتسم في أحيان بِسِمَةِ الثورة ، فذلك من التَّجَوُّزِ ، كما ينوه بعض الفضلاء ، فليس ثم ثورة تَنْقَلِبُ على أهداف الأمة وإنما الانقلاب الناعم أو الصلب هو الذي يغير أهداف الأمة ويحرفها عن مسارها حتى تصير عقيدتها تطرفا ونصوصها تحض على الإرهاب فهي تحوي معان راديكالية عتيقة لا بد من حسم مادتها ليحيى العالم في سلام ! ، فأعطى التعليم لمصر قصب السبق في المنطقة إذ كانت مركزا رئيسا من مراكز التغريب ، وكان لها من نظم التعليم ما فاق أجوارها فخرجت من الكوادر ما كان له دور كبير في تَنْمِيَةِ المنطقة ، فذلك أمر لا يجحده منصف ، لا سيما في مجالات التجريب من طب وزراعة وهندسة وزراعة وتعليم أساسي ..... إلخ ، ولكنه في المقابل قد جُرِّدَ من فحوى الرسالة كرائد يوجه هذه العلوم فإنما تجري مجرى الوسائل فليست في نفسها غايات فلا يجاوز دورها دور الاقتصاد الخدمي وذلك ، بداهة ، ما لا يجزئ في صياغة عقد فكري ، فكان العقد العلماني الذي ضُمِّنَ هذا المشروع العلمي ، فازدهرت الفلسفات الأرضية والنظم السياسية الوضعية وفشت مصطلحاتها في المصنفات والكتب وَتَوَارَتِ اصطلاحات الوحي إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، فكان ذلك دور ريادة لمصر فيه من الخير أن نَفَعَ الناس في أسباب المعاش ، حتى قال هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في مذكراته ، كما ينقل بعض الفضلاء ، قال إن من أسباب القوة الناعمة التي تمتلكها مصر والتي تجعل مفتاح الحل لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط في يَدِهَا ، أن من هذه الأسباب مُعَلِّمُوهَا الذين ارتحلوا إلى كافة الأمصار العربية والإفريقية فكان لهم دور بارز في نهضتها العلمية ، فانتقل هيكل التعليم الحديث من مصر إليها مع ما حواه من علمانية ، ولو غير مباشرة ، فمفعولها قد ظهر فورا في أمصار وتأخر في أخرى تَبَعًا لحصانة كل مجتمع ضد أفكار التغريب حتى طال الأمر الآن آخر القلاع المحافظة في الجزيرة العربية فكانت من آخر من تَأَثَّرَ بهذا المد التَّغْرِيبِيِّ تَأْثِيرًا مباشرا ، ولو على المستوى الاجتماعي ، فالمستوى السياسي قد تأثر مبكرا وإن لم تظهر آثار ذلك إلا في الآونة الأخيرة مع توجه السلطة الحاد إلى تَبَنِّي قيم الحداثة على وجه يستوجب أيضا صدمات كصدمات محمد علي للمجتمع المصري فمثال التغريب في الشرق واحد إذ مغايرته عن القيم والأخلاق يجعل قبول الناس له طوعا أمرا عسيرا المنال وإن قبلته فئام ، بادي الرأي ، لما اتشح به من زخرف القول وزينة الحياة فالجمهور لا زال يقاوم ولو مقاومة ناعمة تقتصر على نبذ هذ الأفكار ، فلا بد من صدمة عنيفة تهز الأركان ، وإن ذهب فيها من ذهب من الأبرياء فلا تجد السلطة المستبدة حرجا إن ضحت بجيل أو جيلين ، فقال من قال يُسَوِّغُ استبداد السلطة ، كما ينقل بعض الباحثين ، قال : "العديد من الذين قُتِلُوا كانوا أبرياء على الأرجح ، لكن كان مطلوبا استخدام أكبر قدر من العنف" ! ، لأن الرأي العام يمانع فلا بد ، كما ينقل ذلك الباحث في موضع تال ، لا بد من شخصية قوية ذات خلفية عسكرية في الغالب ! ، فهو مرشح الضرورة الذي يُنْقِذُ البلاد من الفوضى وَيُقَايِضُ الناس ويساومهم في إطار الصفقة الأشد رواجا في أنظمة الاستبداد : الأمن في مقابل الحرية ! ، فهو قوي بما يكفي أن يتحمل النقد اللاذع ! ، إذ هو بارد المشاعر لا يكترث بآلام الناس بل ربما تَلَذَّذَ بذلك فهو مما يُرَسِّخُ سلطانه فكلما اشتد الألم وضعف الجسد اشتد الصراخ فصراخ الناس مؤشر يدل على أنه على الطريق الصحيح إذ لم يَعُدْ للناس طاقة بعد أن استلبهم أسباب القوة بل وأسباب وجودهم في أحيان ! ، فجردهم من كل سبب يقاومون به استبداده ، وهو لما اقترف من مظالم ، لا يَزَالُ يشك ويرتاب ، فوسواس الخوف قد استبد به فلا يُسَكِّنُهُ إلا أن يسعى ما استطاع في استلاب الناس أسباب القوة لا سيما القوة الأخلاقية التي تصنع رأيا عاما وتيارا سياسيا يقاومه ولو على المدى الطويل وهو أول الكفاح ضد أي مستبد فقبل القوة لا بد من الفكرة ، فـ :
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ ******* هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني .


فلا بد أن يضعف في الناس رابطة التكافل فيدمر ما استطاع من منظومات المجتمع التي تحقق من التكافل ما به يَجْبُرُ الفقيرَ والضعيف ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، في عصر استبداد ، قد شغل كُلًّا بنفسه فلم تعد له غاية إلا أن يفلت من قبضة القمع أو يحظى بقوت الغد لا أكثر فَتَقَلَّصَ طموح المجتمع وعظمت فيه أخلاق الأثرة والشح خوفا من مستقبل غامض لا يَزَالُ المستبد يخوفهم منه فليس بديلا عنه إلا الفوضى ، فَنَظَرِيَّةُ الرعب هي النظرية السائدة في أعصار الاستبداد ، فالدولة تُرْعِبُ الرعية بما تقارف من الجرائم لا سيما القتل والتصفية ، فخدمت ، كما يقول بعض الباحثين في طرائق الصدمة السياسية ، خدمت هدفا مزدوجا فأزالت العوائق إذ قضت على الأشخاص أو الكيانات الأكثر استعدادا أن تقاوم الاستبداد ، وأرسلت رسالة التهديد إلى غيرهم أن يُؤْثِرُوا السلامة فهي ضربة اسْتِبَاقِيَّةٌ تجهض في النُّفُوسِ رغبة المقاومة فضلا عن الشروع فيها ، فإذا قضت السلطة على بؤر المقاومة وصارت لها الدولة فهي آنذاك تطلب النِّزَالَ والطعان على وزان الجبان الذي وصفه أبو الطيب بقوله :
وَإذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ ******* طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالا .
فأين المحاور أو المبارز ؟! ، فليس ثم أي فضاء يخوض فيه المجتمع معركة متكافئة مع السلطة التي احتكرت أسباب القوة ، ومن أعظمها ، كما يقول بعض الأدباء ، قوة التاريخ ، لا سردا للأحداث ، وإنما تشكيلا لرأي عام يوافق أغراض السلطة في صناعة المستقبل الذي يلائمها وحدها ، ولو تزييفا للحقائق وتكلفا في التحليل والاستنباط ، كما صنعت الشيوعية إذ تحكمت فحملت التاريخ حملا عن فلسفتها الثورية التي تقوم على صراع الطبقات على الأسباب المادية ، أسباب الثروة وأدوات الإنتاج ، فهي المحرك الرئيس للإنسان الذي تحول إلى كائن اقتصادي لا أكثر إن في الشيوعية أو في الرأسمالية ، وإن كانت نظرية الرأسمالية أخف وطأة فجرعة الاستبداد الصلب فيها أقل بكثير وإن كان فيها من أدوات الاستبداد الناعم ما يعظم أثره ، فهي تملك آلة الوعي التي تُشَكِّلُ الرأي العام طوعا لا كرها كما هي الحال في الشيوعية التي رامت حمل الناس على دينها كَرْهًا ، فامتلكت السلطة ناصية المجتمع إذ امتلكت التاريخ ، ومن يملكه فهو ، وحده ، الذي يصنع المستقبل ، فمن يملك مصادر الوعي فهو الذي يصنع المجتمع على المثال الذي يحقق غاياته شريفة كانت أو وضيعة ، ولا بد لذلك من آلة تحكم السلطةُ السيطرةَ عليها ابتداء فهي تصنعها على عينها لتحقق أغراضها ، ثم تحكم السيطرة بها على بقية المجتمع إن طوعا أو كرها فهي آلتها في القضاء على أي معارضة ، فالسلطة المحتلة سواء أكانت من الخارج أم من الداخل ، وسواء أكانت مستقلة في استبدادها أم تابعة فيكون الضرر أعظم ، كما يضرب بعض الفضلاء المثل بأحمد باشا الجزار والي عكا فهو مستبد مستقل ! ، يمارس الاستبداد في الحكم ولكنه في حال المواجهة لأي غزو خارجي ينضم إلى المجتمع فَتَتَّحِدُ الأهداف آنذاك ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد ، وفي مقابله محمد علي فهو المستبد الذي يتبع الخارج فيمثل مصالحه في الداخل ، فجمع السوأتين وكان ضرره أعظم من المستبد المستقل أو المستبد الوطني ! ، إن صح التعبير فهو لا يخالف المجتمع الذي يحكمه ، لا يخالفه المرجعية العليا الحاكمة ، ولو في الجملة ، سواء أكانت سماوية أم أرضية ، وإن ظلم واستبد ، فذلك نقص عظيم ولكنه لا يضاهي نقص العميل الذي لا مشروع له إلا إرضاء من جاءوا به ليحكم فما جاءوا به لسواد في عينه يسحر وإنما جاءوا به ليحكم بالنيابة عنهم على وجه يحفظ مصالحهم في الداخل بأدنى الخسائر بعد فشل الاحتلال المباشر ، فكلفته أكبر وهو يَرُدُّ الناس إلى مرجعهم الفكري الأعلى ، وهو في الشرق الوحيُ ، أعظم حوائط الصد ضد أي زحف من خارج سواء أكان عسكريا أم فكريا فلا بد من تحطيم هذا الحائط بأدوات محلية لئلا يفتضح الأمر كما افتضح في حملات الاحتلال المباشر ، وإن بقي خيار القوة مطروحا فهو خيار الاضطرار ، فقد كفى المحتل الداخلي المحتل الخارجي المؤنة ، فنجح الأول فيما لم ينجح فيه الأخير ، كما ينقل بعض الفضلاء مقالة بعض المؤرخين الإنجليز إذ يشيد بمحمد علي ، وإن كان فرنسي الهوى ، وفرنسا خصم بريطانيا التاريخي إلا في هذه المعركة ، معركة العلمانية مع الوحي ، فتتحد جميع العلمانيات وتصير على قلب رجل واحد إن كان الخصم هو الوحي مع ما بَيْنَهَا من اختلاف عظيم ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) ، فأشاد ذلك المؤرخ بمحمد علي إذ نجح فيما أخفقت فيه فرنسا بالاحتلال المباشر ، فكان احتلاله واستباحته لأسباب القوة في المجتمع الفتي الذي قاوم المحتل الفرنسي ، كان ذلك أعظم ضررا من الاحتلال المباشر ، فهو وإن كان سريعا إلا أن كلفته كبيرة وآثاره في المقابل لا ترسخ في البلاد المحتلة بل لا يزيدها الاحتلال المباشر إلا رغبة في المقاومة فَتُفَتِّشُ في أسبابها وأعظمها السبب الفكري الذي تصون به هَوِيَّتَهَا أن تذوب في هوية المحتل ، فيكون رجوع الشرق إلى الوحي وهو ما يخشاه المركز فلا يروم استفزازه كما صنع في موجات الاحتلال الأولى ، فكانت الكلفة كبيرة وكانت النتائج ضعيفة فاستبدل به احتلالا أعظم ، فهو طويل المدى ولكنه عظيم الأثر ، فينخر في بنية المجتمع على مهل كما ينخر السوس الخشب وذلك ما ظهرت نتائجه بعد ذلك ، لا سيما بعد تأميم محمد علي لجميع أسباب القوة في المجتمع المصري ، فضلا عن احتكاره مؤسسات التعليم والتثقيف لا سيما في عهد ابنه الخديوي محمد سعيد الذي فتح مصر لإرساليات الغرب فافتتحت المدارس التي كان لها أعظم الأثر في تشكيل نخبة جديدة تحكم مصر بما يوافق أغراض المحتل ، فذلك احتلال العقول قَبْلَ الأرض ، وهو ما أضعف المجتمع وجعله أشد رخاوة فكان احتلال الأرض بعد ذلك يسيرا فلم يجد الإنجليز بعد ذلك من المقاومة ما وجده الفرنسيون ، فَثَمَّ الآن آلة تُنْتِجُ النخبة الحاكمة ، وهي آلة التعليم ، فلم يعد المجتمع هو الذي يصنع نخبته إذ كان الأمر قَبْلًا ، كما يحكي بعض الفضلاء ، كان تَيَّارًا علميا أَنْتَجَهُ المجتمع بعيدا عن السلطة ، وكان له من مصادر التشريع السماوية ما لا يخضع لسلطة سياسية ، فلم يكن ثم بناء هرمي كالكنيسة يمكن للسلطة أن تسيطر على المجتمع من خلاله ، فالسلطة المستبدة تَرُومُ احتكار مصادر المعرفة والثروة والقوة جميعا فهي تَرُومُ انْتِزَاعَ أسباب القوة الصلبة والناعمة من أيدي الناس لتختل معادلة الردع بين السلطة والمجتمع ، ولم يخل الأمر من احتلال اقتصادي سيطر على الثروة فَنَزَعَ الأوقاف من يد المجتمع وهي سبب مادي يضمن له الاستقلال في التعليم والتكافل بما يُنْفِقُ على العلماء وما يُنْفِقُ على الخدمات العامة ذات الطابع الخيري ، فكان ثم ، أيضا ، آلة تصنع نخبة اقتصادية جديدة ، وهي الطبقة البرجوازية أو طبقة الرأسمالية الوطنية ، كما يسميها بعض المؤرخين ، أو طبقة رجال الأعمال في هذا العصر ، كما يظهر في مصر ، فَثَمَّ ، كما ينوه بعض الفضلاء ، ثَمَّ نخبة من رجال الأعمال وَثِيقِي الصلة بالسلطة فهم أذرعها في السوق فليسوا إلا واجهات تمارس من خلالها أعمال التجارة التي تحقق الربح فَبِهِم تحتكر الثروة ، فهم الطبقة التي يحكم المستبد من خلالها في مقابل طبقة رأسمالية تُعَبِّرُ عن المجتمع الذي يوقف الأوقاف للتعليم والتكافل والعلاج ..... إلخ ، فذلك سبب قوة يقض مضجع السلطة المستبدة فاستهدافه جزء رئيس من عملية الصدمة التي تصيب المجتمع بالشلل .


