ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة" ، فجاء التنبيه بالنداء ، نداء البعيد ، فلا يخلو ، من وجه ، أن يكون استمالة للمخاطب إذ فيه معنى التعظيم ، ولا يخلو ، من آخر ، أن يكون إيقاظا لنفوس غافلة قد اشتغلت بالأدنى ، فجاءها بما تَشْرُفُ به وَتَغْنَى في الأولى والآخرة , وعم بالنداء الناس ، ولا تخلو دلالة "أل" في "الناس" أن تكون دلالة العموم المستغرق ، والاستغراق في هذا الموضع مما قيده بساط الحال فهو يستغرق الحاضرين ، فكان البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَرُومُ من الجمع ما ينصره ، ولا تخلو "أل" ، من وجه آخر ، أن تكون دليل استغراق أعم فيدخل في معناه كُلُّ دَاعٍ إلى الحق فلا بد له من نصير يقاتل عنه وينافح وإلا ما أطاق البلاغ والبيان ، فكان من دعوته ما يقتصر على آحاد في سلطان جائر يمسك بالمقاليد ويأخذ بالتلابيب من يجاوز الحد الذي وضعه والسقف الذي رفعه فهو فوق السقف قد استوى فعرش الحكم له وحده فلا ينازعه أحد ، وإن وحيا نازلا ، فصارت رياسته سقف الأفكار والأحكام فلا يخرج عنها تصور أو حكم ، فمآل صاحبه التأديب والزجر أن خرج عن سلطان الطاغوت الذي نازع ذا الملكوت ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه ، فهو من اسمه إذ هو الحكم ، ومن ربوبيته بما شَرَعَ فَرُبُوبِيَّةُ التشريع شطر وربوبية التكوين آخر ، ومن ألوهيته بما أمر ونهى ، فذلك مناط استغرق سائر أجناس التوحيد ، فَثَمَّ نِزَاعٌ قد احتدم على عرش التشريع ، فمن استوى فوقه فهو الحاكم ، وهو ما يستبين به القدر الفارق بَيْنَ عِبَادِ المخلوق وَعِبَادِ الخالق ، جل وعلا ، فعباد الرحمن ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، قد طَرَدُوا القياس فَسَلَكَ مَقَالُهُم جادةَ العدل ، فَأَثْبَتُوا علو الرب ، جل وعلا ، على العرش ، فـ : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، وذلك مناط انفراد وهو ما حسن معه الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير ، فاختص الرب ، جل وعلا ، بهذا الوصف الشريف ، فكان علوه على العرش علو الفعل ، فهو جنس أخص من علو الذات ، فَثَمَّ علو الذات وَثَمَّ علو الفعل ، وكلاهما مما يثبت له ، جل وعلا ، على وجه يليق بجلاله وبه يكون الحد الفارق بَيْنَ المخلوق والخالق على وجه يَنْفِي مقال الحلول والاتحاد الباطل ، ولا يخلو الاستواء والعلو أن يستغرق عرشا آخر ، وهو عرش المعنى ، فَثَمَّ عرش التشريع بما نَزَلَ من الوحي وما حدث من الوضع ، فهما يَتَنَازَعَانِ الاستواء عليه ، فلا يرضى الطاغوت أن يكون عرش السياسة والحكم لله ، جل وعلا ، فذلك ما يُبْطِلُ رياسته إذ لم تحصل إلا بمجاوزة الحد المشروع فاصطنع من السقوف العليا ما جاوز به الطريقة المثلى فجعله الهوى والذوق عرشا يعلو الوحي ، فصار المرجع إلى ما يهوى ، وإن ادعى تعظيم الرب الأعلى ، عز وجل ، فَتَنَاقَضَ إذ أثبت الاستواء على العرش المخلوق وأنكر الاستواء على العرش المعقول ، عرش التشريع ، خلافا لمن طرد القياس فرب العرش تكوينا ، هو رب العرش تشريعا ، وإن كان العرش الأول مخلوقا فهو أعلى المخلوقات وسقف الكائنات ، خلافا لعرش التشريع فهو حكم الوحي المنزَّل إذ انفرد بالعلو والسيادة المطلقة ، وذلك وصف من أوصاف الإله الحق ، فالوحي من كلامه وعلمه ، وذلك ، بداهة ، غير مخلوق ، فكان إطلاق الاستواء في الآية مما استغرق العرشين ، عرشَ التكوين ولازمَه في القياس الصريح من عرش التشريع ، فذلك التلازم الْوَثِيقُ بَيْنَ إثبات الرُّبُوبِيَّةِ خلقا والألوهية حكما ، فمن له الخلق تكوينا فَلَهُ الأمر تشريعا ، فدلالة "أل" في "العرش" ، من هذا الوجه ، دلالة العموم الذي يستغرق أجناس العلو جميعا ، فثم سقف المخلوقات وهو العرش الذي استوى عليه رب البريات ، جل وعلا ، وثم عرش الشرائع والأحكام الذي انفرد به ذو الجلال والإكرام ، فشرع الجمال جدالا والجلال جلادا ، وكان من حكمة التشريع ما استغرق ، فلا يقتصر على باب دون آخر ، فلا يكون حكما في خصومة دون أخرى فيكون حجة في الأخبار دون الأحكام ! ، أو يكون حجة في باب دون آخر ، فهو حجة في العبادات دون السياسات ، على وجه تفاوت فيه الطغيان في استلاب ما ليس له من حقوق السيادة ، فَثَمَّ من استلب الحياة كلها فجعلها في شق ، والآخرة في آخر ، ولكلٍّ رب يحكم ، فرب الآخرة يحكم فيها إذا وقعت ! ، ورب الدنيا يحكم بما يحدث من الشرائع التي توافق ما يهوى القوي فهو من يضع الدساتير ويحكم القوانين ، فلا يخلو من مجاوزة للحد تلحقه بأرباب الحلول والاتحاد ، وإن كان مقالهم ينصرف إلى الذوات ، فمقاله ينصرف إلى المعاني ، معاني السيادة والتشريع فجعل صورة الإله الشارع فيه حَالَّةً وإن أنكر حلول الرب الخالق ، فكان من المنازعة ما يبطل التوحيد وينقضه ، فالتوحيد يَقْضِي أن يكون المرجع هو الإله الأعلى الذي تجرد من الحظوظ والأهواء فهو الغني الذي لا يفتقر إلى الأسباب فوحده الذي يحرر الروح والجسد من الطغيان ، ومن سواه فلا يخلو من حظ نفس ، فلا تؤمن حكومته إلا أن يكون مستمدها الوحي ، فيكون هو العرش الذي تستظل به العقول فلا تطيق مجاوزته ، وهو ما يأباه الطاغوت إذ وضع سلطانه فوق كل سلطان ، فلا اعتبار لاختيار الناس إن اختاروا غيره ! ، فهو الخيار الأوحد ، سواء أكان ذلك خيار الترغيب أم خيار الترهيب ، فثم خيار ناعم يزيف الأفكار والمبادئ فهو يحمل الناس على شريعة الطغيان طوعا