ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ما توضأ عبد ، فأسبغ الوضوء ، ثم قام إلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى" ، فذلك من العموم الذي يستغرق من أوجه ، فَثَمَّ عموم في الفعل إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في العامل "توضأ" ، فضلا عن عموم آخر استغرق نصا إذ النكرة "عبد" في سياق النفي نص في العموم ، كما قد قرر أهل الأصول ، وذلك ما يجري مجرى التغليب لقرينة العموم في التكليف فذلك أصل عام لا يعدل عنه الناظر إلا لصارف يختص أحد الجنسين بالحكم ، والوضوء من الشرع العام الذي يستغرق الرجال والنساء جميعا ، فَحَدُّهُمَا فِيهِ واحد ، وثم إطناب بقيد يزيد وهو دليل العناية فصاحبه يعظم العبادة فيسعى في استكمالها ، وذلك ما يجاوز به حد الواجب إلى النفل الزائد ، فإسباغ الوضوء استيفاء لماهيته بلا إسراف أو وسواس ، وإنما القصد وسط بين النقص والزيادة ، فأقل ما يقع عليه اسم الوضوء هو الغسلة الواحدة التي تستغرق المحل بلا سرف ، فالإسباغ لا يكون وسوسة في صب الماء الكثير والدلك الشديد ، وإنما الإسباغ أن يَسْتَغْرِقَ المحلَّ كله ، فيسبغ الوضوء وأقله الغسلة فهي القدر الواجب المجزئ وأكثرها الثلاث فذلك حد الكمال الأعلى ، فَتَرَاوَحَ الإسباغ بَيْنَ واحدة وثلاث ، وَبَيْنَهُمَا الغسلتان ، وَكُلٌّ قد أُثِرَ عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبعد الإسباغ وهو قدر زائد عن الفرض الواجب ، فالإسباغ يكون في الماهية تارة أن يَتَعَاهَدَ الأعضاء بالدلك ، وفي العدد أخرى أن يغسل مرة بعد مرة فلا يجاوز الحد المشروع فذلك وسواس الغلو زيادة لا تشرع قد أبطلها صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم سدا لذريعة الوسواس ، من وجه ، وسدا لذريعة الغلو في الدين من آخر ، وسدا لذريعة الإسراف من ثالث ، وسدا لذريعة الإحداث في الدين من رابع فإن الزيادة في الشرع عن الحد المقدر إن في علم أو في عمل ذريعة إلى القول على الله ، جل وعلا ، بلا علم ، أن يستحسن كل ذي هوى ما يهوى فيجعله دينا سواء أكان خاصا يقتصر على صاحب المحدثة أم عاما تَسْتَغْرِقُ بَلْوَاهُ المحدِث وغيره ، كَمَا فِي محدثات عِلْمِيَّةٍ دعا إليها أصحابها فَكَانَتْ باب شر فُتِحَ وسنةَ سوءٍ اقترحها أعاجم لا علم لهم بلسان العرب ، فضلا عن سوء قصد قد بُيِّتَ فكثير منهم قد رام الطعن في الدين لا سيما من غلا في التعطيل في الإلهيات فكان الكلام فيها بعد الكلام في الأسماء والأحكام ، فأول ما حدث في هذه الأمة مقال الخوارج الغالية وهو ما قَابَلَهُ مقال المرجئة الجافية ، وكان التشيع في مقابل النصب ، فكل مقال غال يقابله آخر جاف ، وكلاهما شَرٌّ قد عظم ، أن فَارَقَ أصحابه طريق الهدى المحكم فعدل إلى متشابه غال أو آخر جاف ، فطريق العدل طريق الوسط بين الغلو والجفاء ، ثم كان مقال التعطيل في القدر ، فكانت بدعة القدر في مقابل الجبر ، ومقال التعطيل في الإلهيات ، فكانت بدعة التجهم في مقابل التمثيل ، فتلك أصول المحدثات العلمية التي لم تَزَلْ تَتَنَاتَجُ فكلٌّ يزيد فَيَغْلُو فيفارق من الحق قدرا أعظم حتى تفضي به الحال أن يفارق الدين كله بِبِدْعَةٍ عظمى تَنْقُضُ أصل الدين كما