ولا بد ، مع ذلك ، من نَقْلَةٍ نوعية للعقل الجمعي مفتاحها أيضا التعليم وما يزرعه في العقول والأذهان من قيمة ومبادئ فكرية وسياسية فهو المحضن الرئيس للعقل في أخطر أطواره طورِ التكوين ، فهذا التعليم قد جعل لمصر من الريادة ما صيرها مفتاح الحل فلما توجهت نحو السلام خسرت القضية ركنها الأساس ورفضت الشعوب ذلك التوجه الحاد وَنَافَقَهَا الحكامُ وإن كانوا في الباطن على ملة بطل الحرب والسلام ! ، فملته السياسية هي ملة الجميع ، إذ المركز قد سيطر على الجميع ، طوعا أو كرها ، واليوم قد تراجع دور مصر ، كما تقدم ، من مجموع وظيفي من الدرجة الأولى إلى مجموع وظيفي من الدرجة الثانية فالخليج قد سبقها خطوة بل قد صار نظامها الحاكم عالة عليه لولا ما يَبْذُلُ من خدمات سياسية في إطار مشروع دولي يسعى في تسوية تامة تَنْزِعُ أسباب التطرف والإرهاب من المنطقة فلن يقر ليهود قرار في بلاد الشرق ما دام الإسلام شاهرا سيفه كما قال شيمون بيريز أحد حمامات السلام الدافئ في المنطقة ! .


ففي مقابل حلف قوي متماسك ، حلف تركيا وإيران وروسيا وقد تنضم إليه الصين لاحقا فيكون معسكرا شرقيا يواجه نفوذ الغرب الأنجلوساكسوني الذي يبدو أنه في طريقه إلى الأفول لا سيما بعد وصول الرئيس ترامب إلى الحكم وما يثيره من شغب على مؤسسات الغرب العتيدة لا سيما الحلف الأطلنطي ، ففي مقابل هذا الحلف القوي المتماسك ، يجد الناظر الحلف الهش ، حلف الرجل الواحد ، الذي غره الرئيس ترامب فتسابق فيه أعضاؤه وإن شئت الدقة فقل أتباعه فالتحالف فيه على قاعدة التبعية لا الندية كالحلف الأول ، فتسابق أولئك الأتباع المخلصون الذين وضعوا بيضهم كله في سلة واحدة وهي سلة هشة فالرئيس ترامب ، كما تقدم ، في شق والدولة الأمريكية في آخر فلو كانت أمريكا بمؤسساتها زعيمة هذا الحلف لكان ذلك نقصا فيه فهو حلف دولة واحدة وأتباع متشاكسين ! ، فليس إلا واحدا وإن بدا أنه كثير ، فكثرته تضره فهي كثرة صبيان تَتَصَارَعُ في طفولة لا تخفى ، فالجميع قد سارع يلتقط الصور التذكارية معه في قمة الرياض في مايو الماضي وزاحم بعضهم بعضا ليكون إليه أقرب في طفولة سياسية وإفلاس فكري وانهزام حضاري وما شئت من أوصاف الذم .