فلا يختارون إلا ما يختاره لهم إذ بث فيهم من المذاهب ما يرسخ سلطانه وإن كان ظاهره ، بادي الرأي ، أنه يحترم الحريات ، فلا يعتبرها إلا بقدر ما يُوَظِّفُهَا أن تختار ما يهوى فعنده من آلات الصناعة الفكرية ما يصوغ به العقول الجمعية ، فَتَخْتَارُ ما يختار دون حاجة إلى قهر أو قمع لا سيما إن كانت ذكرى الدين في نفوس الناس ذكرى السوء فَقَدِ انْتَحَلَهُ أرباب الزور الذين صيروه ذريعة إلى تحقيق مآربهم التي كسوها لحاء القداسة ، فأولئك من يصدق فيهم أنهم على فطرة من الفكر والسياسة علمانية لادينية ، فعقولهم الجمعية الحديثة قد تشكلت على خلفية الصراع المحتدم بَيْنَ الطغيان المطلق والحرية المطلقة ، فلم يكن ثم ركز في العقول إلا تاريخ قاتم من الطغيان الديني والسياسي فكان رد الفعل غلوا في الطرف الآخر فَمِنْ تَطَرُّفِ الدين الباطل إلى تَطَرُّفِ العقل الجانح الذي انطلق في فضاء الأفكار والأحكام بلا عقال يلجمه أو قيد يضبط حركته فلا يضل فقد رام الانعتاق من قيد الطغيان فوقع في أسر الأهواء والأذواق وطغيانها يضاهي طغيان الكهنة والساسة ، بل ويزيد في أحيان فهي آلهة اتخذها أصحابها فتحكم فيهم بما تَرَى وإن خالفت عن الوحي بل ونازعته الأمر والنهي ، فلا يلجأ الحكام في هذه الحال أن يفرضوا حكمهم بالقوة والجبر ، فإن الرعية تحكم بما يواطئ فطرتها التي تبدلت بما كان من طغيان الدين والسياسة فالتزمت ما لا يلزم ، ففساد الأديان المبدلة والسياسات المحدثة علاجه رد الأمر إلى منهاج الحق ، فثم رسالة محفوظة وثم طريقة في العدل مسلوكة ، وبهما تحصل الكفاية التي تجزئ العقول أن تضل في أدوية الغواية ، فلم يكن عند أولئك من إرث النبوة الصحيحة ما يعصمهم من الضلال فانتقلوا من طرف إلى آخر ولم يُصِيبُوا العدل والقصد الذي به صلاح الحال والمآل ، وأما أتباع الرسالة ، في المقابل ، فإنهم مهما سلكوا من سبل الباطل فعندهم من ركز الفطرة الصحيحة ما تظهر آثاره في تعظيم الشريعة ، ولو في الجملة ، فإذا خُيِّرُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا ، إن صح خيار المؤمن ولو من باب التَّنَزُّلِ في الجدال وإلا فلا خيار للمؤمن ، كما تقدم ، وإنما الخيار لمن لم يؤمن ابتداء فلا يكره على الدخول في السلم فما أغناه أن يُكْرِهَ النَّاسَ ! ، فجاء الإنكار في قوله تعالى : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ، وذلك ما يحرر هذا المناط الدقيق الذي توسع فيه من توسع أن يجعل الخيرة مطلقة ! ، فصار الناس في حِلٍّ من الوحي إذا لم يوافق أهواءهم فلا يلزمهم إذ لا إكراه في الدين ! ، فإن اختاره الناس مرجع تشريع وحكم فظاهر القول أنه الحاكم إذ رضي به الناس فأجلسوه على العرش حَكَمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ في الخصومات ! ، وليت ذلك يكون ، فالطاغوت لا يطيق ذلك وإن جرى الأمر على قاعدته في الاختيار ، فهو يزعم أن الناس أحرار مطلقا فَلَهُمْ أن يختاروا ما يحكمهم وذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، مناط مفاصلة يدق بين منهاج السماء ومناهج الأرض ، فإن الخيار في منهاج السماء أن يختار الناس من يحكمهم لا ما يحكمهم ، فلا خيرة لهم في قضاء الرسالة ، وإنما الخيرة في التولية والعزل وذلك ، أيضا ، مما لا يطلق فيه الأمر ، وإلا صار الأمر فوضى فأي نظام في الحكم لا بد له من معيار محكم في التولية والعزل وإلا صار الناس يُوَلُّونَ وَيَعْزِلُونَ كل يوم ! ، فاضطرب السلطان وعمت الفوضى ، وأما الخيار في مناهج الأرض فهو مطلق فالناس يختارون ما يحكمهم ، ولكلٍّ حَظٌّ في شرعة تُوَافِقُ ما يَهْوَى ، فتعظم البلوى بما يكون من الشقاق والتَّنَازُعِ ، إذ الأهواء تختلف والنفوس تَفْتَرِقُ فلكلٍّ من الحاجات ما يروم استيفاءه ، فهو يجتهد أن يسن من الشرع ما يسد احتياجه ، سواء أكان حقا أم باطلا تكلف له من التأويل ما ظهر بطلانه ، ولكلٍّ تأويل لا سيما إن لم يكن ثَمَّ مرجع محكم في التشريع ، فلا معيار في التحسين والتقبيح إلا الهوى ، وهو جنس تحته آحاد لا تكاد تحصى فلا يزول الاشتباه في أحكامها إلا أن تُرَدَّ إلى مرجع محكم يجاوزها فهو يقضي فيها من خارجها ، وليس ذلك إلا الوحي ، فلا خيرة فيه ، كما تقدم ، فكان الفرقان بَيْنَ الوحي والوضع في مستمد التشريع الذي لا يطيق الطواغيت إلا احتكاره فيكون الأمر والنهي إليهم ، فإن كان العقل الجامع يقبل ذلك بما تبدل من فطرته الدينية فلا حظ له من رسالة سماوية محفوظة ، بل الوحي قد اقترن في ذاكرته بالظلم والاستبداد ، فلئن جاز في الأمر خيار في اختيار المستمد ، فهو يجد في الطريقة اللادينية بعض ما يصلح دنياه إذ قد تحرر من دين الكهنة المبدل وإن انتحل دين الهوى المضطرب فلم يكن فيه ما تطمئن به النفس وإن حصل من زخرف الحرية ما يخدع الجماهير فقد وجدت من شؤم الطغيان الديني ما يجعلها تختار الكفر بلا حاجة إلى قوة تقهر فقد اختارت ما يريد الطاغوت الجديد طوعا ، فما استفادت إلا انتقالا من طاغوت ديني إلا آخر لاديني ، فلئن كانت تلك حال المركز ، فأرض النبوات حالها يغاير وأهلها وإن عظم انحرافهم عن جادة الوحي إلا أن ثَمَّ ركزا من فطرة الدين قد حفظ من التبديل فهي تعظمه ، ولو في الجملة ، فإن خُيِّرَتْ فهي تختاره ، ولو هوية وفكرة ، فضلا أن تظهر آثاره في السياسة والشرعة فتلك الطامة الكبرى التي تجعل الطاغوت يُبَادِرُ فيخالف عما يزعم من حرية الاختيار ، فهي تُهَدِّدُ عرشه بالزوال ، فلا يجد إلا آلة القمع والقهر ليحمل الناس على ما يخالف اختيارهم ، فالعلمانية اللادينية كأي منهاج لا بد له من أذرع فاعلة وأدوات حاكمة ، فأذرعها في أرض الشرق ، مهبط الوحي ، لا تقتصر على أذرع الإغواء ، بل لا بد من أذرع قمع وإرهاب تحمل الناس أن يرضوا بما يخالف فطرتهم ، فليست آلة الحرب إلا أداة القمع التي تَئِدُ أي معارض ، لا سيما المعارض الذي يستمد حجته من الوحي ، فهو الأخطر إذ حجته هي الأظهر ، وأما المركز فإنه لا يفتقر إلى أذرع القمع والإرهاب فالعقول قد تَهَيَّأَتِ ابتداء أن تقبل أحكام الوضع بما تحملت من إرث الشؤم الذي بَغَّضَ الدين ، فلا يجد الناظر القمع والقتل إلا في أرض النبوات ، إذ الطغيان فيها دخيل وإن اجتهد ما اجتهد في إغواء العقول وإغراء النفوس بمركب مجموع من الشبهات والشهوات فَقَصْدُهُ إفساد التصور والإرادة ، ولكنه لا يطيق مناجزة الفطرة الرسالية التي رسخت في الوجدان الشرقي ما لم ترسخ في الوجدان المركزي ، فالمنهاج اللاديني إن سُلِّمَ أن فيه نَفْعًا فهو ينفع المركز وحده ، وأما أرض الرسالات فأهلها يدافعون البدع والمحدثات الأرضية بما ركز في نفوسهم من الفطرة الدينية ، فحملهم على العلمانية اللادينية يفتقر إلى مرجح من خارج ! ، وهو القمع والإرهاب الناجز لا جرم كان لآلة الحرب في بلاد الشرق الآن دور رئيس في الحكم والتشريع فهي تفرض قانونها بحد السيف ، وإن خالفت عن رأي الأغلبية فهو هدر لا سيما وهو أعزل لا سيف له يحوط به كتابه ، فَلَئِنْ كان في كتابه من الهدى ما ينفع فليس في يده من الحديد ما به ينصر ، فغاية أمره أن يكون دعوة يستصلح بها الجمع فلا تظهر إلا إذا أمنت فصار لها من السلطان ما يزجر ، فلا يخشى الناس بأسا إن جهروا بها ، فآنذاك يظهر من الحق ما لا يظهر حال الضعف ، فالفكرة قد تنشأ في أوساط القمع ولكنها لا تظهر إلا أن يكون لها من الدار الآمنة ما به تَرُدُّ الغائلة ، لا جرم كانت عناية النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما تقدم ، أن يجد الناصر ، فكان قوله الذي عم الجموع والوفود ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة العموم الذي يستغرق الحاضرين وهو أمر يعم كل داع إلى الحق ، فلا بد له من عصبة ولا بد لدعوته من قوة وهو ما فتش عنه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن الفكرة قد تنشأ في دار الظلم والقمع ، فيكون لها أنصار ، وهم أقوى الحلقات وأقرب دوائر الفكر والفقه ، فَيَعْلَمُونَ من أسرار الفكرة ما لا يعلمه العامة ، وذلك أمر يَتَفَاوَتُ ففي المذاهب الأرضية يكون من الخفايا ما يعظم حتى يصير الأمر باطنا لا يعلمه إلا الخاصة ، وظاهرا يبث في العامة ، وذلك ما يدل على بطلان الفكرة فهي حادثة لا أصل لها يصح ، فلو كانت حقا ما اقتصر سرها على جماعة خاصة تحتكر الحق فهو سر كَسِرِّ الكهنوت ، فثم رءوس يعلمون ما لا يعلم الأتباع ، وذلك إن جَازَ فِفِي فروع وَتَرَاتِيبَ لا في أصول الفكرة فيكون الدين أو المذهب سرا أعظم لا يَفْقَهُهُ إلا آحاد الكهنة ! ، فلم يكن ذلك وصف الرسالة الخاتمة فإنها وإن استغرقت دَوْرًا من الدعوة السرية في دار الحرب فلا قوة تدفع إلا أنها جاءت مبدأ أمرها تفاصل الباطل وتفارق ، فجاءت بالتوحيد الذي لا يقبل المداهنة وإن كان ثم مداراة انتفع بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان له من حماية العم ، وكان له من جوار المطعم بن عدي ، وكان له من أخلاق قريش ما أحاط بَنَاتِهِ وأهل بَيْتِهِ ، وإن رام القوم قتله ، فَثَمَّ عُرْفٌ لا يطيق القوم مجاوزته وإلا كانت الفضيحة فلئن لم يخشوا العقاب فإنهم يخشون الملام ، فكان من ظهور الفكرة مبدأ أمرها ما فاصل به الحق الباطل فَفَارَقَهُ إذ لا مداراة في الأصل ، وذلك ما لا يجوز كتمانه فلئن جاز تأخير البيان في أحوال ، فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، وحال المبدإ إذ الوحي يَتَنَزَّلُ بما يهدم أصول الجاهلية التي نازعت رب البرية ، جل وعلا ، حال المبدإ لا يجوز كتمانٌ ولا مداهنة فلا سر في أصل الدين ، أصل التوحيد ، فهو نص قاطع يفيد اليقين الجازم فلا احتمال فيه ولا اشتراك إلا على طريقة أهل الباطن من الحلولية والاتحادية فقد صار التوحيد شركا في الذات والصفات جاوز العقل فضلا عن النقل ! ، فالتوحيد حد فاصل بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، على وجه يجاوز الذات فالرحمن على العرش استوى بذاته ، فيجاوز الذات إلى المعنى والحكم ، فحكم الوحي يغاير حكم الوضع فهو يعلوه ، فثم عرش آخر يعلو كل الأحكام ، كما ثم العرش الذي علا جميع الأعيان ، فالرب ، جل وعلا ، عال على عرشه بائن من خلقه ، وحكمه عال على أحكام البشر بائن منها فهو مرجع يجاوزها من خارج فيحكم فيها حال التَّنَازُعِ فهو الحاكم المطلق وإليه يُرَدُّ الأمر كله ، وذلك مناط المفاصلة بين الوحي والوضع ، وهو الحق الذي لا يجوز كتمانه فلا بد من إظهاره أَوَّلَ قَوْلٍ ، فـ : (اعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، فهو أول واجب على العبيد وتأخيره لا يجوز وإن تَذَرَّعَ من تدرع أن تأليف القلوب قد يوجب تأخير البيان فذلك إن جاز فَفِي فَرْعٍ لا في أصل ، فَلَا بُدَّ من مفاصلة وإن كان ثم اشْتِرَاكٌ في معان يجمع عليها العقلاء ، فذلك ما يُوَافِقُ فيه أتباع الرسالة غَيْرَهم ، فالحق أحق أن يتبع ، ولا يَمْنَعَنَّ أصحابَ الحق خلافُ غيرهم أن يسلكوا جادته ، فَلَئِنْ سلكها غيرهم فهم أولى بذلك ، وهو أمر لا يدوم فلا بد من مفاصلة فكلٌّ يأرز إلى أصول ومستمدات ، وهي مما لا تجوز فيه المداهنة فلئن داهن أهل الحق فأهل الباطل يَمْتَنِعُونَ ، ودعوى الاقتصار على المشترك إن صحت فَفِي مواضع مخصوصة ، فهي تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها وبعدها لا بد من تمايز ، وإلا كان الخلاف لقياس العقل المحكم فهو قاض أن الحق واحد لا يَتَعَدَّدُ ، فلو كان الاقتصار على المشترك يجزئ فَبَعْثُ الرسل عليهم السلام عبث ! ، فقد بعثوا بكلمة فصل لا تقبل الأخذ والرد فليست فرعا يسوغ فيه الخلاف بل هي أصل الأصول الذي به سعادة المخلوق ونجاته ، فَلَئِنْ صح الإسرار فهو فِي فرع أو تَرْتِيبٍ لا في أصل الدين ، فالإسرار في الدعوة شيء ، والإسرار في الفكرة آخر ، فذلك خداع للمخاطب أن يظهر له الداعي ما لا يُبْطِنُ كما يرى الناظر في سائر المقالات الباطنية والحركات السرية ، فالفكرة ، كما تقدم ، قد تنشأ في دار الظلم ، ولكنها لا تظهر وترسخ إلا في دار العدل ، فلا بد من فضاء فكر وسياسة يكون الملاذ الآمن وذلك ما رامه النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أن استنفدت مكة فرص التغيير فلم يكن ثم مناص أن يفتش صاحب الدعوة عن بديل يحتضن مقاله وَيَنْصُرُهُ ، فكان نداؤه في الوفود أن : "أيها الناس" ، وبعد إصغاء الآذان واستحضار الأذهان كان الأمر أن : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ، وذلك ما عَمَّ بدلالة الواو ، واو الجمع في "تفلحوا" ، فلا تخلو من دلالة تغليب ، فالتوحيد أول واجب على العبيد كلهم ، ذكورا وإناثا ، إنسا وجانا ، والقول ، لو تدبر الناظر ، أصل الإيمان ، وهو ما يجاوز قول اللسان بل لا بد قبله من قول الجنان أن يصدق تصديق الإقرار والإذعان وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يزيد على المعرفة المحضة ، كما قال من قال من غلاة المرجئة ، حتى الْتَزَمُوا ما يَنْقُضَ أصل الدين ! ، فَأَثْبَتُوا إيمان إبليس إذ عَرَفَ بل هو من أعرف الناس بالله ، جل وعلا ، ذاتا ووصفا ، فأقسم بالعزة ! ، بل قد علم من الْقَدَرِ ما لم يَعْلَمْهُ غلاة القدرية ، فكان إغواؤه من فعل الله ، جل وعلا ، فقال : (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فأقسم بوصف الفعل إغواء ، وهو وصف قد يوهم الظلم ، ولكنه ، إن تدبر الناظر ، مُقْتَضَى الحكمة البالغة ، فحدها كما قرر أهل الشأن ، حدها وضع الشيء في موضعه فتوضع الهداية في المحل القابل لها ، وتوضع الغواية في المحل القابل لها ، فكان من عدل الله ، جل وعلا ، أن أغوى إبليس ، فهو مادة الشر والخبث فلا يطيق مادة الخير والطهر ، كما روح القدس فهو يقابله في الْخِلْقَةِ على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة ، فكان من إبليس إذ عَرَفَ ، كان منه عِلْمٌ قد جُرِّدَ من العمل ، إن باطنا أو ظاهرا ، فلا يجزئ علم في الباطن أو في الظاهر إن لم يشفع بالانقياد ، وهو ، أيضا ، جنس يستغرق ، فَثَمَّ انقياد الباطن تصديقا وانقياد الظاهر امتثالا ، ولا يجزئ القول بلا عمل ، فلئن أجزأ ففي مبدأ الأمر إذ به تغرس شجرة الإيمان في النفس ، والغرس لا يؤتي أكله النافع إلا أن يسقى بماء طاهر ، وإلا مات البذر وَذَبَلَ الشجر ، فالإيمان يَخْلَقُ وَيَبْلَى في النفوس فلا بد أن يجدد بالذكر والاستغفار وعمل الصالحات ما بطن منها وما ظهر ، فالعمل ، أيضا ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، فَثَمَّ عمل الباطن إرادة وحبا وبغضا فهما أصل كل إرادة في الباطن وحركة في الظاهر ، وَثَمَّ الرجاء والإنابة والاستعانة والتوكل والاستغاثة ....... إلخ ، وَثَمَّ عمل الظاهر ، في المقابل ، وكل أولئك ما يجاوز حد القول المطلق ، وإن كان هو المبدأ ، فقد يجزئ ، بادي الرأي ، في حصول اسم الإيمان على وجه يصح فلما تَنْزِلْ بَعْدُ الشرائع ، فكان قول النبي الخاتم مطلع البعثة ، قبل أن تَنْزِلَ الشرائع فَتَنْسَخَ ذلك ، فلم تَنْسَخِ القول ، بداهة ، فهو عنوان الأصل المحكم الذي لا يجوز نسخه ، وإنما نسخت الفرائض النازلة نَسْخَ الإجزاء ، فكان القول يجزئ في حصول الإيمان الذي يُنْجِي صاحبه ، حتى نَزَلَتِ الفرائض فَلَمْ يَعُدِ القول يجزئ بلا عمل يصدق ، فمنه جنس العمل وهو شرط في حصول الإيمان الصحيح المجزئ ، ومنه قدر يَزِيدُ وهو ما يَبْلُغُ بِهِ صاحبه حد الإيمان الواجب ، وَبَعْدَهُ يجتهد المؤمنون في النَّوَافِلِ ، فَيَتَفَاضَلُ الناس في الإيمان ، بالنظر في تفاضلهم في الواجبات الباطنة والظاهرة ، وبالنظر في تفاضلهم في النوافل ، فالإيمان درجات ، بل يكون التفاضل ، لو تدبر الناظر ، في التصديق ، فتصديق من يباشر الأدلة ويجتهد في تدبرها يرجح ، بداهة ، تصديق المقلِّد وإن صح في حصول اسم الإيمان ، فهو على أنحاء تَتَغَايَرُ وإن في الأصل الجامع ، فنسخت الفرائض إجزاء القول المجرد مع انقياد الباطن ، فكان اشتغال الرسالة مبدأ الأمر أن تُرَسِّخَ معنى التوحيد في النفوس ، ثم كانت الفرائض التي نَزَلَتْ تَتْرَى وبها كان التدرج في بناء النظام الجديد ، نظام الحياة الذي جاء ينسخ النظام القديم فلا يجزئ فيه إصلاح أو تَرْمِيمٌ ، فَثَمَّ تَنَاقُضٌ ، أي تَنَاقُضٍ ، فلا يجتمع في الغمد سيفان ، فكان نظام الرسالة الذي جاء يفاصل نظام الجاهلية ، فأرسى دعائم جديدة في التصور والحكم ، في السياسة والحرب ، فكان القدر الزائد