مادة الجدال والمراء ، لو تدبر الناظر ، هي مِمَّا أغرى الخصومات الدينية والسياسية بل وحمل الناس أن يتلاسنوا ويتلاعنوا ، فكان المراء في الدين وهو ما نهى عنه البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فجاء الأمر في الخبر أن : "دَعُوا الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ الأُمَمَ قَبْلَكُمْ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ ، وَإِنَّ الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ" ، وهو أمر أُطْلِقَ ، فَعَمَّ أجناس المعنى ، فَالتَّرْكُ العام لأجناس المراء إذ ثَمَّ عموم آخر استفيد من "أل" التي دخلت على مادة المراء ، وهو أخص من الجدال فإن الجدال منه الجدال بالحق ، ومنه الجدال بالباطل ، وهو المراء ، فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) ، جاء ينكر على طريقة : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فتوجه الخطاب إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سياق يُبَيِّنُ مقادير الأعمال ، فَلَئِنْ جاز في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في أصل الجبلة البشرية إذا أطلقت من قيد العصمة فهو قيد زائد رجح خروجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخروج بقية الأنبياء عليهم السلام فلا يجوز الشرك في حقهم ، بالنظر في معنى النبوة فهي ، كما تقدم ، قيد زائد رجح خروجهم ، فصار الشرك في حقهم من المحال ، ولو اقتصر الناظر في حالهم على أصل الجبلة الإنسانية ما قطع بخروجهم ، إذ يجوز في حق الإنسان بالنظر في الماهية المطلقة ، يجوز في حقه أن يشرك ، فذلك جائز قد يمتنع إذا وردت قرينة توجب امتناعه ، كما هي حال الأنبياء ، عليهم السلام ، وحال من اشتهر إيمانه كمن بشر بالجنة من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فَثَمَّ من تَوَاتَرَ الثناء عليه فوجب القطع أنه ناج لا تأليا على الله ، جل وعلا ، وإنما تصديقا بما أخبر به وبشر ، فكان من نصوص التَّزْكِيَةِ العامة والخاصة ما تَوَاتَرَ حتى أفاد اليقين الجازم ، فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) ، جاء ينكر على المماري الشاك ، والخطاب وإن توجه إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالكاف مئنة من خطاب يتوجه إلى الواحد ، وأول من خوطب بالوحي هو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فخوطب والمراد غيره من عامة المخاطبين من هذه الأمة ، وهو ما تَتَّسِعُ دَائِرَتُهُ فيستغرق أمة الدعوة ، بل إن الكافر أولى بمعنى الإنكار والتوبيخ في الاستفهام فإن مراءه وَشَكَّهُ أعظم ، فكان الاستفهام الذي قُدِّمَ فيه ما حقه التأخير ، فَقُدِّمَ ذكر الآلاء وقد أضيفت إلى اسم الله ، جل وعلا ، مئنة من التعظيم ، ولا تخلو أن تحتمل آلاء التكوين وآلاء التشريع معا ، ففي الحال الأولى تجري الإضافة مجرى إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، وفي الحال الثانية تجري الإضافة مجرى إضافة الوصف إلى الموصوف فآلاء التشريع أخبار صادقة وأحكام عادلة ، والمماراة ، لو تدبر الناظر ، مفاعلة لا تكون