قد ظهر في مقال الباطنية ، فهم من أشد الناس غلوا في التأويل على وجه خالف المنقول والمعقول والمتواتر من لسان العرب وَدِلَالَاتِهِ ، وذلك ما تحمله المتأخرون وإن بَدَّلُوا الاسم فالمسمى واحد فكان الاحتفاء بتأويلات الماضين فهي ذريعة إلى تأويلات أخرى جاوزت الأخبار إلى الأحكام فكانت ذريعة إلى استلاب الحق الأعظم في باب الألوهية ، حق السيادة والتشريع لما يَتَأَلَّهُ به العبيد من أحكام التكليف ، فعمت البلوى أن عطل الشرع ، وما كان أعظم وأفحش ، لو تدبر الناظر ، أن بلغ التعطيل أصل الدين فلم يكن الأمر مخالفة عن حكم أو اثنين ، وإنما جاوز فكان مخالفة في الأصل فَاسْتُلِبَ الوحيُ حقَّ التشريع وصار العقل يحكم بما يهوى فهو يأبى الانقياد لمرجع الوحي الذي يجاوزه ، بل قد يفحش في أحيان فهو ينبز الرسالة بالضلال والتخلف فغاية أمرها أن تحكم عصرها ، فلا تطيق حكما لعصر تال وذلك ما يستوجب التكذيب الصريح بلفظ التَّنْزِيلِ المتواتر ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فدلالة "أل" في "العالمين" مئنة من عموم يستغرق الأجيال كلها ، من حضر ومن غاب ، فخطاب المعدوم مما اطرد في الوحي ، فهو الرحمة العامة التي استغرقت الناس جميعا وبها فارقت الرسالة الخاتمة بقية الرسالات ، فالرسالة الخاتمة عامة في خطابها ، عامة في استغراقها ما تقدمها من أخبار وأحكام ، فجاءت تصدق الخبر وَتَزِيدُ فيه زيادة الْبَيَانِ لمواضع قد أجملت في الرسالات الأولى فإن أخبار الإلهيات قد أجملت في الكتب المتقدمة فجاء الكتاب الخاتم يطنب في بيانها فلا يكاد موضع في الوحي الخاتم إلا وفيه ذكر اسم أو وصف أو فعل أو حكم ، والحكم ، لو تدبر الناظر ، يدخل في حد الوصف فهو من الكلام ، والكلام من وصف الفعل والذات جميعا ، فهو وصف الذات بالنظر في نوعه ووصف الفعل بالنظر في آحاده ، فالكلام وصف سواء أكان خبرا أم إنشاء ، وهو من العلم ، فمنه علم التقدير ومنه علم التشريع ، فَعِلْمُ تكوينٍ به يكون الخلق ، فَبِهِ يكون الإيجاد والإعدام ، وبه يكون الإعطاء والمنع .... إلخ من أفعال الربوبية فذلك اسم وصف أعم يستغرق أفعال الجمال والجلال ، فَالرُّبُوبِيَّةِ جنس أعم به تدبير الكون ، وبه فعل الجمال إنجاء وفعل الجلال إهلاكا على وجه يَصْدُقُ به تأويل الرُّبُوبِيَّةِ في الخارج ، فالرب هو الذي يخلق الأضداد بالقدرة وَيُدَبِّرُهَا بالحكمة ، فظهر من جماله وجلاله ما استحق به اسم الرب ، الاسم العلم فدلالة "أل" فيه دلالة العهد الخاص فلا رب قد عمت رُبُوبِيَّتُهُ إلا واحد ، فدلالة "أل"، من وجه آخر ، دلالة عموم يستغرق أجناس الربوبية التكوينية والتشريعية ، فجاءت النبوة الخاتمة بأخبار تزيد على أخبار الرسالات المتقدِّمَة ، فهي تُبَيِّنُ ما أجمل في الإلهيات وتزيد في السمعيات والنبوات قصصا لم يَرِدْ في الكتب الأولى فضلا أنه قد سلم في رِوَايَتِهِ من التحريف والتبديل ، فجاءت تصدق من وجه ، وتهيمن من آخر بما زادت من الأخبار ولم يكن ثم نسخ ، بداهة ، فالنسخ لا يكون في الأخبار فهي لا تحتمل إلا صدقا أو كذبا فلو نسخت لاقتضى ذلك تكذيب المنسوخ وذلك طعن في الوحي المنقول ولا يرد على ذلك تكذيب الوحي الخاتم أخبارا في الكتب التي يتداولها أهل الكتاب