العلم بحر واسع لا حد له ولا ساحل ، فلا يَزَالُ الناس فيه يتفاوتون ، ولا زال دعاء مَنْ هو أعلم أن : (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ، فلم يسأل ربه ، جل وعلا ، زيادة إلا من العلم ، فجاء أمر التكليف أن : "قل" ، وهو ، كما تقدم مرارا ، خطاب مواجهة يكلِّف أول مخاطب وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يخلو من دلالة أعم بالنظر في قرينة التكليف الذي يستغرق كل مكلف تصح إناطة التكليف به من إنس أو جن ، من ذكر أو أُنْثَى ، من مؤمن أو كافر ، فالكافر ، أيضا ، يخاطب وإن لم يكن خطابه بالعبادات والشرائع أولا فثم خطاب أول يصححها وهو خطاب التوحيد فلا يجدي امتثال التشريع شيئا إن لم يسبق بمادة توحيد تصحح ، فالتوحيد أول والتشريع ثان ، فتشريع بلا توحيد في الباطن لا يجزئ في حصول النجاة في الدار الآخرة ، وإن أفاد صاحبه نجاة بالنظر في أحكام الدنيا فلا يكلف أحد أن يشق قلب غيره ليسبر أغواره ويعمل أمؤمن هو أم منافق ، فليس ذلك لأحد ، كما في خبر أسامة المشهور وفيه إنكار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا" ، فذلك استفهام إنكار ولا يخلو من التوبيخ في سياق الزجر فهو يستوجب الجلال في القول ، فَثَمَّ شِدَّةٌ في خطاب الحِبِّ ابن الحِبِّ ! ، فالتشريع مقام إيجاب وفرض لا يُفَرِّقُ بَيْنَ حبيب أو بغيض ، فـ : "ايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، فَضَرَبَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المثل بأحب بَنَاتِهِ إليه ، فذلك يَجْرِي مَجْرَى القياس ، قِيَاسِ الْأَوْلَى ، فإن الحد إن وجب في حق ابْنَتِهِ ، وهي أحب الناس إليه وهي البضعة منه فما يُرِيبُهَا يُرِيبُهُ ، فيجب في حق من دُونَهَا من باب أولى ، فَنَفَى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التهمة ، وَاسْتَشْهَدَ بأقرب الناس إليه نسبا ، وكانت نِسْبَتُهَا إلى أَبِيهَا بالاسم المجرد زيادة في نَفْيِ التهمة ، فكان من مقام الزجر في الاستفهام في خبر أسامة ، رضي الله عنه ، آنف الذكر : "أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ" ، كان منه ما يحسن في مقام النهي ، فإن الاستفهام لا يخلو من دلالة نهي فاستعير استفهام الإنكار لِلنَّهْيِ ، فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قتل من يظهر الإيمان ، ولو تقية ، إذا استوفى من حقيقته في الخارج ما يعصم الدم والمال ، ولم يقارف من نواقضه ما يوجب الاستتابة ، فإن المنافق قد يمتثل الشرع الظاهر فلا يجوز في حقه إلا إجراء أحكام المؤمن مع احتراز منه فَقَدْ وُجِدَ من شبهة النفاق ما يوجب الحذر فلا يُوَلَّى ولاية عامة ، ولا يطلع على أسرار السياسة والحرب فيجري في حقه ما يجري في حق المرتدين لَمَّا راجعوا الدين فَلَمْ يُوَلِّهِمُ الصديق ، رضي الله عنهم ، ولاية عامة بل قد حَرَّمَ عليهم القتال فَنَزَعَ منهم السلاح فلا يؤمن جانبهم بعد ما كان من ردتهم وحملهم السلاح مناجزة لدولة الوحي ، فكان من كمال التَّعْزِيرِ والتأدِيب أن يحارب من ارتد ، فحربه واجبة بالإجماع ، إذ حكمه بعد أن دخل في الإسلام طوعا بلا إكراه ، حكمه أن يقتل إن ارتد ، أو يقاتل إن كان ذا شوكة فجمع الناس لحرب الدولة ، فاجتمع فيه من أسباب القتال : الكفران والبغي ، فكفر بعد إيمان ، وذلك ما يحل الدم ، كما في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ:الثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ" ، فكان من القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء في قول صاحب الشرع المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بإِحْدَى ثَلاثٍ" ، وهو ما يحمل ، من وجه ، على قصر المبالغة لا الحقيقة فالدم قد يحل بجنايات أخرى ، فثم من حدود الشرع ما يُبِيحُ الدم ، كما في فاحشة قوم لوط فهي مما يوجب القتل ، كما في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" ، وكما في إِتْيَانِ البهائم ، فـ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ" ، على خلاف في حكم القتل فَثَمَّ من قال بالتعزير فالدليل عنده لم يثبت ، فكان