بَيَانُ الدين ، لو تدبر الناظر ، من آكد الواجبات بل هو الفرض الأول بعد الإيمان ، وهو الغرض الأول من أغراض الرسالة ، فَمَا نَزَلَتْ تَرَفًا من القول ، وإنما نَزَلَتْ بلاغا وبيانا ، فـ : (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) ، فجاء التوكيد بالناسخ ، ولا يخلو من دلالة التعليل ، أيضا ، إذ قد يصح جواب سؤال يقدر فما عِلَّةُ أَنْ كَتَبَ الرب ، جل وعلا ، في الزبور ما تقدم ، فـ : (لَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) ، فجاء التوكيد بالقسم المقدر الذي دلت عليه اللام ، لام الجواب التي دخلت على "قد" ، وهي ، أيضا ، دليل توكيد ثان ، فدخولها على الماضي مئنة من التحقيق ، فَثَمَّ توكيد القسم المقدر وَلامِ الابتداء التي صدر بها جوابه و "قد" التحقيقية ، ودلالة الكتب دلالة الجنس العام فذلك فعل من أفعال الرب كَوْنًا والإله شرعا ، فالكتب جنس تحته أنواع منها الكوني النافذ ومنها الشرعي الحاكم ، والسياق هو الذي يُعَيِّنُ مراد القائل ، فالسياق في هذا الموضع يُرَشِّحُ دلالة الكتب الكوني النافذ ، وإن ورد ذكره في الزبور وهو كتاب تشريع ، وَوَرَدَ في الذكر وهو كتاب التقدير الأول ، وذكر الزبور ، من وجه ، قد يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فهو زبور داود ، عليه السلام ، وذلك خَبَرٌ قد أجمعت عليه الرسالات ، ولا تخلو "أل" من هذا الوجه أن تكون دليل عموم يستغرق ، فهي تستغرق كتب الوحي جَمِيعًا ، ودلالة "الذكر" في المقابل دلالة عهد آخر يشاطر كتب التشريع ، فثم كتب التكوين في الذكر الأول ، فاستوفى الجنس العام آحاده ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فحسن ، من هذا الوجه ، أن يسند الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فذلك مناط جلال ، فضلا أن ثَمَّ مجموع أوصاف ، فَثَمَّ كتب الرب في الذكر ، فذلك وصف الربوبية التكوينية ، وَثَمَّ كتب الإله يخبر خبر الصدق في كتاب التشريع ، فذلك وصف الألوهية التشريعية ، فمعنى التشريع يجاوز الحكم ، فثم تشريع بأخبار صدق لا تخلو في أحيان كثيرة من دلالة التكليف بالإنشاء على حد التلازم ، فخبر المدح يفيد حضا على الفعل إيجابا أو ندبا ، وخبر الذم يفيد حضا على الترك تحريما أو كراهة ، وخبر الإباحة يفيد الإباحة ، فهو خطاب يمتن به الرب الخالق ، جل وعلا ، على العباد بما خلق من الطيب وأباح من النافع ، فليس كل طاهر ينفع بل منه ما يضر فَيُنْهَى عنه لا لنجاسة العين وإنما نظر في المآل فهو يضر ، والضرر مما رفع شرعا ، فتلك دلالة النفي في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا ضرر ولا ضرار" ، ولا تخلو ، كما تقدم ، من دلالة إنشاء ينهى عن الضرر والضرار ، فلا تَضُرَنَّ نفسك ولا تَضُرَنَّ غيرك ، فاستغرقت قسمة الأخبار قسمة التكليف ، فلا يخلو خبر من دلالة إنشاء ، كما تقدم ، وذلك ما يرشح دلالة التشريع وإن في خبر ، فالتشريع لو اقتصر على الأمر والنهي فلا يخلو الخبر من دلالة أمر ونهي ، لا سيما أخبار المدح والوعد ، وأخبار الذم والوعيد ، ومواضع الاعتبار في قصص الأمم السالفة فمن آمن منها نجا ، فـ : (لَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) ، فذلك ما يرشح دلالة الحض على الإيمان ليحصل لصاحبه من النجاة ما حصل لقوم يونس ، عليه السلام ، فالقياس يطرد وينعكس ، فكان الاعتبار بأخبار الأمم الماضية ، وهو ما يوافق القياس الصريح إذ يقضي بالتسوية بين المتماثلات طردا ، والتفرقة بين المختلفات عكسا فمن آمن نجا طردا ، ومن كفر هلك عكسا ، وكذلك الشأن في الاعتبار بأحوال الأمم المكذبة ، فمن كفر هلك فذلك الطرد ومن آمن