مما اطرد مرارا في كلام أهل الشأن في مسائل الأسماء والأحكام أن الإيمان اسم يدل على مسمى مركب في الخارج من قول وعمل ، فَثَمَّ قول الباطن تصديقا وإقرارا ، وثم قول الظاهر فهو مناط الحكم العاصم كما في قول النَّبِيِّ الشارع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمَوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" ، فذلك أمر القتال الذي توجه إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو أمر تدافع ، فلا يكون إلا من اثنين ، فإن الرسالة تُقَاتِلُ من يحول دون بُلُوغِهَا النَّاسَ وَمَنْ يَأْبَى الانضواء تحت حكمها ، فلا تخالف عن غيرها من المناهج والمذاهب ، ولو من باب التَّنَزُّلِ مع الخصم في الجدال ، فإن كل منهاج لا بد له من فكرة يَنْتَحِلُهَا وآلة حرب يَلْتَئِمُهَا فَبِهَا يذب عن الفكرة وبها يُقَارِعُ الخصوم فالتدافع يقضي أن تَتَصَارَعَ الأفكار ، ومن ورائها يكون صراع الأبدان فصراعها تَبَعٌ لصراع الأديان ، ولأجل ذلك كانت الرسالات ، ولأجل ذلك شُرِعَ الجهاد والقتال ، فَثَمَّ جهاد الحجة والبرهان في ساحات الجدال ، وَثَمَّ جهاد السيف والسنان في ساحات الجلاد ، فإن سلم جدلا أن سيف الوحي قد أغمد فسيف الخصوم لم يغمد ولن يغمد أبدا ، وذلك خبر الوحي الصادق ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، وذلك نص في الباب ، فالأداة "لا زال" أخت من أخوات "كان" ، ودلالتها تضاهي أم الباب فهي مئنة من دَيْمُومَةٍ في الوصف قد اتَّصَلَ زمانها ، ولا يخلو إطلاق الفعل من عموم يستغرق فقتال أديان وقتال أبدان ، والغاية أن : (يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، وَثَمَّ شرط "إن استطاعوا" قد سِيقَ مساق المبالغة إمعانا في تَقْرِيرِ المعنى وتوكيده ، فتلك سنة كونية جارية ، فالتدافع حتم لازم فَلَئِنْ قَعَدَ أهل الحق أن يجاهدوا أهل الباطل ، ولئن استسلم أتباع الرسالة لأعدائها فَرَضُوا أن يكون خدما فلا يجادلون ولا يقاتلون وإنما يخضعون ويخفضون الرءوس ومن قبلها النفوس فما انحنى الظاهر إلا والباطن قد سبقه ، ولن يسلموا مع ذلك ، فإن الخصم لا يزيده ضعفُ خصمِه إلا اجتراءً ، ففائض القوة إن لم يشفع بشرف الفكرة فمآله البغي والعدوان كما يضرب بعض الفضلاء مثلا يُثِيرُ التَّنَدُّرَ ولا يخلو من اعتبار وتدبر لسنن الرب المهيمن ، جل وعلا ، وهو مثل فَارِسَ وأجوارها من العرب في هذه ألعصار ، فإن فارس في تاريخها السياسي تشكو من معضلة نَفْسَانِيَّةٍ فهي بما لها من نظم الحكم والرياسة وبما لها من مجد تليد في السياسة والحرب فكان لها من الجيوش والحشود وكان لها من العلوم والفنون وَتَرَاتِيبِ الحكم ما فاقت به الأجوار العربية بل ونازعت الإمبراطورية الرومانية سيادة العالم القديم ، ولم يكن للعرب قبل الرسالة قوة يضاهون بها فارس فَغَايَةُ ما يطمحون أن يستخدمهم كسرى في رياسة أو يدخلهم في حضرته فكان العرب يَفْتَخِرُونَ أنهم دخلوا على كسرى وإن كان بَيْنَهُم وَبَيْنَه من الخطى ما اتَّسَعَ فشخصه المقدس لا يطيق الجوار القريب فلا بد من قدر فارق بين المحكوم والحاكم يبلغ في أحيان أن يكون قدرا فارقا بَيْنَ عابد ومعبود ، فذلك من الغلو المذموم الذي رسخ في الذاكرة الفارسية ، فَصَارَ الأكاسرة جنسا يُغَايِرُ بقية الأجناس فهم قبس من وجه الإله خلافا للعامة ، وذلك أمر ظهر ، أيضا ، في الشطر الآخر من العالم القديم ، فكان قيصر في قومه ككسرى فيهم ، فكلاهما إله يعبد وهو الذي يضع الشرع الحاكم وهو الذي يضع معيار السياسة والحرب وهو الذي يَرْأَسَ هيئات الجماعة كلها فَلَهُ من حق النقض والاعتراض ما يجعل كل قولٍ سوى قوله متشابها يجب رده إلى محكم ما يَنْطِقُ به الإله الكسروي أو نده القيصري ، لا جرم أنهما تقاتلا فإن الغمد لا يحتمل سيفين ، والنفوس إذ كفرت بالإله الحق فلم تجعله حاكما في خصوماتها فابت أن تَنْقَادَ لأي مرجع يجاوزها من خارج ، فهي لا بد عابدة لغيره بما فطرت عليه من خاصة الانقياد والتأله فَلَهَا من فقر الذات ما يلجئها اضطرارا أن تستمد القوة والمعونة من رب أعلى فهي تدعوه أن يَهْدِيَهَا هداية التكوين وهداية التشريع فَيُيَسِّرَ لها من أسباب الحس ما تصح به الأبدان ، وذلك مناط الربوبية الكونية ، ربوبية الخلق والتدبير ، وَيُيَسِّرَ لها من أسباب المعنى ما تصح به الأديان ، وذلك مناط الربوبية الشرعية ، ربوبية الإخبار والإنشاء ، فلا يصلح الجنان إلا بأخبار الصدق وأحكام العدل ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، ربوبية أشرف فهي خير وَأَبْقَى ، وبها يَنَالُ الإنسان السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، وهي ما يسد الفاقة الذاتية في الجبلة الآدمية ، فإن فقر النفس إلى إله تطيعه أعظم من فقر البدن إلى رب يطعمه ، وإن كانا جميعا مما تلازم في القياس ، فإن الافتقار إلى الرب الخالق الرازق المدبر يستوجب افتقارا آخر إلى الإله الشارع الحاكم ، فكان من عدول فارس والروم عن الإله المعبود بحق ما ألجأهم إلى عبادة كسرى وقيصر ، فكان من الغلو في المخلوق ما يعدل الجفاء في الخالق ، وذلك ، أيضا ، مناط تلازم في العقل فإن الغلو في المخلوق ولو نَبِيًّا يكلم سبب في جفاء آخر في حق الرب المهيمن أن يفرد بالعبودية والتأله الذي يجاوز حد التصور الباطن ، فلا بد من تصديق في الخارج يواطئ تصديق الباطن ، ولا يحصل تصديق يجزئ في إثبات اسم الإيمان ، ولو مطلقا أول ، لا يحصل ذلك إلا بإقرار وإذعان وانقياد واستسلام تطمئن به النفس فذلك ، بداهة ، قدر يجاوز حد العلم المجرد والمعرفة المحضة فذلك ما يحصل في أي نفس صورة معلوم يُلْقَى على السمع ، فسمع الإدارك أول ، وهو مما يستوي فيه الكافر والمؤمن ، وإنما حصل الافتراق في سمع الاستجابة ، أن تَرْضَى النفس بما تسمع فهي تطمئن وَتَسْكُنُ ، ولا تنفك آثار ذلك تظهر في الخارج في القول الشاهد والعمل المصدق فيحصل من أجزاء الحقيقة الإيمانية في الخارج عقدا وقولا وعملا ما يجاوز ، بداهة ، حد التصديق المجرد ، فذلك معنى الإيمان الباطن الذي يجاوز ، كما تقدم ، حد العلم المجرد ، فقد حصل لكثير من الكفار بل قد أَقَرَّ به رءوس الكفر ، فَأَقَرَّ به إبليس وفرعون وأبو جهل ، فـ : (إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) ، فأقسم أبو جهل أن النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم صادق لا يكذب ، وإنما حمله الحسد أن يكفر فمتى يكون في بني مخزوم نبي ؟! ، فأبو جهل ، لو تدبر الناظر ، أفقه من كثير من رجالات الطريق الذين غلوا في الزهد والرياضة رجاء اكتساب النبوة ! ، فهي عندهم من الكسب ، وأبو جهل قبلهم قد أقر أنها من الوهب فهو ، من هذا الوجه ، أعلم منهم وأفقه ، وهو أعلم وأفقه من كثير من