العقل إذ يطغى ويستبد هو الذي يضع معيار الحسن والقبح ، ومعيار الثواب والعقاب ، ومعيار التجريم والتكريم ، فقد صار هو المرجع الأعلى الذي استلب الوحي والرسالة منصب المرجع الذي يجاوز الأرض فهو من خارجها إذ نَزَلَ من السماء فلا يزال الوسواس يختزل من وظائفه شيئا فشيئا في تاريخ الرسالات جميعا حتى صار التحدث باسمه مظنة التهكم والاستهزاء فصاحبه يستعمل من لسان الفكر والتشريع ما لا يصلح إلا في أعصار البغال والحمير ! ، فمرجع فيه ذكر الخيل والبغال والحمير كيف يحكم في القرن العشرين ؟! ، مع أن آيات الخلق في هذه الكائنات مما يعجز الْخَلْقُ أن يضاهوه فغايتهم أن يشابهوه ، فإن ما يصنع الإنسان من آلة النقل جمادٌ لا يحس فليس فيه من مادة الحياة ما في الخلق المحكم ، سواء أكان خلق إنسان أم خلق دابة أم ذبابة أم خلية ، فكل أولئك ما لا يطيقه إلا رب البرية ، جل وعلا ، فمادة الحياة مادة فريدة لا يطيقها إلا رب الخليقة ، جل وعلا ، فلا يطيقها إلا من له قدرة وحكمة ، فاجتمع فيه من وصف الكمال المطلق ما لا يضاهيه فيه مخلوق ، فكان القدر الفارق بداهة بين خلق الله ، جل وعلا ، وخلق الإنسان ، فإن الخلق فعل ، والفعل وصف الذات ، والذات لا يقوم بها من الوصف إلا ما يضاهيها في الكمال أو النقص ، فلكلِّ موصوف من الوصف ما يليق به ، ففعل الرب ، جل وعلا ، لا يضاهيه فعل إن في القدرة أو في الحكمة ، فلا يوجد خلق يضاهي خلقه ، ولا يطيق بث الحياة في المادة الجامدة الميتة إلا الرب ، جل وعلا ، فوحده الذي يحيي ويميت ، وإن باشر الخلق السببَ ، كما في بذر الأرض وسقاء الزرع .... إلخ ، فإن ذلك ليس خلقا وإنما هو سبب في حصول الخلق على وجه يُؤَثِّرُ فليس اتفاقا أو مصادفة ، وليس اقتران الصورة دون الحقيقة ، وإنما يُبَاشِرُ الزَّارِعُ السببَ ولا يستقل بالتأثير فلا بد من فعل قدير حكيم يخلق الحياة في البذرة إذا طُمِرَتْ في التربة وسقيت القطرة تلو القطرة فَنَزَلَ من سبب الحياة ما به كان الخلق والإيجاد ، ففيه ركزت خاصة الإحياء وإن لم يستقل ، كما تقدم ، بالفعل ، فليس إلا سببا يجريه الرب ، جل وعلا ، فَيُحْيِي البذرة إذا شاء خروج الشجرة ، ويميتها فَتَفْسَدُ وَتَتَحَلَّلُ ، فكلُّ سبب في الحياة لا بد أن يرجع إلى سبب أول لا يَتَجَاوَزُهُ العقل إلا فرضا ، وإلا فالتصور الصحيح قاض أن يمتنع التسلسل في المؤَثِّرِينَ فَلَهُ حد لا يجاوزه ، إذ الأسباب لا بد لها من آخر ، فَثَمَّ السبب الذي لا يجاوزه سبب ، وهو فعل الحكيم القدير بكلمة التكوين فهي تأويل الوصف الكامل ، فذلك خلق الرب الذي يجاوز خلق العبد ، فخلق الرب ، جل وعلا ، خلق العلم الأول الذي أحاط بالمعلومات تقديرا ، ثم أوجدها فهو البارئ ، وصورها فهو المصور وأبدعها فهو البديع فجاءت لا على مثال تقدم ، فكان إبداع أول إبداع الجنس بابتداء الخلق وإبداع الآحاد فكل واحد من الجنس له صورة تغاير الآخر فلا تطابق حبة حبةً ، ولا خلية خلية ، فكل قد انفرد بحقيقة وماهية لا مثيل لها وإن كان ثم شبيه ، فالشبه قد يعظم كما في التوأم وهو مع ذلك لا يطابق وإن كانت الصورة واحدة في التوأم المتماثل ، فالروح خلق فريد لا نظير له إذ الذات واحدة قد استقلت بصورة الخلق التي أوجدها الخلاق ، جل وعلا ، فلا اتصال بين الذوات يدوم ، ولا امتزاج بينها يكون ، وإنما غاية الأمر أن يكون تلاصق أو تماس لا يطول زمانه ، سواء أكان جاريا على سنن الشرع أم خالف عنه ، فَثَمَّ من المماسة والملامسة ما أبيح وثم آخر يحظر على تفصيل في كتب الفقه إذ تَعَيَّنَتِ المحارم ، فحصل من انفراد الخلق بالذات والروح الحالَّةِ فيها ، حصل من ذلك ما يدل على صَنْعَةِ القدرة والحكمة ، أن وضع الرب ، جل وعلا ، في كل محل من الأسباب ما يلائمه فكان تصوير الذات في الخارج ، وكان إعدادها أن تقبل آثار الأسباب ، فكل صورة لها روح تلائمها ، فيحل الطيب في الطيب فتنضح آثاره في الصورة إذ تُلْقَى عليها الهيبة والمحبة ، ويحل الخبيث في الخبيث فهو لئيم بغيض ، فحصل من الحكمة في التناسب والتلاؤم بين المحل والسبب الحالِّ فيه ، فَكُلُّ محلٍّ يُعْطَى من الأسباب ما يلائمه ، فذلك تقدير الخلق الأول ، فَقَدَّرَهُ الرب ، جل وعلا ، تقديرا ، والتقدير من القدر وهو إعطاء كل شيء ما يستحق ، وقد يكون للخلق من ذلك حظ ، ولكن تقديرهم وإن بلغ ما بلغ من الإتقان والإحكام فليس يبلغ تقدير الرب ، جل وعلا ، فتقدير المخلوق بما ركز في العقول من قوة الفهم والفقه لا يجزئ في حصول صورة كاملة لا تحتمل النقص أو الخطأ بما يكون من جهل أو ذهول أو نسيان .... إلخ ، فهو يجتهد أن يحرر محل النِّزَاعِ في مسألة ، ويجتهد أن يجمع أدلتها ويستنبط دلالاتها ، فيجتهد في تقدير الصورة في الذهن أن تَتَلَاءَمَ أجزاؤها وهو ، مع ذلك ، لا يصيب الغاية في كل صورة ، بل لا بد من نقص ، ولو خفيا ، به يفوت المجتهد من البشر وصف العصمة في الفكر ، ووصف الدقة في الخلق ، فلا يتأول صورة في ذهنه في الخارج على وجه يطابق وإنما ثَمَّ هامش خطأ على وجه يستبين به القدر الفارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فحصل فارق بين صنع الصانع البشري فيصح ، من وجه ، أن يطلق عليه أنه صانع ، بل وخالق ، فذلك خلق التقدير في الذهن ، وهو أول ما يطرأ وبعده يكون الشروع في الفعل بمباشرة الأسباب إن في العقل أو في الحس ، فتأويل الصورة الذهنية ما يكون من الحقيقة الخارجية ، فذلك خلق الإيجاد ، وهو تأويل الخلق الأول ، خلق التقدير ، وبعد الإيجاد يكون التصوير والإبداع آنف الذكر أن تُعْطَى كل صورة ما تستحق من الوصف ، فذلك خلق يحاوله الإنسان ولا يضاهي الرحمن ، جل وعلا ، وإن بلغ ما بلغ من الدقة والإتقان ، فحصل الاشتراك في جنس المعنى المطلق في الذهن ، فَثَمَّ خلق الله ، جل وعلا ، وَثَمَّ خَلْقُ من دونه ، فـ : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فكان الاشتراك في الجنس الأعم وهو مطلق الخلق في الذهن ، وكان الاختلاف في الحقيقة والقدر في الخارج ، فَثَمَّ تفاضل وتفاوت فَصَحَّ من هذا الوجه دعاء الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، في محكم التنزيل أَنْ : (تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، فكان من التَّفَاوُتِ في الخلق بالنظر في ماهية الخالق ، فالفعل فرع على الذات ، إن في الكمال أو في النقص ، فَلِكُلِّ خالق من فعل الخلق ما يضاهي الحقيقة ، والحقائق في الخارج تَتَفَاوَتُ فكذا الأوصاف والأفعال التي تقوم بها ومنها وصف الخلق ، فقد اجتمع فيه الوصف والفعل ، فهو وصف فعل ، وهو وصف ذات بالنظر في نوعه فهو قديم في الأزل وإن لم يكن ثم مخلوق قد خلق ، فاتصف به الخالق الأول ، جل وعلا ، أزلا فهو الأول مطلقا أولية الذات والوصف ، فَلَهُ كمال مطلق في الذات والوصف والفعل والحكم ، واتصف الخالق ، جل وعلا ، بالخلق وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة إذ يشاء خلق المقدَّر الأول ، فيوجده على صورة تلائم المقدور ، فيكون من القدرة ما يظهر في خَلْقِ الأضداد التي تَضُرُّ وَتَنْفَعُ ، فكمال الربوبية