إلا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فيكون الجدال بالباطل ، وهو ما جاء الاستفهام ينكره ويوبخ فاعله ، وثم من أجراه مجرى الفعل من واحد ، كما ينوه بعض المحققين ، إذ ما يماري فيه كثير فَثَمَّ من يماري في آلاء التكوين أن يجحد الخالق ، جل وعلا ، أو يشرك به إن في التكوين أو في التدبير كما هي حال الغلاة في القديسين والأئمة وأهل الطريق فإنهم يظنون فيهم من ولاية التكوين ما به يشاطرون الرب الجليل منصب الربوبية ! ، وهو ما يستلزم في العقل شركا آخر في منصب الألوهية ، فالمراء في التكوين يفضي إلى آخر في التشريع ، إن في التصور أو في الحكم ، فيكون الشرك في الخلق ، ويكون الشرك في الأمر ، وتكون المماراة بالباطل ، وذلك ما يفسد الود ويقطع الأواصر بما يكون من التحايل والمخاتلة إرادة الظهور والمغالبة ، وهو ما يفضي بصاحبه أن يفتري على الله ، جل وعلا ، فيقول عليه بلا علم ، وذلك من أعظم المحرمات ، كما قد جاءت به الآيات البينات ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فكان التدرج من الأدنى إلى الأعلى ، وكان من خبر ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وهو الترجمان ، كان من خبره ما يُبِينُ عن غاية الجدال الباطل ، فـ : "ما اجتمع رجلان يختصمان فافترقا حتى يفتريا على الله عز وجل" ، فالغاية هي الافتراء إذ المجادل يضطر خصمه أن يكذب ليخرج من فخ أو مأزق ، فآخر أمر المتجادلين أن يفتريا نصرة لما يريان من الهوى أو يجدان من الذوق فلو كان حقا ما اضطرا إلى ذلك ، فاستوجبت الحال قدرا من الافتراء ! ، إما بالكذب الصراح أو بالتأويل ، فيكون المراء المذموم الذي يقسي القلوب ويفسد الفهوم وشؤمه يعم الأديان والأبدان ، فما أوتي قوم الجدل إلا هلكوا ، كما في الخبر : "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ، فكان من القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، ما يقرر المعنى ويؤكده ، وكان من العموم القياسي ما تطرد به قاعدة النظر في هذا الباب ، فعم السياق وجوه الضلال ، فقد يكون الضلال في محدثات صغرى ، فشؤمها يعظم إذ هي ، لو تدبر الناظر ، ذريعة إلى المحدثات الكبرى فَيُنْهَى عنها سدا للذريعة ، كما هي الحال في معاص أطلق الوحي عليها لقب الكفر والشرك ، وإن لم تنقض أصل الدين الجامع ، فإطلاق هذا اللقب يؤذن بعظم الجرم ، فهو كبيرة من كبائر الذنوب ، وهو ، من وجه آخر ، ذريعة إلى جرم أعظم ، وهو الجنس الأكبر الذي ينقض أصل الدين الجامع ، فنهي عن الجنس الأصغر سدا لذريعة تُفْضِي إلى الجنس الأكبر ، فَعَمَّ السياق أجناس الضلال كلها ، إذ أطلق الفعل فاستغرق وجوه المعنى كلها ، والضلال مئنة من الغياب ، كما في قوله تعالى : (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) ، أي غبنا في الأرض بالتحلل والفناء ، فالضلال غيبوبة ، وهي مما يحتمل غيبوبة الحس بالفناء والتحلل ، وغيبوبة المعنى بما يكون من المحدثات التي يخالف أصحابها عن جادة الوحي فيجادلون عنها بالباطل ، وإن صح مبنى الحجة فالاستدلال بها على محدثة استدلال باطل ، إذ يتوسع صاحبها في مناط الاستدلال فيدخل في المعنى الصحيح