ولا تخلو المراهقة السياسية في الخليج من رقص كرقص النظام في مصر ، فَثَمَّ رقص في عرسين ، فرقص في العرس الروسي في زيارة تاريخية تَرُومُ التقارب مع موسكو لإحداث نوع من التوازن السياسي وذلك قد يحسن ، من وجه ، إلا أن ضعف الخبرة وقلة الأوراق الفاعلة يجعل اللاعب على أحبال السياسة المتعارضة لا يجيد التحرك فيكون من حاله ما يشبه حال العبد في قوله تعالى : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فليس سلما لواحد وإنما يُرْضِي هذا تارة فيشتري منه منظومة دفاع جوي ، إس 400 الروسية فَتُبْدِي واشنطن القلق أن صار لحلفائها غَرَضٌ في سلاح موسكو ، فتسارع الدول التابعة أن تشتري منها نظاما آخر ، كما في صفقة نظام ثاد التي تبلغ 15 مليارا ، فالنقد يبذل في أكثر من عرس على وجه يحاكي حال النظام في مصر وإن كان رقصه أشد ! ، فهو يرقص في جميع الأعراس وآخرها عرس كوريا الشمالية وذلك ما جلب له النقمة الأمريكية ، إذ إرضاء الناس جميعا غاية لا تدرك ! ، لا سيما إذا كان الإنسان لا يلتفت ابتداء إلى رضا الرب ، جل وعلا ، بل يجعل ذلك آخر أغراضه بل لا يكاد يرى منه إلا ما يسخط الرب ، جل وعلا ، فلا غاية له إلا أن يسخطه ليرضى عنه الناس شرقا وغربا وليسوا براضين ولو بذل ما بذل من الملايين فضلا عن ماء وجهه وهو في عالم السياسة قرار البلاد الذي يصير رهنا لأهواء فلان أو فلان من الداعمين أو الممولين أو المخططين فلا تملك الأداة إرادة لتبدي رفضا أو معارضة فدورها التنفيذ لا التخطيط فلا رأي لها لتستشار وإن أبدت رأيا فمصيرها سلة المهملات فقد جاوزت قدرها واعتقدت أنها طرف فاعل في الأمر فلها حظ من الرأي ! ، وإن انتهى دورها فمصيرها ، أيضا ! ، سلة المهملات ، فلا نامت أعين الجبناء .




وأما التحالف الآخر ، تحالف روسيا وإيران وتركيا ، فقد أسفر تَنْسِيقُهُ الأخير عن مشهد ميداني براجماتي بامتياز ، وهو يحكي مشهدا سياسيا انتهازيا بامتياز بدأ بجولة التفاوض الأخيرة في أستانا ، وزيارة رئيس الأركان الإيراني إلى أنقرة ، ثم زيارة الرئيس الروسي بوتين لتركيا ، ثم زيارة الرئيس التركي إلى إيران ومعه رئيس الأركان ، فكان ما كان من تأويل هذه الزيارات ما أثار العجب مما انتهت إليه الحال في إدلب ، فصارت تركيا ، بما قضت به أحكام السياسة البراجماتية التي تضطر صاحب الأخلاق أحيانا كثيرة ! أن يقارف من الأفعال ما يخالف به عن الأخلاق ، فصارت تركيا بهذه القاعدة البراجماتية صارت هي رأس الحربة الذي يدعم بقوة فصيلا من المقاومة على الأرض ، وهو الجيش الحر الذي تحول إلى مجموعة وظيفية دورها الرئيس الآن الإجهاز على فصيل آخر من فصائل المقاومة بغطاء جوي روسي فاعل يعظم النكاية في خان شيخون ، وهي نفس البلدة التي ضربها نظام دمشق بالسلاح الكيميائي في إبريل الماضي فانتفضت أمريكا وتمخض جملها عن فأر في ضربات رمزية لبعض المطارات العسكرية التابعة للنظام ذرا للرماد في العيون ، وهذه خان شيخون تُدِكُّ الآن بسلاح الجو الروسي فلا ينتفض الرئيس ترامب بداهة ، إذ لا يطيق الإنكار على موسكو وإن تَبَادَلَا بعض الاتهامات بدعم هذه الفصيل أو ذاك على وجه تَتَعَارَضُ فيه المصالح السيادية ، الأمريكية والروسية ، فيكون من التحالفات التكتيكية على الأرض ما يجعل أمريكا تساعد هذا الفصيل أو ذاك وإن بطريق غير مباشرة لتطعن موسكو في ظهرها فَتَرُدُّ موسكو بالمثل ، والجميع على الأرض قد تحول إلى مجموعات وظيفية تؤدي المهام التي تُوكَلُ إليها من القوى الإقليمية كأنقرة وطهران ، أو الدولية كموسكو وواشنطن ، فذلك ما آلت إليه حال الفصائل المقاومة على الأرض ، أيا كانت أيديولوجياتها ، وهو ما كان في الغوطة الدمشقية إذ رضيت بعض الفصائل أن تضرب أخرى متشددة ! ، وكان سلاج الجو الروسي غطاءها ! ، وهو ما يتكرر اليوم في إدلب ، فالجيش الحر أداة وظيفية بيد قوة إقليمية هي أنقرة التي أُوكِلَ إليها في هذا الحلف أن تَقْضِيَ على الفصائل الإرهابية المتشددة في إدلب ، فالجيش الحر عنصرها الوظيفي في هذا الأمر ، وهي ، أيضا ، عنصر وظيفي تستعمله روسيا لضرب أعداء النظام فتوفر له ، ولو مؤقتا ، غطاء جويا ريثما يجهز على الفصيل المتشدد ثُمَّ الدور عليه آت لا محالة ، كما ينوه بعض المحللين ، في إطار ما اتَّفَقَ عليه الجميع بما فيهم تركيا عدو النظام اللَّدُودِ ، وهي تنزل الأرض السورية بمدفعيتها وبعض قطعها وبعض مفارزها الاستخباراتية في ريف حلب الغربي لتكون على بينة من الأمر فتدرس الأرض استعداد لتسوية الأمر وكل أولئك في مقابل قطع الكيان الكردي في منطفة عفرين لئلا يتصل من الشرق إلى الغرب حتى البحر الأبيض المتوسط فيكون حزاما يطوق تركيا من الجنوب فثمن ما تصنع تركيا الآن هو قطع هذا الحزام في عفرين ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مقابل ضئيل إذ لا يقضي على العدو الرئيس لها ، وهو الأكراد ، ولا يحجمه وإن أوقف مشروعه مؤقتا بما يحدثه فِي كيانه من قطع .