المتأخرين الذين قصروا الدين على قول مجرد ينطق باللسان ، فكان من منازعتهم الوحيَ مرجعَ السيادة والحكم مع زعمهم أنهم مؤمنون مسلمون إذ هم مصدقون ! ، وذلك ما ينطق به صاحبه رياء إن خشي سطوة الشرع أو إنكار الناس بما بقي في النفوس من دين ومروءة فإذا آنس ضعفا أن صارت الدولة لطاغوت يحرض الناس على الكفر حالا أو مقالا ! ، فهو يجترئ فيظهر ما أبطن وينطق بالسوء ويتبجح فلا تجده إلا ساخرا من الدين متهكما وقد كان بالأمس له معظما ولو باللفظ فليس ينصب له عداء ، وإنما يروم التجديد والإصلاح فإذا آنس فرجة أظهر ما يروم من الهدم والإزالة للديانة جميعا ، ولو شعائر أو علوما مجردة في النفوس فَوَدَّ لو مُحِيَ ذكر النبوة من الأرض فهي التي تذكره خسيسته إذ تفضح نقصه وجهله وَتَنْزِعُ منه ما رام من سيادة مطلقة فلا يكون ذلك والنبوة محكمة فهي التي ردت الأمر إلى صاحبه وجعلت الناس جميعا عبيدا في حضرته ، وإن كفروا فليس إلا الجحود والكبر مع يقين في الباطن ، كما كانت حال أبو جهل الذي صَدَّقَ ، ولم يحصل له ، مع ذلك ، من الإيمان ما ينفع إذ لم يؤمن بالباطن فيكون ثم من الخضوع والإقرار ما يزيد في ماهية التصديق فلا يقتصر على العلم المجرد الذي يحصل في كل نفس ، بادي الرأي ، فثم تصديق مخصوص في الباطن ، بل وثم آخر في الظاهر فهو يصدق ما بطن ، من وجه ، وهو يشاطره قسمة الماهية الإيمانية من آخر ، فالإيمان قول وعمل ، باطن وظاهر ، فَثَمَّ من العلم ما بَطَنَ وهو علم التصديق والانقياد ، وَثَمَّ منه ما ظهر وهو شهادة الحق فهي مناط الحكم في الدنيا ، فَبِهَا يَثْبُتُ اسم الإسلام أولا ، فـ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، فحصل بالشهادة إسلام أول ، وهو مما يشترط فيه بالنظر في أحكام الدنيا قَدْرٌ من العمل يصدق دعوى الإسلام الظاهر وهو ما اشترطه النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر آنف الذكر أَنْ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ حَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمَوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" ، فَذَكَرَ الصلاة والزكاة مَعًا في رواية ، وَذِكْرُهُمَا ، لو تدبر الناظر ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وهو جنس ما يجزئ من العمل في حصول اسم الإسلام الأول ، ولو في أحكام الدنيا فصاحبه قد يصدق فيكون ناجيا في الأولى والآخرة ، وقد يكذب فلا اطلاع لأحد عما يضمر غيره إلا أن يظهر منه ما يناط به حكم في الظاهر ، فقد يكذب فيكون معصوم الدم والمال في الدنيا بما أظهر من دعوى الإسلام وبما أقام عليها من بَيِّنَةِ العمل ، ولو جنسا أعم ، فأتى بما يعصم الدم وامتنع عما يوجب استباحته من نواقض الإيمان الظاهرة ، من قول أو عمل ، وإن كان ثم أخرى باطنة فذلك ما لا سلطان لبشر عليه وإنما يحكم الناس بما يظهر والقلوب أمرها إلى من خلقها فوحده ، جل وعلا ، من يعلم ما تكن وتضمر ، فلا بد لِصِدْقِ الدعوى الإسلامية بما يكون من نطق الشهادة ، لا بد من دليل في الخارج من القول والعمل ، فلا بد من استيفاء الشرط وهو أدنى ما يَثْبُتُ به اسم الإسلام من شهادة التوحيد وقدر من العلم به يصدق في صاحبه أنه قد أتى بالجنس العام وإن فاته منه آحاد إلا آحادا قد قام الدليل على كفر تاركها على تفصيل في ذلك ، ولا بد من انْتِفَاءِ المانع ، وهو ما ينقض اسم الإسلام في الخارج من قول أو عمل ، وذكر الصلاة والزكاة ، أيضا ، مما يجري مجرى التلازم بَيْنَ أعظم ركنين بعد الشهادة كما في خبر جبريل المشهور وفيه عَلَّمَ الرسولَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدودا جامعة في الإسلام والإيمان والإحسان ، وهي درجات بعضها فوق بعض ، فأول ما يحصل منها هو الإسلام بما يكون من قول الظاهر وأعماله ، فلا بد من قدر من العمل به يثبت الجنس فهو شرط في الصحة ، ولو ظاهرة ، فالباطن قد يواطئ الظاهر فتكون الصحة النافعة في أحكام الدنيا وأحكام الآخرة ، وقد يخالفه ، فتكون الصحة النافعة في أحكام الدنيا فهي العاصمة كما في الخبر إلا أن يظهر من نَوَاقِضِهَا ما يُوجِبُ انْتِفَاءَهَا واستباحة الدم والمال بحقها على وجه يستوجب فقها بالأسماء والأحكام ، ولا يخلو أن يكون من وظائف الإمامة العامة فلا يستقل به آحاد الناس وإلا كانت فتنة عظمى ، فتأول من تأول كفر من يخالفه وَرَامَ إنفاذ حكم الشرع فيه أن يُقْتَلَ ، فيكون من التخالف في الأديان ما يفضي إلى التقاتل بالأبدان وذلك ما يحل العروة الوثقى ، فإن الناس إذا حادوا عن جادة الرسالة فقد خالفوا عن الأمر المحكم في قول الرب المهيمن جل وعلا : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، وذلك ما عم ، لو تدبر الناظر ، فإطلاقه مئنة من اعتصام في الباطن بأخبار الصدق ، وآخر في الظاهر بأحكام العدل ، ما خص منها وما عم ، ولا يخلو السياق من عموم آخر إذ إضافة الحبل إلى الاسم المحلى "الله" مئنة من العموم فاستغرق حبال الوحي جميعا ، الخبري والإنشائي ، الشرعي والسياسي والأخلاقي ..... إلخ ، ولا تخلو الإضافة ، من وجه آخر ، أن تكون من إضافة الوصف إلى الموصوف بالنظر في دلالة الحبل فلا تخلو في هذا السياق من دلالة العهد ، فهو حبل الوحي الذي جاء بالصدق والعدل وذلك من كلامه ، جل وعلا ، المنزَّل ، فالاعتصام به اجتماع ، فحسن ، من هذا الوجه ، عطف اللازم إمعانا في تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِهِ ، فإن الأمر بالشيء يستوجب في الذهن النَّهْيَ عن ضده ، كما في هذا الموضع ، فالأمر بالاعتصام يستوجب النهي عن الْفُرْقَةِ ، وهي مما أطلق ، أيضا ، فاستغرق الفرقة في العلوم ، والفرقة في الأعمال ، والفرقة في الشرائع ، والفرقة في السياسات ، والفرقة في الأخلاق ..... إلخ على وجه يعم كل ما يلفظ العبد أو يفعل ، فجميع محال الاختيار مناط ابتلاء بما يكون من أمر ونهي ، فَيُبْتَلَى الجنان بما نَزَلَ من الأخبار المحكمات فَبِهَا يَرُدُّ الشبهات العلمية ، وَتُبْتَلَى الأبدان بما نَزَلَ من الأحكام فَبِهَا يُقْمَعُ حَظُّ النفس أن تطغى وتجاوز الحد بما أوتيت من أسباب ، وذلك ما يعم طغيان المحكوم وطغيان الحاكم فما طغى حاكم فجار وجاوز الحد فكان منه ما عمت به البلوى الأديانَ والأبدانَ ، أن عطلت الشرائع وضاقت الأرزاق ، ما كان ذلك إلا أن العامة قد بَغَى بعضهم على بعض بما كان من فائض القوة والثروة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما تظهر آثاره مجموعة في أحكام الدول ، كما تقدم من مثال فارس وأجوارها ، فَفَارِسُ لها من فائض القوة والتدبير ما يفتقره الأجوار من العرب ، فهي تطغى بما أوتيت من أسباب فليس ثَمَّ من لجام الوحي ما يحكم ، وإن انتحلت طريقة في الدين تخدع مَنْ يَغْلُو في الحب والبغض وذلك رِكْزٌ في النفس الفارسية بما كان من الطريقة الكسروية ، فالغلو في الأئمة من جنس الغلو في الحكام ، فثم غلو في الدين وآخر في السياسة ، والمعنى الجامع هو الغلو في الرَّائِدِ القائد ، وإن كذب في النصح وغش في القول والفعل ، فغشاوة الغلو تحجب وبها يطمس الرب ، جل وعلا ، على القلب فلا يبصر ، ولا يكاد يسلم أحد من ذلك إلا من رحم الله ، جل وعلا ، فَثَمَّ في كل نفس طاغوت لا يقمعه إلا الرجوع إلى الوحي فيكون مرجعَ الأمر والنهي إذ يجاوز الأهواء والأذواق فهو يَقْضِي فِيهَا قَضَاءَهُ النَّافِذَ ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، فدلالة النكرة "أمرا" في سياق النفي مئنة من العموم الذي يستغرق العلوم والأعمال ، السياسات والأحكام والأخلاق .... إلخ ، ويستغرق أمر الخاصة في خصومات القضاء ، وأمر العامة في خصومات الدول في السياسة والحرب ، فإن لم يكن ثم من الوحي لجام يحكم فالطغيان الخاص والعام لا حد له ولا غاية ، فضلال بني آدم لا غاية له إن لم يكن ثَمَّ سلوك لجادة الوحي ، وذلك ما أبان عنه أمر آخر في آي الأنعام أَنَّ : (هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، فالأمر هنا قد أطلق فعم ، أيضا ، فوجب الاتباع في العلم والعمل ، في التصور والحكم ، في السياسة والحرب ، فهو من جنس الأمر في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فالصراط المستقيم هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أخبار الصدق وأحكام العدل ، من الآي والأخبار جميعا ، فالوحي كالإيمان ، لو تدبر الناظر ، فهو اسم يدل على مسمى في الخارج له أجزاء وشعب تَتَقَاسَمُ الاسم ، فهي أقسام تحته ، وإن تفاوتت في القدر فاسم الجنس الجامع يستغرقها ، فالوحي تحته أنواع تندرج فيه اندراج جزء في كل ، فهو كتابٌ متواتر ، وَخَبَرٌ أكثره آحاد وبه يصح الاحتجاج ، فكل أولئك ما يدخل في حد الصراط في الآية ، وهو ما يدل على حد التلازم في العقل على أمر آخر أن يُتَّبَعَ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَيُوَحَّدَ في الاتباع إذ أنيط به البلاغ والبيان ، فذلك ، أيضا ، قسيم لتوحيد آخر وهو توحيد المعبود ، جل وعلا ، فلا يكون إلا بتوحيد المبلِّغ عنه ألا يُتَلَقَّى الوحي إلا من مشكاته ، فليس توحيده أن يغلو العبد فيه فَيَتَّخِذَهُ إلها مع الله ، جل وعلا ، فَيَقَعَ في الشرك الذي جاء يحسم مادته فهو يخالف عن قوله بل ويناقض ، وهو ، مع ذلك يزعم أنه محب له تابع ! ، وليس توحيده أن يطرى بالكذب ، فَعَنْ ذلك قد نهى ، فـ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" ، فكان توحيد الاتباع لِمَا نَزَلَ من منهاج الوحي وكان توحيد المبلِّغ المبيِّن لآي الشرع وأحكامه ، وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان النهي في آي الأنعام عن الضد الدائر فهو ينهى عن اتباع السبل ، فهي كثيرة والحق واحد ، إذ ضلال بني آدم ، كما تقدم ، لا غاية له ولا آخر إلا أن يسلكوا جادة الوحي فوحدها ما يحسم في النفوس مادة الطغيان والجور فلا يكون طغيان في الباطن بما يحدث الناس من المقالات العلمية الباطلة ، فلا تخلو من طغيان ومجاوزة للحد ، كما هي حال الممثِّلَةِ إذ غلوا في الإثبات ، والمعطلة إذ غلوا في النفي ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، مما