اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: دولة الوحي

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:36 PM

    المشاركات
    4,705
    العمر
    39

    دولة الوحي

    قيم النفع والانتهازية ، هي مرجع القيم السياسية المعاصرة ، ولا بد لها ، مع ذلك ، من منظومة أخلاق وقيم وإن كانت مادية بحتة فالأخلاق حتم لازم ولو في تنظيم أمور الحياة ، فهي مما يسهم في تحقيق النجاح ، فلا بد من قدر من الأخلاق ، ولو حدا أدنى تُقْتَسَمُ به اللذات والهبات ! ، وَتُكْسَى فيه رغائب الأمم العظمى في التهام الصغرى ! ، تكسى لحاء أخلاقيا يسوغ عمليات الاحتلال والانتهاب ، فإن الأمم الغازية قد حَقَّقَتْ من الرفاه ما حققت في فترة الاحتلال فكانت تلك فترة ازدهار لاقتصاد المركز الذي يَفْتَقِرُ إلى الثَّرَوَاتِ الطبيعية والموارد البشرية وهو ما وجده في الأرض المحتلة ، فاستوظف أهلها ، ولو قهرا بالرق والاستعباد ! ، واستخرج خيرها وَنَقَلَهُ إلى أرضه لِتَدُورَ به آلة الإنتاج ، فكانت الحكومة الجائرة التي توسعت في الأرض ولم تحكم بالعدل ، فَثَمَّ من نظم السياسة والحرب ما ازدهر فكانت فتوحات الإسكندر التي لم تصمد بعده إذ افتقرت إلى رصيد من القيم والأخلاق يحفظ بُنْيَانَ الحكم فلم يكن إلا قبضة القمع التي تورث الأجيال إحنا وأحقادا مع ما يكون من تفاوت عظيم بين السادة والعبيد على وجه يفتقر إلى إصلاح من الجذور ، جذور الأفكار والسياسات ، فقبضة القمع قد تؤجل الانهيار فيظن من لا علم له ولا مروءة ، أنها خير يوجب الشكر والثناء والتأييد والولاء التام إذ حُفِظَتْ بها البلاد والعباد ! ، فلم يَزِدِ القمع الناس إلا فسادا كما يكون من سياسة السجن الذي يجاوز فيه العددُ الحدَّ ، فتضيق النفوس وتغضب وتظهر أخلاق الأثرة والتنافس على التَّوَافِهِ ، ولا يكون ثَمَّ من رحمة الشرع أو الطبع ما يوجب الاقتصاد والإيثار ، ولا يخلو ذلك من نَقْصٍ في الأدب زاده القمع فلم يكن لحاكم جائر أن يحكم إلا أن وجد في الناس من يُؤَيِّدُ وَيَعْضِدُ ، فاصطفى من الناس من صار آلة بها يبطش ، فيقدم في بلاطه كل فاحش مرذول لا يملك من معنى الإنسان إلا صورة اللحم والدم وأسباب الحس الظاهر ، فقبضة الإسكندر قد أحكمت فحالت دون انهيار الملك فَلَمَّا زَالَ زَالَ ملكه ، وقل مثله في ملك جنكيز خان ، فإن المغول قد ظهروا فجأة في ظل فَرَاغٍ في الفكر والسياسة والحرب فلم يكن ثم سبب إلا القوة التي اجتهد القوم في تحصيل أسبابها فكان من عاجل الثواب أن فتحوا البلاد فاستولوا على الأرض ولم يكن ثم من الفكرة ما يقيم بنيان دولة فليس إلا ملك الجبر بحد السيف ، فكانت قبضة القمع التي حالت دون انتقاض الدولة وانتفاض الناس ، فالظلم قد بَلَغَ كل مَبْلَغٍ ! ، وإنما حال الخوف دون الرفض ، فلما ضعف السلطان وانهار البنيان بضربة واحدة رئيسة وبعدها ضرباتٌ كان أمرها أيسر إذ كُسِرَ حاجز الخوف في عين جالوت مع أن القوة التترية في هذه المعركة لم تكن القوة الرَّئِيسَةَ إلا أن رَمْزِيَّةَ المعركة الفاصلة قد أطلقت المدن الثائرة ، فانهار الملك إذ لم يكن عماده إلا القوة التي لم تشفع بالحق فكان سيف وسنان ولم يكن ثم حجة أو بُرْهَانٌ ، فلم يكن ثم فكرة تقام بها دولة ولا مرجع في قيم السياسة والعدالة ، فكانت القوة سَبَبًا لا يدوم ، وإن كان زمن السقوط قد يطول بالنظر في عمر الجيل الواحد ، فسنن الكون أَنَّ بَعْدَ القوة ضعف ، فلا بقاء لشيء على حال واحدة وإنما يَتَفَاوَتُ الناس على وجه يظهر به قدر فارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فوحده الرب ، جل وعلا ، من اتصف بالأولية والآخرية ، فكان الانهيار المفاجئ كما الظهور المفاجئ وذلك سنن آخر من سنن الكون النافذ ، وكان من توسع الرومان في البلاد ما استغرق أجيالا قدرها بعض الفضلاء أنها ثمانية قرون فكان الملك العتيد الذي ضرب بجذوره الراسخة في الأرض ، وكان له من الجيش والديوان وآلات السياسة والحرب ما حكم به شطر العالم القديم ، وكذلك الشأن في شطر ثان في الشرق فكان الفرس أصحاب ملك عتيد قد استوفى من أسباب القوة ما أحكم به السيطرة ، وكان ثم فكرة جائرة يغلو أصحابها في الهيئة الحاكمة ، فكان من الغلو في ملوك آل ساسان ما حمل بعضا أن يَزْعُمَ أنهم من وجه الإله قد خلقوا ، وعامة الناس من قدمه ، فثم قدر فارق يطرد في أي حكم جائر ، فلا بد من أرستقراطية تجاوز حد السياسة فما كان لها أن تحصل لولا أن ثم فِئَامًا من الناس تقبل ، ولو قِلَّةً في العدد فقد فارقت المجموع الغالب إذ استأثرت بأسباب الجاه والرياسة فكان الأحرار في دولة الإغريق القديمة قلة في العدد وإنما صارت لهم السيادة بما اسْتَأْثَرُوا به من أسباب القوة والثروة فهما رافدا الحكم ، فلا ملك ينشأ من ضعف أو فقر ، ولكن الأمر يسوء إن صارت هذه الأسباب ذرائع أن يستأثر أصحابها بالخير فلا تكون حكومتهم في الناس حكومة العدل ، إذ ليس ثم منهاج من الفكر به تنتظم العلائق بين المحكوم والحاكم ، فليس ثم عدل فضلا أن يكون ثم وحي فهو الذي يعدل في الخصومة على وجه تنتظم به الحكومة بين الناس فلا حظ له أن يستلب حقا ، فالشارع ، جل وعلا ، غني حميد ، عليم حكيم ، رءوف رحيم لم يرد بالخلق إلا الخير فكان من نصحه ما خَلُصَ من الغش والخداع فخطابه خطاب الصادق الذي لا يكذب أهله ، فهو رائد التوحيد والتشريع ، فصدق الخبر وعدل الحكم وانتفاء الغرض ، كل أولئك مما رجح به الوحي الوضع ، فكان من الهوى ما أضاع الأفراد والأمم ، فهو من أعظم ما صد الناس عن الحق ، سواء أجهروا بالخصومة فكانوا أعداء الوحي إذ جاء يستلبهم صلاحيات الحكم المطلق فجاء بقيد يلزم ، فالحكام ليسوا في سعة من الأمر أن يحكموا بما شاءوا فيختزل السلطان في شخوصهم ، في صور الحكم القديم الذي قَارَفَ الظلم باستبداد واحد ، وذلك نظام قديم لا يكون إلا في حكومات القبيلة التي تَنْزِلُ على أمر الزعيم فَلَهُ من السيادة ما لا يُرَاجَعُ فالناس قد استسلموا وانقادوا كما يَنْقَادُ القطيع لمن يَتَقَدَّمُ ! ، وتلك سنة في الكون تَنْفَعُ إذ لا بد للناس من حكومة ، ولكن إطلاق القول بقبول أي سلطان مع إهمال العقل والجنان أن يتدبر أحكامها ويقيس ما تقول وما تفعل على معيار محكم ، فكان من الوحي ما يعظم به الخير إذ يدعو الناس أن يتدبروا ، فلا يسلموا بأي حكم فَثَمَّ قوة عقل وعلم قد رُكِزَتْ في الإنسان إذ فُضِّلَ على بَقِيَّةِ الكائنات فلا يكون انقيادُه انقيادَ البهيم لقائد القطيع وإن أَوْرَدَهُ الهلكة ، فذلك استلاب لأعظم خاصة في الإنسان وهي خاصة الفكر والتدبر ، فهو يَنْظُرُ قبل أن يَنْقَادَ ، وَيَتَدَبَّرُ قبل أن يسلم ، فمعيار الوحي المحكم يحسم مادة الهوى الذي يضل صاحبه وإن ظن أنه على جادة الهداية ، فَلَيْسَ ذلك إلا من شُؤْمِ الإعراض عن الحق واتخاذ الهوى إلها يعبد ، فهو إله وإن لم يقر عابده بذلك ، إذ قصر التنسك على أفعال التعبد المحض ، وغفل عما يجاوزها من معنى الانقياد والطاعة ، فذلك معنى يستغرق الحكومات في القضاء وفي السياسة وفي الحرب وفي التجارة ...... إلخ ، وهو ما فقهت قريش ، فالوحي قد جاء يهدم نظاما ويقيم آخر فلم يتوسل بإصلاح إذ الأمر قد جاوز حد الانحراف الطارئ الذي يُقَوَّمُ بِرَدِّهِ إلى الجادة ، فقد بلغ الأمر حد النقض لا النقص ، فَنُقِضَ أصل الحكومة الرسالية بتعطيل الشريعة الحكمية إذ استبدل الوضع بالوحي ، فتوجست قريش أن يكون ثم نظام آخر في السياسة والحكم يُبْطِلُ رياساتها المطلقة ، وهي رياسة القبيلة التي قسمت النفوذ بَيْنَهَا قسمةَ الصراع على الحظوظ والمكاسب فكان لكلٍّ حظ من القصعة بقدر ما له من أسباب القوة فهي معيار الحكم ، فحق القوة يجيز لصاحبه أن يطغى ويستبد بما حاز من أسباب القوة الصلبة والناعمة ، فذلك نظام حكم اقتسم صلاحيات الحكم المطلق ، فأبى أن يقاسمه أحد الملك فضلا أن يَنْتَزِعَهُ منه وَيَرُدَّهُ إلى حكم من خارج يخضع له الخضوع المطلق فلا يكون له هوى إلا ما يحكم به الوحي فهو ، كما تقدم مرارا ، المرجع الذي يجاوز الجميع ، فحكمه قاض في الأهواء والأذواق ، فلا اعتبار بها قبولا أو ردا إلا أن تعرض عليه فهو معيار حاكم فيما نص من وقائع زمنَ الرسالة ، حاكم فيما جد من نَوَازِلَ بعدها إن بقياس أو بمقاصد رئيسة اجتهد أهل الشأن أن يُحَرِّرُوهَا فلا اعتبار لما يَنْقُضُهَا ولا اعتبار لما يخالف عن أصولها الأولى ، نصوص الوحي التي استنبطت منها ، فالنصوص مادة المقاصد فما اعتبرت إلا أن اطرد اعتبارها في الوحي فشهدت لها نصوص مجموعة بها يحصل من الشهادة ما يقبل ، فلم يشهد نص أو اثنين وإنما شهدت النصوص في أبواب كثيرة على وجه استقامت به الطريقة ، فذلك ما أفاد بالمجموع ما لم يفد بالآحاد ، فيشبه ، من وجه ، ما يحصل بِتَعَدُّدِ الطرق في إثبات الأخبار فَتُفِيدُ بمجموعها ما لم تفد بآحادها ، كما في الآحاد فإنها إذا صحت وكثرت أفادت التواتر ، وكذلك الشأن في طرق الضعيف فإنها إن لم يشتد ضعفها أفادت بمجموعها من الحسن ما يجعلها مناط احتجاج ، وإن كانت دون الصحيح ، فكان من هذا المنهاج المحكم ما أبطل منهاج قريش فلم يكن الأمر نسكا مجردا من غايات عظمى تَسْعَى في إصلاح الحياة فجاءت بما يضبط حركة الفرد وحركة الجماعة ، في الحكم والسياسة ، فَلَوْ كان الأمر نسكا ، فالكهوف كثير ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، وقد كان ثَمَّ في قريش جمع من الحنفاء لم يسعوا في تَغْيِيرِ النظام فلم تَتَعَرَّضْ لهم قريش إلا فيما ندر ، كما كان من حال زيد بن عمرو بن نفيل فإنه جهر بالخصومة وإن لم يكن من أمره ما يقوض أركان النظام المحكم فلم يكن ثَمَّ تصور كامل إلا الاعتراض على هذا الزَّيْفِ ، فجاءت الرسالة تزيد فقد جاءت بالبديل الذي يقوض أركان النظام القرشي ، فكان الوحي العربي المبين الذي استغرق الجليل والدقيق ، فَعَمَّ بسلطانه الأصول والفروع وَجَاوَزَ العقد العلمي المجرد إلى الشرع العملي المحكم ، وَبَيْنَهُمَا من التلازم ما لا يخفى فتلك مادة وحي قد عم سلطانه الأهواء والأذواق فاستغرق الأقوال والأعمال والحكومات والسياسات ، فلا يعارضه إلا حكم الباطل ، هوى أو ذوقا ، فما حمل الناس على مخالفة الحق إلا شبهة تفسد التصور أو شهوة تفسد الإرادة ، فالإنسان مجموع مركب من جنان لطيف وبدن كثيف ، ولكلٍّ من مادة الخير ما به يصلح ، فإن لم يَسْتَزِدْ منها ، فهو إلى ضدها يَنْصَرِفُ ، فيكون من شبهة العلم ما يفسد الجنان ، ولو بفضول السؤال عما لا ينفع فذلك ما يستنفد طاقة النظر والتدبر أن تشتغل بما هو أولى من الأصول والفروع الواجبة التي حان أوانها فهي واجب الوقت الذي لا يضيعه إلا فاسق يضيع الفرائض ، سواء أكان تضييعه صراحة فلا حياء ولا خجل وإنما بارز الوحي بالخصومة إذ علم مآله لو صارت الدولة للرسالة فهي دولة الحق والعدل وهي دولة الجد فلا هزل ، ومن كان أمره باطلا فلا حظ له ف دولة الحق ، سواء أكان باطله باطل الظالم أم باطل التافه الذي لا رصيد له في الدنيا إلا العبث الذي تَرُوجُ سوقه إن كانت الدولة دولة ظلم وجور فهي تَحْتَفِي بكل عابث وتمنحه ما تمنحه من الجوائز والعطايا أن حَقَّقَ الغاية فَأَلْهَى الناس عن جلائل الأمور بِتَوَافِهَ من اللعب ، ولو مباحا ، فضلا أن يكون محرما فيه من الفحش ما زخرف فَقَبِلَتْهُ النفس إذ ثم أَعْرَاضُ زينة تستميل الإنسان بما ركز فيه من الطبع والجبلة ، فلا يحسم مادة الطبع أن يُرْشِدَهَا فلا تضل ولا تغوى ، لا يحسمها فَيُؤَدِّبُهَا إلا الوحي المنزَّل فدولته دولة لا حظ فيها لتافه أو عابث أو فاحش ، فليس إلا أداة يستعملها الحاكم في إفساد الرعية وإلهائها ، فثم أداة القوة الصلبة التي تقمع الأبدان قتلا وهتكا وجرحا وأسرا وسلبا ، وثم آلة القوة الناعمة التي تُزَيِّفُ الوعي وتفسد الطبع ، فمنها الشبهة التي تفسد التصور ومنها الشهوة التي تفسد الحكم ، فتلك حال الفاسق إذ يعلم علم اليقين أن حكم الرسالة يؤذن بِزَوَالِ سلطانه فلا بد أن يجتهد ويصبر فيستعمل أدواته في القمع والإفساد رجاء أن يطول حكمه وما طال زمانه إلا بما اقترفت الأيدي من الآثام التي تفسد العقول فلا تحسن تَنْظُرُ وَتَتَدَبَّرُ فهي تَرَى الباطل حقا ، والقمع أَدَبًا ، فَفَسَدَتْ حَالُهَا بشؤم ما قَارَفَتْ فَسَهُلَ على شيطان الجن والإنس أن يَسْتَزِلَّهَا ، فكان من النقص في التصور والحكم ، في الأخلاق والأحوال ما جاوز الواحد ففسد عقل الجماعة وصار لها من الرأي ما سفه فجزائها أن يقودها سفيه فليست إلا قطيعا يساق بآلة القوة تارة وآلة الدعاية أخرى وآلة اللعب ثالثة ، فتلك حال الفاسق سواء أجهر بالخصومة ، كما تقدم ، أم كان ممن يَتَدَثَّرُ بالدين فهو ممن يحسن التأويل فيخرج جناياته على نصوص الوحي وأصوله ! ، فلا يخرج الأمر أن يكون صاحبه فاسقا أو جاهلا لا يحسن النظر فيقدم ما حقه التأخير من فضول السؤال الذي لا ينفع ، سواء أكان في نفسه غير نافع فهو من الفضل الزائد مُلَحًا وَنِكَاتٍ من دقائق المسائل النادرة التي لا عمل يُبْنَى عليها في الغالب ، فحقها التأخير فليست إلا طرفة تجم القلب إذا تَعِبَ وَكَلَّ ، فلا يصح في القياس أن تكون لها الصدارة فتشغل القلب عن الواجب من الفرض ، والزائد من النفل فقياس العقل الناصح أن يشتغل الإنسان بما يصلح الحال والمآل ، فلا يحسن السؤال عما لا يَنْفَعُ ، فذلك فضول قول يدل على ضعف عقل ، فصاحبه يشتغل بما لا ينفع عما ينفع ، فيخالف عن قياس العقل الناصح الذي يقضي بتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير ، فكان من وصاية علي ، رضي الله عنه ، لمن سأل عن السواد في القمر ! ، أن : "سل عما ينفعك في دينك وآخرتك" ، فسؤال السائل لسان يحكي حاله عقلا أو سفها ، واجتهاد الحاكم الجائر أن يصنع من العقول ما سفه فلا غاية له أن يدرك الناس من الحق ما ينفع ، فلا يصطفي منهم إلا الجاهل الذي لا تحدثه نفسه أن يُنَافِسَ أو يُرَاجِعَ الرأي ، ولو صحت المراجعة ، فبطانة الحاكم وخاصته تحكي ، أيضا ، حال الناس ، فلا يُعْرَفُ الناس إلا من الحاكم الذي يقضي ، والبطانةِ التي تُشِيرُ بالرأي والصورة التي يقتدي الناس بها فهي المثال الكامل في العقل الجامع ، فإن كان مثال الاقتداء عابثا أو فاحشا أو تافها لا وظيفة له في الحياة تنفع إلا لعبا ولهوا يشتغل به عما هو أولى من وظائف العقل والحس فضلا أن يُضِلَّ غيره فيكون أداة في يد الحكم الجائر فيحسن يستعملها في الإفساد والإلهاء ، ويحسن يستميلها بما يغدق عليها من المال والجاه فتصير القدوة الجديدة في نظم فشلت في سياسة الدين والدنيا ولكنها نجحت أَيَّمَا نجاح أن تُدَمِّر منظومة القيم والأخلاق ، وأن تَنْسَخَهَا بمعيار جديد لا يقيم وزنا إلا لكل تافه حقير لا حظ له من أسباب الرياسة إلا ما يجمع من المال ، حَلَّ أو حَرُمَ ، فهو غاية في نفسه إذ به تحصل الرياسة في أمة من البشر قد فسد معيارها في النظر ، فـ : (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ، فذلك معيار المادة وليت من يَتَمَنَّى يسعى في سبب يَنْفَعُ أن يُحَصِّلَ من المال ما به يَغْنَى ، فالغنى في نفسه لا يذم ، بل المال عصب الحياة وحصوله في الْيَدِ يَقِي صاحبه ذل السؤال ، فالاجتهاد في كسبه من مقاصد الوحي ، فكان حفظ المال