نجا فذلك العكس ، فكان من كتابة الشرع في الزبور وكتابة الكون في الذكر فدلالة "أل" في "الذكر" ، من هذا الوجه ، دلالة عهد خاص فهو ذكرُ لوحٍ فيه المقادير قد سطرت ، خلافا لدلالتها في نحو قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فذلك الذكر الشرعي ، فالذكر ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المشترك بل ويجري مجرى الأضداد إذ يدل على الضدين ، الكوني والشرعي في آن واحد ، والسياق هو الذي يعين مراد القائل ، فرجح الكوني تارة ، ورجح الشرعي أخرى ، فكتب ، جل وعلا ، في الزبور والذكر ، ولا تخلو "أل" في "الذكر" أن تكون من دلالة العام في باب الشرع ، فهو ذكر الوحي كُلِّهِ ، فَيَجْرِي ذلك مجرى العام بعد الخاص ، فعام الذكر الشرعي بعد خاص الزبور وهو كتاب شرعي ، أيضا ، فاحتملت "أل" من هذا الوجه ، احتملت الكوني تارة والشرعي أخرى ، فجاز حمل المشترك على الوجهين ، بل هو ، كما تقدم ، من الأضداد ، ومع ذلك احتمل السياق الوجهين ، وهو مِمَّا يَسْتَأْنِسُ بِهِ من يُجَوِّزُ دلالة العموم فِي المشترك ، بل وَفِي الأضداد فالاشتراك فِيهَا أدق ، فكان كتب الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فذلك مما حَسُنَ معه إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين في "كَتَبْنَا" مَئِنَّةً من التعظيم والاستغراق لأفعال التكوين وأفعال التشريع جميعا ، ودلالة الظرفية في "فِي" دلالة المعنى ، فالظرفية ، أيضا ، جنس عام تَنْدَرِجُ فِيهِ آحاد ، فثم ظرفية الحس كقولك : المال في الكيس ، وثم ظرفة المعنى كما في هذا الموضع ، وكما يقول القائل : محمد وآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، عليهم السلام ، في الذكر ، فليست أعيانهم ، بداهة في الذكر ، وإنما أخبارهم وأخبار رسالاتهم ، فالكتب في هذا السياق في الزَّبُورِ والذكر فهو كتب اللفظ والمعنى وذلك ما يُرَشِّحُ ظرفية المعنى ، ولا يخلو السياق من إجمال به تشويق المخاطب واسترعاء سمعه وعقله فكان الإجمال وبعده البيان الذي حُدَّ حَدَّ الإطناب فصدر بالناسخ "أن" وما دخل عليه من الاسم والخبر فهما ركنا الجملة في قول ذي الجبروت والعزة جل وعلا : "الأرض يرثها" ، فالجملة في تأويل المفعول على تقدير : كتبنا وراثة الصالحين للأرض ، فأطنب في المفعول أن حَدَّهُ حَدَّ الجملة "أن الأرضَ يرثها" ، فضلا عن دخول الناسخ ، وزد عليه دلالة الاسمية ، فالجملة الاسمية مَئِنَّةٌ من الثبوت والاستمرار ، فضلا عن إطناب آخر في الخبر الذي حُدَّ حَدَّ المضارعة في "يَرِثُهَا" ، فَثَمَّ عامل دلالته دلالة الحاضر والاستقبال ، ولا يخلو من استحضار لصورة المعنى وذلك آكد في تقريره وَتَرْسِيخِهِ في الذهن ، ولا يخلو أن يكون من السنن المطَّرِدِ ، فَهُوَ قانون ثَابِتٌ وهو ما يجري مجرى التلازم بين العلة والمعلول ، فإن وراثة الأرض حكم أنيط بالوصف الذي اشتق منه الوصف المشبه "الصالحون" ، فَحُدَّ في لفظه حد اسم الفاعل ولكنه مما اشتق من فعل لازم لا يَتَعَدَّى فهو من الوصف المشبه وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى فالوصف يلازم الذات فلا يفارقها فذلك حد الوصف المشبه في اللسان ، فوصف الصلاح مناط الحكم فَيُورِثُ الله ، جل وعلا ، الأرض من صلح من عباده ، وذلك ما يفيد بالمفهوم إذ أنيط الحكم بوصف قد اشتق ، فَيَدُورُ مع ذلك المعنى وجودا وعدما دوران المعلول مع علته ، فَيَرِثُ الأرض من صلح منطوقا ولا يَرِثُهَا من طلح مفهوما ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يواطئ دلالة القياس الصحيح ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة إنشاء أن أصلحوا من حالكم تكن لكم وراثة الأرض بما وعد به الرب ، جل وعلا ، وعد الصدق ، فـ : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، ودلالة "أل" في "الأرض" إما أن تحمل على الدنيا ، فإن حصول التمكين لا يقتصر على الآخرة بل يُرِي الله ، جل وعلا ، عباده الصالحين ما تَقَرُّ به العيون وتطمئن به النفوس من غلبة الحق وظهوره ، ولو بعد ابتلاء قد يطول وبه تمحص القلوب ، وَيَرَى كُلٌّ من نفسه شاهد صدق على حاله فلا يَغْتَرُّ فَيُوكَلَ إليها ، وإنما يجتهد أن يدعو بالثبات وأن يستعلي بالإيمان ، فيمتثل النهي في قوله تعالى : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، فجاء النهي الذي أطنب في لفظه بعطف المتلازمات من الهوان والحزن فضلا عن تكرار النهي ، فتلك دلالة "لا" في هذا السياق ، ولا يخلو النهي من عموم استغرق المخاطبين زمن النزول بعد ما كان في أُحُدٍ ، فالخطاب من هذا الوجه قد اقتصر على دلالة الوضع الأول في اللسان ، فالواو في "تهنوا" و "تحزنوا" مئنة من الجمع المذكر ، والجمع آنذاك جمع المقاتلة من الذكور ، فخطاب المواجهة يقصر الدلالة عليهم ، وأما الخطاب العام الذي استفيد بالنظر في قرينة التكليف العام ، فذلك الخطاب يعم من توجه إليه ابتداء وهم الجماعة المقاتلة يوم أُحُدٍ ، ويعم بالمعنى كل من يصح تكليفه ، فيتوجه إليه الأمر والنهي ، سواء أكان موجودا زمن الرسالة أم معدوما لَمَّا يُخْلَقْ بَعْدُ ، وسواء أحضر في أُحُدٍ أم كان ممن غاب عنها ، بل لو تدبر الناظر لوجد أن الخطاب يستغرق الكافر ! ، فخطاب التكليف يعم كل أحد ، فيستغرق الآحاد من أمة الدعوة ولا يقتصر على أمة الإجابة ، وختام الآية يشهد بذلك إذ أناط الحكم بوصف الإيمان شرطا سيق مساق الإلهاب والتهييج حملا للمخاطب أن يمتثل فذلك ما يثبت به وصف الإيمان ، فإن كان المخاطب مؤمنا فالخطاب يهيجه أن يدوام على الإيمان فلا يجزع وأن يمتثل من التكليف الجديد ما به الإيمان يزيد ، وإن كان المخاطب كافرا فالخطاب يهيجه ، أيضا ، أن يؤمن ابتداء ، فاحتمل اللفظ كلا الوجهين وذلك ، أيضا ، مما يستأنس به من يُجَوِّزُ دلالة العموم في المشترك ، فاحتمل اسم الإيمان ختام الآية ، احتمل الإيمان الكامل ديمومة وزيادة إن كان المخاطب مؤمنا ، بادي أمره ، وذلك ، كما يمثل بعض المحققين ، ذلك يجري مجرى أمرك لمن يمشي أن : امش ! ، فما الجديد إذا كان الأمر إنشاء للفعل من العدم فهو تحصيل حاصل فالمخاطب يمشي ابتداء فما الحاجة أن يؤمر بما هو فاعل له قد تلبس به ؟! ، فذلك من الإطناب بلا غاية على وجه يخالف عن قياس العقل الناصح بل هو عي من الكلام يعيب فلا يتصور بداهة أن يصدر من بليغ يفصح ، فكيف يحمل عليه لفظ التنزيل المحكم في نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ) ، فَثَمَّ جناس اشتقاق بين العاملين الماضي "آمَنوا" والأمر "آمِنوا" ، فصورة اللفظين في الرسم واحدة ، والحركة قد غَيَّرَتِ المعنى ، فكان الاشتقاق من مادة واحدة وهي مادة الإيمان ، فذلك جنس عام وكان الاختلاف في الآحاد ، فثم ماض وَثَمَّ آخر أمر ، فالمعنى العام مما أطلق في الذهن ثم كان القيد بدلالة اللفظ أمرا ونهيا ، فلا يتصور أن يكون الأمر تحصيل حاصل فيؤمر المؤمن أن يؤمن إيمان الإنشاء لأصل الإيمان الذي به قد اتصف فلا مناص أن يحمل على أمر بالديمومة وأمر بالاستزادة من معنى الإيمان بامتثال التكليف فرضا وندبا على حد الفعل ، وتحريما وكراهة على حد الترك ، ومباشرة للمباح على حد الاعتقاد بإباحته ، فذلك تكليف باطن ، وعلى حد الانتفاع بما أخرج الرب ، جل وعلا ، من الطيب فذلك ما يحسم مادة الغلو والتنطع ، وعلى حد الاستعانة به على