وجوها باطلة ، أو يخرج منها أخرى صحيحة ، ولا ينفك الأمران يتلازمان إذ بقدر ما يخرج من دلالة الألفاظ من الحق يكون دخول أضداده من الباطل ، وإلا أُفْرِغَ اللفظ من دلالته ، وذلك يحكي ، من وجه ، إفراغ النفس من الإرادة فلا تشتغل بتصور ولا حكم ! ، بل تصير إناء فارغا لا يشغله شيء ، وذلك أمر قد يفرضه العقل فرضا مجردا في الذهن ، ولو من باب التنزل في الجدال مع الخصم ، فالعقل قد يجرد المعاني والماهيات فيتصور نفسا مجردة لا تصور لها ولا إرادة فلا يشغلها شاغل فالإناء فارغ ! ، ولكن ذلك في الخارج لا يكون إذ لا بد لها من شاغل يشغلها هو مادة حياتها الحساسة المتحركة بالإرادة التامة التي تختار بها ما يلائم وصفها ، وما تظن فيه فلاحها وسعادتها وإن كان عين هلاكها وحزنها ، فإنما أتيت من قبل الجهل إذ لم تحسن الاختيار ، فلا تصور صحيح وإنما اغترار بطارئ لذة أو نشوة تصرفه عن حق أعظم وأشرف ، فلذة النفس أن تظفر بالحق لا تعدلها لذة حس يشترك فيها الإنسان والحيوان ! ، فلذة النفس لذة المحل الأشرف ، لذة الروح ولا يُنْعِشُهَا إلا روح الوحي ، فلا حياة لها إلا بروح من الرسالة تصحح التصور والإرادة ، فلا نفس فارغة من التصور والإرادة ، وإلا كانت دون الحيوان الأعجم ، فمادة الحياة فيه وإن ناقصة قد أوجبت له من حركات الاختيار ، ولو طلبا للذة طارئة فلا يحسن التصور التام إذ حجب عنه العقل الكامل مناط التكليف النازل ، وهو ، مع ذلك ، لا ينفك يتحرك بالإرادة ، فلا حياة بلا إرادة ، كملت أو نقصت ، علت أو سفلت ، كانت بمحسوس أدنى أو معقول أعلى ، كانت بطيب من الرزق يباح أو فضول منه يشغل عما هو أولى فضلا أن يكون من المحرم الذي تسوء عاقبته في الأولى والآخرة ، فيكون من الجزاء العاجل ما يجده العاصي من شؤم عصيانه فلا يُلْقَى في النفوس إلا بُغْضُهُ ، ويكون من الجزاء في الحس ما يصيبه من أسقام لم تكن في الماضين فمقارفة الفواحش تَذْهَبُ بالأديان والمروءات وتزري بالهيئات وتضعف الأجساد فشؤمها يستغرق الحس والمعنى ، وكل أولئك من شؤم الانصراف عن الحق ، فلا يغادر من الحق شيئا إلا ويدخل عليه من الباطل ما يضاهيه ، كما تظهر البدعة إذا خفيت السنة ، فلا يترك الناس سنة إلا وتظهر بدعة ، إذ لا بد لهم من شرعة ، إن حقا أو باطلا ! ، فذلك من غذاء النفوس الضروري الذي لا غنى لها أن تطعمه ، فحياتها لا تكون إلا بشرع ، وأمور المعاش لا تنتظم إلا إذا كان ثم قانون يحترم ، ولو لم يكن أهلا للاحترام ! ، كما هي الحال في قانون الوضع المحدث فهو من أعظم البدع التي عمت بها البلوى في هذه الأعصار إذ بها فارق الناس من سنة الوحي ما فارقوا ، فعطلوا ما عطلوا من الأحكام ، بل وبلغت الحال حد البدعة الكبرى الناقضة لأصل الدين الجامع إذ كان الخلاف في الأصل ، وهو حجية الرسالة أن تحكم ، فَثَمَّ طرائق أخرى تُنَازِعُهَا هذا المنصب ! ، فلم تغادر النفوس الوحي إلى لا شيء ! ، فإن النفس ، كما تقدم ، لا تخلو من تصور وحكم ، فلما فرغ المحل من تصور الوحي وحكمه لم يكن ثم عوض إلا من الوضع المحدث ، على وجه تفاوت ، فكلما فارق الناس من الحق بابا كان من الباطل المحدث ما يسده ، فكان من مكر