القصر في الخبر الأول ، خبر الخصال الثلاث التي تُبِيحُ الدم ، والذي حُدَّ حَدَّ الإجمال تشويقا فأجمل الخصال عددا فهي ثلاث ، ثم كان البيان بعد الإجمال على حد التوشيح فذلك آكد في تشويق المخاطب الذي يستشرف فَيَرُومُ البيان بعد الإجمال ، فجاء البيان الذي أطنب على حد الإيجاز بحذف المسند إليه على تقدير : هي كذا وكذا ، ومحل الشاهد ما يكون من ترك الدين ، فدلالة "أل" في "الجماعة" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَالتَّاركُ لِدِيْنِهِ المُفَارِقُ للجمَاعَةِ" ، دلالة عهد خاص فهي جماعة الإسلام ، وهي جماعة أعم من جماعة السنة التي ورد الأمر بملازمتها في أخبار أخرى ، فالمخالفة عَنْهَا تُوجِبُ الذم والزجر ، بل وقد توجب من التَّعْزِيرِ ما يبلغ في أحيان حد القتل لا سيما إن كان المحدث المفارق لجماعة السنة رأسا في بدعة كبرى ، وقد يجتمع فيه من الموجب للقتل ، الحدُّ والتعزيرُ ، فتكون بدعته مما ينقض أصل الدين الجامع ، سواء أكان ذلك نَوْعًا أم عَيْنًا ، فَثَمَّ من نوع البدعة المارقة ما يوجب انْتِقَاضَ الأصل بالنظر في الجنس العام فالحكم على الآحاد في هذه الحال مما يفتقر إلى قدر زائد من النظر ، فالإجماع في هذه الحال على المناط العام ، وأما تحقيقه في مُعَيَّنٍ فذلك محل نظر قد يخالف فيه ناظر أو حاكم يَرَى أن العلة لم تحصل في المحل المحكوم فلا يجري عليه الحكم ، وقد يرى آخر تحقق المناط وحصول العلة فَيَحْكُمُ في العين المخصوصة ، وثم من نوع البدعة ما يوجب الحكم في كل عين تَنْتَحِلُ هذا المقال ولو في أحكام الدنيا فقد يكون من الجهل ما يعذر به صاحبه إذ ظن مقاله توحيدا صحيحا ، فلئن عذر ففي أحكام الآخرة ، وأما في الدنيا فمقال من قبيل المقال الباطني لا يُحْكَمُ في أعيان من يَنْتَسِبُ إليه إلا بالمروق التام من الدين فيكون الحكم على النوع والعين معا ، فَيَسْتَتِيبُهُ الإمامُ استتابةَ المفارق لجماعة الإسلام وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرَ المفارق لجماعة السنة على وجه قد يوجب القتل ، كما تقدم ، فَقَدْ فَارَقَ الدين بِبِدْعَةٍ كُبْرَى ، وفارق السنة بها ، أيضا ، فذلك مما يَثْبُتُ من باب أولى ، والأحاديث والآثار في ذم من فارق الجماعة كثيرة تكاد تَبْلُغُ حد التواتر ، وإن بالنظر في معناها الجامع ، وهي ، لو تدبر الناظر ، جماعة السنة الَّتِي لا تقتصر على السنة المدونة فالسنة عقد وعمل ، فهي الدين كله بالنظر في سن الرسالة أحكامَ الديانة فَسَنَّتْ بالوحي ، كتابا وخبرا ، سنت من الأحكام ما هو فرض وما هو ندب ، فالسنة في اصطلاح من تفقه في الفروع هي المندوب المستحب ، وهي في اصطلاح من تحمل الأخبار ورواها بالإسناد ، هي ما حفظ في الصدور ودون في السطور ، فذلك أول ما يتبادر إلى ذهن المخاطَب ، وهو الأصل فإن السنة علوم مأثورة رويت بالإسناد فحفظت من الضياع والنسيان ، وحفظها ، لو تدبر الناظر ، حتم لازم لحفظ التنزيل المتواتر ، فإنه يحتمل في ألفاظٍ ، فَفِيهِ من المتشابهات ما يجب رَدُّهُ إلى المحكمات ، فمتواتر الوحي قد يدخله الاحتمال بالنظر في المعنى فيكون من الظني في دلالته وإن تَوَاتَرَ في لفظه ، فالقطعية : قطعية لفظ يُنْقَلُ تَوَاتُرًا ، وقطعية معنى يستنبط نصا فلا يحتمل ضدا ولو مرجوحا ، والظنية كذلك فمنها ظنية لفظ ينقل آحادا ، وظنية معنى يستنبط ظاهرا فيحتمل ضدا ، ولو مرجوحا ، فالعمل به يَتَعَيَّنُ مع احتمال التأويل إذا كان ثَمَّ من القرائن ما يعتبر فهو يصرف الظاهر من الوجه الراجح إلى الوجه المرجوح ، فضلا عن مواضع أخرى يزيد فيها الاحتمال فيكاد الوجهان أو الوجوه تَتَسَاوَى فلا بد من مُرَجِّحٍ من خارج ، فاللفظ قد تَتَكَافَأُ دلالاته وإن في نظر المستدل الذي لا يفطن إلى دليل ترجيح ، فإذا تكافأت الدلالات وجب التوقف حتى يظهر دليل الترجيح فإنه لا يوجد في الوحي مناط إشكال لا يَزُولُ فذلك ما لا يكون إذ يخالف عن معنى البيان التام الذي جاءت به الرسالة فلا يجوز فيها تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولا يضيع فيها الحق وإن خفي ودق دليله مع أن ذلك ، لو تدبر الناظر ، لا يكون في