يتلازم في القياس وفي الخارج ، فلا يخلو ممثل عن تعطيل إذ عطل الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى عن أوصاف كماله أن انحط بها إلى دركة الوصف المخلوق ، ولا يخلو معطل عن تمثيل فإنه ما عطل إلا أن وقع ابتداء في التمثيل فالتزم من صورة الباطل ما لا يلزم أن سوى بين المخلوق والخالق فكان من الغلو في الضد أن أسرف في النفي فجاوز الحد وطغى فوقع في التعطيل ، وقل مثله في كل مقال حادث إن في الماضي أو في الحاضر ، كما هي الحال في البلوى العامة في الأعصار المتأخرة ، فثم من جفا في الشرع المنزَّل فَنَبَزَهُ بالبداوة والجهالة ، فلا ينفك صاحب هذا القول يغلو في شرائع الوضع إذ بها يضاهي حكم الوحي ، وذلك فرع عن أصل أول ، وهو الغلو في العقل في مقابل الجفاء في النقل ، فيقدم العقل ودلالته ظنية على النقل ودلالته قطعية ، وإن كان ثم مواضع فيه يدخلها الظن فهي ألفاظ تحتمل التأويل ، فذلك ما قد ضُبِطَتْ أصولُه بما كان من إرث اللسان في الدلالة وطرائق الاستنباط وهي ، لو تدبر الناظر ، تأرز إلى اللسان ، أيضا ، فهي طرائق عقلية بها يحصل منطق باطن يحكيه منطق الظاهر قَوْلًا باللسان ، فمنطق اللسان تأويل لمنطق آخر يتقدمه في الجنان على ما تقدم مرارا من تلازم وثيق بين الباطن تصورا واللسان حكاية والأركان حكما يُصَدِّقُ ما قد قام بالباطن من العلوم والإرادات فهي المرجحات في الخارج بين الفعل والترك ، فإن صح المرجِّح فكان مستمده الوحي صح الحكم فكان ترجيح الراجح فثم دليل من خارج ، كما قال أصحاب الطرائق الفلسفية في باب الممكن فهو الجائز الذي يشاطر الواجب والمستحيل القسمةَ ، فلا بد له من مرجِّح من خارج يجوز الوجود تارة فيصير واجبا لا لذاته وإنما بما احتف به من قرينة مرجحة من خارج ، ويجوز العدم أخرى فيصير مستحيلا لا لذاته ، أيضا ، وإنما بما احتف به من قرينة مرجحة من خارج ، فحصل مِنَ الغلو في الوضع المحدث ما استوجب في المقابل جفاء في الشرع المنزَّل ، بل قد يكون الغلو في الشرع بما كان من غلو وتعصب وهما مئنة من جهل مطبق فصاحبه لا يعلم من وجوه الخلاف إلا واحدا ، وإن في خلاف سائغ ، فَيُحَجِّرُ ما اتَّسَعَ ، بل قد يكون الصواب في قول غيره ، فليس إلا مقلدا يحفظ ولا يفقه ، وإن كان الحق واحدا في جميع مسائل الخلاف إلا أن البغي على المخالف في الإنكار مما يوجب العداوة والنفور ، وإن في مسألة من الفروع تحتمل الخلاف فيكون من تضييع الأصل الجامع أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، يكون من تضييعه ما يذم أن كان ذلك من خلاف في فرع ! ، فقياس العقل يُقَبِّحُ ، بداهة ، أن يهدر أصل رعاية لفرع ! ، وإن كان تحرير الفروع مما يحسن بل ويجب ، والحق فيها ، كما تقدم ، واحد ، فليس ذلك تَهْوِينًا ، وإنما رعايةُ الأصل الجامع تستوجب العدل في الإنكار على المخالف في مسائل الفروع التي تحتمل ، بل وتستوجب عدلا آخر مع من خالف في الأصول ألا يكون الظلم والجور في حقه ، بل يُنْكَرُ عليه بقدر جنايته ، وتكون البراءة منه بقدر ما خالف من الحق فلا يكون غلو في العداوة ، ولا يكون ، في المقابل ، تَهْوِينٌ يضعف في القلب مادة الحب والبغض في الله ، جل وعلا ، فهي أوثق عرى الإيمان ، فقد يكون الغلو في الشرع جهلا بحجة المخالف ، وقد يكون الغلو في الشرع على وجه يهدر دلالة العقل الصريح في استنباط المعاني التي يصح