أن يخلق الرب الشيء وضده ويجري من سنن التدافع ما يستقيم به الأمر ، وإن حصل به فساد طارئ فصلاح المآل يستوجب احتمال العارض فالعبرة بما تَؤُولُ إليه الحال لا ما يكون بادي الرأي ، فكم من أمور حسنت مبادؤها وقبحت خواتيمها ، فالطاعم إذا تَوَسَّعَ في المطاعم فضولا زائدة ، ولم يكن ذلك عرضا تستجم به النفس في أعيادها إذ تَتَوَسَّعُ في المأكل وفضول المباح ما لا تَتَوَسَّعُ في أغلب زمانها فهي تقتصد وإن زادت فهي تمتثل ، فيكون ذلك من إجمام النفس أن تعاود الكرة في العبادة والتنسك ، فيكون العود أنشط ، وذلك من فقه النفس الدقيق أن يحسن صاحبها قيادها فيعطيها في حال ويمنعها في أخرى ، ولا يخالف في الإعطاء أو في المنع عن حكم الشرعة ، فلا يكون الإفراط ولا التفريط وإنما يستعين الربَّ الحميد المجيد ، جل وعلا ، أن يسلك الصراط المستقيم فلا يحيد عنه في جليل أو دقيق ، وإنما يكون الاعتدال فِي القصد الباطن والقول والعمل الظاهر ، فتصح قوة العلم نظرا ، وقوة العمل فعلا وتركا ، فحصل من دعاء الثناء توحيدا في العبادة والاستعانة ، فـ : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، فَتَقْدِيمُ ما حقه التأخير يُغْنِي عن الاحتراز ، إذ قَدَّمَ المفعول فدل على حصر الفعل في المذكور وهو الرب المعبود ، جل وعلا ، فلا يعبد إلا هو ، فذلك ما يغني الناظر أن يحترز فينفي كل معبود سوى الرب ، جل وعلا ، إذ لو لم يكن ثَمَّ حصر وتوكيد بتقديم ما حقه التأخير لاحتمل السياق على وجه يستوجب الاحتراز بالنفي كما في قول الرب جل وعلا : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، فَقَدْ يحتج بعض أنه يعبد الله ، جل وعلا ، ولكنه يعبد معه غيره ، والنص لم يحرم عبادة غيره فجاء الاحتراز بالنهي عن ضده ، فَنَهَى أن يُشْرَكَ به شَيْءٌ ، على وجه عم من وجهين ، فإطلاق الفعل مئنة من العموم فضلا عن تسلط النفي على المصدر الكامن فيه فاستغرق جميع أجناس الشرك وأنواعه ، وثم عموم آخر استفيد من تسلط النهي على النكرة "شيئا" ، فَعَمَّ كل المشركات المعنوية والمادية ، فاستغرق المشرَك به في الشرائع الحكمية ، والمشرَك به في الشعائر التعبدية ، فكان التلازم الوثيق في العقل بين الأمر بعبادة الله ، جل وعلا ، والنهي عن الإشراك ، فكان الاحتراز في هذا الموضع ، وقل مثله في احتراز آخر يضاهيه في قوله تعالى : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ، فقد يقول قائل وإلهنا إله واحد ! ، وإن كان إلها باطلا ، فجاء النص على حد الاستئناف : (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ، ولا يخلو أن يكون جواب استفهام يَدُلُّ عليه السياق اقتضاء ، فمن هو هذا الإله ؟ ، فَجَاءَ الإطناب يحسم مادة الشرك ، فـ : (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) ، وكان الختام بخبر قد حذف حده المبتدأ على تقدير : هو الرحمن الرحيم ، ولا يخلو ، أيضا ، أن يكون جواب سؤال آخر دل عليه السياق اقتضاء ، فكان النص على الاسم فهو الإله الذي انفرد بالوصف على حد القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، ولا يخلو النفي أن يكون للجنس وذلك آكد في الدلالة ، وبعد النص على الاسم اسم الإله ولا يخلو من دلالة اشتقاق تُبِينُ عن الحد ، فهو المألوه المعبود بحق ، بعد النص على الاسم كان النص على الوصف زيادة في البيان ، فمن ذا الذي يستحق الإفراد بالتأله فلا إله يعبد بحق إلا هو ، فجاء الجواب الذي حُذِفَ حَدُّهُ المبتدأ على ما اطرد في اللسان فذلك من إيجاز