بعد حفظ الدين والنفس والنسب والعقل ، فلا يذم في نفسه بل هو سبب نافع أباحه الرب الشارع ، جل وعلا ، فلم يكن من دين الرسالة تَقَصُّدُ الفقرِ والذلِّ ، والإيواءُ إلى الكهوف والمفاوز طلبا لسياحة لا تنفع فلا غرض فيها من اعتبار أو كسب رزق ، وإنما يضل صاحبها في الأدوية والفلوات بلا غاية دين أو دنيا ، فليس المال مما يذم لنفسه وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من السعة ، فكان من حال الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، اجتهاد في السعي والكسب وكان فيهم من الغنى والثروة ما صار مضرب المثل السائر في الدنيا ، فكانوا ملاك الدنيا في أيديهم وكانوا حكام الأرض بما تحملوا من الوحي ، فَبِهِمْ تأويل المقاصد الشريفة لهذه الشريعة ، إذ أحسنوا وَضْعَ الأسباب في مَحَالِّهَا ، فالسؤال عما ينفع ، والتنطع في السؤال مما يذم ، فلا يكون اشتغال بفضول المسائل ، وإنما يشتغل العاقل بجلائل التَّنْزِيلِ أصولا ودقائقِه فروعا ، فالوحي رائده ولا أصدق منه دليلا ، فـ : "ما تكلم الله به في القرآن فتكلموا به ، وما سكت عنه فاسكتوا عنه" ، وذلك أصل جليل في أمور التصور والعلم التي لا يدركها العقل ، بادي الرأي ، وإن لم يَمْنَعْهَا فهي من الجائز الذي لا يحيله العقل ولكنه لا يستقل بدركه فكان من خبر الوحي الصادق ما أبان عن حقائق الغيب الشريفة التي تحمل العاقل أن يسعى في اكتساب أسبابها بل لا يَتْرُكُ قولا ولا عملا ، ولو فضل مباح ، لا يَتْرُكُ من ذلك شيئا إلا وادخره لآخرته بقصد صحيح ، فالمباح يجم الجنان فلا تمل ، وإن كان فضوله مما يضر ، فلا يزيد كما يزيد الآكل فإذا شبع وبشم مرض وهلك ! ، ولا ينقص فيضعف ، فالنفس لا بد لها من حظ به تستجم وإلا أصابها من السآمة والملل ما هلك به المتنطع ، والتنطع ، لو تدبر الناظر ، لا يقتصر على التنطع في السلوك بتحريم الحلال وتكليف النفس ما لا تطيق من المشاق فذلك خروج عن الوحي وكلام زائد على كلامه بل ونقض ظاهر لمقصد رئيس من مقاصده ، فحفظ الدين يكون بالتوسط والاعتدال ، فلا غلو ولا جفاء ، ولا يكون غلو ، لو تدبر الناظر ، إلا بجفاء أول ، كحال من يتكلف التحديث والتجديد زَعَمَ ! ، فَتَعْظُمُ جنايته على الوحي بما بدل وعطل فلا يكون من رد الفعل الدافع لعدوانه إلا زيادة في الحد دفعا لهذا الصائل الجائر على الأديان والأخلاق فلا يخلو الدفع في أحيان كثيرة من مجاوزة لِلْحَدِّ بها يخالف الدافع عن طَرِيقَةِ العدل فيكون الغلو في مقابل الجفاء وَبَيْنَهُمَا العدل الذي أمر به الرب ، جل وعلا ، فالوحي دليل صدق وداعية رشد يعدل في التصور والحكم ، فَقَوْلُهُ الفصل وما سكت عنه فهو من الرحمة أن أرسل من المصالح ما يختار منه الناس ما ينفع ما لم يخالف عن الوحي لا في نَصٍّ ولا في مقصد ، فذلك أصل فيما يجد من نوازل لا حكم للوحي فيها فلم يتكلم بها ولا بنظائرها ليصح القياس عليها فثم من المقاصد الرئيسة ما به يَحْكُمُ الناس على وجه لا يجوز فيه الخلف لنص أو إجماع أو مقصد آخر محكم يقدم على مقصد النَّازِلَةِ ، محل الفتيا ، فثم من قواعد الترجيح حال التعارض ما أحكم الخلاف فسلك به جادة العدل فلا يكون الهوى حاكما ، فلا أفسد من حكومته إذ يطغى بما حصل له من أسباب الطغيان ، فيخوض فيما سكت عنه الوحي خوض الباطل فلا يصح قصده إذ رام المخالفة لِيُعْرَفَ ، والمجادلة لِيَنْقُضَ ما أُحْكِمَ من عرى الحق كبرا وأنفة أن يخضع للوحي ، فقد طغى فلا يقبل حكومة من خارج فصار هواه هو الإله الشارع فلا أعظم منه جناية كما في الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع" ، على كلام في إسناده ، فالمعنى يصح إذ التأله ليس إلا الانقياد والطاعة والاتباع ، فإذا خُيِّرَ صاحبه بَيْنَ هواه وَبَيْنَ ما يخالف عنه ، وإن وحيا محكما ، اختار ما يهوى سواء أفجر في الخصومة فَتَقَصَّدَ نَقْضَ الوحي فضلا أن يَنْبِزَهُ بالسوء ويسعى في تَعْطِيلِهِ وَتَبْدِيلِهِ ويفخر أنه على جادة تخالف عن جادته ليسلم من جناية البداوة ، فيختار ما يهوى سواء أفجر في الخصومة ، كما تقدم ، أم تأول حتى يُخَرِّجَ أهواءه على أصول الوحي ، فهو يفتش في المتشابه ليظفر بدليل يقبل التأويل ويعرض عن المحكم فلا يَرُدُّ إليه ما تشابه من هواه وذوقه .
    فكان النقص في قبيلة السياسة ، كما يتندر بعض الفضلاء ، فهي قبيلة تحكي حال القبيلة القرشية ، فالنظر واحد وإن اختلفت طرائق المعاش فلا زالت صورة القبيلة التي تجمع الأفخاذ والبطون فهي الأجنحة المتصارعة على الحظوظ السياسية والاقتصادية ، فثم خلاف بَيْنَهَا يعظم ، وإنما اشتغلت بما نَزَلَ بها من أمر عظيم أن جاءها البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فجاء بما يصادم فلا يهادن ، وجاء بما يعارض بل ويناقض فلا يوافق ولا يصالح ، فالوحي نظام جديد جاء ينسخ النظام القديم ، وجاء يبطل أدواته في الإضلال والإلهاء ، وإن لم يقمع النفوس فيخالف بها عن الطبع بِتَنَطُّعٍ وتشدد يُنَفِّرُ النفس ، فلا يرد جفاء الناس في الدين بِغُلُوٍّ فَيَنْتَقِلَ من طرف إلى آخر دون أن يصيب جادة الوسط المحكمة ، فالقبيلة قد اختارت من نظام الحياة ما تدبر به سياستها في الداخل وفي الخارج ، وحربها مع العدو الذي يخالف عن غاياتها وَيُهَدِّدُ وجودها ومصالحها ، واقتصادها فهي ذات موارد ودخول من التجارة والسياحة ...... إلخ ، فَلَهَا تصور كامل قد استغرق الجلائل والدقائق ، ولها أدوات بها تُوَجِّهُ العامة أن يسلكوا الجادة التي تختار ، فَرُءُوسها التي تصنع القرار وتحدد الغايات الرئيسة ، هذه الرءوس هي التي تحتكر قرار السيادة ، فلا تطيق أن ينازعها أحد ولو وحيا منزلا فلا يكون إلا التقبيح والتنفير ، فـ : (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) ، فهي تصد الناس عن الحق بأبواق باطل تزخرف وتزيف ، فآل النزاع إلى مناط أول رئيس لا يقبل الشركة فإما الوحي وإما الهوى ، سواء أكان هوى فرد أم هوى جماعة قد وضعت من نظر السياسة والحكم ما ترى أنه الأصلح ، سواء أكان النظر جبرا أم كان يحكي اختيار الناس ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أنه مما يسهل توجيهه بآلات دعاية وَتَثْقِيفٍ تحسن صياغة العقل الجامع فَتَنْسَخُ ما تشاء من الأخلاق والقيم وَتُحْكِمُ ما تشاء ، فكان ما كان من الجناية الفكرية والأخلاقية أن سعت نظم حكم وسياسة أن تفسد العامة ، فاستبدلت معيار الوضع المحدث بمعيار الوحي المنزَّل بل وأفسدت بعد ذلك فلم تجعل محاسن العلم والجد وما أجمعت عليه العقول وإن لم تعتقد إلها ! ، لم تجعل هذه المحاسن مثلا عليا بها يقتدي الناس في صناعة الحياة ، ولو مادية لا تؤمن بآخرة ! ، وإنما جعلت مثال الكمال مثال قارون آنف الذكر ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ، فصار المال غاية لا وسيلة ، فلا يذم إن جرى مجرى الوسائل فالعاقل يستعمله في تحصيل الغايات الشريفة في الأولى والآخرة ، وصار اللعب والهزل محل اقتداء آخر فصاحبه يجاز بما لا يجاز به غيره من نفائس الأموال والذخائر فضلا عن حظوة عند الناس الذين لا عناية لهم بفضيلة فقد وضعت لهم السلطة مثلا عليا بها نسخت مثل الخير والعدل سواء أكانت من الوحي وهي الأكمل أم من الوضع فلم يكن ثم مثال نافع لا من سماء ولا من أرض ! ، فَلَيْسَ ثَمَّ معيار يُحْسِنُ الناس به الاختيار فقد وضعت السلطة معيارا يحقق غاياتها وَيَزِيدُ في مكاسبها وصارت تمكر ليلا ونهارا فَتُلِحُّ في القول حتى استسلم العقل وانقاد فلم تكن له عناية بطلب الفضائل فَقَبِلَ المحل الفارغ من الحق ما قَبِلَ من الرَّذَائِلِ بما جُبِلَتْ عليه النفوس فهي الحية الحساسة التي تَتَحَرَّكُ في الخارج بالإرادة والقصد فلا بد لها من مثال تحاكيه فإن لم يكن المثال حقا وعدلا فليس إلا الباطل والظلم ، فإذا ظلم الفرد نفسه فاشتغل بالتافه الذي لا ينفع سهل على أي طاغوت أن يُوَجِّهَهُ وإن لم يأت بخير قط ، فَنُظُمُ الجور لا تطيق الخير ولا من يأتي به ، فلا تحتفي إلا بما يفسد أو يلهي سواء أكان محرما أم فضل مباح زاد الناس فيه حتى صار غاية تعظم ! ، وغايته أن يكون سببا به تستجم النفوس لتعاود السير في رحلة الحياة طلبا لخيرها العاجل والآجل ، فالناس في ظل الطغيان لا اختيار لهم يصح وَيَنْفَعُ ، سواء أكان الطغيان ناعما بأدوات الدعاية والإلهاء فلا يختارون إلا ما اختارته السلطة لهم فهي تَنُوبُ عنهم في جدهم وهزلهم ! ، وهي تصنع لهم من المثل ما يقتدى به ، فلا تحكم سيطرتها على الأبدان إلا إذا أحكمت السيطرة على العقول بما تبث من سموم تفسد العقائد والأخلاق فيسهل لها القياد ، فلا اختيار لهم ينفع سواء أكان الطغيان ناعما أم صلبا فلا اختيار لهم من باب أولى ! ، بل ولا اختيار لهم ، كما يتندر بعض الفضلاء ، لا اختيار لهم ولو في أمر تافه ، فإن قبيلة السياسة لا يقتصر جمعها على صناع القرار فلا أحد يزاحمهم ، وإنما يعم كل أداة تستعملها فهي حكر على أربابها فلا يدخل فيهم أحد بغير رضاهم أو مشورتهم ، فلا عمل للعامة إلا أن تصفق وتشجع فليس لها أن تشارك ولو في هزل ولعب لا سيما إن كان سببا في الجاه والثروة فذلك ما احتكره القوم سواء أكانوا رجال سياسة وحرب أم رجال لعب وهزل ! ، فلا اختيار للناس في نظام الحكم المستبد الذي يستأثر بأدوات الحياة كلها ، فلا يشاركون في صناعة القرار أو الرأي بل ولا يشاركون في اللعب فَهُوَ مما أُوكِلَ أمره إلى مجموعات من البشر وظيفتهم أن يَلْعَبُوا ووظيفة الجمهور أن يصفق فلا يناله من عطايا السلطة شيء ، فحظه أن يسكر بخمر النصر فنشوتها تُنْسِي صاحبها آلامه ، ولو حينا ، حتى يحصل له من أسبابها ما يجدد به السكرة فلا يفيق إلا ويجد من الفكرة ما يؤلم فلم يَنَلْ من السبب النافع شيئا يصلح به دينا أو دنيا .
    فلا يشارك العامة في صناعة قَرَارٍ في هذه النظم ، ولا يختارون إلا ما اختير لهم فهم قُصَّرٌ لا عقل لهم يدرك وولاية السلطان عليهم من المهد إلى اللحد ! ، فهو الأب الذي ينفق فيستخرج من ثروات الأرض أو يقسم من فتات الأكل على الأبناء ما يأخذونه بلا سؤال فلا ابن يسأل أباه عن ماله ، كما يتندر بعض الفضلاء ، فكيف يسأل الأبَ الذي له عليه ولاية فهو لا يُسْأَلُ عما يفعل والأبناء يُسْأَلُونَ ! ويعاقبون ، فحسب الفرد في هذه النظم الجائرة أن يأكل ويشرب وَيَلِدَ فلا وظيفة له في هذه النظم إلا ذلك فلا فضاء يفكر فيه ويبدع ، ولا آخر يصنع فيه وينتج ، فيحيى من يحيى حتى يهرم ويموت وهو لا يعلم غاية في الحياة تنفع ، ولا يحسن يختار إذ أسلم عقله إلى من يفسد نظره فلا معاش ولا معاد ، وإنما ذُلٌّ ونقص في قبضة القمع الناعم أو الصلب ! ، فَلَمَّا نُسِخَ الوحي والعدل بما حدث في هذه الأعصار من وضع وجور ، ولما ضاهت القبيلة السياسية حكومة الوحي العادلة بحكومتها الجائرة كان النقص في الدين والدنيا وهو ما يوافق حظوظ السادة ، فثم ، كما يقول بعض الفضلاء ، ثم أرستقراطية في نظام الحكم الجائر ، فالطاغوت الذي جاوز الحد يروم الانفراد بالحكم لو استطاع فيكون رأسَ قطيعٍ من البهائم ! ، ولكن الأمر قد اتسع فعسر على واحد أن يحكم بنفسه في كل أمر فاتخذ من صور الأرستقراطية ما به يُحْكِمُ الطغيان الذي صار هيئة مجموعة من مراكز قوى ونفوذ ، كهيئة فارس والروم في القديم ، وهي ، كما تقدم ، نظم محكمة جاءت دولة الوحي تناجزها على وجه استبان فيه لكل عاقل القدر الفارق ، فإن دولة الرسالة وحدها ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء ، هي الدولة التي جمعت سرعة الفتح والانتشار ورسوخ الفكرة في النفوس إذ قَبِلَتْهَا طوعا ، فلم تكره الرسالة أحدا أن يَنْتَحِلَ دينها ، وإن أبت إلا أن يدخل أهل الأرض في حكمها فكان من العدل في الخصومات ما شهد به أعداء الرسالات ، فالتاريخ ، كما تقدم مرارا ، حكم فصل في تَقْيِيمِ الخصوم ، فلا يجامل وإنما يحكم بالوقائع التي ترجح طرف الرسالة فلم تكن الرسالة يوما حركة احتلال أو استعمار كما هي الحال في الحركات القديمة والحديثة ، فهي في الغالب تَزُولُ ولو طال زمانها فلا تَبْقَى إلا بقدر ما فيها من عدل أو بقدر ما بِيَدِهَا من قوة ، وأما الرسالة فقد حَيَّرَتْ خصومها فهي أبدا ظاهرة ، ولو جُرِّدَتْ من أسباب القوة الصلبة ، كما هي الحال في هذه الأعصار ، وهي التي جمعت المحاسن فصححت العقائد والشرائع وأحكمت الطرائق في السياسة والتجارة والحرب وسائر العلائق الأممية ، فلم يسقط الوحي كما سقطت بقية المناهج ، بل لا زال في ازدياد فما يحوزه من العقول كل يوم يشهد يقينا أنه دين الحق ، وهو ، مع ذلك ، لا يقتصر على أمر الدعوة ، وإن كانت الغاية الرئيسة ، فلا بد لها من دولةٍ ونظامِ حكم ، وآلةِ حرب وفتح ، فكان من نظرية السياسة والإدارة في دولة الرسالة ما تفرد به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الرجل العظيم ذو العقل السديد الذي شهد خصومه أنه أعظم العقول البشرية وإن لم يشهدوا له بالرسالة السماوية فكان من كمال عقله أن أحسن إدارة موارده من البشر ومن الثروة ، فكان من سداد رأيه في السلم والحرب أن استعمل ما تحت يده من الأسباب على وجه صحيح محكم ، فنظر في قابل أمره نظر من يحسن التدبير ، فوضع لكل حال من خطة السياسة ما يلائمها إن دعوة أو قتالا ، إن سلما أو حربا ، إن جماعة أو دولة ، وهو في كل ذلك لا يخرج عن منهاج التشريع فهو رجل عظيم العقل ، وهو مع ذلك ، مؤيد بالوحي ، وكان له من الأصحاب ما اختار له رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فـ : "إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابِي فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارِي وَجَعَلَهُمْ أَصْهَارِي وَإِنَّهُ سَيَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَنْتَقِضُوهُمْ أَلا فَلا تُوَاكِلُوهُمْ ، أَلا فَلا تُشَارِبُوهُمْ ، أَلا فَلا تُنَاكِحُوهُمْ ، وَلا تَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ ، وَلا تُصَلُّوا مَعَهُمْ أَلا وَلا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ ، عَلَيْهِمْ حَلَّتْ لَعْنَةُ اللَّهِ" ، فكانوا خَيْرَ ما ذخره له القدر فهم الذين تحملوا هذه الرسالة جدا لا لعب فيه ولا هزل ، وهم الذين أقاموا دولة الرسالة في الآفاق فَبِهِم تأويل الوعد الصادق أن : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، فكان من إدارة الموارد البشرية والمادية في دولة الرسالة السماوية ما يشهد بصدقها ، فإن الباطل قد يظهر حينا ولكن مآله الزوال ولو طال زمانه ، وأما الحق فهوم بُنْيَانٌ محكم لا يكمل إلا بمباشرة أسبابه ، ففيه من قوة الذات ما يجعله جدار مقاومة محكم يحول دون نفاذ الباطل فلا يدخل ويحكم إلا أن يهدم هذا الجدار كما أوصى من أوصى من خصوم الرسالة ، فلا قرار لنا إلا أن يغمد الوحي سيفه ، ولا قرار قبل ذلك إلا أن يُنْزَع من النفوس تقديسه وتعظيمه ، وتبطل أخباره وأحكامه فلا تُتْلَى إلا أماني كأماني الأميين من أهل الكتاب ، فـ : (مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ، فلا تظهر آثاره في الحياة نظامَ حكم راشد فوحده من يصد غارة الباطل ويدحض شبهاته ويكسر جنده الغازي سواء أغزوا البلاد حربا أم العقول فكرا .