فإنها لم تسلم من التبديل والتحريف فجاء الوحي الخاتم يهيمن من وجه آخر أن صار معيارا يميز الصادق من الكاذب ، فهو الشرع الحاكم في الشرع السابق ، فما صَدَّقَهُ فهو الصدق ، وما كَذَّبَه فهو الكذب ، وما حكاه مطلقا فلم يحكم بإعتبار أو إلغاء ، فلا يخلو أن يكون إلغاؤه قد ورد في موضع آخر من الرسالة ، فحكمها هو الماضي ، كما في نسخ السجود لغير المعبود ، جل وعلا ، فكان مما شُرِعَ في النبوة الإسرائيلية ، كما في قول رب البرية جل وعلا : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) ، وكان مما شُرِعَ في حق الملائكة أَنِ : (اسْجُدُوا لِآدَمَ) ، فذلك سجود التكريم الذي نُسِخَ في الرسالة الخاتمة فكان النهي سدا لذريعة الغلو ، فألغت الرسالة الخاتمة ما اعتبرته رسالة تقدمت ، فكان حكم الشرع الخاتم هو المهيمن الناسخ ، وما لم تعتبره ولم تلغه وإنما حكته حكاية الإخبار عن حال من تقدم فذلك محل الخلاف فثم من اعتبره إذ حكاية الوحي مع السكوت في موضع البيان تجري مجرى البيان ، فالسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، وتأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز ، فحاجة الناس إلى بيان الحكم لا تحتمل التأخير لا سيما وهو يذكر من شرع المتقدمين ما يحتمل ، فالبلوى به تعم إذ يجري مجرى الاحتجاج أن كان من وحي السماء ، فهو واحد في الجنس وإن اختلفت الآحاد ، فالنظر يتوجه ابتداء أن يحتج بما تقدم فما تأخر يصدقه فذلك الأصل إلا أن يرد دليل ناقل عنه فهو ينسخ ما تقدم ، فذلك مما يفتقر إلى دليل بعينه ، فلا يجزئ فيه دليل النسخ العام أن جاء الوحي الخاتم ينسخ ما تقدم فذلك يصح بالنظر في الجنس العام لا بالنظر في الآحاد ، فَثَمَّ أحكام في الرسالات الأولى قد جاء الوحي الخاتم يصدقها ، ولو بالسكوت ، فهو في موضع الْبَيَانِ بَيَانٌ ، فتلك حجة من اعتبر الشرع المتقدم فهو شرع لمن تأخر أن ورد من طريق صحيح يرضاه الناقد فهو من الوحي المتواتر أو من خبر الآحاد الصحيح أو الحسن الذي يجوز الاحتجاج به مطلقا إلا إن عارضه ما هو أرجح ، فإذا ورد الشرع الخاتم حكاية من طريق مرضية فهو شرع لمن تأخر إن في العلم أو في العمل ، فالحكاية المجردة في موضع تعم به البلوى مع السكوت ولو كان ثم ما يوجب الاستدراك ما وسع النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يؤخر بيانه ، فضلا أن الوحي عاصم من الخطأ ، فهو يعصمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل ويرقب الأمة جميعا ، كما في خبر جابر ، رضي الله عنه ، وفيه : "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ" ، وذلك ، بداهة ، مما لا اطلاع لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه ، وإن بلغه بعد ذلك حكاية ، فالوحي يرقب ما يغيب عنه ، إن فِي المدينة أو في موضع نَاءٍ بعيد ، كما قد استدل من استدل من المحققين على صحة إمامة الصبي بخبر عمرو بن سلمة ، رضي الله عنه ، فأم الناس في بلده ولم يشهده النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يؤثر أن خَبَرَهُ قد وصله في المدينة فَأَقَرَّهُ ولو بالسكوت ، فليس ثم ما يحتج به في هذا الموضع إلا إقرار الوحي إذ يرقب الأمة كلها زمن التنزيل ، فلا يقرها