الحذف المشهور على وجه يجزئ في الدلالة الحقيقية فلا سبب يلجئ الناظر أن يسلك الجادة المجازية بتكلف العلائق والقرائن ، فجاء الجواب ولا يخلو ، أيضا ، من القصر بتعريف الجزأين ، فضلا عن دلالة "أل" في "الرحمن" و "الرحيم" ، فهي دلالة استغراق للمعنى ، ولا تخلو من دلالة الحصر لأجزاء القسمة ، فهو الموصوف بالرحمة العامة رحمة الرحمن ، والرحمة الخاصة رحمة الرحيم ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من إطناب بالخاص بعد العام ، فرحمة الرحمن قد عمت جميع الخلق ، من آمن ومن كفر ، ورحمة الرحيم قد خصت المؤمن دون الكافر ، وَثَمَّ حصر لأجزاء قسمة أخرى ، فَثَمَّ رحمة في الدنيا وهي رحمة الرحمن ، وثم رحمة في الآخرة وهي رحمة الرحيم ، فاستغرقت هذه القسمة أجزاء الزمان وأعيان الدور ، دار الابتلاء الأولى ودار الجزاء الآخرة ، ولا تخلو "أل" ، أيضا ، من دلالة العهد الخاص ، فالرحمن والرحيم اسمان إذا دخلت عليهما "أل" فإنها تكسبانهما دلالة العهد فلا يطلقان إلا على الرب ، جل وعلا ، وذلك أصل في باب الأسماء والصفات ، فالتحلية بأداة التعريف "أل" تَزِيدُ في الدلالة إذ تستغرق وجوه المعنى وأجناسه فيكون الكمال المطلق الذي لا يوصف به إلا الرب المهيمن ، جل وعلا ، وذلك ما يقصر الدلالة على واحد وهو الإله الأحد في وصفه فلا ند له ولا نظير في الذات ، ولا شَبِيهَ له ولا مَثِيلَ في الوصف ، فهو واحد في ذاته أحد في صفاته ، فكان الاحتراز ، كما تقدم ، على وجه حسم مادة الشرك ، فحسن الإطناب احتياطا إذ السياق ، كما تقدم ، غير قاصر ولا حاصر خلافا لما تقدم من دلالة التقديم لما حقه التأخير في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، فكان من التوحيد ما أغنى عن الإطناب والاحتراز بِقَيْدٍ زَائِدٍ يَنْفِي العبودية لغير الله ، جل وعلا ، فلا يفتقر في هذه الحال إلى تقدير النفي فلا يقال : إياك نعبد فلا نعبد أحدا سواك ، فالقيد الزائد في هذه الحال فضول من الكلام لا يفيد معنى جديدا فغايته إن صح أن يفيد توكيدا ، والتوكيد ، لو تدبر الناظر ، قد حصل بدلالة القصر الذي أغنى عن التوكيد الزائد ، وكان من إطلاق الفعل ما استغرق أجناس العبادة جميعا فإياك وحدك نعبد وَنَتَأَلَّهُ بما شرعت من أجناس العقد والقول والفعل والحكم والشرع على ما تقدم مرارا من استغراق اسم العبادة أجناسا وأنواعا وآحادا في الخارج ، منها الباطن ومنها الظاهر ، منها العام ومنها الخاص ، منها ما يراد لذاته ومنها ما يجري مجرى الوسائل فَلَهَا أحكام المقاصد إن حسنا أو قبحا ، ومنها ما اجتمع فيه الوصفان ، فهو ذريعة من وجه ، مقصد من آخر ، كما يضرب أهل الشأن المثل بالوضوء فهو في نفسه عبادة فَيُرَادُ من هذا الوجه إرادة المقصد ، وهو ، من وجه آخر ، ذريعة إلى استباحة الصلاة فهو شرط صحة يتقدمها ، فمفهوم العبادة قد اتَّسَعَ في دلالة اللسان الذي نَزَلَ به الوحي ، فهو لا يقتصر على ما تَبَادَرَ إلى الذهن في الأعصار المتأخرة ، أنه شعيرة في الظاهر وتصور علمي في الباطن ، بل العنوان يستغرق تحته من الآحاد ما يعم جميع المحال والأحوال ، فيكون الخضوع للوحي إن في العقد أو في الشرع ، إن في السياسة أو في الحرب ، إن في الاتجار أو في الادخار ، إن في الأخلاق أو في الأذواق ، فيكون الوحي رائده فلا يحسن ولا يقبح إلا والوحي قائده ، فهو المقدَّم حقيقة لا دعوى ، فيحكم في كل ما خالف عنه ، حكم القطعي المحكم في الظني المتشابه ، فهو الحجة الباقية إذ وَصْفُ مَنْ أَنْزَلَهُ أنه الحي الذي لا