الأصول الدينية التي لا تحصل نجاة إلا بها ، فالوحي قد أَبَانَ أصول الدين العلمية والعملية ، وما كان من خلاف فلا يكون إلا في الفروع الجزئية ، وفيها من الواجب جملة ، ولكنه لا يضاهي بداهة الواجب الأول : واجب التوحيد وما يحتف به من أصول رئيسة لا تقوم حجة الرسالة إلا أن تُبَيِّنَهَا بَيَانَ القطع فلا احتمال ، فهي ظاهرة الدلالة ، بل النص عليها قد تَعَيَّنَ ، فكانت رحمة الرسالة العامة أن أَبَانَتْ عن الأصول الرئيسة التي لا يحصل إِيمَانٌ يجزئ إلا بِهَا ، سواء أكانت أصول علم أم عمل ، وإنما جاز الخلاف في الفروع مع ورود الدليل المرجِّح ، فلئن خفي على مستدل فلا يخفى على غيره فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة الرسالة في كل نازلة ، فيكون من العلم ما قد يخفى ولكنه لا يندثر فلا تكون الأقوال جميعا خلاف الحق ، فذلك إجماع على مخالفة الحق ، وهو يضاهي في الدلالة الإجماع على الباطل ، وكلاهما مما عُصِمَتْ منه الأمة الخاتمة ، إن في الفروع أو في الأصول من باب أولى ، فهي الأمة العدل الشاهدة على غيرها ، وقد تكون الرحمة في أحيان أن يخفى الحق في فرع دقيق فيكون من رخصة الاجتهاد ما يرفع الحرج فلا يكون تحجير الواسع في مواضع يسوغ فيها الخلاف ، وإن كان الحق واحدا في كل خلاف فلا بد من مصيب له وغيره يخطئ فلا يَتَعَدَّدُ الحق إن في الأصول أو في الفروع وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما لا يقتصر على أحكام العقل وإنما يعم أحكام العادة ، فعلوم التجريب تحتمل ، والحقائق في الخارج واحدة وإن اختلف فيها النظار ، فَرَجَّحَ بَعْضٌ ما استبان له دليله فكان من خواص المادة ما يدل على عينها ، فَتَتَبَّعَ الباحث الوصف ليبلغ الحقيقة والماهية كما يكون في التجارب العملية ، فيوضع في حيز الاختبار من الكواشف ما يتفاعل مع المادة محل البحث ، فثم نتائج قد علمت بالاستقراء فهي من أحكام العادة التي اطردت والناظر يرصدها ويسجل ويروم تأويلها فيضع من معادلات التفاعل ما يفسر هذا السلوك سواء أكان ذلك تَخَيُّلًا أم كان نَظَرًا بوسائل بحث تدق ، فإذا وجد الباحث نَتِيجَةً رجع إلى ما دُوِّنَ وَاسْتُقْرِئَ ، فالناتج في هذه الحال دليل على مادة كذا وكذا ، خلاف ما لو اختلف فأعطى نتيجة أخرى فتكون المادة كذا وكذا ، فيكون من الاحتمال ما يُبِينُ عنه البحث والتجريب ، وقد يكون ثَمَّ من الاحتمال فيكون من تقارب النتائج ما يوجب التوقف ، فسلوك المادة حال التفاعل يشابه أخرى ، مع قدر فارق ، ولو دق ، لا يدركه إلا آحاد النظار ممن لهم في هذا الشأن باع ، فَيُدْرِكُونَ من وجوه الترجيح ما لا يدركه غيرهم ، ولهم من قوة الحس ما يفوق ، فيرصدون نتيجة تحسم الخلاف ، وإن لم يرصدها غيرهم ، فيجب في حق من لم يَرْصِدْ أن يَتَوَقَّفَ إذ لم يظهر له وجه ترجيح ، ويجب عليه في المقابل الحكم إذ ظهر له وجه الترجيح ، وفي كلتا الحالين لا تكون المادة إلا واحدة بعينها فلا تكون اثنتين بداهة ، وكذلك الشأن في علوم التشريع ففي مواضع الترجيح قد يخفى الدليل على ناظر ولا يخفى على آخر ، فيجب على الأول التوقف ، ولا يجب على الثاني ، بل يجب عليه ضده فيحكم إذ ظهر له الدليل ، فذلك قياس الحكمة أن من علم نطق ، ومن جهل لم ينطق ، فيطرد الحكم وينعكس ، فلا يكلف ما لا يعلم فذلك مما نَهَى عنه الوحي ، فـ : (لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ، فالنهي قد تَسَلَّطَ على المصدر الكامن في الفعل "تَقْفُ" ، وذلك عموم في العامل ، وثم آخر في المعمول وهو الموصول "ما" ، وهو مما حُدَّ لِغَيْرِ العاقل ، فالعلم وصف والوصف مما يُنَزَّلُ منزلة ما لا يعقل ، ولا يخلو من إجمال يفتقر إلى بيان الصلة فكان الإطناب بمجمل استرعى الأذهان ثم كان البيان ، فمناط النهي هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة "ليس لك به علم" وهو المجهول ، وذلك تكليف عام وإن توجه الخطاب ، بادي الرأي ، إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو أول مخاطِب بالوحي وهو أول مكلف بالأمر والنهي ، فلا يقتصر التكليف على المخاطَب الأول ، فإن خطابه ، من وجه ثان ، خطاب التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ الذي يَعُمُّ ، فذلك الأصل في خطاب الوحي ، وهو الظاهر المتبادَر الذي لا يعدل عنه الناظر إلا لقرينة صارفة توجب العدول عن الأصل فتقصر الخطاب على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو على آحاد من أمته اختصوا في مواضع بأحكام لا تجاوزهم فتلك وقائع أعيان لا يقاس عليها ، كما يقول أهل الشأن ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بُرْدَةَ رضي الله عنه : "اذْبَحْهَا ، وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ" ، فخصه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الحكم تخصيص العين فلا يجزئ من سواه ، فنص على ذلك احترازا ، فكان من طباق السلب ما استوفى شطري القسمة نَفْيًا يَعُمُّ ، فـ : "لَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ" ، وإثباتا أن "اذبحها" ، فذلك أمر إباحة في موضع خاص يجري مجرى الرخصة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فقد تكون رخصة في محل بعينه ، كما في هذا الموضع ، وقد تكون رخصة في وصف بعينه ، فيكون قصر العام لا على عين السبب كما في خبر أبي بردة ،رضي الله عنه وإنما على صورته ، كما قال من قال في حديث سهيلة ، رضي الله عنها ، في رضاع الكبير ، فاختلف النظار فيه أهو من الرخصة الخاصة بعين النازلة فلا تجاوزها إلى غيرها سواء أشاركتها الوصف أم لم تشاركها فلا يكون ترخص من باب أولى ، أم هو من الرخصة الخاصة بصورة النازلة فيجاوز الحكم صورة السبب إلى نظائرها مما يكون فيه الحرج الذي رفعه الشرع المحكم برخصة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فهي ، كما تقدم ، مما يجري مجرى الضرورة ، فَتُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ولا يجاوز الناظر حدها ولا يقصر عنه ، فيجتهد أن يصيب الحق فهو العدل بين الجفاء نقصا والغلو زيادة ، فيناط الحكم ، في هذه الحال ، بوصف خاص يوجب الترخص فلا يعم كل مكلف ، وإنما يجري مجرى ما تقدم من الضرورة التي تقدر بقدرها ، فإذا حصل الوصف الطارئ كانت الرخصة تيسيرا ، وإذا لم يحصل لم تحصل ، فالمشقة تجلب التيسير فإذا ارتفعت ارتفعت الرخصة ، فيطرد القياس وينعكس على وجه صحيح محكم تُضْبَطُ به الشرائع فلا يكون الحرج الذي يضيق ويحجر الواسع ، ولا يكون في المقابل التوسع الذي يجاوز الحد فيفضي إلى نَقْضِ عرى الشرع بذريعة التيسير على أصحاب الحاجات ! ، فالحق وسط بَيْنَ طَرَفَيْنِ ، وفضيلة بَيْنَ رذيلتين ، وذلك ما يطرد في جميع الأحكام سواء أكانت أحكام إثبات ونفي في العلوم أم أحكام أمر ونهي في الأعمال ، فالأصل في الخطاب أن يعم ، فتوجه في الآية آنفة الذكر أَنْ : (لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ، توجه إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكليفا بالامتثال أن لا يَتَتَبَّعَ ما لا يعلم ، وقد يَرِدُ على ذلك أنه أعلم الناس ، فقد نَزَلَ عليه من الوحي ما امتاز به فلا يضاهيه أحد من أمته ، وإن علم من الحق ما علم ، فلا بد أن يجهل حكم الوحي ، ولو في مسألة ، ليظهر القدر الفارق بين العلم الموهوب والعلم المكتسَب ، فعلم الوهب ، وهب النبوة ، علم معصوم في الأصول والفروع ، وعلم الكسب يحتمل الخطأ على وجه قد يصح فيه العذر وقد لا يصح ، على تفصيل في ذلك ، ولا يدخل في الوهب ما يكون من الكشف ونحوه فالقول إنه وهب هو عين الوهم ، فلا عصمة لذوق أو كشف أو رؤيا ..... إلخ ، فكل أولئك من الظني الذي لا يسلم الاستدلال به إلا أن يُعْرَضَ على القطعي من نصوص الوحي فهو الذي يَقْضِي في المتشابه من الآراء والأذواق ، فالوحي محكم وما سواه متشابه ، وقياس العقل الناصح أن يُرَدَّ المتشابه إلى المحكم ، لا أن يُعَارَضَ الثاني بالأول كما يقع لأهل الأهواء ، فلا يَنْفَكُّ استدلالهم يكون بالمتشابه فهو حَمَّالُ أَوْجُهٍ ، فَيَعْدِلُونَ عن الظاهر الراجح إلى مرجوح بعيد بلا قرينة تأويل صحيحة ، وقد تَبْلُغُ بهم الحال أن يخترعوا دلالات لا عهد لمستدل بها ، وإن بوجوه بعيدة أو مهجورة ، فيكون من إحداث الدلالات ما يلحق صاحبه بأرباب السفسطة ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في عموم النهي في الآية أَنْ : (لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ، فلا يكلف المخاطَب أن يُفَتِّشَ في العفو مما سكت عنه الرب ، جل وعلا ، رحمة غير نسيان ، فكان من الأدلة والآثار ما يشهد بذلك ، فقال من قال من السلف : "من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها ولا للمسئول أن يجيب فيها" ، فهي مسائل تدق لا يَنْبَنِي عليها عمل ، فالجهل بها لا يضر ، بل قد يكون فيها من العلم ما لا تحسن الإجابة به في هذا الموضع بعينه ، فيكون الجواب ذريعة فساد وفتنة ، لا أن العلم ، في نفسه ، يَفْتِنُ فهو يهدي وَيُرْشِدُ وإنما قام من القرينة في الخارج ما أوجب السكوت في هذه الحال فلا يُبَثُّ كل علم في العامة ، ولا يجيب المفتي في كل نازلة ، فقد لا يعلم فلا يفتي وهو يجهل ، فذلك ، أيضا ، مما يدخل في عموم النهي في الآية أَنْ : (لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ، وقد يعلم ولكن يحصل من القرائن ما يوجب السكوت ، أو يجب التأخير في البيان حتى يكون الأمن من الفتنة ، فلا يجيب في زمن الفتنة بما يُذْكِي نَارَهَا ، ولا يجيب من لا يفقه الألفاظ والدلالات فَيُحَمِّلُهَا ما لا تَحْتَمِلُ أن تُوَافِقَ ما يهوى ويجد ، قصدا أو جهلا ، ولا يجيب من يروم ذريعة إلى شر ، فهو يستدل بالحق في موضع الباطل ، فيجاوز به عن حد الشرع ، فكل أولئك مما يجب فيه التوقف فلا يجيب المسئول ، سواء أكان الأمر من فضول النظر ونوادر المسائل التي غلا في تقديرها من غلا من المتأخرين حتى آل أمرها أن تصير تَرَفًا من العلم فهي مُلَحٌ يَتَفَكَّهُ بها النظار وَيَتَنَمَّرَ بها الْمُرَاءُونَ في مجالس الجدال والنظر فلا تفيد علما ينفع ، بل قد تكون مناط تباغض وتطاعن ، فَتُثِيرُ الأحقاد في الصدور فكلٌّ يروم العلو على الخصوم ، ولا يكون من حسن القصد ما يُلْجِمُ ، فلا يجيب المسئول في فضول المسائل كما اشتهر في فقه التقدير عند المتأخرين فكان افتراض النوادر بل والمحالات التي لا تَقَعُ ، فغايتها أن يفرضها الذهن ، فجاوز المتأخرون ما كان من صنيع المتقدمين في هذا الباب على خلاف مشهور بين أهل الحديث وأهل الرأي ، فالمتقدمون من أهل الرأي سلكوا هذه الجادة في التقدير لِمَا لم يَقَعْ ولكنهم لم يغلوا فيها غلو المتأخرين وإنما جعلوها دربة على النوازل ، فكان فيها من العلم النافع ما ليس في تقدير المتأخرين الذين زادوا في تفريع المسائل وتشقيقها فكان من التكلف والتنطع ما لا يخفى وهو ما ضَيَّعَ الجهد وَبَدَّدَ العمر ، فيما لا ينفع وَصَرَفَ النُّفُوسَ عما يَنْفَعُهَا في دين أو دنيا ، في علم أو عمل ، فَشُغِلَتْ بِفُضُولِ المسائل وَتَرَفِ المجالس عن واجب الوقت الناجز ، بل وكان ذلك ، كما تقدم ، ذريعة فرقة واختلاف قد نَهَى عنها الوحي ، وَذَمَّهَا صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ خرج على الناس وقد علا صوتهم بالجدال فَتَرَاشَقُوا بالآيات على وجه جاوز حد العدل أن يكون الجدال بالتي هي أحسن ، وأن يكون له ثمرة تَنْفَعُ ، فلا يثير الشبهة بما يكون من الاستدلال بألفاظ ظاهرها التعارض ، وكل عن رأيه ينافح ، وإن تأول له من قصد الحق ، وتأول له وجها من الاستدلال ولو غريبا مهجورا فضلا أن يكون باطلا لا أصل له في نقل أو عقل أو لسان ، فالجدال بلا حسنى يحمل صاحبه أن يتأول انتصارا من خصمه فلا يروم إلا إبطال قوله ، وإن كان فيه حق ينفع ، فيرد باطله ويزيد أن يرد ما فيه من حق ، فضلا أن يكون مقال الخصم هو الحق الخالص فَتَضِيقُ نفسه أن يظهر الحق على لسان غيره ، فكل أولئك من حظ النفس الذي يخفى ولا يسلم منه إلا من رحم الرب الأعلى ، فلا يجيب فيما هو من الفضول التي لا تَنْفَعُ ، ولا يجيب إن كان في جوابه فتنة ، سواء أكان المخاطب يعلم فهو يَرُومُ من الفتوى ما به يستجيز شرا ، وإن كان الدليل حقا ولكنه يمكر إذ يُحَمِّلُهُ من الباطل ما لا يحتمل ، فَغَرَضُهُ رخصة بها يفسد فلا يشرع جوابه بما يسوغ فساده ، بل ويشرع من جوابه ضد يزجره كما في خبر ابن عباس ، رضي الله عنه ، إذ جاءه رجل فسأله: هل للقاتل من توبة، فصعّد النظر وصوّبه ثم قال له: ليس للقاتل توبة؛ فولّى الرجل، وقال له أصحابه: كنت تقول إن للقاتل توبة، فقال: إني رأيته مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا؛ فسددت الطريق عليه فقلت: ليس للقاتل توبة .