والجميع الآن قد اتفق على تصفية كل الجيوب المعارضة للنظام لإعادة تأهيله وتقويه موقفه التفاوضي قبل الدخول في مراحل التسوية التي صار النظام فيها طرفا فاعلا بما استرد من المدن ، فقد صار اختيار الجميع إن في مكافحة الأكراد أو مكافحة الإرهاب الإسلامي ! ، وهو إرهاب متهم في جناحه الإدلبي أنه يتلقى الدعم الإيراني وقد يصدق ذلك في مراحل ، كما هي حال النظام في طهران فعلائقه مع الفصائل الجهادية ، لا سيما تنظيم القاعدة ، علائق وثيقة من أيام الغزو الأمريكي لبلاد الأفغان مطلع الألفية ، فكان من تعاطي طهران مع القاعدة ما نجحت فيه إيران أن تحقق نوعا من التوازن في معادلة الردع بما تحت يدها من أوراق القاعدة فهي ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، تُفَاوِضُ بهم المجتمع الدولي ليفسح لها مجالا في الاتفاق النووي وجملة ملفات أخرى ، وهكذا السياسة البراجماتية القذرة التي تحسن التلاعب بالخصوم فهم أوراق في يدها تستعملها إن كان ثَمَّ مصلحة فإذا انتهت تخلصت منها فهي ، آنذاك ، أوراق محروقة فضلا أنها عبء زائد يحسن التخلص منه تباعا ! .


والمشهد ، كما يقول بعض المحللين ، قد بدأ في الاكتمال بتوزيع مناطق النفوذ ، فإن إدلب وأجوارها لتركيا فهي جزء من حدها الجنوبي ، وهي وأجوارها حد يقطع مشروع الشريط الكردي الممتد من الحسكة شمال شرق سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط شمال غرب سوريا ، فلا بد أن يتوقف حراك الأكراد شرق الفرات أو يتراجع إليه إن شئت الدقة فقد جاوزه من زمن ولى ، ودير الزور في الشرق لروسيا وإيران ولكل منهما أغراض تخصه في مشهد السياسة والحرب والاقتصاد ، وهو ما قد يفسر ما تسرب من أنباء عن رغبة روسية في إضعاف الميليشيات الإيرانية لا سيما حزب الله بتوريطه في حرب مع كيان يهود ، فإضعافه إضعاف لإيران أن تفقد ورقة فاعلة من أوراقهاعلى الأرض ، وما تطمح إليه إيران من دير الزور وأجوارها الجنوبية هو فتح ممر لها يوصلها بدمشق فبيروت ، فيكون لها من ذلك عوض من معبر دمشق أيام الدولة السورية المتماسكة ، فبعد صيروتها أجزاء ، فلا بد أن يكون لها نفوذ على جزء منها وهو الجزء القابع في دمشق ، حليف الأمس ، ولا بد من ممر يوصلها به ، وأما الرقة وما يحاذيها شمالا إلى الحسكة والقامشلي فهو للأكراد ومن ورائهم أمريكا ، والتنظيمات المسلحة التي انضوت تحت لواء الثورة أو القتال ضد الدولة المركزية انطلاقا من أيديولوجية إسلامية فهي الآن مشغولة بالتقاتل البيني بناء على تعليمات وتكليفات محددة من الجهات الداعمة الممولة فصارت آلات وظيفية بيد غيرها كما هي الحال في التقاتل الدائر الآن في إدلب ، وهي كسائر مواضع الصراع الملتهبة قد صارت ساحة صراع بالوكالة ، فهي المعركة التي تلي دير الزور ، كما يصرح حزب الله ، وهو أحد وكلاء طهران فيرسل رسالة إلى أنقرة فليست إدلب كلها لكم ، كما يشير بعض المحللين ، بل ثم شريك من الجنوب يتقدم وهو قوات النظام ومعها ميليشيات طهران وأبرزها حزب الله ، والتنظيمات الإسلامية تخضع لعمليات تقليم أظفار عن طريق الانشقاقات حتى تتلاشى ، كما قد تصنع أنقرة في إدلب وذلك عمل يظهر فيه من مكر العمل الاستخباراتي ما يحسن استمالة أطراف من كيان مركب فيفقد طرفا بعد آخر حتى يتلاشى أو يضعف فيكون الإجهاز عليه بأقل الخسائر ، أو المحاصرة حتى تضعف وتسلم أو التفاوض ابتداء لئلا تراق الدماء فترضى