المضلين أن أجادوا فنون التزيين ، فزينوا الباطل وزخرفوه ، واصطنعوا له من المحسنات ما يخفي قبحه ، وتكلفوا له من أدوات الزينة ما يغش الناظر ، فالصورة ، بادي الرأي ، قد تخدع ، فإذا دقق الناظر لم يخف قبح الأصل فإذا زالت الزينة ظهرت الحقيقة ! ، وقل مثله في تقبيح الحسن فلا يزال يلطخ بالأوضار وحسنه ، مع ذلك ، لا يتبدل ، فهو حسن الذات وإن طرأ عليها عارض قبح ، فإذا زال العارض وظهر الوجه كما خُلِقَ أبصرت العين ما يسر ، وإنما نفرت ، بادي الرأي ، بما كان من تقبيح الخصوم ، فحاله كحال الحسناء وضرائرها :
كَضَرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها ******* حَسداً وَبَغياً إِنَّهُ لَدَميمُ
فلم يجدن ما ينبزن به الوجه الحسن إلا أن يَنْعِتْنَهُ بضده ، فكان التشنيع بالباطل ، كما يرى الناظر في المقالات المحدثة ، فلا تنفك تقبح الحق في عيون النظار ، فالسنة بدعة ، والإثبات في الإلهيات تمثيل ، وتعظيم الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، نصب ، ومحبة آل البيت تشيع ، وإثبات القدر جبر ..... إلخ ، فكل غال في المقال أو جاف لا بد أن ينبز السنة بقادح ، فالجافي يراها غالية ، والغالي يراها جافية ، وهي وسط بين طرفين ، فلا يزيدها القدح والثلب إلا ظهور حجة وبرهان ، فيقيض لها الرب ، جل وعلا ، من يجادل عنها وينافح ، جدال الحق المحمود ، فذلك ما يخرج من حد الخبر ، فدلالة "أل" في "الجدل" في هذا السياق لا تخلو من دلالة العهد الخاص فهو الجدال بالباطل وهو ما يضل به الناس إذ يشتغلون بفضول النظر ، ويصير النظر ترفا لا طلبا للحق الذي يُبْنَى عليه العمل ، فهو واجب الوقت ، فلا يفيد النظر في ملح وطرائف لا طائل منها إلا شغل المجالس وتضييع الأعمار في القيل والقال وهو مما كرهه الوحي ، فـ : "إنَّ اللَّهَ تعالى يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا, وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، ... وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ" ، والكراهة في هذا السياق قد تنصرف إلى التحريم كما قد أثر في كلام الماضين وهو اصطلاح التنزيل الأول قبل اصطلاح الأصول الثاني ، فالكراهة في كلام المتقدمين تكافئ التحريم ، كما في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) ، فالجدل المذموم جنس يستغرق الجدل في الباطل ، والجدل في فضول المقال من المباح أو ملح العلم فهي مما يجم النفس إذا ملت ، وذلك أمر يحمد ، وإنما ذمت أن تصير الشغل الشاغل فهي آنذاك من الباطل إذ شغلت النفس عما هو أولى من وظائف الوحي الناجزة ، فهي ، في الجملة ، واجب الوقت الأول ، فتحرير التوحيد تصورا وتصديقه وامتثاله حكما ، وتعظيم شرعته وجعلها المرجع المحكم ، كل أولئك واجب وقت عام يتوجه التكليف به لجميع الناس ، مؤمنهم أن يثبت على الحق ويداوم ويستزيد منه ما استطاع فهو زاده الذي ينفع ، وكافرهم أن ينظر في أدلته الصحيحة ودلائله الصريحة ليدخل في السلم كافة ، فذلك واجب وقت عام ، وثم آخر خاص إذ لكلِّ أحد من البشر أمر ناجز للوحي فيه حكم ناصح ، وإن إباحة ، وهي ، من وجه ، مغنم عاجل لا يُفَوِّتُهُ المسدد