يموت ، فخالف عن غيره ، لا كما زعمت الحداثة إذ روجت لمقال زائف أطلقته في حق المخلوق والخالق وهو موت المصنف أو الكاتب فَإِذْ قَدْ مات فَقَدِ انْقَطَعَ اتصاله بالنص فصار النص مرسلا محررا من كل قيد فَقَدْ كَتَبَهُ المصنف في عصر غير العصر ، فكتب ما يواطئ عصره أن كانت الدابة بغلا أو حمارا على جهة التَّنَقُّصِ والتَّهَكُّمِ ، فلا يصلح ذلك ، بداهة ، في أعصار بلغت فيها الحضارة والمدنية ما بلغت فكيف تحكم بشريعة مادتها الخيل والبغال والحمير ؟! ، فقد انقضى عصر المصنف وجرى عليه ما جرى على كل أحد من الموت فأطلق القول في حق كل أحد ، خالقا كان أو مخلوقا ، بل ما كان هذا القول ليصدر إلا أن صاحبه ينكر ابتداء وجود الإله ، إذ لا يرى سيدا لهذا الكون إلا المخلوق الذي يموت فانتزع حق السيادة من الخالق وصار هو الحاكم بعد موت الإله في نظرية الأدب والفكر التي تَبَنَّتْهَا الحداثة ورمزت لها في قصص مشهور ، فانتهت الحال أن مات الأب في رواية الأدب والإله الذي ضرب له المثل ، فكان من رمز الأدب ما أساء للوحي والنبوات جميعا وإن اختص الخاتمة منها بقدر زائد من القدح والنَّبْزِ إذ سلمت من التبديل والتحريف واستجمعت خلاصة ما تقدمها من العلوم والأعمال والسياسات والأحكام ، فلا تقبل المساومة ولا المهادنة ، ولا تقبل المقاسمة كما قد صنع القوم في الكتب المبدلة ، فصارت الدنيا لأهلها والآخرة لربها ! ، وصار الفصل الحاسم بَيْنَ الدين والحياة ، أو الدين والحكم ، على تفاوت في مذاهب الحداثة أيها أشد تطرفا في اختزال الدين وَتَقْلِيصِ دوره في الحياة ، فَثَمَّ إجماع في أوساط الحداثة أن الدين لا دور له في التشريع ، لا سيما تشريعات الأمم والدول فَلَئِنْ مُنِحَ حظا من ذلك فَفِي تشريع الأحكام الخاصة للأفراد على وجه لا يضر بالنظام العام الذي أقيم على قواعد راسخة من الحداثة الناشئة بعد موت الإله وانقضاء زمانه ، وذلك ، أيضا ، مما داهنت فيه الأديان المبدلة كما في صورة الأب في الثالوث فهي صورة الشيخ الهرم الذي يُوشِكُ أن يموت ، وذلك هو الأب في رمز الأدب ، فإذا مات الإله وَبَقِيَ النص فهو كنظائره من نصوص البشر لا يخضع لقانون يطرد ! ، فهو نص مفتوح يقبل أي تأويل وإن خالف عن المنقول والمعقول ، ولو أفضى إلى إهدار مصادر المعرفة الأصيلة وإهدار دلالات اللغة الفصيحة ، فتكون قطيعة المعرفة التامة مع الرسالة العامة ، فوحدها التي تَقِفُ حَجَرَ عَثْرَةٍ بعد أن بُدِّلَ غيرها وحرف على وجه به اسْتُأْنِسَ وَاسْتُدْرِجَ أن تقاسمه الحداثة الأمر فقد أُشْرِكَ العقل مع الوحي في الحكم ، بل وَقُدِّمَ عليه بعد ذلك ، بل وكان من التدرج ما عظم به المكر فقد جُرِّدَ الوحي من وظائفه بل ومات مؤلفه وانتهى أمره فعلمه ينتهي إلى حد بعينه وهو حد وفاته فلا يعلم ما جاء بعد ذلك من رسوم الحضارة والمدنية ، فاقتصر على التين والزيتون ، والخيل والبغال والحمير فكيف تكون له سيادة في هذا العصر فهو يجهل ما يأتي لاحقا إذ قد مات المؤلف ، كما تقدم ، فلم يكن ثم بديل من اتخاذ وحي جديد ، كما قال من قال وهو يهب صاحب الرمز في عالم الأدب جائزة يحتفي بها الجاهل ، فقد كتب القصة في كتاب مجموع من صفحات يعدل عددها عدد السور النازلة ، فأراد القصة قرآنا جديدا يحكم الفكرَ في طور الحداثة بعد انقراض أعصار الجهل والبداوة ، أعصار البغال والحمير ! ، وكان من ضروب التأويل ما تذرع به من هاب الطعن الصريح في الوحي ، فتذرع بالتأويل إذ الوحي نص مفتوح يقبل أي تأويل فَلَمَّا يُفْصَلِ الحكم فيه بعد ! ، وَلَمَّا تَكْمُلْ دلالاته ، فلا زال في جعبة العقل من التأويل ما به يحكم في النص بل ويعطله من دلالاته ويجرد ، فَهُوَ الحكم الذي يقضي في الوحي ، وإن خالف عن قياس العقل إذ يوجب قضاء المحكم في المتشابه لا ضده ، فلا يصح في النقل والعقل أن تحكم الأهواء والأذواق المتشابهة المختلفة بل والمتعارضة المتناقضة ، لا يصح في النقل والعقل أن تحكم هذه المتشابهات في محكم الرسالات ، بل الصحيح أن يقضي المحكم من الوحي في المتشابه من قياس العقل ووجدان النفس ، فكان التأويل الذي ألجأ صاحبه أن يَتَكَلَّفَ من دلالات الألفاظ ما لا عهد به في لسان ، فخالف في هذه الحال ، أيضا ، خالف عن قياس العقل المحكم إذ يقضي أن يُفَسَّرَ كل نص بما تَوَاتَرَ في زمانه من دلالات اللسان أو ما تَقَدَّمَهُ فصار قانونا محكما في البلاغ والبيان ، فلا يفسر بلسان حادث بعده ، وذلك ما يبطل مقال الحداثة إذ تستعمل من الدلالات ما جَدَّ بعد نزول الوحي وانقضاء عصره وما يليه من أعصار الاحتجاج ، فلا يسلم لها ذلك إلا أن تطعن في دلالة اللسان الأول فَتَزِيدَ في حده من الدلالات ما لا يعهد في كلام المتقدمين ، حتى تبلغ بها الحال أن تضع معجما جديدا لدلالات الألفاظ على وجه يوقعها في أحيان أن تخالف عن كل دليل يصح في النقل والعقل ! ، فيكون تأويلها باطنا لا يظهر على وجه تضطرب به الدلالة ، فكل لفظ ظاهر له معنى باطن لا يدرك بالاقتصار على دلالات اللسان المتواترة ، بل يجوز لكل أحد أن يتكلف من بواطن النصوص ما يُفْضِي أن يصير الوحي لعبا ، فَكُلٌّ يَتَكَلَّفُ من التأويل ما يشهد لقوله ، وَكُلٌّ يضع من الدلالات ما يلائم عقله ، فأفضت الحال أن يصير النص واحدا والمعاني كثيرة متفاوتة ، فالعقول التي استنبطتها كثيرة في العدد متفاوتة في النظر ، فكلٌّ يستحسن ما يلائمه فيكون التعارض والتناقض في تأويلات العقول المتشابهة فلا يحسمها ، كما تقدم مرارا من كلام بعض المحققين ، لا يحسمها إلا كتاب محكم نَزَلَ من السماء فهو عطاء الرب المهيمن ، جل وعلا ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أعظم عطايا الإله ، جل وعلا ، فمحله الأشرف والأبقى وهو الروح اللطيف خلافا لعطايا الحس فهي ، وإن عظمت بها المنة ، إلا أن محلها مما يفنى ، فـ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ، فالأجساد تفنى والأرواح تَنْتَقِلُ إلى دار البرزخ فالقيامة والجزاء ، فالجنة أو النار خلودا لا موت بعده ولا فناء ، فكان بقاء الأرواح بما أمدها به الرب ، جل وعلا ، من أسباب الإبقاء ، وكانت إعادة الأجساد في الآخرة على وجه يغاير خلقها الأول في دار الابتلاء ، فذلك ، أيضا ، من وجوه الحكمة إذ تقضي ، كما تقدم ، أن يُعْطَى كل شيء خلقه ، وأن تعطى كل دار من الأحكام ما يلائمها ، فدار الابتلاء يلائمها جسد يمرض ويهرم ويموت وَيَفْنَى ، ودار الجزاء يلائمها جسد آخر باق لا يَفْنَى لا أنه باق بذاته فليس ذلك إلا وصف الإله الخالق ، جل وعلا ، وإنما يَبْقَى الجسد الآخر في دار النعيم فضلا أو دار الجحيم عدلا ، يَبْقَى بإبقاء الرب ، جل وعلا ، له بما أمده به من صورة تغاير الصورة الأولى ، فـ : (أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى) ، وَلَهُ ، قبل ذلك ، النشأة الأولى إبداعا لا على مثال تقدم ، فـ : (لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) ، وهي ، مع ذلك ، نشأة لم تخل من نقص في الذات والوصف والفعل والحكم على وجه يلائم دار الابتلاء ، وهي دار نقص وألم وإن طالت أعصار السلامة