    ودولة الوحي دولة يشارك الجميع فيها في صنع القرار السياسي وإن كان مرجع التشريع واحدا وهو الوحي النازل إلا أن ثم من الشورى ما يعم كُلًّا فيما يفقه ، فَلِكُلِّ أحد فيها وظيفة تَنْفَعُ ولكل أحد فيها من التقدير ما يُعَظِّمُ فيه معنى الانتماء حقيقة لا دعوى فهو يشعر بذاته إذ يجد من يقدر عمله ومن يعظم شأنه لا تكلفا أو تَصَنُّعًا كما هي الحال في النظم الديمقراطية الغربية التي تُوهِمُ المواطن أنه صاحب القرار وحقيقة الأمر أنه صاحب الاختيار من بدائل قد وضعتها له السلطة الفعلية التي تحكم من وراء الستار ، فلا يخرج عما تختار ! ، فالفرد في دولة الوحي له من صناعة القرار قدر يؤثر على وجه لا يصير به الأمر فوضى ، وإنما يعطى كل أحدٍ من العمل ما يفقه ويطيق ، فلا يُوكَلُ الأمر الجليل إلى جاهل لا يعلم أو ضعيف لا يقدر أو تافه لا يعقل ، فإذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظار الساعة حتم لازم كما في الخبر الصادق .

    وفي دولة الوحي يكون الأخذ بالأسباب النافعة في إنتاج الأفكار والسلع على وجه لا يصير الغاية من الخلق الانتفاع بمادة الحياة والإثراء منها بلا نظر في معنى أشرف أن يكون الاجتهاد تحقيقا لسنة السعي في الأرض ، فهي من السَّنَنِ الشريفِ النَّافِعِ ، وأن تكون الدنيا وسيلة لا مقصدا ، ومع بذل الأسباب والانتفاع بمادة الكون يكون التوكل التام على رب السماء والأرض جل وعلا .

    وهي دولة حققت التوازن بين الفرد والجماعة فلم تطلق يد الجماعة في الفرد أن تستلبه حريته فتصيره ترسا في آلة فلا إرادة له ولا اختيار كما في الأنظمة الشمولية المستبدة التي تحول الرعية إلى رَقِيقٍ يُسَخَّرُ لتحقيق أهداف الدولة التي اختزلت في أهداف السلطة وربما اختزلت بعد ذلك في رأس السلطة وحده فهو الأب القدير وهو القائد والزعيم وهو الخالد خلود الجبال فالحياة من بعده لا تطاق ! ، ولم تطلق في المقابل يد الفرد في الجماعة فيستقل عنها ولا يأبه بها فلا عناية له إلا بما يصلح شأنه على وجه تعظم فيه قيم الأثرة والأنانية كما هي الحال في الأنظمة الليبرالية ، فدولة الوحي قد حققت التوازن بين الاثنين ، فكانت دولة القصد بين رذيلة الاستبداد المطلق ورذيلة الحرية المطلقة .
    والفرد في دولة الوحي صانع يؤثر لا جمهور يهتف ! فلا مكان لأحد فيها في مقاعد الجماهير التي أُوكِلَتْ إليها مهمة التصفيق والتشجيع ! ، دون أن يكون لها أَثَرٌ نافع في الحياة ، إن في فعل السياسة والحرب أو في فعل التجارة والكسب ، فضلا عن صناعة الإنسان وإنتاج القيم فتلك أشرف وظيفة يقوم بها الإنسان ، أن يسير على منهاج السماء فيخرج من البشر أفذاذا تدين لهم الدنيا بما تحملوا من كتاب الحق وسيف العدل ، فلا يجد الفرد ذاته الضائعة التي يفتش عنها في لَذَّاتِ الحس أو ساحات اللعب لا يجدها إلا في مهاد الوحي الذي يوجهه إلى الخير ويخلص له النصح فلا غاية له أن يستلبه جهده أو يوظفه في دعاية سياسة أو حرب تفتقر إلى معنى الرشد والعدل فهي تحقق أغراض السلطة وإن زيفت المقال فكست زورها لحاء الدين تارة أو الوطن أخرى ... إلخ ، وليس الأمر إلا مصالح النخبة الحاكمة التي توظف العامة في تحقيق مآربها إن في السياسة أو في التجارة فالإنسان عندها ليس إلا سلعة يُنْتَفَعُ بها بَيْعًا وشراء واستبدالا واستعارة ..... إلخ من وجوه الانتفاع المادي ، خلافا لدولة الوحي فالإنسان فيها كائن شريف وهدايته إلى الحق مقصد رئيس ، فهو الخليفة الذي اصطفاه الرب ، جل وعلا ، أن يعمر الأرض ويحكم بالعدل ، فـ : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:36 PM