العاقل أن يستحضر فيه من النوايا والمقاصد ما يثقل ميزانه ، فهو يجم النفس من وجه ، وبه يكون التأهب أن يدخل في الواجب دخول المقبل غير المدبر ، فقد أحسن الطريقة فلا غلو في طلب الفضول من الطرائف ولا جفاء في هجر المباحات ، وإنما يأخذ منها بقدر ما ينفع ، فيكون له من الغنيمة ما ليس لغيره ، فـ : "عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ" ، فيكون شكره على المباح الذي يُسِّرَتْ أسبابه ، يكون شكره دينا ينتحل فهو يؤجر عليه فضلا عما يجد من لذة المباشرة التي يستوي فيها الناس كلهم ، مؤمنهم وكافرهم ، فالجميع يطعم ويشرب وينكح ، ولا يكون الأجر إلا لمن آمن فهدي جادة الشكر وحصل له من السداد في القول والعمل ما به يجعل المباح ذريعة إلى واجب أو مندوب فلا يفوته الأجر الموعود ، فلا يذم الفضول من العلم إن كان ترويحا عن النفس ما لم يفض إلى الخصومة بما يكون من التعصب والظلم في الحكومة فيصير كل خلاف مظنة الشقاق والمفاصلة ، وإن في أمر يسوغ الخلاف فيه ، فلا يحجر الواسع إلا الغالي الجاهل ، فذلك باعثه أن يتعصب لقول واحد لا يعلم غيره ، فضلا أن يكون محل الخلاف مما يسوغ ، فلا يتوجه فيه الإنكار إلى المخالف ، ولو كان الحق فيه واحدا ، فلا يكون إنكار إذا كان ثم حظ من النظر ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا في الفروع فلا يتصور أن يكون ثم في الأصول خلاف يسوغ ، بل قد جاء الإنكار في مسائل التوحيد ، فجاء الاستفهام ينكر ويبطل ولا ينفك يوبخ المخالف فلا يسلم له بخلافه ، فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) ، فهو ينفي الشك فدلالته دلالة الخبر ، ولا ينفك يدل على إنشاء ثان ينهى عن الشك ، كما في الاستفهام آنف الذكر في آية النجم في قوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) ، فدلالته النهي عن المراء ، وهو ما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتركه ، فـ : "دَعُوا الْمِرَاءَ فِي الْقُرْآنِ ثَلاثًا فَإِنَّ الأُمَمَ قَبْلَكُمْ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى اخْتَلَفُوا وَكَذَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَالْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ" ، فالأمر بالترك يكافئ النهي عن الفعل ، فالأمر بترك المراء يستلزم النهي عنه ، فتأويل الكلام : لا تماروا في القرآن ، وذلك المراء الذي يكافئ الجدال في الخبر أَنْ : "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل" ، فالجدال ، كما تقدم ، لا يذم مطلقا ، بل لا يذم منه إلا ما كان مراء يخرج بالمتناظرين عن جادة الحق ، فلا يكون غرض أحدهم إلا الظهور على خصمه ، ولو تكلف وتعسف ، فقد خُذِلَ أن أُعْجِبَ برأيه ، فجعله محكما يرد إليه ما تشابه ، ولو آي الوحي ! ، فصار الوحي محكوما لا حاكما ! ، وذلك ما تعظم به الخصومة ويكون من الجدل ما تَتَّسِعُ دائرته وتنشعب طرائقه فلكلٍّ عقل يجادل ولكلٍّ من معيار النظر ما به يحسن ويقبح ! ، فلم يعد ثم مرجع محكم يسلم من المعارضة والتهمة ، فكل يتهم أنه صاحب هوى فحظ نفسه باعثه في الجدل ، إذ لا ينفك يفتقر إلى