أمر التكليف فيجري مجرى الذريعة ولها حكم الغاية ، فيصير المباح تارة واجبا لغيره إن كان ذريعة لفعل مأمور أو ترك محظور ، فمعنى الإلزام في كلتا الحالين حاصل ، ويصير المباح أخرى مندوبا لغيره إن كان ذريعة لفعل مندوب أو ترك مكروه ، فمعى الاختيار في كلتا الحالين حاصل ، وإن كان اختيارا يَتَرَجَّحُ فيه جانب الفعل في المندوب ، وجانب التَّرْكِ في المكروه ، فالأمر في الآية يحمل على الثبات والديمومة ويحمل على الاستزادة من جنس الإيمان قولا وعملا ، وَقَدْ يصح ، من وجه ، أن يحمل الأمر على إنشاء الإيمان بالنظر في قرينة التكليف العام ، فإن خطاب التكليف يستغرق الكافر من أمة الدعوة فيكون توجه الخطاب إليه أَنْ : آمِنْ ، يكون من باب الإنشاء لا الديمومة والاستمرار ، وذلك ، أيضا ، مما يشهد لعموم المشترك في دلالته ، فالخطاب قد توجه إلى المؤمن والكافر معا ، ولكلٍّ وجه ، فالجهة منفكة وهو ما يَرْفَعُ احتمال التَّعَارُضِ أو التَّنَاقُضِ .
وكذلك الشأن في المثال آنف الذكر فإذا قال قائل لمن يمشي : امْشِ ! ، وهو لا يريد إلا إنشاء الفعل فذلك عي من الكلام فلا يصح من آحاد البلغاء ، خلافا لو كان تأويل الأمر أن : أسرع في المشي ، فكذلك الشأن في آية آل عمران أَنْ : (لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، فإن الختام باسم الإيمان إما أن يحمل على الإيمان الكامل إن كان المخاطب مؤمنا قد أتى بالأصل فيكون تأويل الكلام : ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم المؤمنين الإيمان الكامل الذي يجاوز بداهة حد الأصل ، فَيَزِيدُ عليه المؤمن من الواجب والمندوب ما به يُرْضِي الرب المعبود ، جل وعلا ، أن يعلو في درجات الإيمان ، وما كان له ذلك إلا أن امتن عليه الرحمن ، جل وعلا ، فيسر له أسباب الهداية الدينية ، الخبرية والإنشائية ، وذلك ، بداهة ، ما يجاوز حد الهداية بيانا وإرشادا ، فتلك هداية التوفيق والإلهام ، وثم قيد بالحال : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، فذلك شرط رئيس ، أن يكون من الاستعلاء بالإيمان ما به يجاوز المخاطب حد الهزيمة النفسانية وإن كان ثم هزيمة سياسية أو حربية ، كما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، فهزيمة السياسة والحرب تُعَوَّضُ ، والأيام دول بين الأمم فيداولها ، جل وعلا ، بين الناس على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة فلكلِّ أمة من السنن ما يليق بحالها ، فالأمة المؤمنة لها من أسباب الظهور ما لا يكون إلا أن تسلك جادة الرسالة فمهما سلكت من جادة الصناعة والزراعة ..... إلخ من صنائع المعاش النافعة وهي مما يحمده الوحي بل ويوجبه في أحيان ، ولو إيجاب الكفاية على وجه تَنْتَظِمُ به أمور المعاش ، فمهما كان من سلوكها هذه الجادة النافعة في أمور الدنيا دون أن يَتَقَدَّمَ ذلك سلوكها جادة الوحي ، فما تصنع هباء ، فلا يحصل لها من الظهور ما تَرُومُ إذ أنيط ظهورها بوصف الإيمان ابتداء ، وهو ما ختمت به الآية ، كما تقدم ، فلا يخلو الشرط أن يكون إلهابا وتهييجا بالنظر في جواب الشرط المحذوف الذي دل عليه المذكور المتقدم : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، وذلك ما يحمل الواو على هذا الوجه أن تكون واو استئناف ، فيكون الوقف على : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) ، ومن ثم يكون الاستئناف على حد الخبر : أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، فَتَأْوِيلُ الكلام : إن كنتم مؤمنين فَأَنْتُمْ الأعلون ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر على وجه يواطئ المشهور المطرد من لسان العرب إذ الأصل أن يدل المتقدم على المتأخر ، وإن جَازَ في اللسان أن يدل المذكور المتأخر على محذوف تَقَدَّمَ ، ولا يخلو الشرط على هذا التأويل أن يدل على إنشاء يلازمه ، فقد سيق مساق المدح ، فلا يخلو من دلالة أمر أَنْ : آمِنُوا فذلك سبب علوكم وظهوركم على بقية الأمم ظهور العدل ، فلا جور ولا بغي ، ولا فرح ولا عجب ، كما يرى الناظر في حال الطواغيت إذا حصل لهم من الظهور ما به استدرجوا ، فعمى الأبصار والأفئدة وضعف العقول وسفاهتها وخفة النفوس التي يستفزها التمكين العارض فلا تفطن لما وراءه من سنن الابتلاء والاستدراج ، كل أولئك مما يغفل عنه الطواغيت فهم يلتمسون العلو في الأرض ، ولو بغير الحق ، بل ولو حملهم ذلك أن يكفروا بالرحمن ، جل وعلا ، إن كانوا ممن ثبت لهم أصل إيمان يصح ، بادي الرأي ! ، فلم يكونوا كفارا أصليين أو منافقين أظهروا الإيمان تَقِيَّةً ، فثم من فَتَنَهُ العلو في الأرض ، كما فُتِنَ فرعون ، إذ نادى في قومه : (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) ، فصار عاليا على كرسي الملك ، فاستفهم استفهام التقرير إمعانا في التوكيد فضلا عن تقديم ما حقه التأخير من الظرف "له" ، ولا تخلو اللام فيه من دلالة الملكية والاختصاص والاستحقاق بزعمه ! ، فلم يَرُدَّ الْمُلْكَ إلى المَلِكِ الأعظم ، جل وعلا ، بل قد كفر به فَنَازَعَهُ منصب الربوبية تدبيرا ثم الألوهية تشريعا ، ولم يجد من ينكر فَتَمَادَى في الغي واستوى على العرش وانتفش وانتفخ فكاد أن يَنْفَجِرَ ! ، وفرح بالجند إذ يستعرضهم ، فَرَامَ مَنَعَةً من الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق فظن أنه يَرُدُّ المقدور ولم يعتبر بمن تقدم فقد قُتِلَ في جنده ! ، فأصابه من غرور القوة ما به تكون الهلكة ، وإن بعد حين ، فذلك ، أيضا ، من مكر الرب المدبر ، جل وعلا ، فمن نصر الظالم إذ يَسْفِكُ وَيَنْتَهِكُ وَيُقَارِفُ من الحرمات ما يُقَارِفُ فَيَبْلُغُ به في أحيان أن يقدح في أصول الأديان ، فمن نصر الظالم فلا بد أن يجد من شؤم ذلك ما يعظم ، إن في الأولى أو في الآخرة ، إن في حياته أو بعد هلاكه ، فيرى الابن من شؤم ما صنع أبوه فقد وافقه على غيه وظلمه فكان من العقاب الناجز في هذه الدار حصول المهانة وذهاب الكرامة واستلاب المال فسلط عليه من هو أظلم وأجرى له الرب ، جل وعلا ، من الأسباب ما به يبطش ، فكان من حكمة التدبير استدراج ظالم ، من وجه ، وتسليطه على ظالم آخر قد استوجب العقاب الناجز بما قضى به الرب الخالق ، جل وعلا ، فضلا عن سوء ذكر في الناس فالسيرة قبيحة وَالْخِلْقَةُ قميئة قد علاها من شؤم العصيان والبغي والعدوان على أهل الإيمان ما بَغَّضَهَا في العين والقلب وأذهب من غيظ القلوب المؤمنة ما عَظُمَ من جناية الفرقة المجرمة التي طغت في البلاد فعلت بأسباب الحس وظنت فيها أَمَنَةً من عقاب الرب ، جل وعلا ، فجاءها العذاب من حيث لا تحتسب ، فسوء ذكر وعاقبة والساعة أدهى وأمر لمن لم يُوَفَّقْ أن يتوب التَّوْبَةَ النصوح ، فكان من فساد التصور ما أفضى إلى فساد الحكم الذي جرى على لسان فرعون الجاهل فلا علم ، الآثم فلا عمل ، فَفَسَادُ باطن وظاهر ، وخذلان أن يسلك جادة الحق فليس المحل يقبل آثاره فهو محل سافل الدركة لا يليق به إلا وصف الكفرة الفجرة الذين ناجزوا الرسالات وأظهروا لها من العداوات ما عظمت به الجنايات في حق من آمن بغضا لمعنى الإيمان الذي انتحله ، ولو في الجملة ، فلا يطيق الفاجر ذلك إذ يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الفجور والطغيان لا جرم كان الملأ من قوم فرعون في كل جيل ، كانوا أشد الناس عداوة للمرسلين ، عليهم السلام ، ومن اتبعهم ، فالرسالة تستلب حظوظ الملإ ، فلا مناص أن يجحدوا الرسالة وإن استيقنتها القلوب ، ويبارزوا أتباعها وإن علموا في مقالهم الحق ، فقد ثقل عليهم أن يَتَحَمَّلُوهُ ، فهو قول ثقيل لا تطيقه إلا النفوس الشريفة ، ولا تقبل آثاره إلا الجنان الصحيحة فلا عطب ولا نقص ، فمن شاهت نفسه وسفلت خسيسته فلا يطيق حقا يفضحه ، فكان من الاستئناف في قوله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، ما يجري مجرى الشرط والجزاء وَبَيْنَهُمَا من دلالة التلازم ما يطرد وينعكس ، على تقدير ما تقدم أن : آمِنُوا ليحصل لكم من وصف العلو بالحق ما يحمد فليس العلو بالباطل كما تقدم من حال الطواغيت ، فالعلو حكم يدور وجودا وعدما مع الإيمان ، فهو سبب في استعلاء النفوس بالحق لا طغيانا ومجاوزة للحد ، فثم إلهاب وتهييج فإن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلون ، فذلك منطوق يحمد ولا يخلو من دلالة إنشاء يلازم الخبر كما تقدم من تقدير الكلام أن : آمِنُوا لَتَعْلُوا بالحق ، ولا يخلو الخبر من دلالة مفهوم ، فلستم بمؤمنين إن لم تستعلوا بالحق ، فلا تقارفوا من الباطل والعصيان ما يكون به الخذلان ، ولا يلزم من نفي الإيمان في هذه الحال نفي الأصل ، بل ينصرف إلى نَفْيِ الكمال الواجب ، فلم تَبْلُغُوا الكمال الواجب إن لم يكن ثم استعلاء بالحق فكانت هزيمة النفس وهي أصل كل هزيمة في السياسة أو في الحرب ، كما هي الحال في الأعصار المتأخرة ، أن قَعَدَ أتباع الرسالة فلم يأخذوا بأسبابها ، ولم يأخذوا بأسباب الدنيا النافعة فهي في خطاب التكليف داخلة ، فلا دين ولا دنيا ، وإنما الكسل والقعود على وجه اقتضى العدول عن الأمة الخاتمة ، فعدلت الرياسة عنها إلى أمم أخرى ، ولو كافرة ، أن أخذت بأسباب الظهور في الدنيا وإن لم يكن لها في الآخرة خلاق ، فَلَهَا سنة تُغَايِرُ سنة الأمة الرسالية ، فالأمة الأرضية إن أخذت بأسباب الكون حصل لها من التمكين ما هو عاجلُ حظ تَسْتَوْفِيهِ في هذه الدار ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، فكان من هزيمة النفس ما دل على نقص في الدين عظيم ، وإن لم يبلغ حد النقض التام ، وإن احتمله في أحيان بالنظر في آحاد من الطواغيت ما حملهم على نَقْضِ الدين ومناجزته إلا هزيمة نفس سوغت المسارعة في الكفر والكافرين ، فلسان الحال : (نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) ، فكان ولاء وبراء على مناط ينقض مناط الإيمان ، فصار الحب لمن كفر والبغض لمن آمن ، فالأول قد حصل لَهُ من أسباب الرياسة ما به يُؤْتِي الملكَ من شاء في الأطراف وينزعه عمن شاء ! ، فهو مالك الْمُلْكِ في الأرض فصار إِلَهًا تجتهد النفوس في إرضائه فتبذل له من القرابين ما تبذل وإن أتت بالإبطال على أصل الوحي المنزَّل ، ولا يخلو الشرط ختام الآية : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، لا يخلو من إطناب بالكينونة الماضية فذلك آكد في تقرير المعنى من القول في غير التنزيل : إن آمنتم فأنتم الأعلون ، ولا يخلو الخبر الذي تقدم فَدَلَّ على المحذوف المتأخر وهو قوله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، لا يخلو من دلالة القصر بتعريف الجزأين ، وهو مما يحمل على الحقيقة فإن الإيمان سبب العلو ، ودلالة "أل" في "الأعلون" مئنة من عموم يستغرق إذ أطلق الوصف فعم كل علو ، فأنتم الأعلون بالحجة والبرهان أبدا ، وأنتم الأعلون بالسيف والسنان إن كان ثم أخذ بالأسباب على وجه يواطئ مراد الرب ، جل وعلا ، من نصرة الرسالات ، ودلالة التفضيل آكد في تَقْرِيرِ المعنى من الوصف المشبه : عال ، فذلك آكد من القول في غير التنزيل : وأنتم العالون .