فيها ، وله النشأة الآخرة على وصف يغايرُ ، به يظهر من القدرة على الإبقاء والحكمة في الإعطاء ، فتعطى كل دار من الأوصاف والأحكام ما يلائمها ، فدار الابتلاء لها وصف فناء يلائمها ، ودار الحساب والجزاء لها وصف بقاء يلائمها ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه به يعظم الثناء على الرب الخالق ، جل وعلا ، وبه يستبين القدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وهو ما يعضد دلالة العموم في إطلاق الفعل في قوله تعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ، فقد استغرق أجناس العبادة كلها على وجه يبطل مقال الحداثة ، فهو مقال باطل لا يشهد له نقل ولا عقل ومآله أن يفسد العقل باضطراب معيار النظر والاستدلال وَرَدِّ الأمر إلى الأهواء أن تقترح ما تستحسن فَتُثْبِتَهُ ولو خالف عن الوحي المنزل ، وأن تقترح ، في المقابل ، ما تستقبح فَتَنْفِيَهُ ولو وافق الوحي المنزل ، فتكون دولة الحكم والرياسة للعقل إذ سَلَبَ الوحي منصب السيادة فلم يعد الحاكم الذي يجب إنفاذ قضائه على وجه لا خيرة فيه ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، فصار الحاكم عقل فلان أو فلان فهو المعبود بما يشرع ويحكم ، فلم يكن الرب ، جل وعلا ، هو المعبود بحق على وجه تمتنع فيه الشركة فضلا عن الجحود والإنكار التام وتسليم القياد للعقل بعد موت الإله أو تَنَحِّيهِ طوعا أو كرها أن يحكم العالم الذي خلقه ! ، فكل أولئك مما ينقض دلالة القصر بتقديم ما حقه التأخير في آية العبادة والاستعانة أَنْ : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، فَمَا صدق القائل وإن رَدَّدَهَا في الفرض مرارا ، فكان ممن يصلي أَمَانِيَّ لا يَفْقَهُ معانيها ولا يمتثل ما تضمنته من أمر ونهي ، فلا يصدق القائل إلا أن يستغرق بفعل العبادة جميع محال الاختيار ، وجميع أحواله ، تصورا باطنا بالعقد الذي يُتَلَقَّى من مشكاة الوحي ومادته الخبر إثباتا ونفيا على وجه تصح به القوة العلمية ، وحكما ظاهرا بالشرع الذي يتلقى من مشكاة الوحي ، أيضا ، ومادته الإنشاء أمرا ونهيا على وجه تصح به القوة العملية ، ولا يخلو السياق من دلالة الحذف الواجب كما اطرد في لسان الوحي العربي فحذف الفاعل وإن شئت الدقة فقل استتر إيجابا في هذا الموضع ، فاستتر في عامله المضارع "نعبد" ، فتقديره "نحن" على وجه يعم كل من صح تكليفه من الإنس أو الجن ، من الرجال أو النساء ، وبعدها كان إطناب آخر يضاهيه أن حُدَّ ، أيضا ، حد الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير ، فَكَانَ الإطناب بالاستعانة في قوله تعالى : (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، ولا يخلو ذكرها في هذا السياق أن يكون من عطف الخاص على العام ، فهي تدخل في حد العبادة ، فالاستعانة من أفعال العبادة الباطنة ، ولا يخلو الإطناب بِهَا ، أيضا ، أن يكون من عطف السبب على المسبَّب فلا تكون عبادة إلا باستعانة ، وإنما قدمت الغاية على الوسيلة إذ هي مناط القصد الأول ، وإن سبقتها الذريعة في الوجود ، فالاستعانة ذريعة إلى العبادة وهي تسبقها إذ تحصل أولا في القلب قبل الشروع في القول أو الفعل ، وبعدها تكون العبادة إذا يَسَّرَ الرب ، جل وعلا ، أسبابها الأخرى سوى الاستعانة ، وَنَفَى مَوَانِعَهَا ، فلا يحصل مسبَّب في الخارج إلا بِاسْتِيفَاءِ شَرَائِطِهِ وَانْتِفَاءِ موانعه ، فكان التصدير بالعلة الغائية وهي العبودية ، وبعدها كانت العلة الفاعلية من الاستعانة فهي الذريعة ، فقدمت العلة