بالانسحاب أو تسليم الأسلحة إلى طرف وسيط ، وهو ما وقع في الرقة على وجه يثير الشبهة ، شبهة الاختراق الاستخباراتي النوعي الذي طال الصفوف الأولى ، وإلا فما تأويل استنقاذ أمريكا قادة من التنظيم ناهزوا عشرين في العدد بعمليات إنزال بلغت ثمان في شرق البلاد من الرقة إلى دير الزور ، فضلا عن انسحابها من الرقة التي تشهد الآن فصلا جديدا يتكرر ، دخول التنظيم إلى المدينة وإعلان السيطرة وإقامة حكومة وإدارة ثم حصار فانسحاب فدخول عنصر غريب لا يستهدف إلا العرب السنة حصرا ! ، والبقية معروفة فثم تهجير وتغيير ديموجرافي على وجه يثير العجب والغيظ في أحيان كثيرة فالرقة العربية الخالصة إلا 5% من الأكراد في شمالها على الحدود الجنوبية مع تركيا في منطقة تل أبيض ، هذه الرقة هي الآن مدينة كردية في إقليم لا مركزي ، فالأقلية الكردية قد احتلت المدينة والأكثرية العربية السنية لا تحسن ترجع إلى دورها بعد التهجير ، ولا يخلو الأمر من صراع وظيفي آخر ، فالأكراد قد وضعوا يدهم على حقل العمر ، حقل النفط الرئيس في دير الزور ، وهي مدينة تدخل في نطاق النفوذ الروسي ، فكان هجوم تنظيم الدولة وهو مجموع وظيفي في هذه اللعبة المركبة كان هجومه على جيش النظام وهو مجموع وظيفي آخر يتبع موسكو ، فتراجعت قوات النظام ثم جاء مجموع وظيفي ثالث ! ليزيح تنظيم الدولة ويستولي على حقل العمر ، فنجح المجموع الوظيفي الأمريكي الذي يحارب عن مصالح واشنطن بالوكالة ! ، فضلا أن هذه المناطق تشكل مصدرا للأقوات من القمح وسائر الحبوب فكان النظام يشتري من تنظيم الدولة احتياجاته من الحبوب فضلا عن المحروقات ولك أن تتخيل دولة تزعم أنها ذات سيادىة على أراضيها ! ، تشتري من نفس الأرض التي تدخل تحت سيادتها ، تشتري منها المحروقات والحبوب ! ، فكانت الحرب بالوكالة وطرفاها الرئيسان الآن : واشنطن وموسكو ، فحقول النفط والقواعد العسكرية في حمص من حصة روسيا ، وحقول النفط والقواعد العسكرية في الرقة والحسكة من حصة واشنطن ، والأنباء تتوارد أن واشنطن تروم إنشاء قاعدة جوية كبرى في الحسكة وربما فاقت قاعدة إنجرليك في تركيا والعديد في الخليج ، لا سيما والعلائق مع أنقرة متوترة فقاعدة إنجرليك متهمة أنها شريك ضالع في محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016م ، فالرقة والحسكة من نصيب واشنطن عبر مجموعها الوظيفي الكردي ، وحمص من نصيب روسيا عبر مجموعها الوظيفي الجيش النظامي ، وبقي التنافس على مناطق التماس كما وقع في حقل العمر فقد سطت عليه واشنطن وهو داخل في حصة موسكو ، وربما ردت موسكو قريبا أن تضرب حلفاء واشنطن بنيران صديقة ثم تعتذر فلم تكن تقصد ! ، ويكون الضرب من تحت الحزام ، والسؤال : أين حصة أهل الأرض ، وأين حصة التنظيمات المقاومة إسلامية كانت أو وطنية ؟! ، فليس لأهل البلاد إلا التهجير والطرد ، وهو ما وقع في محافظات كثيرة في العراق وإن كان التهجير فيها إيرانيا فالتهجير في الرقة الآن كردي ، فكانت التنظيمات الإسلامية ، علمت أو جهلت ، أداة من أدوات التقسيم على وجه يوافق أغراض اللاعبين الكبار في ميدان السياسة ، وهو أمر يظهر في مجموعات وظيفية أخرى فيرى الناظر الآن في معارك العراق ذات النفس الطائفي العرقي ، يرى في كركوك وأجوارها من الحشود النصرانية والآشورية والموصلية ... إلخ فكلها مجموعات وظيفية على هامش المجموعين الوظيفين الرئيسين : البيشمركة الكردية