على خلاف الأولى فضلا أن يقرها على باطل فذلك من عصمتها التي اشترطت في إثبات عدالتها وإلا بطلت على الأمم شهادتها ، فشهادتها توجب سلامتها من الخطأ بالنظر في المجموع لا الجميع ، فليس آحادها ، بداهة ، بمعصومين ، وإنما العصمة عصمة المجموع أن يجمعوا على باطل ، أو أن يخفى الحق فلا يظهر في فَتَاوَاهُم فَلَئِنْ اختلفوا فلا يخرج الحق عن بعضِ أقوالهم ، وإلا بطلت العصمة أن دَرَسَ الحق واندثر فلم يقل به أحد ، ولو واحدا به يقيم الله ، جل وعلا ، الحجة على الناس ، فلا يجمعون على باطل ولا يفوت أقوالهم الحقُّ ، وإن خفي في أعصار أو أمصار ، فلا يَنْدَثِرُ فَمَهْمَا ظهر من الباطل وحكم ، ومهما فشا من المحدثات واشتهر ، حتى صارت الدار دار حرب أو بدعة بالنظر في أحكامها ، فلا تبطل حجة الرسالة بل قد امتن الرب ، جل وعلا ، بحفظها ، ولو في فرع دقيق ، فضلا عن الأصل الجليل فحفظه يكون من باب أولى ، فكان الحفظ العام للأصول والفروع وإن كان ثم خلاف يسوغ أو لا يسوغ ، فلا يخلو أي مناط للخلاف من قائم بالحق مُؤَيَّدٍ بالدليل الصحيح الصريح ، سواء أكان نصا أم إجماعا أم قياسا أم اجتهادا قد اتسعت دائرته فاعتبر من العرف أو المصلحة ما يصح اعتباره ، فَلَمْ يخالف به عن مقاصد الوحي العامة أو نصوصه الخاصة ، فصارت حكاية الوحي الخاتم وحيًا تَقَدَّمَ مع السكوت فلا اعتبار ولا إلغاء ، صارت هذه الحكاية شرعا للمتأخر على خلاف بين أهل الأصول في اعتباره ، فَثَمَّ من لم يعتبره شرعا للمتأخر وإن صحت حكايته من طريق مرضية ، وما كان من أخبار النبوات السابقة من غير طريق الرسالة الخاتمة ، فذلك ما لا يحتج به مطلقا ، وافق الوحي أو خالفه من باب أولى ، وإنما غايته إن وافق الوحي الخاتم أن يستأنس به في لطائف القصص ، كما في الإسرائيليات ، فأصل القصة قد ثبت في الذكر المحفوظ ، وجاءت الإسرائيليات تفصل على وجه لا يخالف عن حكاية الوحي الخاتم ولا يكذبها وإنما يُبِينُ عن تفاصيل يستأنس بها الناظر فلا يُبْنَى عليها عمل ، إذ لا يكون تكليف بعمل إلا من دليل ثابت من الشرع الخاتم ، فلا تصح الإسرائيليات مرجع تحريم أو إيجاب وإنما غايتها أن تصح في باب الاستئناس والاستشهاد ، وعليه يحمل أمر الإباحة في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما اشترطه بعض المحققين في باب العمل بالضعيف في فضائل الأعمال فلا يطلق القول بذلك بل لا بد من أصل صحيح فيكون الضعيف محل استئناس لا اعتبار فلا يكون أصلا في الباب وإنما يصدر الباب بالصحيح فإذا ثبت الأصل فلا حرج في الاستئناس بالضعيف بعد ذلك لا أن يكون هو أصل الباب ، فالأصل لا بد أن يثبت من طريق صحيحة مرضية ، فجاء الخبر يبيح الحكاية عن بني إسرائيل ما لا تضر حكايته فليس مما يَنْبَنِي عليه عمل وليس مما يخالف عن الوحي الخاتم إن في مقاصده الكلية أو في نصوصه الجزئية ، وجاء الخبر في شطره الأول يأمر بالبلاغ ، فـ : "بلغوا عني ولو آية" ، فكان أمر أول يوجب على من تحمل من الشرع ما يجب أداؤه فلا يحتمل التأخير ، فالتكليف به ناجز وإبلاغه حتم لازم فهو مما قد عمت به البلوى في الاعتقاد أو العمل فلا يَتِمُّ الدين إلا به ، فليس من أخبار الفتن والملاحم أو دقائق الأخبار التي لا يضر الجهل بها