فلا يجيب إن كان ثَمَّ فتنة سواء أكان السائل يعلم أم كان جاهلا لا يطيق العلم ، فلا يكلف بما لا يفقه ، فالعلم شرط في التكليف ، وتكليفه ما لا يعلم كَتَكْلِيفِهِ ما لا يقدر كأن يكلف أن يطير وليس يطيق ذلك فتكليفه به عبث ، وفيه من المشقة والحرج ما رفعه الشارع ، جل وعلا ، رحمة بعباده ، فذلك ما يدخل في حد النهي أَنْ : (لَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ، ويرد عليه ما تقدم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الأعلم بما أوتي من الوحي المعصوم ، فإما أن يكون الأمر من باب خطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإرادة أمته فخوطبت في شخصه ولم يدخل في عموم الخطاب لقرينة العصمة ، فيكون ذلك من قبل خطاب التحذير بالوعيد في قوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فلا يُتَصَوَّرُ الشرك في حق البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو في حقه من المحال بالنظر في قرينة العصمة ، وإن جاز فالنظر في مطلق الجبلة قبل أن تَرِدَ عليها قرينة العصمة التي قضت بامتناع ذلك في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإما أن يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم داخلا في حد الخطاب إذ ثم من الحقائق ما لا يعلم ، فلا يعلم إلا ما عَلَّمَهُ الرب ، جل وعلا ، وما لم يعلم فلا يكلف إذ لا يطيق له دركا ، والتكليف ، كما تقدم ، لا يكون إلا بمقدور يستطاع ، والاستطاعة تستلزم العلم بالشيء ، فذلك أول التكليف قبل النظر في الفعل أمقدور هو أم غير مقدور فلا بد من العلم أولا إذ به يحصل التصور قبل الحكم فإذا جهل المحكوم فَلَمْ يتصوره العقل فكيف يحكم فيه وهو لا يدركه ؟! ، فَثَمَّ من ألفاظ الإلهيات ومعانيها ما لا يعلمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن كان أعلم الناس بِرَبِّهِ ، جل وعلا ، فـ : "لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ" ، فلا يكلف البحث فيها فضلا عن الماهيات والحقائق في الخارج فلا يعلمها أحد وإن علم اللفظ والمعنى كما يُضْرَبُ المثلُ ، أيضا ، بما صح من نصوص الإلهيات فَثَمَّ ما تَوَاتَرَ في الكتب وثم ما هو من الآحاد الصحيحة التي يحتج بها في كافة مسائل الشريعة ، فلئن علم الناظر منها معنى صحيحا يناط به التكليف تصديقا وامتثالا بما يدل عليه إن دعاء ثناء أو دعاء مسألة أو عملا بمعناها إن كان مما يحسن في حق العبد المكلف فَثَمَّ من الأوصاف ما لا يحسن في حق العبد أن يعمل بمعناها كأوصاف الجلال كبرياء وعظمة ، فذلك مما اختص به الرب ، جل وعلا ، وحده ، فَلَئِنْ علم الناظر من المعنى ما يصح به التكليف والتعبد إلا أنه لا يعلم الحقيقة والماهية فذلك مما حُجِبَ في هذه الدار ، بل وفي دار النعيم لا يحيط المخلوق بالخالق ، جل وعلا ، وإن رآه رؤية التَّنَعُّمِ فهي رؤية إدراك لا إحاطة ، فلا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، جل وعلا ، إن في الدنيا أو في الآخرة ، فالأصل ، لو تدبر الناظر ، يستغرق الأولى والآخرة ، فلا يحيط المخلوق بالخالق ، جل وعلا ، لا في الأولى ولا في الآخرة ، فلا يحيط به في الأولى أن يَرَاهُ ، ولو مطلق الرؤية ، فـ : "لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" ، ولا يحيط بِجُمَلٍ من أوصافه قد استأثر بها في علم الغيب عنده ، ولا يحيط به في الآخرة وإن رآه في دار النعيم فتلك رؤية التنعم لا الإحاطة ، فاطرد الأصل في الدارين وهو جَارٍ على قياس العقل الصريح فالناقص لا يحيط ، بداهة ، بالكامل ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فكل أولئك مما نُهِيَ عن اقْتِفَائِهِ ، فالعموم في "ما" يستغرقه جميعا ، فهو داخل في حد الصلة التي أنيط بها الحكم "لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" ، فيدور معها دوران المعلول مع