الأسباب فَفَقْرُهُ الأصيل لا ينفك يحمله أن يتأول التنزيل ، بل قد تعظم جنايته فيعطل الوحي وينبزه ، فلا يزال به الوسواس حتى يخاصم الرسالة فيكذب ويجحد ويعطل ، فيستبدل بها البدعة المحدثة ، إن في العلم أو في العمل ، فيعظم الجدل ولا يكون إلا إذا ظهرت البدع فهي محدثات لا أصل لها ، فليس لها من الدليل الناصح ما يغني عن الجدال تكلفا لدليل ، ولو كذبا في لفظه أو تأويلا في معناه ، فالحق ظاهر الحجة له من رسوخ الفكرة ما يحمل العاقل المسدد أن يَعْتَقِدَهُ وَيَنْتَحِلَهُ ، فكان من شؤم البدعة أن يعظم الجدال والشقاق ، فـ : "ما ابتدع قوم بدعة إلا أعطوا الجدل" ، وفيه ما تقدم في الخبر أن : "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل" ، فيه من القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، فضلا عن دلالة العموم الذي يستغرق إذ وردت النكرات "قوم" و "بدعة" في سياق النفي ، وذلك مناط عموم قياسي في اللسان العربي ، وهو ما يجري على وزان الحكمة ، إذ يكون الجزاء من جنس العمل ، فإنهم أحدثوا من الباطل ما فارقوا لأجله من الحق ما يضاهيه ، فكانت العقوبة أن سُلِبُوا من السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة ، وهي مما لا حجة له ناصحة ، فلم يكن ثم بد من الجدل ، فهو لازم رئيس من لوازم البدعة ، إذ به يُلَفِّقُ صاحبها من الشبهات ما يرد به المحكمات ، فلا تكون بدعة محدثة إلا ويكون من الجدال ما يضاهيها ، وكلما كانت من الحق أبعد ، كان الجدال أعظم فنقصت الحال بما يكون من القيل والقال ، والمخادعة والمخاتلة فلا غاية للمجادل إلا أن يخطئ خصمه ، وقد حذف الفاعل في "أُعْطُوا" للعلم به بداهة ، فذلك عطاء لا يخلو من دلالة التهكم ! ، فالعطاء مظنة الخير فكان من استعارته لعطاء شر لا ينفك يجري على سنن الحكمة فلا ظلم ، إذ المحل الناقص لا يلائمه إلا الوصف الناقص ، فأعطاهم الرب ، جل وعلا ، الجدل عدلا فذلك جزاء ما أحدثوا في الدين فكان شغلهم بالباطل عن الحق ، وكان تَضْيِيعُهُم للجهد والوقت بلا طائل ، وكان خذلانهم أن لم يهتدوا إلى جادة الحق فيسلكوها ، ولا يخلو الخبر من إنشاء ينهى عن الابتداع في الدين فهو ما يحسم مادة الجدل المذموم ، وهو ، أيضا ، مما ورد النهي عنه ، فكان الأمر بتركه في الخبر المتقدم ، فـ : "دعوا المراء في القرآن" ، ولا يخلو ذكر القرآن أن يكون من الخاص الذي يراد به عام ، فالمراء لا يقتصر على القرآن ، وإنما يعم الأدلة جميعا ، فيدخل فيه نص الرسالة قرآنا أو خبرا ، ولا يخلو من دلالة أعم وهي الدين ، فالمراء فيه يذم ، وأدلته تجاوز الدليل المنقول ، فثم الدليل المعقول من القياس والاستحسان .... إلخ ، فكان من المراء فيها ما خالف عن القياس الصحيح ، فكان قياس أهل التأويل الباطل أن رجحوا المرجوح بلا دليل يرجَّح ، وهم من حذر الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام" ، فحكى الخبر حكاية الذم لا الإقرار ، فذلك ما يكون بقدر التكوين النافذ فلا يريده الرب ، جل وعلا ، بقدر التشريع ، بل قد جاء الوحي يأمر بالاعتصام ، أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، وذلك سبب