الذي لا يقتصر بداهة على قول مجرد وإلا قاله كل أحد فلا تبعة ولا تكليف ، وإنما أبت قريش أن فقهت القول ، ولو في المبدأ إذ لا فَرْضَ يُثْقِلُ ، فالقول يُبْطِلُ رياستها المحدثة ويرد الأمر إلى الشريعة المحكمة ، فسيادة الوحي المنزَّل تُبْطِلُ سيادة الوضع المحدث ، فكان القول ، ابتداء ، يجزئ ، فيحصل به عنوان الإيمان الذي تندرج تحته آحاد لما تَزَلْ تَنْزِلُ تَتْرَى ، فَنُسِخَ إجزاء القول إذ نَزَلَتْ نصوص العمل ، بل إن القول ، لو تدبره الناظر ، لا ينفك يدل على العمل ، وإن من طرف خفي لا يظهر بادي الرأي ، فإن تأويل الشهادة أن لا معبود بحق إلا الله ، جل وعلا ، والعبادة اسم جامع لا يقتصر على القول ، بل يعم كل ما يحب الرب ، جل وعلا ، وَيَرْضَى من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فهو يستغرق محال التكليف وأحواله ، فَيَسْتَغْرِقُ الجنان واللسان والأركان ، فهو العقد والقول والعمل ، فَقَوْلُ الشهادة يوجب على القائل أن يَمْتَثِلَ معناها ، فلا يصرف العبادة إلا إلى المعبود بحق ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فالقول يُنْبِئُ عن العمل ، فكان إجزاء القول ، لو سلم باقتصاره على لفظ ينطق ، كان إجزاؤه مبدأ الرسالة ، وإن كان القول في نفسه أصلا لنظام جديد توشك الرسالة أن تقيمه ، نظام التوحيد الذي به يُحَرِّرُ الإنسانُ مناطَ السيادة فهي أصل الديانة ، فالديانة طاعة والطاعة لا تكون إلا لسيد ، والطاعة لا تكون إلا بأمر ونهي ، فلا بد من قول وعمل ، فأجزأ القول ابتداء ثم نسخ الإجزاء بما كان من نُزُولِ الفرائض وقس عليه ما يكون من إسلام الحربي الذي لا علم له بالتكليف الشرعي ، وبه يُنَاطُ من نشأ في بادية أو دار نائية لم تظهر فيها آثار الشرع المفصَّل ، فأولئك يجزئ القول في حقهم حتى يَبْلُغَهُمْ من التكليف ما يلزم ، فكأن الوحي فيهم يَنْزِلُ ، وإن كان قد نَزَلَ واكتمل ، فنزوله فيهم نزول الإبلاغ والإعلام ، فإذا علموا وجب عليهم العمل ، والعلم لا يحصل دفعة ، وإنما يحصل شيئا فشيئا ، بل قد يحسن في حقهم أن يجتهد الداعي في ترسيخ حقيقة التوحيد فيطنب في بيان معناه فليس كلمة تنطق ، وليس تصورا في القلب يجرد ، وإنما يزيد انقيادا يعتزم صاحبه الامتثال فورا ، وذلك الأصل في الأمر ، على خلاف بين أهل الأصول ، فالراجح الذي تشهد له الأدلة ، أن دلالة الأمر دلالة الفور ، فوجبت المسارعة ، فكان الأمر أن : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ، وعنوان الشهادة عنوان العلم ، فذلك ما يكافئ الأمر في قوله تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، فكان الأمر الذي أطلق فلو تدبره الناظر لعلم أنه يجاوز حد العلم المجرد في الذهن الذي يحصل بحصول صورة المعلوم في الذهن ، فلا يجزئ ذلك في انتحال فكرة سماوية أو أرضية فكثير من النظار الذين يجادلون عن الحق يعلمون من الباطل ما يجتهدون في تَزْيِيفِ حججه وأدلته فلا يصدق فيهم ، بداهة ، أنهم يؤمنون بما يعلمون ، بل هم أول كافر به ! ، وإنما ألجأهم جدال أهله أن يعلموا حقيقته وَحَدَّهُ ، بل وربما فاقوا أهله في العلم ! ، كما يحكي بعض المحققين من حاله ، حديثا بالنعمة لا إعجابا بالفكرة ، فيعلم من المقالات المحدثة ما لا يعلمه أصحابها ، فصار يُفْتِي فيها ما لا يفقهه أربابها ، وذلك ، بداهة ، ما لا يحسن إلا أن يُتْقِنَ الناظر ابتداء أدلة الحق لفظا ومعنى فَيَتَضَلَّعَ منها ما يَقْضِي نهمته فلا يصير محلا فارغا يَقْبَلُ ما يُلْقَى من شُبُهَاتٍ فقد اجتهد في تحرير القصد والاستعانة بالرب ، جل وعلا ، فَرَاحَ يشغل المحل بالحق المحكم فهو أمان من الباطل والمتشابه ، وهو غذاء ناصح به يُجَمُّ القلب ويصح فلا تضره فتنة ولا تستفزه شبهة ، بل قد رسخ في الحق فأحسن ينظر في المتشابه فهو يرده إلى المحكم ، فلا يقتصر على لفظ واحد ، وإنما يجتهد في جمع الطرق ، فيحرر ألفاظ الباب ، ثم ينظر نظر المفتقر إلى الهداية ، فيسأل الرب ، جل وعلا ، الكفاية ، فيما اختلف فيه من الحق ، فذلك مأثور الدعاء أن : "اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ" ، فكان فعل الدعاء الذي أضمر عامله إيجابا فقد تقدم ذكره في السياق أَنِ : "اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ" ، فضلا أن السياق عنه يفصح ضرورة فلا يُدْعَى إلا الله ، جل وعلا ، ولا يُسْأَلُ أَحَدٌ هداية الدين إلا هو ، وإن سُئِلَ غيره فهو سؤال الاستعلام كما سأل الناسُ النبيَّ الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمور الدين ، أصولا وفروعا ، فأبان لهم عما به صلاح دينهم بل لم يقبض صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا وقد أبان للناس عن أصول الدين وفروعه على وجه تحصل به الكفاية والإجزاء في ألفاظ الأدلة وطرائق الاستدلال وإن لم يستغرق النوازل جميعا بأعيانها فقد استغرقها بأجناسها ، وأرشد إلى أصولٍ عليها تُقَاسُ وطرائق بها تستنبط الأحكام فكان لسان الوحي العربي آلة النظر والاستدلال وحصل من أصول الأدلة وأجناس الأحكام والمقاصد ما يجزئ في كل نازلة ، فكان من فقه الوحي ما عم التصور والحكم والسياسة والحرب وسائر ما يحتاج الناس في باب التشريع والقضاء ، فكان نظام الحياة الذي اكتملت أركانه ، فكان من مرجع التشريع ما أحكم ، آيا وخبرا ، على وجه يقض مضاجع الخصوم ، فلا يزالون يجتهدون في تضييق الشرع بما يحدثون من القيد ، فَثَمَّ من يَتَوَسَّعُ في التضعيف والتكذيب فيضع من معيار الصحة ما لا أصل له ، فالصحيح ما وافق هواه ! ، لا سيما في أعصار الانهزام فكل يجتهد أن يبرأ من تهمة التطرف ! ، فيحذف من الألفاظ ما قد يشهد لذلك ! ، ويكون معياره في النقد ما أملاه الغالب المنتصر فلا يزال المنهزِم يداهنه ويسترضيه ولا يكون ذلك إلا أن يفارق الدين ! ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، وذلك ما يراه الناظر في الأعصار المتأخرة فلم تزل مذاهب الإصلاح وإن قصدت خيرا لم تزل تستجيب لوسواس الخصم الذي يكرر التهمة حتى ترسخ في الذهن ، فَيَشْتَغِلَ صاحبها بإبطالها ويفتش عن الحجج والبراهين ويرتب المقدمات والدلائل فلا يَزَالُ يستنفد قوة العقل في إبطال التهمة فيشغله ذلك عما هو أولى من مباشرة الحق الناصح وهو أول ما يجب الاشتغال به وأولى ما يبذل فيه الناظر جهده أن يُرْضِي ربه ، جل وعلا ، فيعلم من واجب وقته إن في العلم أو في العمل ما لا يجوز تأخيره فذلك خير له أن يشتغل بفضول من القول لا ينفع ، بل قد يضر ، إذ يشغله عما هو أولى وذلك ما يخالف عن قياس العقل الصريح إذ يقضي بتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير فلا يخالف عن جادة العدل فيقدم المفضول على الفاضل ، فلا يحسن بعاقل أن يَتَتَبَّعَ شبهات الخصوم وَلَمَّا يُحْكِمِ الأصول فيصرف عنايته أن يقرأ في كتب المقالات ويحرر المذاهب والنحل وليس له من مادة الحق ما يحصن به المحل ، فلا بد من إحكام الحق قبل الاشتغال برد المتشابه وليس ذلك مما يجب أصالة على كل أحد ، فلا يجب إلا فرض الكفاية الذي به تحاط الديانة ، ولا يجب على كل أحد إلا إن عرض له من المتشابه ما يوجب البحث أو السؤال حتى يرده إلى محكم به يكون الشفاء .

فلا يرضى الخصم إلا أن يسلك خصمه جادته فلا يجدي إِرْضَاؤُهُ شَيْئًا ، بل قد يضر إذ يُسْخِطُ من إرضاؤه أولى وهو الرب الأعلى ، فكانت هزيمة النفوس إذ قل حظها من العلوم ، وذلك ما يوجب الدعاء آنف الذكر أن : "اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ" ، وهو ما يَعُمُّ إذ أطلق الفعل فهو يعم هداية البيان والإرشاد وتلك محل اشتراك فيصح ، ولو من وجه ، أن يسألها بشرا مثله ، كما سأل الناس صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاستفتوه في مسائل الدين كلها ، فالنص على مواضع الخلاف في الدعاء يجري ، من وجه ، مجرى الخاص الذي يراد به عام فلا مفهوم له وإنما خرج مخرج الغالب إذ تطلب الهداية أول ما تطلب في مواضع الخلاف الذي عظم فيها الاشتباه وكثر فيها الجدال ، ولا يخلو ذلك أن يكون من قياس الأولى ، فإنه إن طلب الهداية في مواضع الاختلاف التي يعظم فيها حظ النفس فطلبه إياها في مواضع الاتفاق يثبت من باب أولى فمن انقاد وله حظ في الخلاف فتجرد في طلب الحق وإن خالف عن رأيه ، فهو ينقاد من باب أولى في مواضع الاتفاق فلا حظ له فيها ، فجاز سؤال البشر هداية البيان والإرشاد ، فسأل الناس صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألوا من بعده من حملة العلم وأرباب الفتيا ، فأولئك جميعا يدخلون في حد العموم في قول الرب المعبود جل وعلا : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، والسؤال في الآية قد أطلق ، أيضا ، فَعَمَّ السؤالَ في الأصول والفروع ، في أمور المعاش وأمور المعاد ، وأهل الذكر اسم يعم فهو يستغرق العلماء في كل فن ، ولا يخلو السياق من قرينة تخصيص تُجَوِّزُ حمل الذكر على ذكر الرسالة ، سواء أكان آيًا أم خبرا ، فدلالة "أل" من هذا الوجه دلالة عهد خاص ، فهو ذكر الشريعة ، وليس ثم ما يحول دون الجمع بين الوجهين ، وجه الاستغراق العام ووجه العهد الخاص ، فالذكر يعم كل مسألة في الدين أو الدنيا ، في التشريع أو التجريب ، والذكر الخاص ، ذكر الشريعة ، يعم ذكر الوحي آيا وأخبارا ، ذكر الألفاظ والمعاني ، ذكر الأنواع الخاصة في علوم الرسالة من توحيد وفقه وتفسير .... إلخ ، ذكر الرواية والدراية ، ذكر الأصول العامة من كتاب وسنة وإجماع وقياس ..... إلخ ، ذكر الوجوه الدلالية التي بها تستنبط الأحكام الشرعية ، فكان الأمر أن يُسْأَلَ أهل الذكر ، وعموم اللفظ يدخل فيه أول ما يدخل صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو من نَزَلَ عليه الذكر فَعَلِمَ من ألفاظه وَمَعَانِيهِ ما لم يعلمه غيره وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من العلم والفقه ، فإن النبوة مقام علم لا يُنَالُ باجتهاد أو دربة وإن حَصَّلَ الناظر من علوم الشريعة ما حَصَّلَ ، فلا يبلغ بالكسب ما يكون من الوهب ، فوهب الرسالة يرجح كسب الدراسة ، فيقدم النص على القياس ، فلا اجتهاد مع نص إذ يفسد اعتبار الرأي إن خالف عن النص أو الإجماع ، كما قرر أهل الشأن ، فأعلم الناس بالذكر هو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده يكون الطباق الفاضل فهم أول من تَحَمَّلَ هذا الوحي فَنَزَلَ بلسانهم وقد شهدوا من تَنْزِيلِهِ ما أفادهم عقل مَعَانِيهِ ، فَلَهُمْ من فقه أحكامه ومقاصده ما ليس لغيرهم ، فهم أولى حلقات الإسناد إن في الرواية أو في الدراية ، لا جرم انصرفت عناية كل طاعن في الوحي أن يقدح في الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فجرحهم جرح لشهود الرسالة على وجه يحسم الأمر ! ، فإذا كسرت الحلقة الأولى فما بعدها قد سقط ، فالأصل فاسد ، ولا يخرج من الفاسد إلا فاسد ، وبعدهم يكون حملة الوحي الذين آتاهم الرب ، جل وعلا ، من علوم الرسالة ما رفع به درجاتهم ، وإن لم يكن لهم من وصف العصمة ما يوجب طاعتهم في كل فتوى فليس ذلك للصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، وهو خير هذه الأمة وأعلمها بعد نَبِيِّهَا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكيف بمن بعده ، فطاعته في كل فتوى لا تجب ، بل كل من يفتي في الدين بعد قبض البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقبل فتواه إلا أن تُقَاسَ بمعيار الوحي ، فإن وَافَقَتْهُ قُبِلَتْ وإن خالفته رُدَّتْ ولا يلزم من ردها ذم صاحبها إلا إن كان جاهلا قد اجترأ فأفتى بلا علم ، فلا يُثَابُ وإن أصاب فتلك إصابة خارص ، فإذا اجتهد أصحاب الكفاية بما حَصَّلُوا من علوم الديانة ، إذا اجتهدوا وهم لذلك أهل فاجتهادهم لا يخرج عن حد الحمد ، فيحمد المصيب بأجرين ، ويحمد المخطئ بواحد كما في الخبر الصادق أَنْ : "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" ، فصح من هذا الوجه أن يسأل غير الله ، جل وعلا ، الهداية ، فهي هداية البيان والإرشاد ، وإن كان السؤال ابتداء يتوجه إلى الله ، جل وعلا ، فهو الذي أَنْزَلَ البيان وَحْيًا يُتْلَى ، خبرا وإنشاء ، وبه حصلت الكفاية العلمية والعملية ، وأما هداية التوفيق والإلهام فذلك ما يكون إلا لله ، جل وعلا ، فالسؤال في هذه الحال يتمحض فلا يُسْأَلُ التوفيقَ إلا الربُّ المسدَّد ، جل وعلا ، فصح من هذا الوجه إثبات الهداية في موضع من التنزيل في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وذلك ما اختص به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في خطاب المواجهة الأول ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، لا يحول دون دخول غيره من العلماء الذين تحملوا نصوص الوحي ومعانيه ، فيصدق فيهم ، أيضا ، أنهم يهدون إلى الصراط المستقيم ، الذي نُكِّرَ مئنة من التعظيم ولم يخل من بَيَانٍ تال على حد الإطناب بالبدل ، فجاء النص على الوصف ثم أُرْدِفَ بالنص على الْعَيْنِ في قوله تعالى : (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ، وإضافته إلى الله ، جل وعلا ، إضافة وصف إلى موصوف فذلك الوحي الذي نَزَلَ كلاما منه الآي الذي يُتْلَى لفظا ومعنى ، والخبر الذي يُتْلَى معنى ، فلا يتعبد بتلاوة لفظه وإن حصل التعبد بها ، من وجه آخر ، أن تحفظ وتدون ، وتشرح وَتُبَيَّنَ ، وتصحح وتضعف بمعيار محكم لا بهوى وذوق يخطئ صاحبه الوجهة أن يجعل المتشابه من أهوائه وأذواقه قاضيا في المحكم من أخبار الوحي وأحكامه ، فذلك ، كما تقدم ، مما يخالف عن قياس العقل المحكم إذ يوجب تقديم المحكم على المتشابه فهو فيه قَاضٍ ، فعم الخبر في الآية من هذا الوجه وإن اقتصر على صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في خطاب المواجهة الأول ، فعموم المعنى قد استغرق كل هاد بما حصل من علوم الرسالة ، فتلك هداية البيان والإرشاد ، خلافا لأخرى في التَّنْزِيلِ وهي هداية الإلهام والتوفيق كما في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، والنص يخص ، أيضا ، بالنظر في خطاب المواجهة الأول وَقَرِينَةِ السبب الذي نَزَلَ عليه النجم القرآني ، ولا يخلو من عموم في الْمَعْنَى فهو يستغرق كل داع إلى الحق فلا يستجيب له من يحب إن لم يشأ الرب ، جل وعلا ، هدايته ، الهداية الأخص ، هداية التوفيق والإلهام .

فكان ، وهو محل شاهد تَقَدَّمَ ، كان الأمر بالعلم أن : (اعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، وذلك ، أيضا ، ما ينظر فيه المستدل نظر المواجهة فالخطاب قد نَزَلَ ابتداء على قلب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو أول من تَوَجَّهَ إليه الأمر على وجه غير قاصر ولا حاصر ، بل قرينة العموم في التكليف توجب دخول غيره من أمته ، أمة الدعوة العامة ، فكلها قد خوطب بالرسالة فهي الرحمة العامة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، وذلك ، كما تقدم ، بيان لا يجوز تأخيره فالحاجة إليه تمس ، فلم يكن فضولا من القول أو ترفا من السؤال عما لا ينفع ، أو ما كُرِهَ السؤال عنه ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ، فليس ذلك ، بداهة ، السؤال عن التوحيد وما لا يسع المكلف جهله من أحكام التشريع ، فذلك واجب الوقت على كل أحد ، وآكده واجب التوحيد الأول ، فجاء الأمر بالعلم ، وذلك علم قد أطلق ، فلا يقتصر ، أيضا ، على العلم المجرد الذي يحصل في الذهن صورة بلا انقياد ، فلا يجزئ التصديق بلا امتثال ، فصورة المعلوم قد تحصل في ذهن الجاحد المنكر ، بل والطاعن المفنِّد الذي يجتهد في فهم المقال ليدحض حجته ويكشف سوأته ، فلا يصدق فيه أنه يعلم علم الانقياد والتعظيم فعلمه علم الإبطال والتفنيد ، فصح ، من هذا الوجه ، أن يقيد الأمر في الآية أن : (اعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ، أنه العلم المقرون بالانقياد المشفوع بالامتثال شاهد الصدق من العمل فلا يجزئ القول المجرد ، وإن نفع في أحوال ، كما كانت الحال في خطاب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر محل الشاهد أن : "أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ، فذلك ما قد يحمل أنه قَبْلَ أن ينزل الفرض من الأحكام ، أو أنه من باب التمهيد فيقدم ما هو أولى فإذا فهم الناس حقيقة التوحيد سهل عليهم أن يَنْقَادُوا لحكم التشريع فذلك من حسن التدرج