وقد تحمل الواو ، من وجه آخر ، في قوله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، قد تحمل على الحالية لا الاستئناف ، فاتصل السياق وَانْتَهَى عند قوله تعالى : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، ثم كان الاسْتِئْنَافُ بالشرط إلهابا وتهييجا : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وجوابه قد تقدم ، أَيْضًا ، ولكنه في هذا الوجه ، ما صُدِّرَتْ به الآية من النهي ، فتأويل الكلام : إن كنتم مؤمنين فلا تَهِنُوا ولا تحزنوا ، فحصل الاشتراك فِي هذا الموضع في دلالة الواو فاحتملت الحالية ، من وجه ، والاستئناف من آخر ، وكلا الوجهين يصح في الدلالة على معنى يصح وإن اختلف التقدير ، وذلك ، أيضا ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك فاللفظ واحد ، وهو الواو ، وهو ، مع ذلك ، قد احتمل وجهين صَحِيحَيْنِ فَلَا تَعَارُضَ ولا تَنَاقُضَ بل الجمع بينهما يصح ، بل ويحسن إِثْرَاءً للسياق بِتَوَارُدِ المعاني الصحيحة على لفظ واحد .

ولا يخلو النهي ، من وجه آخر ، في قوله تعالى : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) ، لا يخلو من دلالة الإرشاد والنصح تَرَفُّقًا بمن آمن وتسلية لهم عما أصابهم في أُحُدٍ خاصة وما قد يصيبهم في أي نازلة أخرى فلئن سلمت النفوس فلم تهزم فكل ما سوى ذلك يُعَوَّضُ خلاف ما لو هزمت النفوس فهزيمتها لا تُعَوَّضُ وهي سبب في كل هزيمة تَلِيهَا ، إذ ما يظهر من القول والعمل لا بد له من أصل في النفس ، فالنصر له أصل ، والهزيمة لها آخر ، على وجه يَحْصُلُ به التقابل بين الشطرين ، وبهما تستوفى قسمة العقل في هذا الباب الجليل فهو من دقائق النفوس التي فطرها الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، وذلك ، أيضا ، ما اطرد في الآية محل الذكر الأول : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) ، فدلالة "أل" في "الأرض" تحتمل فإما أن تحمل على هذه الدار فإن مآل الحكم فيها لمن صلح ، ودلالة الصلاح في هذه الآية تَنْصَرِفُ ، بادي الرأي ، إلى صلاح الدين وهو ما يستجلب ضرورة صلاح الدنيا ، فإن الدين قد حض على عمارة الدنيا بالأسباب النافعة فلم يَدْعُ إلى كسل أو قعود ، ولم يكن فيه ما في المقال المحدَث الذي يجافي عن المنقول والمعقول أن جعل الدين في شق والدنيا في آخر فذلك مما عظمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، على وجه لم يسلم فيه أتباع الحق ، ولو نسبة ! ، لم يسلموا من الذم فكان من جنايتهم في إهمال الأسباب الكونية ما أعطى الذريعة لأرباب المقالات الأرضية اللادينية أن ينبزوا الوحي أنه سبب النقص ، وليس يصح ذلك في الأذهان وليس ذلك ما قد أَنْزَلَ الرحمن ، جل وعلا ، على قلوب الأنبياء ، عليهم السلام ، بل قد أمر بالسعي والمشي ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فإرث الأرض وهي الدنيا من وجه يكون لمن صلح ، صلاح الدين والدنيا ، وقد يجرد المعنى فيحمل على السنة الكونية المحضة فيكون من إرث الأرض بإذن الرب ، جل وعلا ، أن تصير لمن بذل أسبابها وإن كافرا فيكون له من الحظ العاجل ما استوفى به الخلاق الزائل فلا حظ له ولا نصيب في دار البقاء ، كما تقدم من قوله تعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، وذلك ما يَرَى الناظر في الأعصار المتأخرة فأهل الدنيا ممن لا حظ لهم من الرسالة قد اجتهدوا في بذل الأسباب ، فأقاموا من العمران ما لا يُجْحَدُ وكان في دُورِهِم من العدل ما لا يُنْكَرُ ، وإن عدل الوضع المحدث ، فاستجمعوا من معاني الإصلاح ، ولو عاجلا ، ما به كانت الأرض لهم دولة لا تداهن سننها أحدا ، فـ : (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ، ومن يَنْتَسِبُ إلى الرسالة في المقابل قد زعم زورا أنه يصلح ، فإذا ما أنكر عليه منكر فَنَهَاهُ وَزَجَرَهُ ، فـ : (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) ، كان من دعوى الزور ما تشهد الحال بِبُطْلَانِهَا ، وكان من التبجح في المقال أن ضُمِّنَ من المؤكدات ما حشده القائل فهو يعلم علم اليقين أنه كاذب ! ، فَيُبَالِغُ في رَدِّ التهمة وإن كان متلبسا بها غارقا في أوحالها فهو أعظم المفسدين في الدنيا والدين وإن زعم أنه من أرباب الإصلاح والتجديد فليس إلا التخريب للأديان والتضييق على الأبدان والسطو على الأموال بذريعة مكافحة الفساد وهو أول رائد له وأول داعم ومحرِّض ، فكيف يستقيم الظل والعود أعوج ؟! .