    المشاركات
    4,705
    العمر
    39

    ودولة الوحي : دولةُ الجميع في مقابل دولة الحرية والإخاء والمساواة ! ، دولة الثورة العلمانية ضد الدينية فهي دولة يلخصها بعض نظارها أنها دولة الكاثوليكي الأبيض ! ، فهي دولة العرق اللاتيني الذي ينتحل الكاثوليكية ! ، مع أنها دولة علمانية ، فكيف تحتفظ مع كل هذا التأصيل ضد الديني الذي يناصب الكاثوليكية العداء المستحكم ، كيف تحتفظ بعلائق ود مع الكاثوليكية فتجعلها جزءا رئيسا من حد الإنسان الجديد قاطرة الحضارة في طور الحداثة وما بعدها ، كما هي الحال في التأصيل العلماني الإنجلوساكسوني ، البريطاني ثم الأمريكي ، وإن كان عداوته للدين دون عداوة فرنسا للكاثوليكية ، بل طرحه طرح مهادن فهو يجعل البروتستانتية من باب أولى جزءا من حد الإنسان الجديد الذي ينتهي عنده التاريخ ! ، فكانت قاطرة الحضارة في هذه الأطروحات قاطرة عنصرية فلا بد من الانتماء إلى عرق بعينه ، وإنما يكون الدين تابعا فهو حافز في لحظات المواجهة المصيرية لا سيما مع الحضارة الإسلامية فلا بد من بعث مادة صليبية تشحذ النفوس إذ تذكرهم بأصل العداوة مع الإسلام كله ، معتدله ومتطرفه ! ، فالإشكال ليس مع مثال بعينه من أمثلة الإسلام ، إن صح أن للإسلام أمثلة ، فإسلام جهادي وآخر سياسي وثالث أكاديمي ورابع ليبرالي وخامس وسادس ..... إلخ ، فليس إلا إسلاما واحدا وإنما نجحت دوائر البحث في الغرب أن تُشَرِّحَ الإسلام في إطار الدراسة ونجحت في ترويج هذه الاصطلاحات التي قسمت الإسلام إلى دوائر على طريقة الغرب في رصد الظواهر المركبة وقد يصح التقسيم اصطلاحا أَمْلَتْهُ الضرورة ، إذ كانت حركات الإصلاح في مأزق تاريخي بعد انهيار الجامع الإسلامي السياسي العسكري الذي كفى المسلمين مؤنة البحث عن تنظيمات سياسية وعسكرية تواجه الهجمة الغربية الشرسة وتوابعها العلمانية ضد الدينية فكانت العلمانية التي استوردها الشرق من الغرب أشرس نماذجها فهي ، لو تدبر الناظر ، لا إسلامية ، بل إنها اجْتَرَأَتْ على ثَوَابِتَ وَقِيَمٍ خشي الغرب أن يقاربها احتراما لمشاعر المسلمين ، لا حبا فيهم ، وإنما إيثارا للسلامة فما أغناه أن يستفز في النفوس حمية التدين فهي مادة تبعث في النفوس روح المقاومة الحضارية استنادا إلى قيم الرسالة ، وليس أخطر على المحتل أن يستثير في البلاد المحتلة روح المقاومة التي تستند إلى الدين والفكر والثقافة ، فلا تستفز الأمم ما تستفز في فكرها وأخلاقها وقيمها الاجتماعية فضلا عن استفزاز أعظم إن كان الدين هو المرجع لمنظومة القيم والأخلاق والمبادئ والتشريعات .... إلخ من وجوه النشاط العقلي الذي به يحصل التمايز الحضاري بين الأمم ، فاجترأت العلمانية ضد الدينية في الشرق بعد استخلاف المحتل لها ، اجترأت على ثوابت وقيم لم يطق الغربُ الاقترابَ منها ، فكان القوم علمانيين أكثر من العلمانية نفسها وكان من تحكمهم أن صارت علمانيتهم لا إسلامية فقط ! ، فلا يطلق في الدنيا لفظ تعصب وإرهاب وتزمت إلا ويقرن في الذهن بالإسلام ، وقد جاوز الأمر حد التلميح إلى التصريح ، فكان الإرهاب الإسلامي اصطلاحا جديدا في خطابات السياسة المعاصرة ، وهو لا يقترن بأي دين آخر ، سماويا أو أرضيا ، فلا يقترن إلا بالإسلام ، ولا يُلِحُّ الساسة في قضية تجديد الخطاب الديني إلا إن كان الإسلام هو محل البحث فوحده الذي يجب تجديده فقد بلي وقدم ، فلا بد من عَصْرَنَتِهِ ، إن صح الاشتقاق ! ، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الأطروحات الإسلامية الأصولية بما فيها الأطروحات الإصلاحية أطروحات الصحوة التي ارتفعت أسهمها في بورصة الأفكار بعد انهيار المشروع القومي الذي كان ، لو تدبر الناظر ، استنساخا لمشاريع الغرب ، فإن التعصب للجنس العربي فَرْعٌ اشْتُقَّ من التعصب للجنس الأوروبي الأبيض ، سواء أكان لاتينيا أم أنجلوساكسونيا ، وكذلك الشأن في العصبيات الشرقية التي نشأت مع ازدهار الأفكار القومية الأوروبية فتلك عصبيات اتسمت بالعنصرية وكانت حجر الأساس للنظام الدولي المعاصر الذي اعتمد فكرة القومية بديلا عن فكرة الإمبراطورية التي تجعل الدين عصبتها الرئيسة ، وإن كان من فساد المعتقد وفساد السياسة لا سيما مع تحالف الكنيسة والعرش وتغلغل نفوذهما في المجتمع على وجه استلب الناس حقوقهم الأساسية إذ تحولوا إلى رعايا أو لاجئين بالاصطلاح السياسي المعاصر بل ورقيق سواء أكان رق الأسر أم رق الأرض وتلك صورة ، كما يقول بعض المحققين ، لا يزال الناظر يَرَى تَأْوِيلَهَا في الخارج ، وإن لم تُسَمَّ عبودية ، فالعبودية ، كما يقول بعض الكتَّاب ، هي أن يعمل الإنسان لِيُحَصِّلَ قوته الضروري ، أو بعض قوته فيكون مسكينا يستحق الصدقة فهو يعمل ليل ونهار ولا يستطيع تدبير نفقاته الأساسية بلا فضول يدخر ، وتلك حال أغلب الناس في هذه الأعصار فجميعهم ، إلا من رحم الرب جل وعلا ، عبيد في صورة أحرار ! ، وإن تحولوا من رق المجتمع الإقطاعي الزراعي إلى رق المجتمع الصناعي ، سواء أكان اشتراكيا شموليا أم رأسماليا ليبراليا ، فالجميع في قيد واحد ، وإن كان صلبا في المثال الاشتراكي وناعما في المثال الرأسمالي ، فكان من فساد الحال في الإمبراطوريات الكبرى التي اتسعت عقيدتها السياسية فجاوزت حد الوطن أو القوم ، ولم يكن لها من قيم الوحي والعدل ما تصهر فيه شعوبها لتستخرج مادتهم النفيسة ، كما يستخرج الذهب الخالص بالكير الذي يَنْفِي خَبَثَهُ ، فلم يكن ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا في بوتقة الوحي الخاتم الذي صهر الشعوب برسم : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فلم يكن ثم عقد يتقدم عقد الوحي فوحده معيار التفاضل في مقابل ما شهدته إمبراطوريات أوروبا وإن دينية من طَبَقِيَّةٍ بلغت حدا يثير التأمل ، فثلاثة أرباع الرعايا رقيق ! ، فكيف تقوم حضارة تقود العالم وأكثر رعاياها رقيق لا يمتلكون حريتهم فضلا أن تَنْبَعِثَ همتهم أن يحرروا بقية الشعوب من رق الاستعباد والاضطهاد ، وهو أمر لا زال الغرب إلى يوم الناس هذا ينتحله ، فنظرته إلى الآخر أنه رقيقُ خدمةٍ فهو مجموع وظيفي لا أكثر ، أشرف غاياته أن يخدم سيده الأبيض في المركز ، وتلك نظرية مركزية في السياسة الغربية المعاصرة ، فهي تصطنع مجاميع وظيفية فكرية وسياسية وعسكرية ، وتحسن استعمالها في تحقيق الغاية الرَّئِيسَةِ في حضارة المركز : تكريس السيادة البيضاء استنادا إلى معيار العنصر ، فتلك نظرية الغرب ، قاطرة الحضارة المعاصرة ، وهو ما يفسر هذا التناقض العجيب بين المبادئ النظرية والمصالح العملية كما يظهر في ثَنَاءِ ساسة الغرب المعاصرين على جمع من المستبدين يفدون على المركز ، أو يفد رءوس السياسة في المركز عليهم ولسان الحال : وضع اليد على الأنف تأففا من ريحهم القذر ! ، فهم همج رعاع لا يستحقون لقب إنسان ! ، وإنما المصالح تضطر السيد الأبيض الوسيم أن يجالس قرود السياسة في الأطراف ، فعندهم من الأموال ما يسيل لعاب الشركات العابرة للقارات ، فتجد من قيم النسبية البراجماتية ما يجعل سليل الليبرالية الفرنسية يُثْنِي على مستبد جاهل وَيُبَرِّرُ قمعه لشعبه ويتفهم احتقاره لهم فهم قرود لا ثقافة لهم ولا حضارة بل ولا إنسانية ، فهم في شق من هذا العالم والغرب بقيمه الفكرية والأخلاقية الأنيقة في شق آخر يغاير ، وهو حارس أمين على بوابة السجن الذي حُشِرَتْ فيه قرود الشرق فلو أطلقها عليهم لأكلت أخضرهم ويابسهم فلا مناص لهم إلا أن يَتَفَهَّمُوا قمعه ، لا سيما وقد مزجه بعداء مستحكم لحضارة الوحي المنزَّل بما يشكو من نقص في التكوين الفكري والنفساني فهو ، لو تدبر الناظر ، مثال تكرر في الشرق ولا زال ، مثال الهزيمة الفكرية قبل أن تكون سياسية أو عسكرية ، فلم تكن الهزيمة السياسية والعسكرية إشكالا يوم أُحُدٍ ، إذ كان ثم استعلاء بالوحي ، فـ : (لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، ولم تكن كذلك لما اجتاح التتار ديار الإسلام فكان من استعلاء الشرق بحضارته الرسالية ما كسر الهجمة التترية بل واحتواها في إطاره الفكري والسياسي ، فالإشكال في تلك الأشكال ! ، أنها صنائع المركز المتحضر الذي لا يصدر إلى الشرق إلا كل سيئ ، فإذا وفد أبناء الشرق على معاهده لا سيما في السياسة والحرب فهم نخب اتخاذ القرار ، إذا وفدوا ولا رصيد لهم من قيم الرسالة بل إن شرط الابتعاث في أحوال كثيرة ، أن يكون المبتعث حدثا صغير السن تقارير الأجهزة الاستخباراتية تُزَكِّيهِ فليس ذا فكر أو ثقافة ولا انتماء له إلى الرسالة إلا انتماء الاسم والنسبة وغاية ما يدرك من أحكام الوحي ، أن يتوضأ ويصلي ، وربما لم يفقه كثيرا من أحكام العبادات إلا ما تلقاه تَلَقِّي العادات ، فقد كان محمد علي باشا ، رائد النهضة العلمانية ، كان يوصي الطلبة المبتعثين أن يحافظوا على الصلاة بل وأرسل معهم إماما يصلي بالبعثة وقد كان أحد أسباب النكبة العلمانية التي نكبها الشرق فاشتغل هذا الإمام على محور أخطر ، وهو محور الأفكار والتشريعات فلم يكن ثم اقتصار على محور العلوم التجريبية الحديثة ، بل كانت المصيبة أن ابْتُعِثَ مهزومون لم يحتملوا أضواء باريس ، فكان تخليص الإبريز ثمرة هذه الهزيمة التي كانت حجر أساس فكري للتيار العلماني اللاديني في بلاد الشرق ، وهو ما جاءت بريطانيا لتضيف إليه وإن فِرِنْسِيًّا يخالفها السياسة بل وينافسها فِي فضاء الاستعمار فهما قطبا النظام الدولي القديم قبل أن تَنْتَقِلَ الكفالة السياسية من بريطانيا وفرنسا إلى أمريكا والاتحاد السوفييتي في النظام الدولي الجديد الذي أعيد تشكليه بعد ذلك فكان سقوط القطب الاشتراكي وانفراد القطب الرأسمالي بالسيادة وهو قطب أنجلوساكسوني بروتستانتي انتقلت إليه كفالة المستعمرات البريطانية في الخليج التي رسم حدودها بِيرْسِي كوكس ، ضابط الاتصال البريطاني ، وانتقلت إليه تَرِكَةُ بريطانيا في مصر والعراق وتركيا ، فكانت مصر قاعدة رئيسة من قواعده السياسية والعسكرية لا سيما بعد يوليو 52 فهي حركة عسكرية حققت أول نجاح استخباراتي أمريكي في المنطقة بعد فشل تجربة حسني الزعيم في سورية ، وإن خرجت مصر عن طاعته بعد اتساع الطموح الشخصي للزعيم الخالد الذي تمرد على أسياده طبقا لنظرية الغرب آنفة الذكر : نظرية المجموع الوظيفي في الأطراف فهو الذي يباشر أعمال الرعاية لمصالح المركز في إطار إجراء سياسي مركب لا يمكن اخْتِزَالُهُ في صورة السيد والعبد في مجتمعات القرون الأوروبية الوسطى ، فهي صورة ساذجة تلائم ذلك العصر ، والصورة الآن أشد تركيبا وتعقيدا ولكنها ، لو تدبر الناظر ، تأرز إلى نفس الأفكار والقيم العنصرية ، فكان من خروج بعض المجموعات الوظيفية عن النص فاجتهدوا في أحيان أن يحققوا لأنفسهم من الزعامات الخاصة ما يجعل السيد في المركز يتوجس خيفة ، وإن كانت الزعامة تخاصم حضارتها وتناصبها العداء فهي زعامات خرجت من رحم ما بعد الخلافة ، جامعة الإسلام السياسية ، فكانت زعامات ما بعد الخلافة زعامات تخرجت من مدارس الغرب ومعاهده التي أنشأها في الشرق ، فوضع لها من المناهج ما يحقق غايته في صناعة النخب الوسيطة ، مجموعات الوظيفة التي تدير الجهاز الحاكم دون أن تَتَدَخَّلَ في السياسة العامة فدورها دور التنفيذ لا التفكير والتخطيط ، فلا تحسن إلا أن تسمع وتطيع ، فكانت الجيوش وكانت المؤسسات المدنية بل والمؤسسات الدينية لاحقا كانت أدوات في يد السلطة ، سواء أكانت محتلة من خارج أم أخرى من داخل ! ، وهي ، كما تقدم ، نخب ما بعد الخلافة ، فلم يكن دورها إلا إدارة المستعمرات على وجه يحفظ مصالح المركز ومكاسبه ، فاحتمل بعض ما يكون من شذوذ إذ يخرج بعض العمال عن النص فيكون لهم في العمل رأي ! ، وإن لم يستند ، كما تقدم ، إلى أصل حضاري راسخ يهدد قيم المركز الغالب ، فلم يكن للزعيم الخالد في مصر من آراء الفكر والأخلاق ما يهدد قيم العلمانية العامة وإنما كان الخلاف في تفاصيل أدق ، فإن فكرة القومية العربية في مصر ، أو نظيرتها الطورانية في مصر .... إلخ من الأفكار القومية ، فإن هذه الفكرة فكرة علمانية خرجت من رحم المركز ، فليست إلا جنسا عاما تندرج فيه آحاد ، ففي إطار مخطط الفك والتركيب وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في المركز وفي الأطراف كانت فكرة القومية هي الأداة الفاعلة التي قُسِّمِ بها المركز أولا من إمبراطوريات كبرى إلى دول قومية يغلب عليها الطابع العلماني اللاديني ، وإن لم يقع ذلك ، بداهة ، بلا مقدمات تاريخية ، من أَبْرَزِهَا نشوء مثال الدولة المدينة ذات المصالح التجارية التي تفتقر إلى بيئة تشريعية جديدة تحفظ مصالحها ومكاسبها فمن يملك النفوذ هو من يضع القانون ونفوذ المال والأعمال نفوذ كبير بل إنه في أحيان يرسم سياسة الدول العظمى لا المدن الصغيرة في القرون الوسطى ، كما هي الحال الآن في دول المركز الرئيسة فدور الشركات عابرة القارات في وضع مخططات السياسة والحرب على وجه يكرس هيمنتها فتكاد الدولة نفسها تكون أداة من أدواتها فقد تحولت إلى مقاول من الباطن ! في لغة التشييد المعاصرة ، فهي تمنح العقود للشركات لا أكثر ، فكان نشوء الدولة المدينة ، محل الشاهد ، كان مقدمة لتفكيك الخريطة السياسية الإمبراطورية ، وكان الإصلاح البروتستانتي المتهم بأصول يهودية ، ولو بعيدة ، كان مما أسهم في ترسيخ فكرة القومية ، فحروب الثلاثين عاما بين البروتستانت والكاثوليك قد رسخت فكرة القومية وإن كستها لحاء الدين فلا زال له دور في صناعة القرار السياسي الذي صار نصف علماني إن صح الاصطلاح ! ، ثم كانت الثورة الإنجليزية وهي ، وإن شهدت احترابا أهليا ، إلا أنها كانت بمنزلة الثورة الدستورية إذ أعادت تعريف الملكية من ملكية مطلقة إلى أخرى دستورية اختزلت صلاحيات الملك فصار منصبه منصب بُرُوتُوكُولٍ لا أكثر ، وإن حصل ذلك على مراحل فلم تَنْتَقِلْ بريطانيا من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية في يوم وليلة ، وإنما كان الانتقال تدريجا على طريقة الإنجليز في علاج النوازل السياسية على مكث ، فهم من أصبر الناس وَأَحْلَمِهِمْ في إدارة الصراع وإن طال أمده ، فكان الانتقال تدريجا وإن لم يخل من مشاهد عنف بلغت حد الاحتراب الأهلي ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يراد الآن في بعض ممالك الشرق ، فإن تَيَّارَ الليبرالية فيها يعيد اختراع العجلة ! ، فيتقمص شخصية النخبة الفكرية العلمانية الملتصقة بالسلطة التي لا زالت تخضع لتأثير الكهنوت الديني وإن ضعف شيئا فشيئا بما جرى عليه من سنن الترهل وطول الأمد ، فالتصقت تلك النخبة العلمانية بالسلطة ، وهو ما وقع ، أيضا ، في مصر ، فإن رفاعة الطهطاوي ، مثقف السلطة ، كما يسميه بعض الفضلاء ، قد التصق بدولة محمد علي فكان عراب التغريب وإن كساه ألفاظ الدين ، علم أو جهل ، فكان صنيعه ، لو تدبر الناظر ، صنيع الباطنية الأوائل إذ كسوا معانيهم المحدثة ألفاظ الشريعة المنزَّلة لتروج وتقبل فهي من القبيح الذي تنفر منه النفوس بما فطرت عليه من جبلة التوحيد ، فلا تستسيغها النفوس إلا أن تحلى بزخرف من القول يخدع إذ يُلْبِسُ الباطلَ المتشابه ثِيَابَ الحق المحكم ! ، فكان من سمات القوم الرئيسة العدول عن المحكم واتباع المتشابه لا سيما في التأصيل والجدال ، فليست تقريراتهم إلا شبهات لا تخلو من حق ، ولو في الجملة ، فهو مما عظمت به الفتنة إذ راج القول الباطل بما ضمن من الحق النازل ، فكسي الوضع المحدَث لحاء الوحي المنزَّل ، وإن بادي الرأي ، حتى تقبله النفس وتعتاده ، فالدواء المر تحسن تحليته حتى تعتاده النفس فإذا تجشمته مرة بعد مرة اعتادته فصار لها إلفا كما هي الحال الآن في تقريرات العلمانية فإنها افتقرت ، بادي أمرها في الشرق ، افتقرت إلى رجال من أمثال رفاعة الطهطاوي يحسن يكسوها ألفاظ الشريعة فالقوانين الفرنسية جارية على أصول الفقه ، وأكثرها قد أُخِذَ من مذهب مالك رحمه الله ، وهي جارية على قانون العقل المحكم ، والشريعة المنزلة تواطئ القياس الصريح فلا تعارضه ، مع توسع في باب المصالح جعل الدين كله مصالح تتلاعب العقول في حدها إذ لكلٍّ هوى وذوق فما يهوى فهو مصلحة تعتبر ، وما لا يهوى فهو مصلحة ملغاة ، فصار العقل هو الذي يعتبر ويلغي وإن كان الدين في الظاهر هو الحاكم ، فالعقل يحكم من خلف ستاره إذ اكتسى لحاء المصالح المرسلة وهي أصل من أصول الفقه ، ولكنه تَوَسَّعَ فيها حتى جعل الدين كله جملة من المصالح العقلية تختلف النفوس في حدها وتستجيز المخالفة عن الوحي لأجلها إن كان ثَمَّ مصلحة توهمتها وهو ما يفضي أن تصير الشرائع بل والأخلاق والمبادئ نسبية في براجماتية من جنس براجماتية رأس الليبرالية الفرنسية زعمت ! ، وهو يوافق حاكما جائرا مستبدا ليس إلا مجموعا وظيفيا خادما ، فاقتضت البراجماتية التي تنظر بعين الاعتبار في مصالح السياسة والاقتصاد ، اقتضت أن يوافق ذلك الجاهل في تقريراته العجيبة التي أبانت عن خسة في الأصل ودناءة في الطبع حملته أن يحتقر أمة بأكملها لها من رصيد القيم الرسالية ما جاء ليهدمه وإن زعم أنه يجدده ، فذلك من جملة ما أغرى به المركز الذي لا زال يشكو من معضلة تاريخية مع الحضارة الإسلامية راسخة الجذور في الفكر وإن هزمت حينا في السياسة والحرب ، فلا يجد الغرب إلا أن يصطنع مجموعا وظيفيا يقمع أي صحوة للوحي ، ويقضي على أي مشروع فكري أو سياسي قد يمهد ، ولو في الجملة ، أن يرجع الإسلام فيصير رقما فاعلا في معادلة السياسة الدولية فكم بذل الغرب من أثمان باهظة في السياسة والحرب ليخرج الإسلام من المعادلة ، فاستثمر في أتاتورك في تركيا في تجربة العلمانية ضد الدينية الصلبة ذات الجذور الفكرية الفرنسية والرعاية الإنجليزية السياسية وهو ما تقدم التَّنْوِيهُ به في مِثَالِ مصر ، فقد استثمرت فرنسا ابتداء في محمد علي وأولاده ، فظهرت نخبة أفكارٍ رُوَّادُهَا أمثال الطهطاوي ، مثقف السلطة آنف الذكر ، الذي وضع حجر أساس راسخ لمشروع علماني ذي مرجع فرنسي في أفكاره وتقريراته ، فجاءت بريطانيا بعد ذلك لتصوغه في مشروع سياسي بما لها من نفس طويل في إعداد البيئة الفكرية والتشريعية ، فاستثمرت في مصر ما أتمت به البنيان الفرنسي مع ما تقدم من الخلاف الحاد بين القوتين الرئيستين في العالم آنذاك ، فكان استثمار بريطانيا في تجربة تركيا العلمانية ضد الدينية الصلبة ، وكان استثمار آخر يضاهيه في تجربة مصر العلمانية اللادينية الناعمة ، وهي التجربة الأشد خطرا ، إذ تمييع الأفكار والأديان يجدي ما لا يجدي قمع الأبدان ، بل قمع الأبدان دون معالجة الأفكار قد يولد في النفوس مادة مقاومة لا تجد إلا إرثها الفكري والحضاري سلاحا به تدافع الخصم الصائل على الأديان والأبدان والبلدان فشؤمه قد عم ، ومدافعته في ميدان الأفكار هو قاعدة الانطلاق التي بها يكون التمايز بين القبيلين وذلك ما يذكي في النفوس روح الجهاد الذي لا يقتصر على جنس دون آخر ، كما حصل في التقسيم آنف الذكر الذي نجح الغرب في تقريره فصار من المسلمات عند أي باحث في حركات الإصلاح الإسلامي المعاصر ، فكان السياسي والجهادي والفكري والأكاديمي والصوفي .... إلخ ، وليس ، كما تقدم ، إلا إسلام واحد نزل به الوحي الخاتم ، فالجهاد فيه لا يقتصر على ميدان دون آخر ، بل يستغرق ميدان الجدال بالحجة والبرهان ، وميدان الجلاد بالسيف والسنان ، على وجه يحسم مادة التناقض التي أضعفت الحركات الإسلامية المعاصرة فقد شغلتها بمعاركها الجانبية أن أخذ كُلٌّ من الإسلام طرفا وصار يعظمه ويضخمه فهو الإسلام كله وما سواه فليس بإسلام بل هو دسيسة تروم الوقيعة ، فلا بد من تطهير المنهج منها فكانت المجادلات بل والمجالدات في أحيان على وجه استبيح فيه من العرض والدم ما لم يستبحه الخصم في أحيان ! ، فكان أرفق بأهل الحق من بعضهم بِبَعْضٍ ! ، وهو أمر استثمرت فيه أنظمة الاستبداد في الشرق ودوائر الاستخبار في الغرب فأغرت الخصومات وأذكت نارها ونجحت في زراعة عناصرها في مراكز فاعلة في الصحوة قد تبلغ في أحيان حد الاختراق للصف الأول على نحو تُحْسِنُ به توجيه الحراك عن بُعْدٍ ! ، على وجه يحقق مآربها بيد خصمها لا بِيَدِهَا ، وما كان لها أن تنجح في ذلك لولا أن سنحت الفرصة بما كان من اختلاف الصحوة التي صارت صحوات ! ، يطعن بعضها بعضا بخنجر النقد والمراجعة بذريعة تطهير المنهج من الشوائب وذلك حق ، ولكنه لا يكون مكافحة بل تحسن فيه المناصحة لو كان ثم تجرد في طلب الحق ولم يصر الأمر رياسة يتنازعها الخصوم فلا يجدون أحسن دعاية من دعاية الدين الذي انقلبت آيته ! ، فصار هو الخادم للرياسات والصحيح المحكم أن تكون كل رياسة له تبع فهي خادمة له إن بالقول أو بالعمل ، إن بالسياسة أو بالحرب .... إلخ ، فكان حرص بريطانيا ، وهو محل شاهد تقدم ، ألا تستفز مشاعر المسلمين في مصر ، فاستثمرت في الأفكار ما لم تستثمر في تركيا ، وإن أسبغت على كلتا التجربتين رعايتها السياسية ، فكانت تجربة مصر ، لو تدبر الناظر ، أخطر ، فهي تستند إلى تقريرات فكرية محكمة بذل فيها الطهطاوي ومدرسته من الجهد ما لا ينكر فكان قاعدة راسخة للعلمانية في مصر ومنها انْبَثَقَ فجر العلمانية في مصر ، سواء أكانت سياسية كما كانت الحال في ثورة 19 ، أم عسكرية ، وهي الأعظم شؤما ، كما كانت الحال في حركة يوليو 52 ، وهي ، كما تقدم ، حركة علمانية ذات طابع قومي قد يخالف عن المركز في مراحل من الصراع ، فالقوميات تَتَدَافَعُ كسائر الأفكار ، ولكنها آخر الأمر لا تخرج عن نطاق جنس أعم ، وهو جنس القومية الذي يناصب الدين العداء المستحكم ، سواء أكان باطلا كما هي الحال في دين الكنيسة أم حقا كدين الوحي الخاتم وإن حصل لأتباعه من النقص في أعصارهم المتأخرة بقدر ما خالفوا عن منهاجه فصاروا أسوأ دعاية إذ أوجدوا الذرائع للأفكار القومية أن تزدهر في الشرق ازدهارها في الغرب فكان تخلف الأطراف عن ركب الحضارة وتخليها عن أسباب الريادة الفكرية والمادية كان من ذلك ما أشبه أوروبا في عصرها الوسيط مع فارق عظيم ، أَنَّ تَخَلُّفَ أوروبا كان لأجل الدين الذي صار كهنوتا وتحالف مع السلطة السياسية الفاسدة ، وطبقة الأثرياء ، فكانوا ثالوثا غير مقدس ! جعل همه الرئيس أن يستعبد الشعوب ويستنزف قواها وخيراتها ويوظفها لتحقيق مآربه السياسية والعسكرية والاقتصادية فتحول الشعب إلى خدم ، فهو مجموع وظيفي ذو رتبة أدنى من النخبة الحاكمة ، فهي سيد وهو تحتها في قيد الرق وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يحصل في أي مجتمع يشكو ظاهرة النخبة المتسلطة التي امتلكت أسباب القوة ، وإن كان ذلك في العصر الحديث وليس ثم رقيق رسمي فثم رق آخر يُمَارَسُ وإن ضمنا ، فالنخب الحاكمة التي احتكرت أسباب القوة في إطار ما تشكل بعد سقوط الخلافة من مثال الدولة المدنية الحديثة التي تستلب الشعب أي قوة مادية أو معنوية بها يدفع الدولة الصائلة الظالمة ، هذه النخب وهي مما صُنِعَ في معاهد الغرب في الداخل وفي الخارج ، هذه النخب التي تشربت قيم الغرب الفكرية والسياسية لا سيما العلمانية أيا كان نوعها ، قومية أو وطنية .... إلخ ، هذه النخب تمارس من رق الشعوب واستخدامها ما يمارسه المركز في حقها فهو ينظر إليها أنها مجموع وظيفي خادم كما تنظر هي إلى بقية الشعب ، فلا عجب أن تحتقره وَتَزْدَرِيهِ في حضرة السادة من رجالات المركز الليبرالي المستنير الذي لا يفرق بين البشر فمثله العليا : الحرية والإخاء والمساواة ! ، فَتَزْدَرِي الشعب الوظيفي فهو جاهل مريض فقير جدا بينه وبين الغرب آلاف السنين الضوئية في الدين والحضارة والإنسانية ، فلم تَسْرِ عليه حتى الآن نظرية دارون فلا زال قردا وإن في صورة إنسان فبينه وبين الإنسانية أجيال وأحقاب ! ، ولو كان صاحب الحضارة الأسمى التي قدمت المثال الصادق فلم ترفع شعارات في الظاهر تنقضها إن خالفت المصالح العاجلة ، بل كان من تاريخها الزاهر لما كانت رائد العالم الصادق ، كان من تاريخها شاهد الصدق الذي أقر به المخالف من نظار المركز ومؤرخيه وأبى لقطاء الفكر والسياسة في الشرق إلا أن يجحدوه في إطار ما تقدم من دورهم الرئيس كمجموع وظيفي حقير يكرس في النفوس الهزيمة الفكرية وهي الأخطر من هزيمة السياسة والحرب ، وهي التي أفرزت مثل ذلك الكائن الوظيفي الذي يحتقر شعبه فيجامل بذلك خصمه فلسان الحال أنه يخلص في أداء الوظيفة التي اصْطُنِعَ لأجلها فما اصْطَنَعَ المركز هذه الكائنات الوظيفية إلا أن تكون حائط الصد المتقدم أمام أي صحوة للوحي في الشرق فَبِهَا زوال الحضارة الغربية ذات الركائز الفكرية الواهية ، فلا يكترث المركز في هذه اللحظة الفارقة أن يخالف عن شعاراته الظاهرة ، فَثَمَّ شبكة من المصالح المعقدة : مكافحة التطرف الإسلامي الذي صار اصطلاحا دارجا في كلام الساسة في المركز وأتباعهم في الأطراف ، وهو تقدم نوعي في الاصطلاح السياسي الذي يُبِينُ عن الحقد الدفين ، فـ : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، وصفقات الاقتصاد التي تدور بها آلات المصانع في المركز فهي توفر فرص العمل وتزيد في أرباح الشركات الكبرى ذات النفوذ الكبير في صناعة القرار السياسي من الانتخابات إلى السياسات والصفقات فكل سياسي في الغرب يخطب ودها بالوعود في مقابل ما تُقَدِّمُ من دعم مادي ومعنوي في حملات الانتخاب سواء أكانت فوق الطاولة أم تحتها ، وما خفي كان أعظم ، وحراسة الشاطئ الجنوبي لئلا تهاجر القرود منه إلى بلاد الحضارة ، بلاد الإنسان كامل الهيئة والصورة ! ...... إلخ ، فكل أولئك ما يجعل ساسة المركز يصبرون على لقاء أولئك ، وهو ما يبين عن إفلاس حضارتهم فهي حضارة المصالح المادية التي تصير الأفكار والمبادئ فيها نسبية ، وتلك نظرية في السياسة وهي النظرية البراجماتية التي تجعل المصالح هي الثابت الوحيد وما سواه من الأديان والأفكار والأخلاق فهو متغير يخضع لسلطان المصلحة فحالهم ، لو تدبر الناظر ، كحال من توسع في المصلحة المرسلة في تقريرات الفقه العلماني ! ، إن صح الاصطلاح ، فقه الطهطاوي ومدرسته ، فهي تجعل المصلحة حاكمة والنص محكوما ، والمصلحة لا تخلو من تقدير العقل ولا يخلو العقل من هوى وحظ نفس ، فتصير المصالح كثيرة ، ولكلٍّ تأويله ، دينيا كان أو أخلاقيا ، فيعظم الاضطراب بما يكون من تعارض المصالح بل وتناقضها في أحيان كثيرة ، فلا يحسم هذا التناقض إلا مرجع يجاوزها جميعا من خارج ، وليس ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا الوحي النازل ، وهو العدو الرئيس ! ، فأي حكم يقبل إلا حكمه ! ، فلا يعجب الناظر في أصول الحضارة الغربية البراجماتية العنصرية ذات المنطلقات القومية الضيقة ، لا يعجب إن وقف رجل يزعم أنه ليبرالي يقدس الحرية ، إن وقف يبرر الاستبداد والقمع فيلتمس له العذر فهو بعيد من دياره التي تحكم بقانون يخالف بداهة عن قانون الاستبداد ، وذلك وجه آخر من وجوه النسبية في الحضارة الغربية ، فإن العدل فيها ليس مطلقا ، فالعدل في المركز يخالف عنه في الأطراف ، فيحترم القانون في المركز ويكون من العدل في القسمة ، وإن وضعية محدَثة ، ما لا يحترم في الأطراف بل المركز نفسه وهو الذي يقدس العدل في دياره ، هو مَنْ يدعم الاستبداد في الأطراف ، بل ويجد من المبرر الأخلاقي ما يسوغ ذلك فلا إشكال عنده إذ قيمة العدل كبقية القيم نسبية لا مطلقة فالعدل هو ما يحقق مصالح المركز وإن ظلمت الأطراف فَحُكِمَتْ بالاستبداد والقمع الذي يأنف منه المركز بما ينتحل من قيم العدالة والمساواة فهي حكر على الرجل الأبيض وحده ، وإن اضطر في أحيان أن يصافح رجالات القمع الوظيفي ، فيفرح أولئك والنقص فيهم جبلة والهزيمة فيهم دين وملة ! ، يفرح أولئك بمصافحة فلان أو فلان من ساسة المركز فذلك صك شرعية سياسية يُبْذَلُ في سبيله ما يُبْذَلُ من أثمان باهظة لا سيما إن كان الباذل لا يدفع من جيب أبيه شيئا ! ، ولو تدبر الناظر لعلم أن السيد في المركز ينظر إلى هذا المستبد نظرة احتقار ، فهي نظرة السيد إلى العبد الوظيفي ، كما ينظر ذلك الموظف إلى الشعب الذي ابتلي برياسته فهو ينظر إليه نظرة السيد إلى العبد الوظيفي ، فحلقات الاحتقار متصلة ، وكل يحتقر من دونه في الرُّتْبَةِ فينظر إليه نظرة الخادم ، فإن اصطفى منه ذكيا نابها فَلِيَأْنَسَ بجواره فهو قرد من سلالة أذكى فلم يخرج عن وصف القرد ، وسلالات القرود كثيرة ، فثم قرود دنيا كالمجموعات الشعبية التي تستحضر في المحافل الانتخابية فتمعن في النفاق حتى تُفْضِي بها الحال أن ترقص أمام اللجان وبعد الانتخاب فليس إلا الضرب بالحذاء ، فلا ينظر إليها المستبد بداهة بل إنه يَرَاهَا عالة على الإنسانية كما يصرح في لقاءاته الصحفية فثم قدر فارق بين إنسانية المركز وإنسانية الأطراف ، فهي القرد في صورة إنسان ! ، وثم قرود أرقى تكسى من لحاء الزينة ما يجعلها دعاية تجمل وجه النظام القبيح ، فتستحضر في العروض العسكرية والمعارك الرياضية المصيرية فهي جمهور حسن الصورة متناسق الألوان متماثل الأزياء يشجع ويهتف فدوره أن يصفق فتكون صورة الرياضة التي توظف في السياسة ، فتلك نظرة الأعلى إلى الأدنى في مجتمعات غابت فيها النبوة وآدابها فصار القوي يظلم الضعيف ، وصار السيد يحتقر من دونه ، وصار الناس على أنحاء ، واصطنع من معيار التَّقْيِيمِ ما يخالف عن معيار الذكر الحكيم ، معيار : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، وهذا المجموع الوظيفي ذو الطابع العسكري الخشن هو ، كما تقدم ، نتاج الفكر الغربي ، وإن خالفه في أحيان فالزعيم الخالد قومي عربي قد يشغب فيزعج القومي الأوروبي أو الأمريكي ، ولكنه لا يخرج أن يكون من نفس الفصيل الفكري ، الفصيل القومي الذي جاء يطعن الفكرة الدينية في مقتل ، صحيحة أو باطلة ، فالطرح القومي أداة تقسيم للمركز عبر أطوار تدرجت من تشريعات تجارية وثورات دستورية وحركات إصلاحية دينية كانت قنطرة للعلمانية الخالصة فكانت الثورة الكاملة ، ثورة فرنسا التي مهدت لتقسيم إمبراطوريات المركز إلى دول صغيرة رابطها القومية بعد استبدالها بالرابطة الدينية ، وإن بقي للدين دور على خلاف في المساحة التي تُعْطَى له ، وكان للقومية نفس الدور في الأطراف بعد أن آتت البعثات العلمية أكلها مع ما كان من ضعف في المناعة الفكرية وهزيمة وجدانية فَفُتِنَ الطلبة بالأفكار القومية الأوروبية في ظل الصراع الذي احتدم آنذاك بين الأتراك العثمانيين وبقية القوميات لا سيما العربية التي ابتلعت الطعم ، كما ابْتَلَعَهُ الأتراك ، فَابْتَلَعَتْهُ الثورة العربية على الخلافة العثمانية ، وَابْتَلَعَتْهُ حركات السياسة والحرب التركية التي نادت بالطورانية عقد سياسة جامع في مقابل العربية والبربرية والفينيقية والبابلية ...... إلخ ، ولكلٍّ عقده الذي به يفرح إذ : (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، فكان من رواج هذه الأفكار ما مهد للانقلاب على الجامعة الإسلامية التي أصابها الضعف والترهل فجرت عليها سنة الكون ، فبعد القوة ضعف فضلا عن مخالفتها عن سنن الشرع فكان القعود عن الأخذ بأسباب الحضارة وذلك ما لم تأمر به الرسالة وإن نُبِزَتْ به زورا فهي منه براء ، فكان الانقلاب على الجامعة الإسلامية من جنس الانقلاب الثوري العلماني في المركز وذلك تأويل الخبر المشهور ، فـ : "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ" ، فكانت قومية الشرق التي خرجت من رحم القومية الغربية بتقريراتها العلمانية اللادينية بل قد جاوزت الأطراف فكانت النخب المحلية أشد علمانية ، فالاحتلال لم يغادر إلا وقد ترك من النخب ما يباشر أعماله بالوكالة على وجه فاق فيه الأصل ، فكان من المناجزة للوحي ما خجل منه الغرب لئلا يستفز الشرق ويوقظ فيه روحه الدينية ، فيرى الناظر الآن من سفه الساسة في أمصار كثيرة في الشرق ، يرى من سفههم ما لا ينقضي منه العجب ، على وجه فارق الحكمة وإن في التخريب والتغريب باسم التجديد ، فثم مسارعة تستفز مشاعر أي إنسان ولو رقيق الديانة ، ولو تدبر الناظر حال القائد الآن ، وهو رأس السياسة الأمريكية الذي يتسم بالنزق والتسرع ولا يحسن طرائق الدبلوماسية الهادئة ، لو تدبر حاله لزال عجبه من صنيع صبيانه في الأطراف فثم عجلة على وجه يستفز المشاعر ، ويوقظها من سباتها العميق ، ولعل ذلك من تدبير الرب القدير الحكيم ، أن يكون من صدمات الفكر والسياسة والحرب ما يوقظ الشرق ، فيجد الناظر في الخليج الآن مشروع تغريب ساذج يتسم ، أيضا ، بالنزق والتسرع وحوله نخبة علمانية التصقت بالسلطة المستبدة فهي تصفق جذلة لما يلقاه الخصوم الآن من قمع السلطة التي صارت تكيل الاتهام للصحوة الإسلامية المعاصرة فهي طفرة دخيلة على الإسلام الوسطي الجميل الذي تروم القيادة الشابة الرجوع إليه فهي ، أيضا ، تروم التجديد الذي صار بضاعة رائجة في المركز ، والنخبة الليبرالية البراجماتية لا يعنيها كثيرا أن تخالف السلطة الحالية عن مبادئ الحرية الفكرية المزعومة التي صارت نسبية تمنح لقوم وتحجب عن آخرين ولو لم يشكلوا أي تهديد فَلَمْ يكن منهم مِنْ آي الولاء المطلق ما يطمئن السلطة التي لم تَعُدْ تجتزئ بالسكوت فلا بد من التصريح ، فالنخبة الليبرالية الوظيفية وهي براجماتية كما المركز الذي اصطنعها فتشربت أخلاقه وأحكامه ، هذه النخبة ، كما يتندر بعض الفضلاء ، تتأول ما صنعت نخب ليبرالية غربية في العصر الوسيط إذ اختارت الإصلاح من داخل السلطة فتقربت إليها وتزلفت لتخفف من غلوائها وتستدرجها شيئا فشيئا من التزمت إلى التحرر ، ولو كان التزمت رياء في إطار تحالفها الآثم مع السلطة الكهنوتية المستبدة ، فاختارت بعض النخب المعاصرة ذلك على وجه خالفت فيه عن المبادئ فهي ، كما تقدم مرارا ، نسبية ، ولا مانع من التحالف مع السلطة لا سيما إن كانت ساذجة نزقة فليعتبرها الناظر مرحلة انتقالية مؤقتة من التزمت إلى التحرر ، لا سيما وهي تسارع في التغريب فوتيرة الإصلاحات ! سريعة ، سياسيا واقتصاديا وتشريعيا وأخلاقيا ، ولعل صفقة تيران وصنافير ثم مشروع نيوم وغيره من مشاريع المحميات العلمانية إن صح الاصطلاح ، لعلها من جملة أثمان تبذل في صفقات سياسية براجماتية ، وهي ، لو تدبر الناظر ، نقلة نوعية في الفكر السياسي والاجتماعي في المنطقة ، فهذه المحميات تمثل حدا فاصلا بين الفكر المحافظ والفكر المتحرر ، فثم نخبة جديدة تَتَشَكَّلُ في هذه المحميات بما يكون من طرائق في الحياة تخالف عن طرائق العامة فلا تشعر النخبة أنها جزء من الأمة ، فلا بد أن تَنْفَصِلَ عنها فهي نخبة حاكمة بما تملك من أسباب النفوذ والثروة فتلك منطقة خضراء يحظر على العامة الاقتراب منها أو التصوير ! ، فليس لهم فيها نصيب إلا الخدمة فالنخبة تصطفي مجموعا وظيفيا خادما محليا أو وافدا ، وصناعة النخبة الجديدة في أرض الجزيرة صناعة تكررت قبل ذلك في دول الجوار لا سيما مصر ، وهي صناعة تُؤْتِي أكلها بعد حين ، وهذه النخبة لا تَنْتَعِشُ في الشرق إلا في أعصار القمع لأنها تخالف المجتمع أفكاره ، فلا بد من حاضنة لهذه الأفكار الشاذة ، ولا بد أن يكون لها من القوة ما به تُكْرِهُ المجتمع أن يَتَجَرَّعَ أفكارها التي تخالف عن قيم الرسالة في الشرق ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر لا يقتصر على أمة الشرق ذات الرسالة بل أي أمة لا تقبل الأسباب الدخيلة إلا بآلة الإكراه العنيفة ، فتجارب تغيير الأفكار والعقول الجامعة التي تستند إليها الأمم في صناعة الحضارة هذه التجارب تفتقر إلى آلة قمع تستأصل أي مقاومة في الأمة المغلوبة ، فلا عجب أن تقترن موجة التغريب التي تهب الآن على أرض الجزيرة لا عجب أن تقترن بجرعة قمع لأي معارضة ، ولو ناعمة ، فإن زراعة العضو الغريب في الجسد الأصيل زراعة تخالف عن قياس الفطرة والعقل ، فلا بد من إكراه الجسد أن يقبل العضو الغريب بما يحقن به من أدوية ، وأدوية الأفكار قَمْعٌ يحسم مادة الوسواس في أي نفس يُزَيِّنُ لها الشيطان أن تقاوم هذا الوافد الغريب ، ولا بد أن يَتَوَلَّى كبر هذه العملية الجراحية الدقيقة ! ، جراح ماهر قد شُكِّلَ عقله في الخارج ، سواء أكان ممن وفد على الخارج فَافْتَتَنَ بحضارة الخصم ، فصارت هي مرجعه المحكم لا سيما وقاعات الدرس تُزَيِّنُ أفكار المركز ، والطلاب فيها أوباش الأطراف الذين قصرت عقولهم أن تستقل فهي عقول تابعة لم تصنع في الداخل ، فالصناعة أجنبية لا محلية ، وهي صناعة رديئة لا تنتج إلا قادة تغيير يخاصم الأمم المغلوبة فِكْرَهَا وحضارتها ، فلم تكن نخب الشرق في هذه الأعصار من أتاتورك إلى رجالات الفكر والسياسة والحرب المعاصرين لم تكن يوما نتاج المحاضن الشرقية ذات المراجع والمستمدات الرسالية ، فلم يكن لها من الوحي حظ إلا ما تقرأ من الفاتحة في الصلاة رياء ، ولم تفقه من الرسالة إلا الشعائر بلا غاية في الحياة ، فقد صَيَّرَتْهَا طقوسا لا أكثر ، فهذه الصناعة الأجنبية أفرزت نخبة تخاصم هذه الأمة تاريخها وحضارتها وتسعى في حضارة الآخر الذي يلقي إليها بفتات التكنولوجيا مع جرعة كبيرة من الأفكار تصنع الأقزام فلا غاية لها إلا إبهار الزبون ! ، فهو ينظر نظر الساذج الذي لم يَرَ يوما حضارة فهو وافد من العصور القديمة ، فسرعان ما ترسخ في نفسه مشاعر الاحتقار للذات ! ، وهو أمر يجده كل إنسان لم يتشبع بالقيم التي تُرَسُِّ في النفوس الثقة بالدين والفكر والتاريخ والحضارة .... إلخ من المقومات التي تصنع الأمة ، فمن خلت نفسه من هذه القيم فسرعان ما ينهار أمام أي عارض زائف فالنفس إذا لم تَتَضَلَّعْ من الحق فلا تجد إلا الباطل ، وجهاز المناعة الفكرية معطل أو ضعيف لم يغتذ بمادة مقاومة ومدافعة تطرد الوافد الدخيل الذي يضر البدن إذ يغاير طبيعته ، فكانت هذه النخبة المشئومة التي صُنِعَتْ في الخارج ، أو صُنِعَتْ على عينه وإن في الداخل ، فمحاضن المركز الفكرية في الداخل قد خرجت من النخب ما استغنت به أن تُبْتَعَثَ إلى محاضن الفكر في المركز فقد حل المركز في الأطراف بفكره وتشريعاته وسياساته ومعاهده وجامعاته ومراكزه الثقافية والبحثية ومؤسساته الاستخباراتية ...... إلخ ، فصارت الأطراف نسخا شائهة من المركز فليت المركز أمد الأطراف بكل ما أنجزته حضارته وإنما اختصها بأسوإ ما في جعبته ، فحجب عنها أسباب القوة وصدر إليها الفكرة التي تغاير قيم الأمة فكان الصدام حتما لازما إذ المجتمعات تمانع وتقاوم وإن اشتد ضعفها فلم يكن ثم بد أن يمد المركز هذه النخب بأسباب القوة السياسية والعسكرية والأمنية ...... إلخ لتحتكر فضاء الحياة وتقمع أي معارضة ، فكان قمع الفكرة في الشرق وهو ما يغاير قيم الحرية في الغرب ! ، فإن سلم أنها حق مطلق وأنها نهاية التاريخ وسقف الفكر والحضارة ، فَهَلَّا كان للأطراف منها نصيب فرائد الحضارة الصادق لا يكذب أهله ! ، ولكنه لا يكذب أهله البيض في المركز ومن سواهم فليس لهم حظ من نصحه إلا بقدر ما يوافق غايته أن يصيرهم خَدَمًا وحاشية فتلك وظيفة الأطراف ، وتلك وظيفة العامة في الأطراف ، فلئن كان خطاب السياسة الآن أن البلاد لا تَنْسَى أبناءها فهي تنافح عنهم وتدافع وهي تستخلصهم من براثن العدو الجاثم ، فأي أبناء يريد القائل ؟! ، فهم أبناء النخبة الحاكمة وأبناء النخبة الحارسة التي نجحت السلطة أن تجعلها خصما يواجه المجتمع نيابة عن السلطة التي تحولت إلى غرفة عمليات تدير المعركة وهي في مأمن من الخسائر فلا يصيبها الغبار فضلا عن الرصاص فلا تفقه إلا إدارة الصراع واستثمار نتائجه في صناعة بطولات زائفة تجعل الأسير الذي يتوسل ويصرخ أنه ليس طرفا في الخصومة فغايته أن يعيش ويربي أولاده ! تجعله بطلا يطلق اسمه على المدارس والمنشآت وذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، مَئِنَّةٌ من إفلاس إنساني ، فليس ثم ولاء حقيق في نفس التابع الحقير الذي لا يجاوز ولاؤه السلطة والثروة ، وإن فتاتا فهو يصبر حال الرتبة الأدنى رتبة الوظيفي الذي يباشر القمع والقتل بيده كما يفتخر هو وعائلته فمن مسوغات التوسل أنه من رجالات السلطة الذين قتلوا وسفكوا دماء المعارضين وإن عزلا فإن كانت المواجهة مع مسلح فالأخلاق تظهر وليس ساعة الموت إلا التوسل مع ما تصنع السلطة في هذه المشاهد من تدخلات لطيفة بها تكون الرسائل السياسية التي تَتَبَادَلُهَا أجهزة الحكم فَلَيْسَ ثَمَّ قلب واحد عليه تجتمع وإن قلبا علمانيا كقلب