في الدعوة إلى الوحي المنزَّل ، كما في خبر عائشة ، رضي الله عنها ، المشهور وفيه : "إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} ، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ" ، وقد يحمل ، كما تقدم ، أنه قول يعم فإن فحوى الشهادة تحرير العبادة لله ، جل وعلا ، فوحده المعبود بحق ولا يكون ذلك إلا بأمر ونهي ، ولا تحصل حقيقة الانقياد المجزئ إلا أن يكون الوحي هو مستمد الأمر والنهي فيكون توحيد الرسالة في الاتباع والانقياد آية صدق على توحيد من أرسلها ، جل وعلا ، في العبادة والتأله فلا يعبد إلا بما شرع على لسان الوحي الذي بَلَّغَهُ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان من بلاغه ما تقدم من دعوة الناس أن : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ، وقد أَتْبَعَ الأمر بالغاية على وجه يستميل به المخاطَب ، فَحُدَّ حَدَّ الجزم في جواب الطلب على تقدير شرط قد حذف ، فتأويل الكلام : إن تقولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، فحذف توصلا إلى الغاية فذلك آكد في البشرى وهو مما يحسن في مقام الدعوة تَرْغِيبًا ، ولا يخلو الشرط من دلالة المفهوم فهو مما يرهب في مقابل المنطوق المرغِّب فإن لم تقولوها فَلَنْ تفلحوا ، وذلك ما يدل دلالة التلازم على نهي عن الشرك فلا تشركوا بالله ، جل وعلا ، شيئا فذلك ناقض لشهادة التوحيد ولا تجحدوا التوحيد وَتُنْكِرُوهُ ، فمآل ذلك الهلكة فلا يكون فلاح في أولى أو آخرة إلا أن يحرر الإنسان توحيد الرحمن ، جل وعلا ، على وجه يجاوز حد التصديق المجرد فلا بد من دليل يصدق ، وقد أطلق الجواب الذي اشتق من مادة الفلاح ، فهو يستغرق الفلاح في الأولى وفي الآخرة ، وذلك ما أبان عنه الشطر الثاني : "تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة" ، ولا يخلو أن يكون جوابا عن استفهام دل عليه السياق اقتضاء ، وكيف يكون هذا الفلاح ؟! ، فهو الفلاح في الأولى على وجه استغرق الناس جميعا عربا وعجما فطباق الإيجاب بينهما مما يستغرق أجزاء القسمة في العقل ، وبعدها كان استيفاء الشطر الثاني من شطري الفلاح على حد المقابلة بين فلاح الدنيا : "تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" ، وفلاح الآخرة : "وإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة" ، وذلك ما أنيط ، كما تقدم ، بشهادة التوحيد ، فهي مادة الفلاح والتمكين في هذه الدار ، ولئن صح أن أمما قد صار لها من الريادة والرياسة ما حصل بلا توحيد ، بل كان أمرها ابتداء طعنا في الدين فأولئك لهم سُنَّةٌ تخالف عن سنة أَتْبَاعِ الرسالة ، فالمنهاج اللاديني قد ينفعهم ، وإن اقتصر على حكم الدنيا ، إذ فارقوا به دينا باطلا قد بُدِّلَ وَحُرِّفَ فصار قيدا على العقل أن ينظر ويبدع وإن في علوم التجريب ، وذلك ما سلم منه الوحي المحكم ، فالمنهاج اللاديني في أرض النبوات خلاف الأصل الذي استقر في الفطرة ، فلا مناص أن يلجأ أتباعه أن يقهروا الناس عليه قهرا وإن زعموا أنهم رسل الحرية فما راموا إلا تحرير الإنسان من قيد العبودية الحقة التي أمر بها صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر آنف الذكر : "أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحو" ، فراموا تحريره من العبودية الحقة إلى عبوديات الباطل فهي على سبل شتى ، وعلى كل سبيل شيطان يدعو بما يُزَيِّنُ من زخرف القول غرورا فلا يصغي إليه إلا من فُتِنَ ، فحصل الفرق بَيْنَ دار الرسالة المحفوظة فلا يظهر فيها المقال اللاديني إلا إكراها إذ يخالف عما استقر في وجدانها من التوحيد ، فحصل الفرق بَيْنَهَا وَبَيْنَ سائر الدور فالمقال اللاديني في غيرها قد يظهر ويشتهر إذ ليس ثم حق محكم يدافعه ، فليس إلا دينا قد بُدِّلَ وَحُرِّفَ فصار الطعن فيه يسيرا بل قارف كهنته من الظلم والجور ما مهد الأرض لثورة لادينية أخرجت الدين من معادلة الحياة التي صارت أرضية محدثة تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوز من خارج ، فلا ترضى الوحي شارعا يفصل في الخصومات ، وإنما يَبْغِي أصحابها الجاهلية حكما في النزاعات ، فجاء الإنكار والتوبيخ في قول العزيز الحكيم : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) ، فهو يبطل حكم الجاهلية ، وبعده كان الاستفهام إنشاء قد ضُمِّنَ الخبر في قوله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) فتأويله النفي فلا أحسن من الله حكما على حد المقابلة بين الشطرين ، حكم الجاهلية الذي ذم ، وحكم الله ، جل وعلا ، الذي مدح أنه الأحسن وإن كانت المفاضلة فِي نفسها جائرة فلا وجه يضاهي به الوضع المحدَث الشرع المنزَّل ، وَمُدِحَ من يمتثله أنه الموقن الناجي فهو الذي وعد بالفلاح على حد التلازم في الخبر أن : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" ، فلا يخلو أن يكون من التلازم بين السبب والمسبَّب إذ شهادة التوحيد سبب في حصول الفلاح العام ، وهو ما اختص به الموقنون ، فوعد الصدق أن يملكوا أرض الدنيا ، وأن يصيروا ملوك الجنة في الآخرة ، ولا يحوز هذا الفضل إلا من آمن وأيقن بخبر الوحي وشفع ذلك بالتصديق أن يمتثل حكم التشريع في كل نازلة ، فالوحي مرجعه حال التنازع والاختلاف فَيُصَدِّقُ الخبر أن : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، ويمتثل الأمر ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) .

والله أعلى وأعلم .