بها التعليل في الأحكام معقولة المعنى كما قد وقع من غلو أهل الظاهر في ألفاظ الرسالة مع جفاء آخر في معانيها ، فأنكروا القياس ، ولو قياسا يسلك جادة الوحي فلا يخالف عن نص أو إجماع ، وإنما يستند إلى أصل ثابت في نصوص الوحي ، وَيَسْتَنْبِطُ منه معنى صحيحا يُؤَثِّرُ في وجود الحكم أو عدمه وهو مع ذلك مما يَنْضَبِطُ فيسهل حده ، فكل أولئك من القياس الصحيح الذي جفا أهل الظاهر فيه بما كان من غلو في ألفاظ الوحي دون استنباط لمعانيها ، وكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، إنما يجري مجرى ما تقدم من طغيان يجاوز الحد ، كما في طغيان الدول والأمم بما لها من فائض قوة أو ثروة ، فإنها لا تطيق في الحكم شركة ! ، فتروم الاستبداد المطلق بالحكم ، وترى أنها الأحق بالأمر والنهي ، فهي معدن الحضارة والفكر وطريقتها في السياسة والحرب هي الطريقة المثلى وإن قارفت من الجنايات ما قارفت فذلك ما تُحْسِنُ تَأْوِيلَهُ فَتُخَرِّجُهُ على أصول العدل وتجعله من نشر الخير في الناس ! ، فتلك دعوى تشترك فيها المقالات كلها ، ومنها مقال الوحي ، فلم يعد ثم بد أن يقيم كل ذي دعوى على دعواه من البينة ما يشهد ، وتاريخ الأمم ، كما تقدم مرارا ، شاهد بما كان من جهاد الرسالة برهانا وسنانا وما كان فيه من الخير العظيم فهو رائد الحكم الرشيد الذي يُبَشِّرُ بدعواه فلا بد له من عدة قتال وحرب فهي عدة الجهاد صيانة للحق أن ينتهك ، وإزالة لكل طغيان يحول بينه وبين القلوب ، وإزالة لكل طاغوت في الحكم أو السياسة يحكم بالوضع فالوحي لا يطيق الشركة ، وكسرى وقيصر لم يطيقوا ذلك فقمعوا المخالف وشنوا الإغارة وكان ما كان من الحروب والملاحم ، فالوحي أحق بذلك فلا يقبل شركة من باب أولى وهو ، مع ذلك ، قد فارق المذاهب الأرضية أن سن من أحكام العدل في السلم والحرب ما به ظهر القدر الفارق والتاريخ ، كما تقدم مرارا ، على ذلك خير شاهد ، وهو ما لم تطقه فارس فإنها لم تَرَ في تاريخ أجوارها من العرب إلا حقبة الجاهلية الأولى والمعاصرة ! ، فلم تَرَ إلا حمرا تَتَهَارَجُ ، وطرقا في الحكم قد تهاوت إلى دركات من رقة الدين وخفة العقل صارت مثار التندر والاعتبار بما يكون من تسلط ظالم على آخر ، وما من ظالم إلا سَيُبْلَى بظالم ، فلم تَرَ فارس إلا ذلك ، وغفلت أو تغافلت عن حقبة زاهرة إذ قد صار الوحي في العرب رائدا فأخرجهم ابتداء من الظلمات إلى النور ثم ابْتَعَثَهُمْ برسم الخيرية المطلقة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وتلك خيرية أوصاف لا أعيان فلم يكن فيها ما في الأكاسرة من غلو في العنصر ومادة الخلق ! ، وذلك ما حكاه ربعي ، رضي الله عنه ، في الأثر المشهور بين يدي رستم الذي أدرك القدر الفارق بين أمة تنهض بالوحي فهي بكر يافعة وأخرى تَتَهَاوَى فهي لا محالة زائلة فلا تطيق الوقف أمام أمة فتية نصوص الوحي فيها غضة طرية ، فلا عجب أن تُقْمَعَ فارس زمن الفاروق ، رضي الله عنه ، وأن تظهر وتعلو في الأعصار المتأخرة فَلَهَا من فائض القوة والتدبير ما يزيد على جوار من العرب بليد لا يفكر قد أهدر خاصة التفضيل فَحَادَ عن جادة الذكر الحكيم ، وَعَطَّلَ من الوحي ما عطل ، فلا نقل ولا عقل ، وسنن الرب ، جل وعلا ، في الكون محكمة فلا تداهن من قعد وتكاسل فلم يكن له من الفضائل ما يوجب له رياسة في الدين أو الدنيا .


والله أعلى وأعلم .