المركز الذي أحل الدولة مكان الإله فهو على أدنى أحواله صادق في اعتقاده فهو يعبد الدولة ويخلص في عبوديتها خلافا لدول الأطراف الهشة فَثَمَّ صراع نفوذ بَيْنَ الأجهزة مادته الرتب الدنيا أو مَنْ تَرُومُ الأجهزة التطهر من رجسه لا سيما من تورط في أحداث عنف كبيرة تصلح بعد ذلك دليل إدانة دولية فلا بد من التخلص من هذه العناصر في صمت وتلك خاصة رئيسة في أنظمة القمع والاستبداد فهي تجيد اصطياد العصافير الكثيرة بأحجار قليلة ، فتصفية حسابات بين الأجهزة الفاعلة في الدولة واستثمار في بطولة زائفة وتخلص من عناصر غير مرغوب فيها واستثمار لهذه المعارك في ترسيخ منظومة القيم الجديدة : منظومة الوشاية والتجسس فالحرب عامة وكل فرد في المجتمع له دور ولو في الوشاية بجاره أو زميله في الدراسة أو في العمل ! ، لكي يتحول المجتمع ، كما يقول بعض المؤلفين ، إلى سفينة فئران ، فما ظنك بسفينة قد حبست فيها الفئران التي لا غاية لها في الحياة إلا الخيانة باسم الجهاد في سبيل الوطن بالإرشاد عن أعدائه المندسين في مؤسساته ومعاهده ، وهو أمر لن يسلم من شؤمه أحد مهما بلغت رياسته ، فجميع المسئولين تحت المراقبة ، والمؤسسات تَتَجَسَّسُ وَتَتَحَسَّسُ وذلك ما يخرج أجيالا لا أرواح لها فقد مسخت أخلاقها فصارت الخيانة والوشاية فضائل تدل على انتماء صاحبها ووطنيته التي تجعله أهلا للرياسة فلا يقدم إلا الجاسوس الخائن فوحده من يخدم النظام بإخلاص ، فيرصد أعداءه والعداوة قد اختزلت في عداوة النظام بل ورأسه في أحيان ، فاختزلت أمة كاملة من البشر في شخص دولة اعتباري أو شخص رجل سياسي أو عسكري ، فلم يعد ثم قيمة للمجتمع فهو كَمٌّ مهمل بل وعبء يَثْقُلُ ووظائفه لا تجاوز حد التصفيق لبطولات النظام ، والسعي في خدمته فمنه يختار النظام أدواته الوظيفية ولا يختار نظام القمع إلا أردأ الأفراد فليس إلا الفاشل الذي أخفق أن يجد له دورا في الحياة فاحتمل من أوصاف النقص والحقد على كل ناجح ما جعله يستعجل السلطة والثروة فهو يُسَكِّنُ النَّفْسَ بها أنه قد نجح وَبَزَّ أقرانه الذين تذيلهم حال الصغر فهو الآن يتسلط عليهم ولو بالقفز على المبادئ والقيم والانصهار في بَوْتَقَةِ النظام وآفة الإنسان العجلة فلا يصبر حتى يبلغ مجدا ينفعه في الدنيا والآخرة فالهمة قد قصرت أن تصبر وَتُثَابِرَ فاستعجلت الرياسة وإن لم تكن لها أهلا ، فشؤمها يعظم إن أعطيت من ليس يرعاها فلا حظ له من الدين والأخلاق يحجزه ، ولا سلطان يردعه ، بل السلطان قد أطلق يده في الرعية واستزله حتى صار له مع الناس خصومات فصار يدافع عن نفسه إذ صار هدفا لكل ساخط فانقسم الناس وقد كانوا شعبا واحدا إلا شعوب تَتَنَافَرُ وَتَتَصَارَعُ ولم تسلم من ذلك أجهزة الدولة السيادية فهي في خصومات تلجئها إلى التصفيات ولو بطريق غير مباشرة تستعمل فيها دوائر مسلحة من الخصوم فيكون من سيناريو المعركة ما ضربت السلطة فيه بسهم وافر وإن لم يكن السهم الكامل فَثَمَّ تَرَاخٍ في الإمداد والإنقاذ والإعداد والتسليح ..... إلخ ، مع ما يشكو منه الجهاز الفاشل من اختراقات نوعية فكل أولئك مما يُعَدُّ به مسرح العملية ذات الأهداف الكثيرة ، وضحاياها ، بداهة ، عناصر وظيفية دنيا فهي وَقُودُ الملاحم البطولية التي تخوضها القوات الباسلة ، وهي أَدَاةٌ مِنْ أَدَوَاتِ التَّغْيِيرِ لِلْقِيَمِ الفكرية والسياسية والعسكرية ، فإخراج المعارك السينمائي ينسخ العدو التقليدي في أعراف السياسة والحرب ويصنع عدوا جديدا وهو الإرهاب والتطرف الإسلامي فهو العدو الذي يناجزه الشرق الآن وإن في معقله الرئيس في جزيرة العرب ! ، فَثَمَّ أفكار متشددة نشأت عليها أجيال وقد حان أوان التغيير الفكري والسياسي في إطار التغريب الفج الذي ينذر بكوارث أخلاقية واجتماعية فإن الانتقال المفاجئ وإن كان إلى حق لا يكون منه إلا الاضطراب وربما الانهيار فكيف بانتقال من حق إلى باطل ، من تَحَفُّظٍ إلى تَحَرُّرٍ مع ما في هذا التحفظ من مجاوزة لحد الاعتدال إذ تبلغ به الحال في أحيان حد الغلو وَالتَّنَطُّعِ إلا أن الأصل يأرز إلى الوحي وفيه من الخير والإصلاح ما لا يجحده منصف ، وعلاج الأخطاء لا يكون باستبدال المناهج ونسخ الأفكار ، فإن الخطأ في آحاد لا يوجب نقض الأصل ، وحصول الشذوذ في أفراد لا يوجب الطعن في القاعدة ، وإنما يمكر الخصوم إذ يبرزون الأخطاء ويوجدون من الارتباط الشرطي في ذهن المخاطب ما يجعله يعتقد جزما أن الإشكال في الوحي نفسه ، فهو سبب كل مصيبة ونازلة وهو مادة الأفكار والقيم الغالية التي يخوض الشرق الآن معركته المصيرية معها ، فهي معركة الوجود إذ لا يجتمع سيفان في غمد ، فَثَمَّ من يدير المعركة في ميدان الأفكار بما يروج من حملات التجديد الناعم كما يرى الناظر الآن من رياسة الصبية في الجزيرة فثم شعور بالضآلة والانهزام ومسارعة في قيم المركز على وجه يفتقر لحنكة السياسة فضلا عن ورع الديانة ، وثم إغراء لنخب شابة متعلمة بأطروحات فكرية واجتماعية وَبِيئَةٍ وإن كانت ، بادي الرأي ، خفيفة لذيذة فهي تخاطب النفوس بما حجب عنها من لذات وشهوات ، مع صيرورة الأمر تقليدا اجتماعيا لا أكثر كما كانت الحال في مصر قبل ثورتها العلمانية الناعمة ، فقد جردت مظاهر الشريعة من مضمونها وصارت تقليدا لا أكثر ، فلم تكن ثم صعوبة أن تخلع عن الأبدان فقد خلعت قَبْلًا عن القيم والأفكار ، بل وصارت عبئا اجتماعيا ود الناس لو يغيرونه وإنما يمنعهم الخوف من رد الفعل المحافظ فلا زال في النفوس منه ما يُؤَثِّرُ في معادلة الأخلاق السياسية والاجتماعية فالسلطة طرف رئيس في هذه المعادلة إذ تحسن استمالة الجمهور الذي يعظم الدين فطرة وإن خالف ما خالف من الشرعة ، وذلك ، كما ينقل بعض الفضلاء عن شاه إيران ، ذلك مما نصحت به دوائر البحث في واشنطن شاه إيران فلا بد أن يكثر من الظهور في المجامع الدينية كالصلوات والاحتفالات ولا بد أن ينتزع القيادة الروحية من الآيات الشيعية ، وإن كان على منهاج العلمانية ضد الدينية والتغريب في عهد الشاه أمر قد اشتهر وتواتر ، وهو ، مع ذلك ، مرجع القيم الدينية والأخلاقية فهو الأب الذي استغرقت أبوته دين الناس ودنياهم ! ، وهو المسئول عن دينهم وإن كان أعظم العابثين بثوابته وأحكامه ، فضلا عن جهل مطبق يجعل تجديده للدين من المبكي المضحك ! ، فمن يضع معيار الاعتدال والتطرف ومن يشخص الداء أنه الأفكار الظلامية التي اكتست لحاء الصحوة الإسلامية ، من يصنع ذلك لا حظ له من الدين إلا النسبة مع جمل من الشعائر لا يكاد يحسنها فقد صُنِعَ العقل في المركز ، وهو مركز علماني يحسن توظيف العامل الديني في المشهد السياسي ، وباسم الإصلاح الديني يكون الانتقال السياسي الناعم ، كما يرى الناظر من هجمة على ثوابت وخطوط حمراء فلا ينقضي العجب أن السلطة في الجزيرة تطلق مشروع تنقيح وتجديد ! لسنة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد من تَنْقِيَتِهَا من شوائب التطرف التي تغتذي بها المذاهب الظلامية ، وقد يصدق في ألفاظ أنها ضعيفة ، وقد يصدق في تأويلات أنها بعيدة فهي محل انتقاد ولكن ذلك ما لا يكون إملاءا من المركز الذي لا تقتصر غايته على ذلك بل يروم التجديد التام ! حتى يجري الشرق على سنته في الإصلاح الديني الذي هدم البنيان الكاثوليكي ثم صار ذريعة إلى منهاج علماني لا يلعب الدين فيه دورا إلا دور الحافز السياسي مع جمل من الأخلاق والشعائر تجعل الدين طقسا روحيا خاصا فقد اختزل الدين في هذه الدائرة الضيقة التي آمن بها كل مستغرب وتلقاها كل مُبْتَعَثٍ في معاهد الفكر والسياسة والحرب ، فصنع المركز أدواته بعناية واستثمر فيها ما استثمر من المال والجهد ، فهي الآن تقود مشروع التجديد في الشرق ، كما يضرب المثال بمصر ، فهو تجديد لأصول الدين وقواطع الأحكام وهو نسخ كامل لقيم المجتمع ، وإن سياسية وعسكرية ، فَثَمَّ نسخ للأفكار والاستراتيجيات كما يتندر بعض الفضلاء ، فقد صار الْبَيَانُ العسكري الصارم الذي يثير المشاعر بطريقة الأداء الثورية ، وإن صارت عند كثير من أبناء هذا الجيل طريقة تُثِيرُ التهكم والسخرية بعد افتضاح الزعامات التاريخية التي صُنِعَتْ من ورق فكانت صناعة ماكرة ، كما يذكر بعض الفضلاء ، وقد اتسعت دائرة الصناعة عنده فلم تقتصر على زعامات السياسة ذات الصور المهيبة بل استغرقت رموز الفكر والفن والرياضة فَاصْطُنِعَتْ نجوم كانت أخبارها مادة تغتذي بِهَا الجماهير مع تفاهتها وحقارتها وضعة أصولها الفكرية والأخلاقية ، وإنما راجت أسهمها في هذا العصر أن كانت على دين الدولة فالمرء على دين خليله فلا تختار نخبة السياسة إلا أدوات تُلَائِمُ فَلْسَفَتَهَا في الحكم ، فلا يعقل بداهة أن تكون أدوات السياسة في خلافة الرشد هي أدواتها في دول القمع ! ، فهل يعقل أن يكون الماجن أو اللاعب أداة وظيفية في مشروع سياسي جاد فضلا أن يكون مشروع الرسالة الذي نهض على أكتاف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فهل ينهض على أكتاف النخب المعاصرة التي اصطنعتها السلطة الحاكمة وصيرتها القدوة الناصحة التي لا تغش المجتمع فهي تدله على أقصر طرق اللذة ، وأسرع طرق الكسب ، فلا حظ فيها إلا لكل تافه حقير ، فصار التهكم والسخرية آنف الذكر بهذه البيانات العسكرية وإن كان فيها من الرسائل الاستراتيجية والتكتيكية ما يثير التأمل ، فالعدو هو الإرهاب والتطرف الإسلامي حصرا ، لا التطرف الديني لو صدق القوم في انتحال العلمانية اللادينية أو ضد الدينية فليست في الشرق إلا العلمانية اللاإسلامية أو ضد الإسلامية ، فالوحي وحده خصم العلمانية في الشرق ، وهي على حق لو تدبر الناظر ، فإن الوحي وحده ، شريعة وفكرا وتاريخا وحضارة هو العقبة الكئود ، فأي دين آخر يقبل التطويع والتوظيف إلا الدين الخاتم فلا يطيق عدوه أن يناجزه وإن ظهر بالسيف والسنان فلا يطيق حجة الوحي وبرهانه فثم من القوة الذاتية ما أقر به خصوم الرسالة السماوية فلا مناص من المواجهة الفكرية المباشرة ، وهي ، مع ذلك ، ماكرة فلو تولى الأمر رجالات المركز لافتضحت الغاية وهي تحريف الدين المنزل ، فكان من حسن السياسة اصطناع المجموعات الوظيفية الفكرية والسياسية والعسكرية ذات الميول التغريبية فهي رأس الحربة الذي يطعن الوحي بيد من ينتسب إليه ، ولو زورا ، وهي التي تجدد ما يريد المركز بل وتكسوه أحيانا لحاء الدين فهو اجتهاد يستند إلى مقاصد الشريعة الحنيفية السمحة ! ، فكان من التغيير الفاعل في الاستراتيجية فالبوصلة قد تحولت بل وانقلبت ، وحقيقة الأمر ، لو تدبر الناظر ، أنها قد صرحت بما كانت تخفيه وتكتمه خشية المذمة والمعرة ، فإن هذه المنظومات السياسية والعسكرية ما صممت إلا على قواعد فكرية غربية تخالف عن القيم الرسالية بل والأعراف الشرقية فهي تخاصم الجماهير الدين والسياسة ، فكان التكتيك أن تجهر بعداوة المركز وأدواته في المنطقة ، وأن يكون خطابها ثوريا كلاسيكيا يحارب الإمبريالية والصهيونية العالمية ..... إلخ فتلك دعاية تطرب بها الجماهير التي اشتاقت إلى أي بطولة ولو تحرير شرطي ! ، فكيف بزعامة خالدة تجهر بخصومة المركز وإن كانت ، عند التدبر والنظر ، واحدة من أبرز أدواته في قمع الشعوب واستلابها أسباب قوتها الذاتية ، لا سيما الأسباب المعنوية ، فكان انقلاب البوصلة الآن فقد مضى زمن التقية وصار التصريح الآن جواز المرور إلى المنظومة الدولية ، فلا بد من ثمن يبذل وأدلة تشهد بصدق الدعوى ، فالجميع يسارع في تغيير الاستراتيجية فالعدو قد تغير ، كما تقدم ، فليس عَدُوٌّ الآن يخشى العالم بأسه إلا التطرف الإسلامي ! ، والجميع يسارع ، مع ذلك ، في تغيير التكتيك فالجيوش الآن تتحول من جيوش نظامية ذات تسليح ثقيل وتخطيط مركزي محكم إلى ميليشيات وظيفية ذات تسليح خفيف ومتوسط وتخطيط لا مركزي يحول الجيوش إلى مجاميع صغيرة تقودها الرتب الدنيا ، فهي تخوض مواجهات يغلب عليها الطابع الأمني الشرطي لا الطابع القتالي الاحترافي ، فكان هذا التحول ، لو تدبر الناظر ، آية من آيات النجاح الذي حققه المركز في صناعة الأطراف ، فالمثل ، كما تقدم ، قد ضرب بمصر ولا زال ، فهي من تجديد إلى آخر ! ، وهو الآن يُضْرَبُ بالجزيرة ، وكأن ذلك من عاجل العقوبة أن دعمت السلطة هناك سلطة الحكم الشمولي في مصر وإن اصطبغ بصبغة جمهورية تخالف في مبادئها السياسية الرسمية ! مبادئ الملكيات المطلقة ، فثم تجديد آخر يضاهي التجديد المصري كما أن الاستراتيجية الأمنية تكاد تستنسخ ، فالغاية واحدة والوسائل متشابهة إن لم تكن متماثلة ، فالتخطيط واحد بل وربما تَوَلَّى كبر الأمر في الجزيرة من تَوَلَّاهُ في مصر ، ولو مستشارا أمنيا ومخططا استراتيجيا لحقبة جديدة من حقب التجديد في الجزيرة ! ، وهو الذي لا يَنْتَعِشُ ، كما تقدم ، إلا وأداة القمع فاعلة فهي تسكت أي صوت يعارض ، ولو ناعما ، بل وتستنطق الناس بما يُرْضِي السلطة فلا بد من شهادة التصريح فالسكوت لا يجزئ ، وفي الصدارة قيادة ساذجة لا تحسن دينا ولا سياسة ، فهي تخرج بتأويلات جديدة تفسر بها الصحوة الإسلامية ، ولا يخلو تأويلها من حقائق مؤلمة تبرز قصورا ظاهرا في الحركات الإصلاحية الإسلامية سواء أكانت سياسية أم جهادية فإنها لم تخرج حتى الآن عن حد المجموع الوظيفي غير المباشر الذي يفسح له النظام فضاء محدودا في مشهد سياسي وعسكري مركب فيحقق بعض المكاسب التي تؤثر ولكنها لا تغير مراكز القوى الرئيسة في معادلة السياسة بل إنها مادة يستثمرها النظام في فضاء الفكر والسياسة والحرب فهي ذريعة إلى نقلة نوعية ذريعتها الرئيسة مكافحة مذاهب التطرف العنيفة ، وهي مكافحة مركبة لا تقتصر على المواجهة المسلحة الخشنة في ميادين القتال بل ثم مواجهة أخرى ناعمة في فضاء الأفكار وهي الأخطر ، كما تقدم ، فكان تفسير الصحوة أنها حركة وعي دينية وافقت الأغراض السياسية في الحقبة الظلامية فكانت السلطة تَتَبَنَّى خطاب الدين مكرهة لا بطلة ، فهو الخطاب الرائج آنذاك مع ما شهدته المنطقة من تدافعات في السياسة والحرب ، فكان الدين حافزا يَسْتَثِيرُ النفوس ويشكل درعا من الأفكار السنية يصد أفكار الثورة الشيعية في إيران ، فالسلطة قد اضطرت أن تداهن ولم تحسن التعامل مع الأحداث فأفسحت المجال للأفكار المتشددة ، وذلك أمر قد انقضى أوانه فلا بد من معالجة جديدة ترجع بالدين إلى ما قبل الصحوة ، فذلك دين الصفوة ، وهو ما يعني الانقلاب المفاجئ على مرجعية الحكم ، وإن كانت سطرا في كتاب ، فدعوة الإصلاح التي تكال لها الآن تهم الإرهاب والتطرف هي عصبة الدولة الرئيسة وهي مصدر شرعية راسخة وانتقال السلطة عنها فجأة ، بل ونبزها ، ولو ضمنا ، أنها سبب التشدد الذي اتسمت به الصحوة والتي رضيت عنه الدولة آنذاك ! ، هذا الأمر مما يهدم المعبد فوق الرءوس ، ويصدم النفوس فقد اكتشفت القيادة فجأة أنها كانت على ضلالة عظيمة سنوات كثيرة فلا بد من التجديد ، ولعل ذلك ، لو تدبر الناظر ، عَضُدٌ يشد القوس الواحدة التي يُرْمَى بها مذهب السلف ، كما يقول بعض الفضلاء ، وإن قَصَرَ الأمر فجعل الخصومة بعيدة عن النظام الحاكم ، فالإسلام السياسي طرف إذ يكيل التهم للمنهاج السلفي حقدا عليه ، وقد يصح ذلك من وجه بما يرى الناظر في أحيان من مبالغة الإسلام السياسي في نبز التيار السلفي دون نظر في الفوارق بين أطيافه الكثيرة فقد قصر النظر على الطرف الذي يداهن النظام بل ويؤيده في معركته الوجودية مع التيارات الإسلامية وهو ما يجعله هو نفسه في دائرة الاستهداف ولو بعد حين فليس الأمر إلا هدنة مؤقتة يستعمل فيها هذا الطيف في طعن بقية الأطياف وَيُحَيَّدُ فلا يُخَاصَمُ الآن ثم يجهز عليه النظام بعد ذلك كما صنع في الماضي مع تيار الإسلام السياسي نفسه فقد جعله أداة يطعن بها التيارات المسلحة المتشددة ! ، وكانت المزايدة في إظهار التسامح والوسطية ولو بتقديم التنازلات الفكرية ثم كان الإجهاز عليه كما وقع في مصر ، فكان أن أنكر على قطاع من الحركة السلفية ما قد وقع فيه آنفا واشتد في الخصومة فخالف عن جادة العدل في أحيان ، ولكن ذلك لا يُبَرِّرُ قصر الأخطار المحدقة بالتيار السلفي على الإسلام السياسي ، مع ما قد يلتمس من عذر بالنظر بعين القدر لا بعين الشرع في قسوة النقد والإنكار فإن ما سفك من دماء معصومة بتمويل وتأييد من أنظمة تزعم أنها على منهاج السلف ، فإن ما كان من ذلك قد حير الألباب التي لم يكن لها دراية بحقيقة الأمر ، فظنته حقا لا دعوى براجماتية توظف فيها نصوص الرسالة السماوية فكان رد الفعل غاليا أن سوى الناظر بما يشعر به من ظلم هائل بين كل من ينتسب إلى منهاج السلف فلم يَرَ في النسبة إلا النسبة إلى الظلم وذلك من أعظم الشؤم أن يصير الانتساب إلى السلف مظنة الرضى بالظلم بل والمسارعة في تأييده وإسباغ الشرعية الدينية عليه ، فكان أن قصر من قصر العداوة المستحكمة للتيار السلفي على الإسلام السياسي وتيارات التغريب التي يفسح لها الآن من فضاء الفكر والسياسة ما كان في الماضي حلما بعيد المنال ، فجاءت القيادة الشابة لتحول الحلم إلى حقيقة وهي ، مع ذلك ، بمعزل عن الخصومة ، فليست طرفا فيها ! ، فلا زال بعض الناس يرجو فيها الخير فليس العيب فيها وإنما العيب في النخبة العلمانية التي تحوطها فهي تُرَوِّجُ لأفكار التجديد والتحديث عبرها ، فالتصقت بها ولو مؤقتا حتى تبث أفكارها في المجتمع ولو كانت هذه الأفكار تُفْضِي آخر الأمر إلى زوال هذه الأنظمة ، فهي ، ولو من منظور السياسة البراجماتية ، تحتضن أسباب زوالها وتفسح لها المجال ، فمثلها كمثل من يقبل على العدوى القاتلة بنفس مطمئنة راضية ، ومن العجب أن يحاول بعض الفضلاء من المفكرين المنتسبين إلى منهاج السلف ، أن يحاول تقليد هذه النخبة الحداثية في التصاقها بالسلطة ، فلا زال يأمل في تأليفها ولو مداراة فلا يروم الإصلاح إلا عبرها كما أن النخب الحداثية لا تروم بث أفكارها إلا عبرها ! ، فالجميع يقتتل لينال عندها الحظوة فهي خيار التغيير الأوحد ، فلا زال في قطاعات الصحوة والإصلاح من يظن ذلك أو يتظاهر به لاعتبارات سياسية أو أمنية ! أو لمصالح شخصية فالمصيبة في هذه الحال أعظم إذ صار المصلِح في هذه الحال شريكا في جريمة التبديل والتحريف ، فلا زال في قطاعات الصحوة من يظن أن اختراق السلطة هو سبيل التغيير وكأن المركز الذي اصطنعها غر ساذج ! ، فلا يلبث ذلك المصلح الذي يروم اختراق السلطة أن يصير ، شعر أو لم يشعر ، أداة من أدواتها فقد نجحت في اصطياده وقد كان يروم اصطيادها بادي الرأي ، والمداراة التكتيكية شيء والمواجهة الاستراتيجية شيء آخر .
    ولعل هذا التغيير آنف الذكر الذي يتسم بالنزق والتسرع ، ولو من منظور سياسي بحت ، لعله من جملة ما يبذل من أثمان في صفقة سياسية براجماتية فالبيئة التشريعية تمهد الآن لتقبل آثار هذا التغريب باسم التجديد والعودة إلى صورة الإسلام المعتدل اللطيف ! ، كما يقول بعض صبية السياسة المعاصرين في خطاب صادم لمشاعر العامة والخاصة في بلاده مع سكوت ومداهنة لهيئات دينية احتكرت الفتوى الرسمية في إطار ما يرى الناظر في أنظمة الحكم المستبدة التي تؤمم كل شيء ، ويكون التأميم ابتداء للإفكار فهي أخطر ما يهدد الاستبداد ، ولو تدبر الناظر لعلم أن الأمر يجري في سياق تاريخي ، فإن لكل مرحلة رجالها ، فحال القائد أو الحاكم تَتَّسِقُ مع سياقه التاريخي الذي وجد فيه ، سواء أكان عظيما كالخلفاء الراشدين ، أم حقيرا كالصعاليك المعاصرين فلو كانوا في زمن الخلافة الراشدة ما كان لهم إلا الذيل ، فما تصدروا في هذه الأعصار إلا أن عظم الزيغ ، ولو بعث الخلفاء اليوم ما كانت لهم الصدارة فإن حالهم الكاملة لا تَتَّسِقُ مع السياق التاريخي المعاصر الذي لا يلائم إلا كل تافه يتكلم في أمر العامة حتى بلغت به الحال أن يَتَزَعَّمَ حركة التجديد والإصلاح الديني وهو لا يحسن يقرأ الفاتحة ! ، ولكل زمان رجالاته على وجه تظهر فيه آيات الحكمة أن يوضع في كل محلٍّ ما يلائمه ، فـ :
    على قدر أهل العزم تأتي العزائم **** وتأتي على قدر الكرام المكــــارم
    وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها **** وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