الغائية إذ هي ، كما يقول بعض المحققين ، أسبق في التصور وإن كانت تالية في الوجود فلا تحصل إلا بعد حصول السبب ، فهي حكم يدور مع سببه أو عِلَّتِهِ وجودا وعدما ، فكان من دعاء الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، ما حسن التوسل به إلى دعاء المسألة أن : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، فذلك فعل الدعاء الذي استتر عامله إيجابا فتقديره المخاطب وهو الرب ، جل وعلا ، فتقديره "أنت" ، ولم يخل من قيد وهو صراط الخير ، الصراط المستقيم ، ولا يخلو هذا القيد من عموم يستغرق ، فهو يستغرق صراط الصدق والعدل ، صراط الوحي الذي جاء بكلم الصدق إخبارا وكلم العدل إنشاء ، ولم يخل من الثناء إذ دلالة "أل" في "المستقيم" دلالة استغراق للمعنى فَعَمَّ الوصف بدلالته معاني الاستقامة جميعا ولا يخلو من عهد خاص ، فهو صراط الوحي الخاتم ، الذي أُبِينَ عنه على حد البدل أو عطف البيان ، فهو صراط من أنعم الرب ، جل وعلا ، عليهم من أهل الحنيفية السمحة ، صراط العدل فلا جفاء بإنكار الحق بعد علمه كما هي حال من غضب الرب ، جل وعلا ، عليهم من يهود ومن شابههم من علماء هذه الأمة ، ولا غلو مع جهل يعظم به يضل العبد وإن قصد الخير فلم يشفع قصده بعلم يصح ونظر يدق به يحسن يَمِيزُ بَيْنَ الحق والباطل فكان الغلو فهو قرين يلازم الجهل وثالثهما التعصب كما هي حال الضالين من النصارى ومن شابههم من عُبَّادِ هذه الأمة ، فاستغرق السياق أسباب الفساد والنقص ، فهي إما أسباب تفسد القوة العلمية كما هي حال الأمة اليهودية الجافية وإما أخرى تفسد القوة العملية كما هي حال الأمة النصرانية الغالية ، والأمة الخاتمة أمة الوسط فهي التي أنعم الرب ، جل وعلا ، عليها فلا غلو ولا جفاء وإنما توسط واعتدال ، وذلك ، كما تقدم ، اعتدال الحكمة ، وبها يكون إتقان الصورة ، وإتقانها ، لو تدبر الناظر ، لا يستوجب الجمال ، بل الصورة القبيحة فيها من الحكمة ما لا يخفى ، فإن قبح المحل لا يلائمه الحسن ، بل القبح أولى به ، وَذَلِكَ قياس الحكمة الذي يخالف عن معيار العدل المحدث الذي جعل التسوية المطلقة هي العدل فخالف عن معيار الحكمة إذ إعطاء البليد ما يُعْطَى المجتهد ظلم وإن زعم صاحبه أنه يعدل فيعطي من لا يستحق ما لا يستحق ، فكيف إن قدم البليد فصار يعطى أكثر وصار له من الرياسة والمغنم ما به يطغى فإن بلادة الذهن والحس سبب في الطغيان فلا يحسن البليد يميز النعمة من النقمة ، ولا يحسن يُفَرِّقُ بَيْنَ الإكرام والاستدراج ، إذ معيار الحكم عنده مطلق العطاء ، فإن أعطي رضي وإن حرم سخط ، فلا يفقه حكمة في إعطاء أو منع ، وذلك ما استحق به الذم أن : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إنْ أُعطِي رضي، وإن لم يُعطَ لم يرضَ" ، فكان من اعتدال الحكمة ما عم فلم يقتصر على باب دون آخر ، فالوحي كله قد جاء بما يوافق معيار الحكمة التامة فلا يعدل عن جادتها لا في جليل ولا في دقيق ، لا في خبر ولا في إنشاء ، فحكمة التشريع قد استغرقت المحل الباطن بما فيها من الخبر الصادق ، والمحل الظاهر بما فيها من الحكم العادل فتصح بها ، كما تقدم مرارا ، القوة العلمية وهي الذريعة الباطنة ، والقوة العملية وهي المقصد الظاهر ، فلا يعبد إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، عبادة توحيد يُحْسِنُ صاحبها القصد فلا يشرك بالله ، جل وعلا ، معبودا سواه ، وعبادة تشريع يعظم صاحبها الوحي فلا يشرك به غيره من الملل المبدلة والنحل المحدثة .

والله أعلى وأعلم .