بل قد تكون الحكمة في ذلك إن كان بَيَانُهَا ذريعة إلى وقوع فتنة ، فكان مما لا يطيقه المخاطَب ، كما في الأثر المشهور ، فـ : "مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ ؛ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ" ، فالحكمة ليست في التبليغ مطلقا ، وإنما الحكمة أن ينظر المبلِّغ في حال المبلَّغ فلا يكلفه ما لا يطيق في أمور ليست من أصل الدين ولا من واجباته التي تَتَعَيَّنُ ، فلا يضره الجهل بها فدينه الواجب قد اكتمل دونها ، فلا يجب عليه علمها بل قد يضره ، كما تقدم ، لا سيما في أعصار الفتن ، فيشرع فيها ، ولو ضرورة تقدر بقدرها ، يشرع فيها من كتمانٍ لبعضِ الحق على وجه لا يضر إذ لم تمس الحاجة إلى بَيَانِهِ ، فليس من الواجبات الناجزة التي لا يجوز تأخير البيان فيها عن وقت الحاجة فحاجة الناس إلى أصول الدين وأحكام الحلال والحرام أعظم حاجة إذ لا سعادة لهم ولا نجاة إلا بدركها وما أُنْزِلَتِ الرسالات إلا لأجل ذلك ، فإنها لم تَنْزِلْ تَرَفًا من القول وإنما نَزَلَتْ تُبِينُ عن الحق في العلم والعمل ، في الخبر والإنشاء ، وتقوم ما اعوج من فطرة التوحيد والتشريع الأولى ، وذلك بخلاف ما تقدم من حكاية لفتن أو ملاحم قد لا يطيقها عقل المخاطب لا سيما في أعصار قد فشا فيها الجهل فلا يفقه السامع أن يضع الألفاظ مواضعها بل يغلو ويزيد ، وذلك ، كما تقدم ، مما ذم إن في العلم أو في العمل ، كما في إسباغ الوضوء محل الشاهد ، فالغلو فيه زيادة عن ثلاث أو تكلفا في الغسل أو الدلك على وجه يجاوز حد الاحتياط المشروع ، الغلو فيه إساءة وتعد يذم صاحبه ولا يمدح ، كما في الخبر الصحيح ، فـ : "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ : (هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ)" ، فصدر السياق بالحكم الذي أبان عنه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالفعل ثم القول وكان ذلك موضعا لا يجوز فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فالأعرابي قد جاء يَتَعَلَّمُ من أمر دينه ما لا يسعه جهله ، فجاء يسأل صاحب الشرع الذي اختصه الرب ، جل وعلا ، بمنصب التبليغ والتبيين ، فامتثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما به قد كُلِّفَ فما صنع مع ذلك الأعرابي يدخل ، من وجه ، في عموم الأمر أن : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) ، فهو يدخل في عموم الموصول "ما" ، فذلك مما حد لغير العاقل إذ البلاغ كلمات تشريع والكلمات مما لا يعقل ، وهي ، من وجه آخر ، كلمات إخبار وكلمات إنشاء تأمر وَتَنْهَى وَتُبِينُ عن ماهيات الواجبات المأمورة كما في هذا السياق ، فأبان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالفعل ، وهو ما حُدَّ على جهة الفور فتلك دلالة الفاء في : "فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا" ، فَبَادَرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يمتثل حكم الرسالة وذلك مما يستأنس به من يجعل دلالة الأمر من دلالة الفور فلا يجوز تأخير الامتثال إلا لقرينة تجيز ذلك وإلا فالأصل أن يبادر امتثالا لأمر الشارع ، جل وعلا ، في آي من قبيل : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ، فأراه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الوضوء ثلاثا ثلاثا ، وذلك من الفعل الذي تعدى إلى مفاعيل ثلاثة ، فكان من بيان الشرع بالفعل الذي أراه الأعرابيَّ ، فأراه الوضوءَ ثلاثا ، وذلك ما قد يُحْتَجُّ به أن الواجب ثلاث لا واحدة فالأعرابي إذ يسأل فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُبِينُ عن أدنى الكمال فلا يزيد خشية النسيان أو الإثقال على حديث عهد بإسلام وتكليف ، فلو كانت الواحدة تجزئ لتوضأ مرة مرة ، ولم يزد عليها ألبتة ، وقد يجاب أن ذلك موضع لا يثقل فيه الأمر فهو داخل في ماهية عمل واحد فليس فيه تكليف بآخر ، فكان بيان الكمال الأعلى بالفعل ثم القول ، فـ : "هكذا الوضوء" ، فذلك من حكاية الشرع قصرا بتعريف الجزأين ، وهو ما يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا ، وهو ما يحسن في بَيَانِ الشرع أن يَرْسَخَ في الذهن ، ولا يخلو القصر أن يكون من القصر مبالغة لا حقيقة فذلك الوضوء الكامل وإلا فالوضوء مرتين أو مرة يجزئ كما في أخبار أخرى قد وردت ، فلا تكمل صورة الاستدلال ، لو تدبر الناظر ، إلا بجمع أدلة الباب التي أبانت عن أدنى ما يجزئ من الواحدة ، وأعلاه من الثلاث ، وبعده كان الشرط الذي احترز به من الزيادة ، فـ : "مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ" ، فحسن في موضع الاحتراز إيراد الشرط مع ما فيه من دلالة تلازم بين شطريه وهو آكد في تقرير المعنى طردا وعكسا ، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم ، فأطنب في الخبر إمعانا في التنفير سدا لذريعة الغلو في الدين ، فكان التحقيق إذ صدر الجواب بـ : "قد" التي دخلت على عوامل ماضية ، فوجب الربط بالفاء التي اقترنت بالجواب في : "فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ" ، ولا تخلو ، لو تدبر الناظر ، من دلالة سَبَبِيَّةٍ ، فإن الجواب فرع على الشرط كما المسبَّب فرع على السبب ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب إمعانا في التحذير ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء يَنْهَى أن لا تزيدوا على ثلاث غسلات ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة الطرد والعكس فمن لم يزد فما أساء ولا تعدى ولا ظلم فلا يذم بل يحمد إذ أصاب السنة ، فثم لازم إنشاء أَنْ : تَوَضَّئُوا ثلاثا فذلك الكمال الواجب .
فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم إذ فتح باب وسواس ، وفتح آخر للزيادة في الدين بذريعة المبالغة في التنسك ، ولازم ذلك اتهام الوحي أنه لم يكف الناس مؤنة التشريع ، فهم في حاجة إلى زيادة يقترحها فلان أو فلان إن في علم أو في عمل ، وذلك أصل المحدثات الدينية ، الشرعية والسياسية ...... إلخ ، فالبلوى قد عمت في مذاهب تُنْتَحَلُ وسياسات تُنْتَهَجُ يخالف أصحابها عن جادة الوحي سواء أَتَلَطَّفُوا في القول فكان من تأويلهم ألفاظ الرسالة ما تعظم به الجناية فهي تأويلات باطنية سواء أكانت خبرية أم إنشائية أم سياسية ..... إلخ ، فالتأويل أصل من أصول الضلال الذي يكسى من ألفاظ الحق لحاء زخرف وغرور به تعظم الشبهة التي لا تَزُولُ إلا بِرَدِّهَا إلى المحكم لا أن يعارض بها