والحشد الشعبي الشيعي ، فهما الآن طرفا الخصومة بعد أن أُغْرِيَتِ العداوة والبغضاء بينهما وقد كانا بالأمس حليفين ضد السنة فكان البرازاني يتبجح بمشاركة قواته في تأديب أهل السنة وتقليم أظفارهم في الفلوجة وأجوارها في الاقتحام الأول في 2004 ، ثم دارت الدائرة فطهران الآن تريد تقليم أظفاره لا سيما وعلائقها معه ليست على ما يرام خلافا لجناح الطالباني الراحل فرحيله قد أضعف الحزب الكردي الموالي لإيران ، وهو ما جعلها تعجل بالهجوم لا سيما وهي تخشى من كيد أطراف في الخليج تقارب كيان يهود في التصور لمستقبل المنطقة العلماني اللاديني فلا يسود يهود إلا بإفساد عقائد الخصوم مع حرصهم على ترسيخ العقد السياسي اليهودي ، فطهران تخشى كيد أولئك لا سيما وقد ظهر بعض مسئوليهم في مناطق تخضع لسيطرة الأكراد ، كالرقة التي استولت عليها قوات "قسد" أو قوات سورية الديمقراطية ، فظهر بعض الوزراء الخليجيين برفقة مسئول أمريكي في زيارة لقادة العشائر العربية وهي ، كما يقول بعض المحللين ، قد تكون وكيلا عن الأكراد في حكم محيط عربي لا يقبل سيادة الوافد الكردي فهو أقلية فضلا أنه غاز وإن زعم أنه محرر يحارب الإرهاب والتطرف ، فالعشائر العربية هناك قد تصير هي الأخرى حشدا عشائريا وظيفيا كنظيره في العراق ! ، فلا تخلو الزيارة من دعم غير معلن ورسالة سياسة تؤيد ما يتشكل الآن من كيان سياسي للأكراد في سوريا وذلك ما يستلزم تأييد الانفصال الكردي في العراق ، وهو في نفس الآن مما يكرس الجفاء بين الخليج وأنقرة ، فالخليج يؤيد تشكيل الكيان الكردي ، وأنقرة تعارض وطهران كذلك فلا يزال التقارب بينهما في ازدياد في مقابل تنافر أنقرة والخليج ، وإن كان بين أنقرة وطهران من الخلافات ما يظهر تأويله في مناطق أخرى من الصراع كإدلب فالتحالف في جبهة والتخالف في أخرى وذلك دأب السياسة المعاصرة فلا تحالفات دائمة ولا عداوات دائمة وإن صار المعيار هو المصلحة بمفهومها البراجماتي الذي جعل الغرب يتواصل مع فصائل إسلامية ، وإن من طريق غير مباشرة فأحسن بمكره يوظف طاقاتها ، فالحرب كلها بالوكالة أو الاستخدام غير المباشر ، فلا يسمح لهذه التنظيمات بالدخول أو المشاركة في عمليات ترسيم الحدود الجديدة لا سيما في الشرق على الحدود مع العراق فلا نفوذ لها في هذه المنطقة وإنما اقتصر دورها على ميدان إدلب ولو مؤقتا ! ، كما تقدم ، وبعض المناطق المحيطة بدمشق وبعض المواقع في درعا في إطار استراتيجية محكمة لا تملك الخروج عنها طوعا أو كرها ، وذلك نتاج رئيس من نواتج عملية عسكرية وسياسية معقدة استمرت ست سنوات أو أكثر ، وشاركت فيها أطراف عدة كان لكل منها غرض ، وكان الجميع ، إلا من رحم الرب جل وعلا لا سيما الآحاد منهم ممن لا اطلاع لهم على تفاصيل السياسة الماكرة التي تحسن توظيف الجهود والطاقات على الأرض أو تحسن مخاتلتها واستلاب إنجازها ، كان الجميع ، إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، يريد أي شيء سوى الحق ! ، إِنِ الحق المنزَّل أو حق العدل المطلق وإن بمفاهيم أرضية محدثة ، فكان الحق ولا زال هو الغائب الرئيس في أي مشهد سياسي معاصر وقد صارت الدولة للمصالح وتراجع دور القيم والمبادئ لا سيما ما استند منها إلى الوحي فهو الخط الأحمر الذي لا يجوز لأحد أن يقاربه ولو كان صاحب حق بمعيار السياسة المحدثة فليطلبه بأي عنوان آخر سوى عنوان الوحي ! .

والله أعلى وأعلم .