وقد تحمل "أل" في "الأرض" ، من وجه آخر ، أن تكون مئنة من عهد آخر ، وهي أرض الجنة وذلك ما يمحض معنى الصلاح ختام الآية فيقصره على صلاح الدين وذلك ، بداهة ، ما لا يكون إلا من المؤمنين الصادقين ، والسياق ، لو تدبر الناظر ، يحتمل كلا الوجهين ، فلا تعارض ولا تناقض إذ الجهة منفكة ، وهو ما يصح ، أيضا ، شاهدا يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء أَنِ : اجْتَهِدُوا في تحصيل أسباب الصلاح والإصلاح وهما مما يتلازمان فأصلحوا نفوسكم ثم اسعوا في إصلاح غيرها ، فاجتهدوا في ذلك لِتَكُونَ لكم وراثة الأرض في الأولى والآخرة على ما تقدم من وجهي الدلالة في "أل" في "الأرض" .

وكل أولئك مما أوجب في الذهن السؤال ، فما علة ذكر ذلك ؟! ، فجاء الجواب الناجز في قوله تعالى : (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) ، فتلك وظيفة الرسالة ، فما جاءت إلا لِتُبَلِّغَ وَتُبَيِّنَ فتهدي الناس وترشدهم وليس عليها أن تسيطر عليهم فتحملهم على الإيمان كرها وإن وجب على أتباعها أن يسعوا في إبلاغها وإزاحة كل طاغوت يحول دون بلوغها الناس ، ومناجزة كل ظالم يأبى الانقياد لحكمها وإن لم يكن من أتباعها فلا يرضى أهل الباطل إلا أن يحكموا الأرض فالرسالة أولى بذلك وسنن التدافع بِذَا قاض ، وهو ما يجعل الناسخ "إِنَّ" يجري مجرى التعليل ، ولا يخلو من دلالة التوكيد في سياق يحسن فيه ذلك إمعانا في تقرير المعنى وترسيخه في ذهن المخاطب ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير من الظرف "في هذا" ، ودلالة اللام في "لبلاغا" ، فهي لام ابتداء تأخرت لئلا يثقل النطق باجتماع مؤكدين في محل واحد ، فتأخرت وزحلقت ، وهي أولى بالتأخير إذ ليس لها من دلالة التوكيد ما للناسخ ، فَلَهَا معان أخرى كثيرة خلافا للناسخ فهو عمدة في الباب ، فصار فيه آكد وأقوى ، فتأخرت اللام ودخلت على الخبر "بلاغا" الذي نُكِّرَ مئنة من التعظيم فذلك البلاغ العظيم لكلم التشريع ، وقد اختص به العابدون ، فتلك دلالة اللام في "لقوم" ، فاختصهم ، جل وعلا ، بذلك فضلا منه ، ولا يخلو من دلالة إطناب بالتوطئة بلفظ "قوم" فلا تحصل به فائدة إذ أنيط الحكم بمعنى العبادة الذي اشتق منه الوصف "عابدين" ، ولا يخلو من دلالة أخص ، فليست تلك عبادة التكوين اضطرارا ، وإنما هي عبادة العابد اختيارا بما يكون من إيمان بالوحي تصديقا بأخباره وامتثالا لأحكامه ، ولا يخلو من دلالة تعريض بالمخالف فليس بعابد ، فالاختصاص هنا لا يقصر التكليف على العابد وإلا ما توجه ذم للفاجر المارق إذ لم يعمه الخطاب ، وإنما ورد الكلام مَوْرِدَ المدح للعابد والتعريض بالفاجر المارق ، فيجب عليه سماع البلاغ سماع الإدراك والاستجابة والانقياد فالوحي تكليف عام قد استغرق العالمين جميعا بأخباره وأحكامه .

والله أعلى وأعلم .