    فالأمر لا بد فيه من إصلاح مركب للنخبة والقاعدة ، فما النخبة إلا مجموع اصطفاه المركز من القاعدة فاختار الفاسد ولكنه من القاعدة خارج ، فلا بد من إصلاح مركب يحسم مادة الداء في النخبة السياسية وفي القاعدة الجماهيرية ، وإلا فانتظار المهدي لا يفلح ، فهو حق كما قد بشرت به الأخبار والآثار ، ولكنه ، في المقابل ، يظهر في سياق تاريخي يحتمله فلا بد من اتساق بينه وبين الحاضنة الشعبية التي تحوطه وإلا لو ظهر في قوم لم تتهيأ نفوسهم أن تقبل طرحه لكانوا أول من يتهمه بالإرهاب ويجيش الجيوش لغزوه كما قد ورد في الأنباء ، فـ : "يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ" .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:36 PM

    المشاركات
    4,705
    العمر
    39

    وحكومة الدولة ، لو تدبر الناظر ، دين تَنْتَحِلُهُ ، في التشريع والقضاء والسياسة والحرب والاقتصاد ..... إلخ ، فهو يجاوز معنى الدين المتبادر إلى الأذهان إذ يعم الفكر والتصور ونظام السياسة والحكم ، وغايات الأمم العظمى ، وما يكون منها من أخلاق في السلم والحرب لا سيما فِي الحرب فَفِيهَا تظهر الطبائع حقا فلا يطيق الإنسان تصنع الأخلاق وتكلفها في كل حال ، وفي الحرب تَعْظُمُ الحظوظ في القتل والغنيمة وهي مظنة البغي والعدوان وإن أَضْفَى عليه أرباب النظر من الشَّرْعِيَّةِ الأخلاقية والسياسية ما يخدع الجمهور فالمحتل الغازي الذي جاء يهدم الأديان ويقوض البنيان وينتهب الثروات إنما جاء ليحرر الشعوب وَيُحَدِّثَهَا ، وهو وحده الذي يطيق عمران الأرض فلا تُبْنَى الدول إلا وهو الحاكم ، ولا يحصل النصر إلا وهو القائد ! ، مع أن سيرته ليس فيها إلا الظلم والاستبداد الذي أفسد الأخلاق وعطل البناء والتعمير وهو معنى يجاوز عمارة الأرض بالحصون والقصور والجدر العالية التي تحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الناس وإن زعم أنه رائدهم ، فلا رائد يكذب أهله ، ولا رائد يعتزل الناس فلا يشاطرهم أسباب الحياة سعة أو ضيقا ، فحاله من حالهم لو كان رائدا لهم ينصح ، ولذلك كان عمر ، رضي الله عنه ، يأكل الأردأ وإن أطاق الأحسن لا ورعا باردا أو تصوفا زائفا وإنما حظه من مال مَنْ وَلِيَ أمرهم أن يكون أول من يجوع وآخر من يشبع ، فَمَالُهُم في حقه مَيْتَةٌ لا تحل إلا في مخمصة ، فلا يأخذ منه إلا بقدر ما يدفع الضرورة التي تُقَدَّرُ بقدرها فلا يزيد صاحبها عنها ولا يجاوز ، وإنما حظه ، كَوَلِيِّ اليتيم ، إن غني تَعَفَّفَ وإن افْتَقَرَ أكل بالمعروف ، وإنما تعظم الهوة وَتَبْعُدُ الشُّقَّةُ إن كان الحاكم في حال والناس في أخرى ، فلا يكون معهم في أمر معاشهم ، فضلا أن يخالفهم في أمر معادهم ، فلا يحرص على عمارة الأديان في القلوب بل لا تجد من حاله إلا إفساد الأديان والأخلاق وله في ذلك أدوات وظيفية ، فهي أسباب فُحْشٍ يُقَارِفُ المحرَّم أو باطل يُقَارِفُ فضول المباح فَيَلْهُو ويلعب ، ولا يجد من الْعَزَائِمِ ما يُبِينُ عن قدر عال شريف فلم يكن ثَمَّ من الأفكار ما تغتذي به الروح اللطيف ، ولم يكن من الرحمة ما يَتَبَادَلُهُ الناس فالقلب قد قسا إذ فارق الذكر ، وشح فلم يصنع المعروف والخير ، واشتغل عن الفاضل بالمرذول الناقص ! ، فصار يماري في الدين ويجادل وصار يتكئ على الْأَرَائِكِ فَيَقْبَلُ وَيَرُدُّ ويضع معيارا من عنده في التصور والحكم ، إذ شَبِعَ وَأُتْرِفَ ولم يجد ما يَنْفَعُ ، فلم يجد إلا تافه الأمر إذ به يليق ، والجناية قد تعظم إن ظن أنه قائد أو مفكر يضع للناس من الفلسفات والمناهج ما يستفيد به الطبيب والصانع وهو لا يكاد يُبِينُ فضلا أن يكون الماهر اللبيب ، وهو اختيار الناس فلا يعدلون به بدلا ! ، فلا يتصور أحد الحياة من بعده ، فصار كالإله الرازق المدبر بل هو كذلك بِلِسَانِ الحال ، فَخَلَّدَهُ الناس وهو فَانٍ ، وقدسوا سيرته وليست إلا سيرة الظلم لغيره والنكول عن قتال خصمه والفرار من الميادين ، فكان أسدا يبطش بالرعية وكان أجبن ما يكون إذا عظمت القضية فكانت الحرب التي تفضح أخلاق الرجال ، وقد قال من قال يَذُمُّ الحجاج المبير :

    أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ ******* ربداء تجفلُ من صفير الصَّافرِ
    هلاّ برزتَ إلى غزالةَ في الوغى ******* بل كان قلبك في جناحي طائرِ .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، حال كل ظالم ، فلا عناية له إلا أن يضعف الناس لَيَرْضَوا رياسته طوعا أو كرها ، فالناس في دولته بين مُنْتَفِعٍ نَهَّازٍ للفرص ، فيحظى بالانضمام إلى قبيل الحكم ، ولو آلة تقارف الظلم أو الإلهاء والتضليل لعموم الناس ، فلا يعلو نجم أحد في دولته إلا الحقير التافه إذ يمارس أجل الوظائف فهو قاطرة التحريف والتزييف لعقول العامة وقاطرة الإفساد لأديانهم وأخلاقهم ، فلهم دور رئيس في قهر الأبدان إن كانوا من رجالات الوظيفة الصلبة ، ولهم دور آخر أعظم شؤما وهو إفساد الألباب إن كانوا من رجالات الوظيفة الناعمة ! ، فتلك أدواته في صناعة الرعية التي يريد ، فقياسها قياسه إذ الناس على دين ملوكهم ، والدين ، كما تقدم ، لا يقتصر على المعنى المتبادر إلى الذهن ، بل يَعُمُّ نظام الفكر والحياة ، فلا يطيق جاهل أن يحكم قبيلا من العلماء فإن عِلْمَهُمْ يفضح جهله ، فلا تجده إلا ساع في تجهيل الناس وإن عَلَّمَهُمْ فَبِقَدْرِ ما يَتَّخِذُ منهم خدما في دولته ، ولا يكون ثم نابغ نابه يظهر إن لم يكن من حاشيته ولو دخل فيها تَقِيَّةً يروم بها الإفلات من بطشه ! ، فالناس في دولته بين نَهَّازٍ للفرص طامح في الرياسة ولو ظلما وعدوانا ، ومهادِن يَتَّقِي فيعضد ويؤيد وهو في نفسه يسب ويلعن ، وساكت قد عجز أن ينكر فآثر السلامة أن يفارق المنكر إذ لم يطق تَغْيِيرَهُ ، ورافض ليس له إلا القتل أو السجن أو الطرد ..... إلخ ، وعاجز مستذل قد أجهده المعاش فاشتغل بتحصيل الأسباب التي ضيقها الحاكم الجائر قصدا ، فذلك جزء رئيس من سياسته ليحكم السيطرة على الناس فلا بد من إضعاف العقول وإفساد الأديان ، كما تقدم ، وإفساد الأبدان وإجهادها فلا يكاد يسلم بمروءته إلا من يسر له ، جل وعلا ، سَبَبَ سترٍ وكفاية في معاشه فهو يبذله صيانة لعرضه ألا يستذل في نفسه وأهله وولده ، فلا عصبة تحمي ، فَثَمَّ من رزق سبب مال أو تجارة به يصون نفسه ، فإذا لم يكن ثم عصبة تحمي أو مال يغني ، فلا سبب يُنْجِي الناس من بَطْشِ الحاكم الجائر الذي قَلَّمَ أظفار المجتمع وقضى على أي قوة تقاوم ، فأفنى رءوس الناس من نخب الفكر والسياسة والعلم والاقتصاد والأخلاق وَصُنَّاعِ المعروف والإحسان ..... إلخ ، واصطنع بطانة بها يحكم السيطرة على العامة فهي الخاصة التي لا تطيق عيشا إذا ذهب الاستبداد فما كانت لهم الحظوة إلا برعاية منه وتعاهد فهم أدواته التي بها يحكم ، وهي أدوات تُغَايِرُ المجتمع أخلاقه وطرائق معاشه فهي صناعة احتلال من خارج ، قد اختارها بعناية ، ووضع لها من مناهج الفكر والدرس ما يُرَسِّخُ فِيهَا التَّبَعِيَّةَ فلا تروم استقلالا إذ ثم ارتباط وثيق ، فالعضو لا بقاء له إن بُتِرَ من الجسد وَقُطِعَ ، فلا يطيق إلا اتصالا بالجسد يحاكي اتصال الجنين بأمه ، فَثَمَّ حَبْلٌ سري يربط المجموع الوظيفي في الأطراف بالكيان الرئيس في المركز الذي صنع أدواته التي بها يحكم الأطراف وأمدها بأسباب البقاء من خارج ، فلم يكن منها سبب من داخل فهي تُفَارِقُ الداخل الشعورَ والوجدان بل وتناصبه العداء فضلا عن احتقار وجفاء فلا تَرَاهُ إلا عالة عليها ! ، فهو يؤذي مشاعرها الرقيقة إن اشتكى من الفقر ولم يجد من الْبِرِّ ما يجبر كسره ! ، فليس العامة في دين أولئك إلا فضلة يحسن التخلص منها فهي تؤذي البدن الصحيح الرشيق ! ، مع أن هذا الكيان الدخيل الذي نَزَا على سدة الحكم هو سبب الضعف والفقر الذي يشكو من مظهره البشع وريحه العفن ! ، فمن صنع ذلك إلا هو ؟! ، بل ذلك ، لو تدبر الناظر ، من آكد وظائفه ، فهو آلة تضعف الأطراف لتخضع لسيطرة المركز ، وهو يَنْتَفِعُ بذلك إذ يحكم بلا معارضة أو مقاومة ، فالجميع ضعيف العقل والبدن ، وأدوات الإفساد تعمل بكفاءة ، ولها من حظوظ الجاه والثروة ما يجعلها تجتهد في العمل ! ، فرجالات الدعاية يحظون بالحوافز والزِّيَادَاتِ على وجه يخالف عن طرائق القياس المحكم الذي يقضي بتقديم ما حقه التقديم ، وتأخير ما حقه التأخير ، فكيف يكون لهم من عطاء الدولة ما يفوق عطاء الأرملة والمسكين أضعافا ؟! ، فهو يزيد وهم لا يزيدون ، إذ لا يحتاجهم الحاكم بل قد ضج بهم وضجر وكأنه يطعمهم من كَدِّهِ أو كَدَّ أَبِيهِ ! ، بل ما كانت تلك حالهم إلا أنه استأثر بالمغنم وَتَرَكَ لهم المغرم ، فهو أول من يشبع فلا يكاد يعرف الجوع إلا حكاية ! ، فلم يجد ألمه يوما ، وإن وجده في سالف أيامه فَمَا زاده ذلك إلا حقدا وغلا ، فراح يجتهد في الجمع وراح يُشْبِعُ في النفس نَزْوَةً لا يكاد أمدها يَنْقَضِي فهو ناقص الوصف يروم استكمال الصورة فيستكثر من أخلاق العظمة والرياسة وهو في نفسه ذليل حقير ، وليس ذلك أنه فَقِيرٌ ، وإن كان الفقر سببا في ذلة النفس وانكسارها ، وإنما الإشكال في دناءة نفسه وَضِعَتِهَا فجوهرها خبيث وأصلها خسيس ، وإن كان غَنِيًّا غير فقير ، فَتَرَاهُ يَلْتَذُّ بآلام الناس ، وَتَرَاهُ ينسب الفضل إلى نفسه ، فقد كان فقيرا ممزق الثياب فما أوتي ما أوتي من الجاه والثروة إلا على علم عنده فلا فضل لأحد عليه ! ، وإن كانت سيرته حلقات تَتْرَى من النفاق والتَّزَلُّفِ ، فكان فضل المركز على أدواته في الأطراف أن كفلها كفالة اليتيم فَلَيْسَ لها في الناس حظ رِضًى أو وُدٍّ فليس إلا الْبُغْضَ وَاللَّعْنَ ، فـ : "شِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، وذلك ما تَقَصَّدَ المركز إذ رام السيطرة على الأطراف ، فلا بد من لقيط لا أصل له في الناس فهو وضيع النسبة فاسد النشأة فلا دين ولا دنيا ، وهو يخاصم الناس في الدين والفكر ، فَقَدْ وَلَّى وجهه قبل المركز فهو الذي يُوَلِّي وَيَعْزِلُ ، وهو قاسٍ يحقد على من علاه في العلم أو المال فلا يريد حوله إلا محيطا من الجهل والفقر لينبغ فَيَبُزَّ أَقْرَانَهُ ، فلا يطيق آخر يزيد عليه ولو في صورة الظاهر ، وذلك مرض اصطلح أهل العلم بدقائق النفوس أن يطلقوا عليه لقب "النرجسية" ، فصاحب هذا الداء قاس في طبعه معتز برأيه وإن كان أجهل الناس ، يعجبه الإطراء ولو كذبا ، وذلك ما سلم منه أهل الحق فكان أولاهم بالإطراء من يَنْزِلُ عليه الوحي من السماء فَنَهَى أصحابه وأتباعه عن ذلك ، فـ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" ، وهو غضوب إن استدرك أحد عَلَيْهِ وإن حقا ، فغباؤه يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإدارك ، وكبره يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإصغاء ، فجمع السوأتين غباء وكبرا ، وهو غضوب إذا لم يجد من تقدير الناس ما يداوي به نقصه ، فيغضب إن لم يَنْعَتْهُ الناس أنه العبقري المجدِّد ! ، وإن كان أجهل الناس في دين ودنيا ، وهو بخيل لا يعطي الناس بل قد يبخل على نفسه فلا تجده سالفَ أيامه إلا مرذول الهيئة وإن كان له من المال فضل معاش يُصْلِحُ به حاله فلا هو ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، كريم على نفسه ولا هو كريم على غيره ، فكيف تكون الحال إن ابتليت العامة برأس هذا وصفه ؟! ، فـ : (مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ، فما كان لهذا الحقير أن يسود إلا أن حظي برعاية المركز فلن يجد باطشا يستوظفه في قهر الناس إلا وضيعا لا أصل له ولا نسب في الناس ، فصاحب النسب والأصل إن لم يحل بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظلم دين ، فنسبه سبب يمنعه أن يقارف ما يذم به أصحاب الهيئات العامة ، فكان من حال أبي سفيان وهو كافر يُقَارِفُ من القبائح ما اعتاده الخاصة والعامة في الجاهلية الأولى ، فكان يَزْنِي ويشرب المسكر ..... إلخ ، وتورع مع ذلك أن يكذب بحضرة هرقل في الحديث المشهور عن آيات بها عرف هرقل صدق المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالكذب جناية تدل على ضِعَةِ صاحبها وضعفه فلا يكذب إلا الضعيف الجبان الذي يداهن القوي الغالب فيكذب ليسلم من بطشه ، وذلك ، بداهة ، ما يأنف منه سيد ذو نسب وجاه ، فما يلجئه أن يكذب فَتَأْثِرَ العرب ذلك فَيَصِيرَ سُبَّةً يُعَيَّرُ بها الدهر كله ؟! ، فكان الأصل والنسبة حائلا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكذب وإن كان كافرا جاحدا بالشرعة ، فلا يحول بين الإنسان والقبائح التي تُزْرِي بأصحاب المروءات ، لا يحول بين الإنسان وبينها إلا الدين والأصل ، فإن اجتمعا كما كانت حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان أعظم الناس دينا وأخلاقا فلم تَأْثِرْ قريش ما تقدح به في دينه أو أخلاقه أو عقله ، وكان لها من العفة ما تورعت به أن تصطنع له المثالب أو تخترع له الرَّذَائِلِ ! ، وهو ما جعلها معدن فضيلة في الصدق والمروءة ، فكان النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَنْتَفِعُ بذلك على وجه لا يخالف به عن جادة الوحي ، فَانْتَفَعَ بدين عبد المطلب الذي مات عليه عمه أبو طالب ، فكان آخر كلامه على ملة عبد المطلب وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، ملة شهامة ومروءة تأبى الضيم وترى المذلة كفرا فكان أبو طالب يحوط ابن أخيه شهامة ومروءة وإن لم يوافقه الديانة مع ما أُثِرَ عنه من نظم يمدح به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك ما لا يَعْجَبُ الناظر فيه ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل عظيم سَلَبَ ألباب أعدائه قَبْلَ أحبائه ، فَأَقَرَّ له من يعدل في الحكومة ويقتصد في الخصومة أنه عظيم النفس كريم الخلق راجح العقل أرضى الناس في قريش رأيا وأصدقهم قولا كما قال النضر بن الحارث وهو من ألد أعدائه وكما قال كثير من خصومه في هذه الأعصار ممن كفروا برسالته ودينه فَنَبَزُوهُ أنه أخطر فكر على أهل الأرض ، فهو حائط الصد الذي يحول بين أتباعه والحضارة فليس إلا التخلف والبداوة فكان من عظيم العداوة ما يجعل صاحبه بريئا من جناية الانحياز أو المداهنة فهو أحرص الناس على الطعن في هيئته لو وجد إلى ذلك سبيلا فحاله كحال أبي سفيان الذي حال الكذب بينه وبين الطعن في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأقر هذا الخصم العنيد بفضائل الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام فهو عظيم النفس كريم الخلق وإن كان عدوا يجب القضاء عليه ! ، فلا يعجب الناظر أن مدحه أبو طالب ، وإنما يعجب أن مدح دينه وَعَلِمَ صدقه يقينا ومع ذلك أبى الانقياد أَنَفَةً أن يقال جزع خائف ! ، أو مفارق لدين آبائه ، فحالت العصبية بينه وبين الهداية ، وكان من ذلك آية أي آية ! ، لا يملك الناظر فيها إلا أن يعجب من تقدير الرب المهيمن ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، وأن يعجب من همة هذا الرجل الكافر كيف عظم دينه حتى مات عليه وكيف ثَبَتَ على المبدأ فلم يداهن أو يجامل ولو أعز الناس وأحبهم إليه ! ، فهو رجل مبادئ وإن كان كافرا مارقا ، فحاله من حال حيي بن أخطب ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء ، مع القدر الفارق ، بداهة ، فالأول محب والثاني مبغض ، إلا أن الجامع بينهما الثبات على المبدأ ، فَعُرِضَ حيي على السيف ، وأقر أنها ملحمة فمن يغالب الله يغلبه ! ، فعلم يقينا أنه يغالب الحق وأنه على الباطل المحض فعلم صدق النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أول لقاء ، وجعل عداوته دِينَهُ ومنهاجه ما بقي في الحياة ، فكان له من الثبات والجد ما حكاه التنزيل من حال الملإ ، فـ : (انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) ، فكان لهم من الصبر على الباطل ما صار مضرب المثل ، وهو ما اشتكاه عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة" ، فلو كان لأهل الحق منه حظ إذن لسادوا الْبَرَّ والبحر ، فوجب الحمد أن لم يخل تاريخ هذه الرسالة من رجال ضاهوا أبا طالب وَحُيَيًّا وغيرهما بل وزادوا عليهما في الثبات فضلا أنهم قد تحلوا بِزِينَةِ الإيمان ، فَقَطَّعَ مسيلمة خُبَيْبًا أن يعطيه كلمة ولو تقية فأبى ، وأجاع الروم عبد الله بن حذافة السهمي أن يكفر بدينه فأبى وأخذ بالعزيمة في محل رخصة يحل فما كان لِيُشْمِتَ الروم في أهل ملته ، وَسُلِخَ أبو بكر النابلسي بَيْنَ يدي المعز الفاطمي فلم يطلب صفحا أن حرض الناس على بني عبيد حربا ورميا ، وبطولات أهل الإسلام وثباتهم حتى الممات فضل عظيم من الغني الحميد ، جل وعلا ، فلولاها ما رُفِعَتِ الرءوس شامخة وما كان ثَمَّ إرث من الفضائل يكفي الأمة المؤنة فلا حاجة لها أن تَتَأَسَّى بكافر ، وإن أقرت بما له من فضائل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، بل وأحسنت تَنْتَفِعُ بفضائله ، فـ : "الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا" ، على كلام في إسناده ، وتلك خاصة أتباع الرسالة فهم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق فإنهم يعدلون في الحكومة ولا يفجرون في الخصومة فيطمسوا فضائل الخصم بل هم كما قال ابن مهدي رحمه الله : يكتبون ما لهم وما عليهم خلافا لأهل البدع والمحدثات فلا يكتبون إلا ما لهم ! ، فكان من مأثور الرسالة أَنْ : "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ، وذلك ما اطرد من حاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يبخس الخصم حقا ، بل قد حفظ لخصومه الجميل إذ انْتَفَعَ بهم في الأمر العصيب ، فحفظ للمطعم جواره فكان ذلك مما استفاده من أخلاق الجاهلية الأولى ! ، فـ : "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى أَطْلَقْتُهُمْ ، يَعْنِي أُسَارَى بَدْرٍ" ، وحفظ لحاتم مآثره في الجود والكرم فأطلق ابنته سفانة ، فـ : "يَا جَارِيَةُ ! هَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ، لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُسْلِمًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ ، خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَاللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ" ، وبعث يطلب خالدا ، فـ : "ما مثل خالد يجهل الإسلام ، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له ، ولقدمناه على غيره" ، فخالد رجل ذو عقل راجح وقضاء في الحرب نافذ ، فـ : "وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟" ، فعلم منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا العقل ، فـ : "الحمد لله الذي هداك ، قد كنتُ أرى لك عقلاً رجوتُ ألا يسلمكَ إلا إلى خيرٍ" ، فالنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعظم الناس علما بأقدار الرجال ، ومن أحكمهم طريقة أن يوجد لكل صاحب من أصحابه ما يلائمه من الوظيفة ، فكان أَبْرَعَ الناس في اصطناع الرجال واستثمار الطاقات واكتشاف المواهب حقيقة لا زيفا ، جدا لا هزلا ، لا كما هي الحال في هذه الأعصار التي صار فيها حكام الجور لا يحتفون إلا بكل تافه ، ولا يكرمون إلا كل جاهل ، فأولئك ، كما تقدم ، رجالات الوظائف القذرة في دول الظلم والاستبداد ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رجالات الوظيفة الشريفة في دولة النبوة والخلافة ، وبضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، وكل إناء بما فيه يَنْضَحُ ، فَنَضَحَ إناء النبوة بخير الناس وأشرف الطباق الذين أقاموا الدليل من دمائهم وأموالهم شهادة صدق على إخلاصهم ، ونضحت آنية الجور بِبِطَانَةِ سُوءٍ ، وأدوات جهل وفحش ، وآلات قمع وبطش ، ودعاية تحرض على الإلحاد والرذيلة فلا تحتفي إلا بكل فاسد في الشريعة والطريقة ، فلا غاية لها ، كما تقدم ، إلا أن تهدم البنيان وإن جعلت الشعار رغبة في البناء والتعمير ، وذلك ما لا يروج إلا في أوساط الحمير ، فلا بد من الترشيح والدعم لِتُجَاوِزَ العامة عتبة الفقر والجهل ، وهي عتبة لن تجاوزها أبدا ما بقي الظلم والاستبداد حكما فغايته ، كما تقدم مرارا ، أن يفسد الناس ويضعفهم ومن أبى منهم فلم يجاوب فليس إلا البطش والقمع لمن يجهر ، والإهمال والنسيان لمن يصمت في أعصار تعظم فيها فضيلة العزلة مَا تَحَرَّى صاحبها الفقه وإلا وقع في حبائل الشيطان إن بالجفاء أو بالغلو ، وبذلك القدر الفارق تَبَيَّنَ من يروم البناء حقا فلا بد له من رجال كالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهم لبنات بناء محكم في الدين والفكر والأخلاق والسياسة والحرب ، فَتَبَيَّنَ القدر الفارق بَيْنَ من يروم البناء حقا ومن يزعم البناء وليس له غاية إلا الهدم ، بل ما تولى ما تولى إلا بشرط الهدم ، فما أقامه من أقامه في الحكم إلا أن يحكم بما يمليه عليه من أحكام جور وسياسات بطش يحكم بها المركز على الأطراف إذ يقمع فيها كل حراك ، فلا يطيق السيطرة على الأطراف إلا أن يُفْنِيَ أهل الدين والفضل فيها فيقطع كل رأس عالية ويكسر كل أنف شامخ ويستلب الجماعة أسباب القوة ، الصلبة والناعمة ، ويحتكر ثرواتها فيصير هو المالك الأوحد فهو الرازق الذي يغدق في العطاء على حاشيته التي بها يحكم فلا بد أن يجتهد في إطعامها حتى تسمن فتأكل خصومه وإن أكلته بعد ذلك إذا انقضت دولته وذهبت سطوته ! ، فيغدق عليهم ليتألف قلوبهم إذ لَيْسَ ثَمَّ من يخلص أو يحب حقيقة ، على وجه يجعل صاحب السلطان الجائر يتوجس خيفة من أي منافس ، فلا يروم أحدا يزاحمه وهو مع ذلك يَتَبَجَّحُ بحب العامة التي لا تَنْفَكُّ تلعنه ليل نهار ! ، فلا يجد من تلك حاله إلا شراء الولاء بالمال والجاه .... إلخ ، في أعصار صار فيها الولاء سلعة تباع وتشترى فهي لمن يدفع أكثر ، فقيمة المادة هي العظمى وأخلاق السياسة النفعية هي الفضلى مع أنها نسبية تضطرب فلا معيار يضبطها إلا المصلحة العاجلة وهي مما يَتَغَيَّرُ تباعا ، فـ :
    هذه الدار لا تُبقي على أحد ******* ولا يدوم على حالٍ لها شانُ .