الاتفاق لا الاختلاف ، وجاء الإطناب في : " أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام" ، جاء يُبِينُ عن أعظم الفرق شؤما وهي من يقيس بالرأي المحدث ، فيخالف عن جادة الوحي المنزَّل ، فليس قياسهم ما شُرِعَ في الأصول ، من رد الفروع إلى الأصول ، أو الاستدلال بالمقاصد الرئيسة في الشريعة ، وإنما يقيسون قياس الهوى الذي يُحِلُّ صاحبه المحرم ، ويحرم الحلال ، فاستغرق السياق شطري القسمة ، وهما ، كما تقدم ، مما يتلازم في النظر ، فلا يحرم أحد حلالا إلا ويفتح بابا من الحرام فلسان حاله إباحته والتحريض على مقارفته ، والقياس يطرد ، فلا يُحَلُّ حرام إلا وَيُرْفَعُ من الحلال ما يضاهيه ، ولو بالنظر في المآل ، فإذا توسع الناس في الخبائث زهدوا في الطيبات فلسان حالهم التحريم إذ هجروها ، فلا يهجر الإنسان إلا ما يذم ، بل قد تبلغ بهم الحال حد التصريح بالعداوة فيكون من إحداث الشرائع ما يحرم الحلال ويغري بالحرام إن تصريحا أو تلميحا ، فيجد الناظر من الحض على الإلحاد والفجور ما به يتقصد الطواغيت إفساد الأديان والأخلاق ، ولا ينفك الرأي يعم فلا يقتصر على الحلال والحرام في الفقه ، بل يعم نظائرها في العلم ، فالقياس مما يعم شؤمه إن في المحدثات العلمية التي تفسد التصور أو في المحدثات العملية التي تفسد الحكم ، وكل أولئك لا يكون إلا بمراء ذم ، فجاء الأمر بتركه ، كما تقدم ، وجاء العطف على حد الفور والتعقيب ، ولا يخلو من دلالة التعليل ، فثم سؤال يحصل في الذهن اقتضاء ، فما علة الأمر بترك المراء ؟ ، فجاء الجواب : "فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا في القرآن" ، ودلالة الناسخ "إن" هنا تجاوز دلالة التوكيد ، فلا تخلو من دلالة التعليل التي يعضدها معنى السببية في الفاء ، وإن لم تكن نصا فيه ، ولا تخلو دلالة القرآن في هذا الموضع أن تعم ، فهي الوحي المنزَّل على كل أمة ، فعم القرآن كل كتاب نَزَلَ ، فيصدق فيه معنى القرآن بالنظر في الجنس العام ، فالكتب مقروءة وآيها مقرونة ، فدلالة "أل" من هذا الوجه ليست دلالة العهد الخاص على القرآن الخاتم وإنما تعم كل شرع نازل ، فكان التلاعن إذ كان التجادل وجاء التحذير من حال الماضين فذلك حكم يطرد ، فإن سلكت الأمة الخاتمة هذه الجادة أصابها ما أصاب السابقين من التلاعن والتقاتل ، فإن التجادل باللسان على وجه يجاوز فيه المجادل حد الاعتدال فيظلم وَيَبْغِي على خصمه ، هذا التجادل يحمل صاحبه أن يُفْحِشَ في اللفظ وَيَتَعَدَّى في الفعل ، فيكون التلاعن والتقاتل كما يرى الناظر في حال المبتدعة في كل عصر ، وبعدها كان الختام الذي يحذر ، فهو خبر آخر يذم ويقبح ولازمه النهي عن الوصف القبيح المذموم ، فـ : "إن مراءً في القرآن كفر" ، وقد أطلق الكفر منكرا ، ولا يخلو في هذا السياق من دلالة اشتراك ، فهو يحتمل مراءً في أصل جامع فهو كفر أكبر ينقض أصل الدين ، ويحتمل ما دونه من الكفر الأصغر بالمراء في أمر يقدح الجدال فيه في كمال الدين الواجب ، وكلا الوجهين يصح ، فالجمع بينهما جائز بل يحسن إثراء للسياق بوجوه من المعانى الصحيحة بلا تكلف ولا تعسف في الاستدلال .

والله أعلى وأعلم .