المحكم فيعظم جدال المحدِث الذي يقتبس من الحق شعبة ويحسن يجادل بها عن الباطل فهو يُحَمِّلُهَا من المعاني ووجوه الاستدلال ما لا تحتمل ، فلو كان باطلها محضا ما اشتبهت على أحد وإنما عظمت بها البلوى أن كان فيها من الحق ما قد يخدع المخاطب ، بادي الرأي ، فلا يفطن ولا يسلم من شرها إلا أن يَرُدَّهَا إلى المحكم فهو الحق الخالص الذي سلم من تبديل الألفاظ وتحريف المعاني وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل جميع المحدثات ، ولا يسلم قائلها أن يَنْبِزَ النبوة صراحة فهي مما قصر أن يسد الحاجة فكانت صالحة في زمانها فضلا أنها جافية بادية لا تليق بأعصار الرفاه والحضارة ! ، وقد يتلطف القادح في لفظه ، فهو يشيد بها وينوه ، ولا يخلو أن يعزلها فلا تحكم ، فهي كلام جميل قد أشار إلى مقاصد نافعة في أصول الشرائع والسياسات والأخلاق وهي محل إجماع بين العقلاء ، فعلام الاختلاف والتدافع وكلٌّ قد أجمع على حسن هذه المقاصد فهي قاعدة ينطلق منها كل عقل أن يحكم بما يهوى بعد أن يتأول هذه المقاصد بما يحفظ له المصالح والمكاسب فتضيع الأصول بين التأويل فلا يحسم النزاع بين العقول في تأويلاتها إلا مرجع يجاوزها من خارج إن في الأصول أو في الفروع إن في المقاصد العامة أو في الأحكام الخاصة ، وذلك ، بداهة ، ما لا يطيقه خصوم الرسالة أَفْحَشُوا في نَبْزِهَا أو تَلَطَّفُوا فالجميع قد اتفق على عزل الرسالة أن تحكم ، وهي الحكم ولو في الدقائق ، كما تقدم من الخبر محل الشاهد : "ما توضأ عبد ، فأسبغ الوضوء ، ثم قام إلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى" ، فهي تحكم في ماهية الإسباغ ، فلا يزيد عليه أحد سذا لذريعة الإحداث في الدين إن في العلم أو في العمل ، فجنس المحدثات ، لو تدبر الناظر ، يَنْقَسِمُ في الخارج على ضربين ، فإحداث في العلم كما تقدم من محدثات الإلهيات وسائر المقالات ، وإحداث في العمل زيادة أو نقصا كمن زاد على ثلاث بعد أن بلغه الخبر فلا عذر له بجهل أو تأويل ، فلفظ الخبر صحيح صريح ، فجاء الإطناب تدرجا من الوضوء إلى الإسباغ إلى قيام العبد أن يصلي ، فجاء العطف على التراخي في : "ثم قام إلى الصلاة" ، وذلك ما يشهد أن الشرط قد يَتَقَدَّمُ ماهية الواجب فليس من أركانه التي تدخل في حد الحقيقة ، فقد يتوضأ ولا يصلي فورا ، فيجوز له أن يتوضأ قبل دخول الوقت فيصلي بالوضوء الواحد ما شاء ما لم يحدث وذلك ما خص بمن اتصل حدثه فهو يصلي بوضوئه ما شاء في وقت المكتوبة فيصليها ويصلي ما تَيَسَّرَ له من النوافل حتى يدخل وقت التالية فيجب عليه الوضوء لها خلافا للسليم فلا يجب عليه ذلك ما لم يحدث ، ودلالة "أل" في "الصلاة" تنصرف ، من وجه ، إلى الفريضة بقرينة "ما بينه وبين الصلاة الأخرى" ، فإن ذلك لا يكون إلا في الفرائض التي تَتَعَاقَبُ أوقاتها ، ولا يخلو السياق ، كما تقدم ، من قصر بأقوى الأساليب إمعانا في التقرير والتوكيد في سياق الترغيب ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء يحض على الصلاة ويرغب فيها إذ بها تغفر الذنوب كلها وتلك دلالة "ما" في : "ما بينه وبين الصلاة الأخرى" ، وذلك ، من وجه آخر ، ما قد خص بالكبائر فلا بد لها من توبة خاصة .

والله أعلى وأعلم .