علته ، وهو نهي لا يخلو من دلالة على ضده ، فالمنطوق نَهْيًا عن فعل يستلزم مفهوما يأمر بضده ، فَيُفِيدُ الأمر باقتفاء ما يعلم المخاطَب ، وذلك ، أيضا ، مما يدخله التخصيص فلئن علم أخبارا وأحكاما فلا يحدث بكل ما يعلم ، فـ : "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع" ، فقد يكون الواجب هو السكوت لا كتمانا للعلم فذلك ما لا يجوز في مواضع البيان ، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإن جاز تأخيره عن موضع السؤال ، وجاز تأخيره في أحيان فلا يحدث به من لا يفقه معناه أو يُحَمِلُّهُ ما لا يحتمل ، علم أو جهل ، وجاز تأخيره إن كان فضولا يشغل عما هو أولى ، أو كان واجبا غير ناجز وثم من العاجل ما لا يحتمل التأخير فيكون من الترجيح ما يحسن إذ تزاحمت الواجبات فيقدم ما هو أولى ، فجاز تأخير البيان في أحوال فلا يدخل ذلك في حد الكتمان بل ذكره مظنة فتنة لا أن العلم في نفسه يفتن ، وإنما قد يقصر المخاطَب أن يدركه ، وذلك ، بداهة ، ما لا يكون في أصل ، فأصول الدين علما وعملا قد استبانت وهي مما يستوي فيه العام والخاص ، وإنما يظهر التفاضل في الدقائق من الفروع ، فيكون فيها راجح ومرجوح ، والحق فيها ، كما تقدم ، واحد ، والناس فيه بين مصيب ومخطئ ، فوجب من التحري في الفتوى ما به يسلم المفتي من التبعة ، فحسن في هذا الموضع أن يُشْفَعَ النهي بخبر مؤكد قد صدر بالناسخ "إِنَّ" في قوله تعالى : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) ، فهو يجري مجرى التعليل ، فيكون من جواب سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة النهي الذي تَقَدَّمَ صدر الآية ؟! ، فجاء الجواب الذي عم مواضع الإدراك ما بطن من القلب وما ظهر من السمع والبصر ، فقدم السمع والبصر فهما مبدأ الاستدلال في الظاهر ، وبعدهما يكون استدلال آخر في الباطن ، فالفؤاد مناطه إذ يتدبر المعنى وينظر فيه نظر الترجيح حال الاحتمال ، فهو يجتهد في الاستنباط بعد حصول الصورة السمعية والبصرية ، فالصورة العلمية تعقبهما في الوجود ، فكان العطف على الترتيب وإن أفادت الواو مطلق التشريك فقد يرد من القرينة ما يوجب حملها على الترتيب ، وذلك ، أيضا ، مثال على تأويل صحيح اقتفى فيه الناظر علما فلم يقتف ظنا أو خرصا بلا علم لا يغني من الحق شيئا فرجح بغير مرجح ، وفارق الظاهر المتبادر إلى آخر بلا قرينة توجب ذلك ، فالتأويل في هذه الحال يُرَدُّ خلاف تأويل آخر له قرينة صحيحة من السياق أو النظر ، أو قرينة في موضع آخر كما قد يضرب به المثل من العطف بالواو في آية الوضوء : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ، فقد يحتج مستدل أن الواو تفيد مطلق التشريك فلا حرج إن خالف المتوضئ عن الترتيب ، فيجيب المخالف بقرينة من السياق إذ العدول عن حكم الغسل إذ فصل بممسوح ، وهو الرأس ، ثم رجع إلى مغسول وهو القدم ، ذلك العدول مما يصح به التأويل فهو قرينة تعدل بالواو عن أصل الوضع ، فتفيد في هذا السياق التشريك والترتيب معا ، فضلا عن قرينة أخرى في سياق آخر من الوحي وهو السنة التي أبانت عما أُجْمِلَ من الكتاب ، فهي ، من وجه ، قاضية عليه وليس بقاض عليها ، كما أُثِرَ عن بعض السلف ، وإن كان ثم نظر يوجب الاستدراك فَلَيْسَ قضاؤها فيه قضاء الحجية بل هو الذي يقضي فيها بذلك فما صارت حجة إلا بأمره ونهيه ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وإنما قضاؤها فيه قضاء التَّبْيِينِ لما أُجْمِلَ من معانيه ، ومنها هذا الموضع ، إذ احتمل السياق تشريكا بلا ترتيب أو آخر يجب فيه الترتيب فجاءت السنة تُبِينُ عن ذلك إذ تَوَضَأَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاطرد من وضوئه الترتيب ، وتلك أمارة إيجاب ، ففعله آنذاك من البيان الذي لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، فَيُبَيِّنُ للناس أحكام الدين ، ومنها الوضوء ، فكان من فعله بَيَانٌ لألفاظ الوحي ، فالبيان يحصل بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكل أولئك من النظر الذي يحسن فهو يستند إلى قرائن معتبرة ، وهو يستنبط من الأحكام ما ينفع بل ويجب فليس فضولا من القول في ملح أو نوادر لا تكاد تقع ، فصاحبها يخالف عن مقتضى الحكمة إذ يؤخر ما حقه التقديم من واجب الوقت ، ويقدم ما حقه التأخير من فضول القول الذي لا يَنْبَنِي عليه عمل ، فكان من الحكمة في أحيان أن يخفى وجه الحق في المسألة ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، في أصل ، فَلَئِنْ خفي بما يكون من إجمال باشتراك أو نحوه ، فذلك ما يكون في الفروع ، فيكون من السعة في الاجتهاد ما يَرْفَعُ الحرج ، فالخلاف سائغ وإن كان الحق واحدا ، ويكون من امتياز أهل العلم إذ يَتَفَاضَلَونُ ، فثم العالم وثم الأعلم ، وثم من يظهر له لفظ دليل أو وجه استدلال في المسألة وثم من لا يظهر له ذلك وإن كان أعلم من الأول في الجملة فذلك نظر المجموع لا الجميع فلا يوجب ذلك أن يكون أعلم منه في جميع المسائل بل قد يسبق المفضول الفاضل في مواضع فيعلم من الألفاظ أو المعاني ما لم يعلمه الفاضل ، وذلك فضل الله ، جل وعلا ، على عباده فالعلم رزق قد قُسِمَ ، وهو أشرف ما يطلب ، فكان من خفاء الحق في مواضع ما امتاز به أهل العلم ، فهم على درجات ، فـ : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، و : (فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) ، وذلك أشرف ما تطلب فيه الزيادة ، كما تقدم من دعاء صاحب الرسالة في قوله تعالى : (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ، فجاء دعاء الثناء الذي صدرت به الآية ، وهو من الخبر الذي يراد به الإنشاء ، ولا يخلو من دلالته الوضعية ، دلالة الإخبار إذ يثبت وصف العلو لله ، جل وعلا ، ولا تخلو الماضوية في "تعالى" من زيادة تقرير وتوكيد فذلك من الوصف الذاتي المعنوي الذي ثبت لله ، جل وعلا ، أزلا وأبدا ، فهو الأول بالعلو العام وهو الآخر به ، وهو العلي علو الاستواء الخاص على أعظم المخلوقات ، فذلك من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة النافذة ، وكان من الإطناب في الثَّنَاءِ ما يحسن توطئة بَيْنَ يدي المسألة ختام الآية أن : (قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ، فجاء الإطناب بالثناء باسمي الملك والحق ، وبعده جاء النهي في قوله تعالى : (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ) ، ولا يخلو من دلالة الإرشاد والعناية تَرَفُّقًا بصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يكلف نفسه من التعجل ما يجهده ، فـ : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، وفي الختام كانت المسألة أَنْ : (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ، فكان من دعاء الثناء ، أيضا ، ما صدرت به المسألة ، فصدر الطلب بعنوان الربوبية العام ، فكان الثناء صدر الآية باسم الله ، جل وعلا ، وكان الثناء آخرها باسم الرب ، تبارك وتعالى ، في سياق الطلب ، ولا يخفى ما بينهما من التلازم ، فإن التأله الذي اشتق منه اسم الله لازم في النقل والعقل لمعنى الربوبية ، فمن رب الكائنات بنعمته هو وحده من يحكم فِيهَا بشرعته إيجابا ونهيا ، فلا يحكم غيره إذ لا يخلق غيره ، ولا يُعْبَدُ غيره إذ لا يَرْزُقُ غيره ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بعلم ، فهو أول تكليف ، فيسبق العمل في الذكر إذ هو المنشأ ، فالتصور يسبق الحكم ، فجاء الطلب أَنْ : (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) ، وهو ما أطلق فاستغرق علم الأصول والفروع ، علم الأخبار والأحكام ، ودلالته قد تزيد فهو يستغرق علم الدنيا والدين فيستغرق ما ينفع الناس في المعاد والمعاش جميعا ، ولا يخلو إطلاقه من نوعية تفيد في هذا الموضع التعظيم والتكثير فالعلم ، كما تقدم ، صدر الكلام ، بحر لا ساحل له ولا حد ، ولا يخلو الإطلاق من دلالة عهد خاص فهو ينصرف إلى العلم النافع الذي يُبْنَى عليه عمل فخرج من العلم ما يضر ، أو ما لا ينفع لفساد في القصد الباطن ، أو لترف من القول زائد أو لواجب يحتمل التأجيل قد نازعه ما لا يجوز فيه التأخير ، فلا يقدم ما حقه التأخير ولا يؤخر ما حقه التقديم فذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس العقل الصريح .

والله أعلى وأعلم .