    فيصير الممدوح بالأمس مذموما مرذولا اليوم أن ذَهَبَ سلطانه وَقَلَّتْ عطاياه أو انقطعت ، فلا يملك إلا السلطة والثروة أدواتِ حكمٍ بها يخضع الناس طوعا أو كرها ، فمن سفلت نفسه فهو يُشْتَرَى بالعطاء ، ومن شرفت نفسه فهو يُقْمَعُ أو يُعْزَلُ كرها أو يعتزل طوعا إذ لم يطق إزالة هذا المنكر فأبى أن يكون شاهد زور ، فإن مَرَّ فَمُرُورَ الكرام تَخَلُّقًا بوصف المؤمنين في قول رب العالمين جل وعلا : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) .
    فاستبان القدر الفارق بَيْنَ من حكومته من رأسه ، ومن حكومته من خارج ، فأسباب بقائه ما يحظى به من دعم وتأييد من المركز وصنائعه في الداخل وفي الجوار ، فَثَمَّ شبكة من العلائق عمادها الرئيس المصالح ، وخصمها الرئيس الوحي مادة حياة الشرق التي توقظه من سباته فَيَفْرَقُ المركز من ذلك ويجزع فلا بد من إخماد صوته وكسر سيفه أو إغماده ليطيق الحكم والسيطرة ، وبعد الوحي يكون الوعي خصما ثانيا فهو يُبَصِّرُ الناس ويوقظهم ، فاصطنع الخصوم من أدوات الدعاية في الداخل وفي الخارج ما تُنْفَقُ فيه الأموال الطائلة ، فهي مما يستقطع من الشعب إذ هو الخصم فلا بد من إضعافه وإفقاره في مقابل تسمين الحاشية فهي آلة الحكم الفاعلة ، فلا ترى ذا جاه وثروة إلا أصحاب القوة الباطشة ، وأبواق الدعاية الزائفة ، وتجار الوهم بصناعة المجد والبطولة في المراقص والملاعب فأولئك أعظم من يَثْرَى في ظل الجور والاستبداد ، وهم ، كما يقول بعض الفضلاء ، أحرص الناس على بقاء الظلم والاستبداد فلا حظ لهم من الجاه إن حكم العدل كما هي الحال في المركز الذي يدعم أولئك ولا يرضى هذه الحكومة الجائرة في بلاده أن تصير الدولة للتوافه ! ، فَرَضِيَهًا لغيره إذ لا يحكم السيطرة عليه إلا بذلك ولم يَرْضَهَا لنفسه فلا حظ له من إيمان يحب فيه المرء لأخيه ما يحب لنفسه ، فهو ، بداهة ، من أبعد الناس أن يوصف بذلك لما اطرد من أخلاقه أَثَرَةً وشحا ورغبة في الطغيان بما استجمع من أسباب القوة والثروة ، فيشح ولو بفضل زائد إذ يخشى قويا آخر ينازعه السيادة ، فتلك ، كما تقدم ، أخلاق النرجسية فهي أخلاق فردية تظهر آثارها في علائق الآحاد ، وأخلاق جماعية تظهر آثارها في علائق الدول والممالك ، فالمركز إذ ظهر بأسباب الحس وزاد عليها ما زاد من دعاوى الغي أنه العنصر الأرقى والأنقى واللون الأزهى والألمع ! ، فذلك ما يجعله ينفرد بسيادة الكون ولو بغيا وعدوانا على حق الإله الخالق ، جل وعلا ، بل ما جعل قصده إلا ذلك فهو يطغى ويتأله بالهوى الذي يعارض به الوحي وذلك أصل الداء والجناية أن نَصَبَ من نَصَبَ العداوة للديانة فهي تسلبه حظه من الجاه والرياسة والحكومة في الناس حال التَّنَازُعِ فَيَبْتَغُونَ غير الوحي حكما ، ويجعلون حكم الجاهلية دساتير تُتْلَى تلاوة الأناجيل ! ، فكان النزاع في السيادة وقرار الحرب والسياسة فمن يصنعه ويصوغه وأي باعث يبعثه أطلب الحق والقيام بالقسط ولو على النفس أم طلب الحظ من الجاه والرياسة ، والترف والرياشة ، فـ : (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) ، وإن كساه لحاء التأويل فاصطنع له من الأخلاق ما يلائمه ، وهي أخلاق نسبية تضطرب لا يصح بها حكم ، فمعيارُها باطل يتحكم ، فالمركز لا يرضى بهذا الاستبداد ولا يسره أن تكون أدوات السياسة والحكم أدوات القمع والبطش والإزراء بالعقول كما هي الحال في الأطراف ، وإن كان له من سطوة الإعلام ، كما يقول بعض رجالات المركز ممن عدل وأنصف ، وإن كان له من سطوة الإعلام ما يصنع به العقول ، وإن كانت صناعته أحكم وأدق ، فلا تَنْفَكُّ حال الناس في ظل سلطانه أن يحجب عنهم الحق الذي يهديهم سبيل الرشد ففي هدايتهم زوال رياسات الباطل إذ لو آمنوا بالوحي لتحرروا من قيد الطغيان الصلب والناعم ، ولصار لهم من الرأي ما به يختارون الحق لا ما يختاره الطواغيت لهم ويحملونهم عليه طوعا أو كرها ، فالداء واحد وإن اختلفت الطرائق فهي في الأطراف صلبة عنيفة وفي المركز ناعمة لطيفة ولكل شعب من أخلاق السياسة ما يلائمه ! ، فاضطرب المركز في حكومته أن شَحَّ بالفضل ورام انْتِزَاعَ السيادة من الإله الحق ، فسعى في خصومة الرسالة وعداوتها ونصب لها مجانيق الحرب قصفا وسبا ، فاضطرب حكمه إذ صار معياره المصلحة العاجلة فكان من أحكامه النسبية ما لم يجد فيه حرجا أن يحكم بالعدل في داره ، ولو اقتساما لحظوظ الدنيا وغنائم الثروة المنتهبة من الأطراف ! ، وهو ، مع ذلك ، يدعم الظلم والاستبداد في الأطراف إذ لو حُكِمَتِ الأطراف بالعدل لذهب ملكه ، فكيف إن حكمت بالوحي ؟! ، فاشترك هو ومن اصطنعه ليحكم ، اشتركا في خصومة الوحي إذ يسلب كُلًّا حظه مع القدر الفارق بين حظ المركز فهو أعظم ومكره أشد إحكاما ، وحظِّ حقير تافه يشكو نقصا في عقله وتكوينه ، فغايته أن يحظى بكلمة إعجاب وتقدير ولو زورا فهو ينفق لأجلها ما ينفق وليته ينالها خالصة فهو يبذل أثمانها باهظة إن في الداخل أو في الخارج ، وذلك ما يقتطع عمدا من قوت الناس ومعاشهم في إطار ما تقدم مرارا من سياسة القمع والإفقار لزلزلة الناس بجمل تَتْرَى من الصدمات تجعلهم يخضعون ويستسلمون لحكمه وحكم المركز من وراءه ، وهما وإن اختلفا في كل شيء ! إلا أنهما قد اتفقا أن يخاصما الوحي وأتباعه ، فآل الأمر ، كما تقدم مرارا ، إلى الصراع الرئيس في هذه الدار وهو مناط الابتلاء وفيه كان الجدال إن بحق أو بباطل ، وبه كان الجلاد بين الخصوم في ساحات الوغى ، فكان الابتلاء بالتدافع في ساحات الجدال بالحجة والبرهان وساحات الجلاد بالسيف والسنان ، وإذا أنصف المركز فإنه لا يكاد يفرض ، ولو فرضا محضا في العقل ، أن يحكمه رجال كرجاله في الأطراف فهم أداة حربه على الشعوب فكيف يستعملها في بلاده ، بل لا يزال يسخر من جهلهم ويتهكم وإن كان آخر أمره يعضد ويدعم فهم أدواته الفاعلة في قمع أي صحوة لا سيما صحوة الدين فلو استيقظ الشرق واستمسك بالوحي فويل للغرب من بأسه إذن لأعاد فتح الدنيا تارة أخرى ، كما فتحها أولا ، فالسنن واحد ، فإذا سلك الجادة جدالا وجلادا فهو لا بد ظاهر ، فتلك سنة جارية لا تَتَبَدَّلُ ، وهي وعد الرب المصدَّق ، فـ : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .

    وقسمة العقل ، كما تقدم ، أن يكون الإنسان ذا دين ومروءة فهما يحولان بَيْنَهُ وبين اقْتِرَافِ الرذائل التي تُزْرِي به في الأولى والآخرة ، فإن لم يكن ذا دين وكان ذا مروءة كأبي سفيان بين يدي هرقل ، فالمروة تحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكذب ، وإن اجتمعت فيه السوأتان ، فلا دين ولا مروءة فالخطب جلل والمصيبة أعظم ، فلا دين ولا أخلاق كما يرى الناظر في حكومات الجور والاستبداد التي ناجزت الوحي وعطلت العدل فليس لها من فضيلة الدين أو السياسة حظ وليس لها غاية إلا ترسيخ أركان الملك ولو بالظلم ، وذلك مئنة من غباء مستحكم فلو كانت تروم رسوخه حقا لعدلت فلا أعظم من العدل يحفظ الممالك ، وإن كافرة ، ولا أعظم من الجور يهدمها ولو كانت مسلمة ، فكيف إن بدل فيها الوحي وعطل فيها العدل فجمعت السوأتان وعظمت بها البلية في الأديان والأبدان ؟! .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •