مما عقده بعض من صنف في العقائد من المحققين الأوائل ، مِمَّا عقده في كتابه بَابٌ يذكر فيه "غلو الخوارج والمعتزلة والرافضة في تأويل الأحاديث التي وَرَدَتْ في نَفْيِ الإيمان عمن ارتكب الكبيرة" ، والمصنف يستعمل اصطلاح التأويل ، وذلك ما يحمل على المعنى المتأخر ، وهو ما اصطلح عليه أهل الكلام ، إذ زَادُوا في اصطلاح اللسان الأول ، فالتأويل مئنة من رجوع شيء إلى آخر ، فآل إليه الأمر إذا رَجَعَ ، فَيَؤُولُ اللفظ إلى مَعْنًى تَوَاتَرَ في لسان المتكلم ، فهو رمز أو دليل على معنى استقر في الأذهان فصار من المعلوم الضروري إذ يَتَدَاوَلُهُ الناس في كلامهم فهو من الدارج الذي يستعمل في النطق والخط وَسَائِرِ ما يُحْتَاجُ فيه إلى الكلام ، فاللفظ دليل يشهد على المعنى الذي استقر في الأذهان ، فإن اللفظ لا يُرَادُ لذاته إذ هو صوت يُحْكَى فَلَوْلَا ما له من دلالة الاصطلاح ما أفاد معنى يُفْهِمُ ، فهو أَمَارَةٌ على ما قام بِنَفْسِ المتكلم وهو ، من وجه آخر ، قسيم المعنى في حد الكلام كما يذكر من صنف النحو نظما أو نَثْرًا ، فالكلام لفظ يفيد معنى يحسن الوقوف عليه ، فآل اللفظ المنطوق إلى معنى مفهوم ، فذلك التأويل الذي يكافئ من هذا الوجه اصطلاح التفسير ، فالفسر كشف وإبانة عن مراد المتكلم بما يظهر من نطقه فهو الدليل على ما قام بِنَفْسِهِ من المعنى ، فلا يؤاخذ إلا بما نطق فما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ فهو عفو إلا إن جاوز حد الوسواس الْعَابِرِ فصار معنى استقر في النفس فلم يدافعه بل رضي به واطمئن وهو ، مع ذلك ، لا يؤاخذ به وإن صار علما لا شكا أو وهما ، لا يؤاخذ به إلا إن صدر من قوله أو عمله الظاهر ما يحكي عقده الباطن ، فـ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ" ، فلا يكون الحكم على البواطن إذ لا يعلم السرائر إلا الله ، جل وعلا ، وإنما يكون الحكم في الدنيا على الظواهر من الأقوال والأعمال إلا إن بَدَا ما يخالف دعوى الظاهر ، فالكلام ، كما تقدم ، لفظ ومعنى ، فإذا خالف أحدهما الآخر ، فلم يحك النطق ما قام بالنفس من الفهم ، فذلك كلام باطل وإن كان كلاما بالنظر في أحكام الظاهر ، فشهادة الإيمان لفظ يحكي معنى الانقياد والاستسلام ، فيحكم به إذا التزم صاحبه أحكام الإيمان الظاهرة وحساب الباطن على الخالق ، جل وعلا ، فيكون الكلام صحيحا في أحكام الدنيا والآخرة إذا واطأ الظاهر الباطن فحكى ما قام به صدقا لا كذبا ، ويكون الكلام باطلا بالنظر في أحكام الآخرة إن أبطن معنى لا يدل عليه لفظ الاستسلام الظاهر ، فهو مسلم في الظاهر تجري عليه أحكام العصمة ، عصمة الدم والمال ، وإن كان كافرا في الباطن ، فلا يُؤَاخَذُ به إلا إن أظهره فصدق في كلامه ، إذ صار يحكي نطقا ما قام بنفسه من المعاني ، فالكلام الصحيح لا يستوجب حسن المعنى ، بل قد يكون المعنى قبيحا فيكون اللفظ الدال عليه في الخارج قبيحا فإن التزم المتكلم ذلك فَجَمَعَ قُبْحَ الظاهر إلى قُبْحِ الباطن فكلامه صادق ، وإن كان فاسدا ناقصا ، وَكَذَا إن جمع المتكلم حسن النطق وحسن المعنى الدال عليه ، فكلامه صادق ، وأما مَنْ يُظْهِرُ لَفْظًا حسنا وقد أبطن معنى قبيحا فكلامه باطل وإن انْتَفَعَ به في أحكام الدنيا فلا ينفعه في أحكام الآخرة إذ تُبْلَى السرائر ، سواء أكان النِّفَاقُ أكبر يَنْقُضُ أصل الإيمان أم أصغر يَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب ، وكذلك مَنْ يُظْهِرُ لفظا قبيحا وَيُبْطِنُ معنى حسنا ، فَيَتَّقِي تُقَاةً تجوز ، كما في حديث عمار ، رضي الله عنه ، فإن نطق بالكفر إكراها فلا اعتبار بلفظه فليس كلاما بالنظر في مآله وإن دل على معنى يُفْهِمُ ، ولكن قرينة الإكراه قد أبطلت دلالته ، فلا اعتبار به لا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة ، وقد يكون من التَّقِيَّةِ ما يخفى فلا يَظْهَرُ إكراه حَالٌّ ، وإنما يُبْطِنُ المؤمن إيمانه في دار الحرب خشية الإكراه بما لا يطيق ، فَيَنْطِقُ بالكفر على وجه يُعْتَبَرُ في أحكام الدنيا ، فهو كافر في أحكام الدنيا بما أظهر ، ولكن بطلان القصد ، أن خالف الظاهر عن الباطن ، يَنْفَعُهُ في أحكام الآخرة فهو مؤمن بما أبطن كافر بما أظهر ، فلا تجري عليه أحكام الإسلام في هذه الدار وإن كان مسلما بَيْنَهُ وَبَيْنَ ربه ، جل وعلا ، وذلك ما يظهر به قدر آخر فارق بين هذه الدار ودار الجزاء الأوفى ، فالجزاء في هذه الدار على الظاهر ، والجزاء في الآخرة على الباطن ، والجزاء في هذه الدار ناقص وإن تحرى البشر ما تحروا من العدل ، والجزاء في الآخرة كامل فهو جزاء الرب العليم بالظواهر الخبير بالبواطن ، فتلك قسمة التأويل بالنظر في معنى التفسير إذ يَؤُولُ اللفظ إلى معنى مخصوص ، فاللفظ ، من وجه ، دليل على المعنى ، ومن آخر قسيمه في حد الكلام ، فهو اللفظ والمعنى جميعا ، سواء أصدق صاحبه في القصد فكان النطق مطابقا للمعنى أم كذب فكان النطق مخالفا عن المعنى ، فهو كلام في اللسان إذ استوفى الحد ، وإن خالف عن القصد ، فذلك التأويل الذي يكافئ التفسير ، وأما التأويل في ترجمة المصنف آنفة الذكر : "غلو الخوارج والمعتزلة والرافضة في تأويل الأحاديث التي وَرَدَتْ في نَفْيِ الإيمان عمن ارتكب الكبيرة" ، فهو مما يحمل على المعنى الاصطلاحي المتأخر فقد تكلف أولئك في حمل نصوص الوعيد على وجه يخالف عن الظاهر الذي يجاوز حد الظاهر البسيط فلا يكفي في الحكم على الزاني أو السارق أنه كافر ، لا يكفي في ذلك أن ينظر المستدل في ظاهر النفي في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" ، فإن الاقتصار على الظاهر دون استقراء لأدلة الباب التي فَرَّقَتْ بَيْنَ المختلفين ، فَفَرَّقَتْ بَيْنَ الكافر والفاسق ، أو فَرَّقَتْ بَيْنَ الفاسق اعتقادا والفاسق الملي الذي فسق بالمعصية لا بالشرك أو الكفر ، أو فرقت بين الكافر كفر الاعتقاد الأكبر والكافر كفر العصيان الأصغر ، أو فرقت بين الفاسق اعتقادا بانتحال محدثة تنقض أصل الدين فتكون بدعته عظمى مغلظة فهي كفر يخرج صاحبه من الملة سواء أكان ذلك كفر النوع أم كفر النوع والعين كما في مقالات الغلاة من الباطنية ، ففرقت النصوص بين الفاسق اعتقادا بانتحال ما ينقض أصل الدين ، ونظيره في فسق الاعتقاد بانتحال محدثة لا تَنْقُضُ أصل الدين فلا تخالف عن معلوم منه ضروري وإن نقضت كماله الواجب ، وثم فسق آخر أصغر ، ولو في باب الاعتقاد ، فتكون البدعة أهون ، وإن كانت في اعتقاد ، فليست من بدع الأعمال ، فالبدعة الصغرى قد تكون في العلم كما العمل ، فَثَمَّ محدثات علمية صغرى ، وثم نظائر لها من المحدثات العملية الصغرى ، وقد تكون البدعة كبرى ، وهي ، أيضا ، مما يكون في العلم تارة والعمل أخرى ، وقد يعظم فسادها فتنقض أصل الدين ، وقد يكون أمرها دون ذلك مع عظم شؤمها فهي تَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب ، ولو تدبر الناظر ، لوجد اقْتِرَانًا بَيْنَ البدع العلمية ونظائرها العملية فلا يخلو اعتقاد من أَثَرٍ في الظاهر ، صح أو فسد ، فإن الظاهر مرآة الباطن كما تقدم من حد الكلام أنه اللفظ والمعنى جميعا ، فاللفظ الظاهر دليل على ما يقوم بالباطن من المعاني .

وكذلك الشأن في الكبائر العملية فإن منها ما يَنْقُضُ أصل الدين كالشرك والسحر ، ومنها ما يَنْقُضُ كمال الدين الواجب كالزنى والسرقة محل الشاهد ، فلم يُفَرِّقِ الخوارج والمعتزلة والرافضة بين الكبائر الناقضة لكمال الدين ونظائرها الناقضة لأصل الدين ، فجعلوا الجميع ناقضا لأصل الدين وذلك مما يخالف عن القياس الصريح الذي يقضي بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المختلِفات ، وهو ما لا يظهر إلا باستقراء النصوص فلا يكون التعجل في الحكم فيجتزئ المستدل نصا أو اثنين دون بقية النصوص فضلا أن يجتزئ فَقْرَةً من نص ، مع ما يَتَّسِمُ به الحكم من تعميم يجافي عن قواعد البحث المحكم الذي يستقرئ النصوص ، فيجمع أدلة الباب ويمحص ألفاظها وَيَرُدُّ ما تَشَابَهَ من مَعَانِيهَا إلى محكَمه ، فيسارع أصحاب الأهواء في الحكم بالظواهر ، على وجه يفضح الضحالة والجهالة ، وهو ما يَقْتَرِنُ في الغالب بالغلو والتعصب ، كما يحكي المصنف من حال الفرق المتقدمة وإن تَفَاوَتَتْ في الغلو ، فالخوارج أشد غلوا إذ استدلوا بظواهر النصوص النافية للإيمان ، وظواهر أخرى تَنْفِي دخول الجنة من قبيل ما قال صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وعيد ما اقتطع مال امرئ مسلم بِيَمِينِهِ ، فـ : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" ، فذلك من الشرط الذي يفيد العموم ، كما قرر أهل الأصول ، ولا يخلو من دلالة التغليب ، فاللفظ "مَنْ" مفرد ودلالته دلالة الجمع ، واللفظ مذكر ودلالته دلالة العموم الذي يستغرق الرجال والنساء جَمِيعًا ، فضلا عن دلالة لَفْظٍ خارجٍ مخرجَ الغالب فلا مفهوم له فإن اقتطاع المال مطلقا باليمين الكماذبة مما يذم ، ولو مال كافر ، فالتقييد بوصف "مسلم" في الخبر قد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، ونظيره ما يقال في الخطبة ، فـ : "لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ" ، فَثَمَّ من قال إن الوصف له مفهوم فتجوز الخطبة على خطبة الكافر ، وثم من جعله خارجا مخرج الغالب فإن ذلك اعتداء على حق غيره وهو مما حَرُمَ سواء أكان الحق حق مسلم أم حق كافر ، ودلالة الباء في "بِيَمِينِهِ" في قوله عليه الصلاة والسلام : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه" ، دلالة السببية ، فصارت اليمين آلة الاقتطاع فَبِهَا استعان ليأخذ ما ليس له بحق ، ولا تخلو دلالة الاقتطاع من التكلف فذلك افْتِعَالٌ يَزِيدُ في الجناية فلم تكن عرضا وإنما تَقَصَّدَهَا قَصْدًا ، والجناية ، لو تدبر الناظر ، جناية مركبة فَثَمَّ اعتداء على حق العبد وآخر على حق الرب ، جل وعلا ، فاعتدى على حق العبد أن اقتطع من ماله ما لا يحل ، واعتدى على حق الرب ، جل وعلا ، أن حلف كذبا ، ولا يخلو الشرط من دلالة التلازم طردا وعكسا ، فدلالته دلالة التعليل إذ الجزاء فَرْعٌ عن الشرط ، فالشرط سبب يتقدم ، والجزاء مسبَّب يتأخر ، فهو تال له في اللفظ ، وتال له في الوجود فلا يكون جزاء إلا على فعل ، فلا يكون جزاء على معلوم أول في الغيب قد علمه الرب ، جل وعلا ، أزلا ، وكتبه في لوح المقادير سطرا لا يُبَدَّلُ ، فهو قضاء قد أُبْرِمَ خلافا لما في صحف الملائكة فهو مما عُلِّقَ وَأُنِيطَ فإن كان ثم مانع يدفع كدعاء يمنع الشر ، فهو سبب في دفع الشر ما لم يكن ثَمَّ مانع كَأَكْلِ ما يحرم فهو سبب في رد الدعاء ، فالدعاء سبب به يُرَدُّ المقدور ، فَيُرَدُّ المقدور بمثله ، ولكنه كسائر الأسباب فلا بد له من شروط تُسْتَجْلَبُ وموانع تُسْتَدْفَعُ ، فإن حصل المانع كأكل الحرام فذلك ما يمنع نفاذ السبب ، فكان العلم الأول بما قد قضى به الرب ، جل وعلا ، وحكم ، وإن لم يكن ثم جزاء إلا بحصول الشرط في الخارج ، فَتَأْوِيلُهُ في الخارج وقوعه ، وذلك معنى آخر من معاني التأويل إذ يَنْصَرِفُ في الأخبار إلى وقوع المخبَر به ، وفي الأحكام إلى امْتِثَالِ المأمور وَالْمَنْهِيِّ ، فكان التلازم بَيْنَ الشرط والجزاء في الخبر ، وهو مما يحمل على الوعيد المؤقت ، فليس ذلك ناقضا لأصل الدين إلا إذا اقترن به دليل يزيد كاستباحة أو استهزاء ، فذانك يَنْقُضَانِ أصل الدين سواء أقارف صاحبهما الفعل أم لم يُقَارِفْ ، وإن اشْتُرِطَ في الاستباحة حصول العلم في مواضع يعتبر فيها العذر بالجهل فلا بد فيها من إقامة الحجة الرسالية ، وَاشْتُرِطَ في الاستهزاء جريان العرف أن اللفظ أو الإشارة استهزاء ، فذلك مما يَتَفَاوَتُ باختلاف الأعصار والأمصار ، فما كان استهزاء في موضع لجريان العرف بذلك ، لا يكون استهزاء في آخر إذ عرفه يغاير عرف الأول ، لا جرم كان العرف دليلا يعتبر في الشرع فهو يعتبر في الحكم ، ولو إباحة ، ما لم يخالف عن نص أو إجماع ، فهو آنذاك فاسد الاعتبار كما هي حال القياس إذا خالف عن نص أو إجماع ، فذلك حكم يطرد في كل دليل يخالف عن نص أو إجماع ، فما خالف عنهما من قياس أو مصلحة أو عرف ..... إلخ فهو فاسد الاعتبار ، فالنص أصل وما سواه فرع ، والإجماع يلحق به لقرينة العصمة أن تجمع الأمة على باطل ، أو تجمع على مخالفة حق في مسألة ، ولو في الفروع ، فصار لهما ، النص والإجماع ، صار لهما من الاعتبار ما به تقاس بقية الأدلة والأصول ، فلا يصح احتجاج مستدل أن المصلحة في كذا ، ولو كان ثم مصلحة تظهر ، بادي الرأي ، بِقِيَاسِ العقل المجرد الذي يستحسن ويستقبح بمدارك الظاهر ، فلا يدرك إلا ما يحس بجوارحه ، وذلك علم ناقص إذ مدارك الحس محدودة فلا تدرك ما غاب عنها إلا خرصا أو ظنا فإن صح نظرها في الغائب ، مع ما فيه من إجمال ، فلا يصح إن خالف عن الوحي النازل ، إن في أصل أو في فرع ، فكل ما خالف الوحي ، نصوصا ومقاصد ، فهو هدر ، وإن تأول له من تأول ، فذلك تأويل يضاهي ما تقدم من تأويل الغلاة من الخوارج والمعتزلة في حكم أصحاب الكبائر ، فيكون التأويل الباطل الذي يحيد بصاحبه عن الحق المحكم بأباطيل من النظر المتشابه ، فلا يصدر إلا من عقل يجهل أكثر مما يعلم وحس يغيب عنه أكثر مما يشهد ، فمدارك الإنسان محدودة فلا تُطِيقُ ، بداهة ، أن تحكم بإطلاق يجاوزها فَتُفْتِي في أمور تجهل عَوَاقِبَهَا ، فَلَئِنْ ظهر لها من المصلحة ما تعجلت فلم تَنْظُرْ في العاقبة نَظَرَ العالم بالبواطن فلا تعلم إلا الظاهر فهي تسارع فيه مسارعة أهل الأهواء في ظواهر النصوص دون استقراء لطرقها وألفاظها وتحقيق لمعانيها ومقاصدها ، فيكون التهجم على الفتوى بما يفضح جهل المفتي ، فهو إما معطل للوحي فهو يَنْبِزُهُ وَيَنْبِذُهُ فلا يجعله مرجعا أو حكما ، فيكون من متشابه الأهواء والأذواق ما تضطرب به الأحكام التي صارت نسبية فلا إطلاق ، ولو في الذهن ! ، مع أن المطلقات لا تجزئ في الأحكام وإن صحيحة ، فالمقاصد العامة من الأحكام والأخلاق محل إجماع بين العقلاء كلهم إلا من جحد أو سفسط فأنكر العلوم الضرورية ، فكيف إن أنكرت العقول هذه المطلقات مع افْتِقَارِهَا إلى شرع محكم يُفَصِّلُ أحكامها الجزئية فالاقتصار على المقاصد الكلية لا يجزئ في الأحكام التشريعية والسياسية والاقتصادية .... إلخ ، فهي محل تأويل ، فالمجمل الكلي يَفْتَقِرُ إلى المبيِّن الجزئي في مواضع الحكم المفصَّل ، وذلك يشبه ، من وجه ، ما زعم الفلاسفة أن علم الله ، جل وعلا ، كُلِّيٌ فهو يعلم المجملات دون الجزئيات ، فكذا قال من قال مِمَّنْ رَامَ الاقتصار على مقاصد الوحي الكلية دون أحكامه الجزئية ، فَرَامَ نَقْضَ الشرع باسم الشرع ، علم أو جهل ، فإن مرجع الوحي لا يقتصر على الكليات العلمية والأخلاقية .... إلخ ، وإنما يفاصل مناهج الوضع الأرضية في تشريعاته الجزئية التي استغرقت جميع النَّوَازِلِ إن بالنص أو بالإجماع أو بالقياس على أصل منصوص أو رَدِّهَا إلى أصل عام من أصول التشريع قد عُلِمَ باستقراء الفروع فلم يكن هوى يسارع صاحبه في الفتوى بما يطرأ من هوى أو ذوق يجتهد صاحبه أن يكسوه لحاء الصدق والعدل ، وتعظم الجناية إن كان لحاؤه لحاء وحي يقتصر صاحبه على متشابه من لفظ ، أو عام كلي فلا يصح الاستدلال به في حكم جزئي يفتقر إلى دليل مخصوص ، سواء أكان من المنصوص الصحيح أم من المعقول الصريح ، فلا يجزئ قياس كلي وإنما القياس الشرعي قياس محكم يُرَدُّ فيه الفرع الحادث إلى أصل قد جاء النص بحكمه ، وأدرك العقل مناطه فهو مما يعقل ، فاجتهد يحرر المناط تَنْقِيحًا أو تَخْرِيجًا ، ثم كان تحري العدل في الحكم أن يحقق المناط في محل النِّزَاعِ بعد تحريره ، أيضا ، فَيُحَرِّرُ محل النِّزَاعِ ، ويحرر مناط الحكم ، ويكون تحقيقه في النوازل على وجه محكم يسلم من الأهواء والأذواق التي تسلك سبل التأويل المتشابه لِتَرُدَّ به ما أحكم من النصوص أو رجح من الظواهر دون أن يكون في استدلالها قرينة معتبرة ترجح فَتُوجِبُ العدول عن الظاهر إلى المؤوَّل فليس إلا هوى المستدل أو ذوقه ، فإن عدم نص أو إجماع ، ولم يكن ثم سبيل إلى قياس على أصل منصوص ، فَثَمَّ من الأدلة والأصول ما دل عليه الوحي ، ولو إشارة ، مع وقوع الخلاف في حجية بعض الأصول ، فالمذاهب فيها على أنحاء ، ولكلٍّ حظ من النظر في مسائل الخلاف السائغة ، ومنها ما كان في حجية بعض الأدلة ، وإن كان النظر المحقق يَرَى الخلاف في مواضع خلافا في الاسم فَثَمَّ من ينكر حجية المصلحة المرسلة ونصوص مذهبه قد استدلت بها في مواضع وإن سَمَّتْهَا بِغَيْرِ اسمها ، فلا مشاحة في الاصطلاح ، ولا إشكال في الخلاف إذ ثَمَّ ، كما تقدم ، مرجع محكم ، وهو النص المنزَّل ، كتابا أو خبرا ، فإذا رد إليه الأمر زال الاختلاف إن في الأصل أو في الفرع ، ففيه الكفاية المجزئة ، ولو في باب المصالح المرسلة التي لم يشهد لها الوحي باعتبار أو إلغاء ، فعدم شهادته وهي من السكوت في موضع البيان ، عدم شهادته شهادة بالإباحة فهي من العفو الذي سكت عنه الرب ، جل وعلا ، رحمة غير نسيان ، فباب الاجتهاد فيها واسع وهي ، مع ذلك ، لا تخضع لأهواء الناظر على وجه يخالف فيه جادة العدل فَيَعْتَبِرُ مرة وَيُلْغِي أخرى وَيُفَرِّقُ بَيْنَ المتماثلين فَمَا يَرَاهُ مصلحة في موضع إن استجلب له نفعا عاجلا ، يَرَاهُ مفسدة في آخر يناظره إن فَوَّتَ نَفْعًا عاجلا ، فصار النفع العاجل الذي يهواه الناظر صار هو المرجع الذي يأرز إليه في الحكم وإن كساه لحاء الشرع ، فالحاكم في نفس الأمر هو هواه ، فإذ قد سكت الوحي في مواضع رحمة غير نسيان فقد فتح باب اجتهاد سائغ إذ لا نص يعتبر أو يُلْغِي ، فاختلفت العقول في حد المصلحة مع اختلاف الظروف والقرائن ، فقد يكون الأمر مصلحة في حال ، مفسدة في أخرى على وجه يسلم من التَّنَاقُضِ إذ القرائن المحتفة بكل حال رجحت الاعتبار تارة والإلغاء أخرى على وجه يشترط فيه ، كما تقدم ، السلامة من الأهواء التي تحمل صاحبها أن يَتَعَسَّفَ في الاستدلال انْتِصَارًا لما يهوى ، والنص في المصلحة المرسلة حاكم من وجه آخر إذ لا بد في اعتبار المصلحة ألا تخالف نصا جزئيا أو أصلا كليا ، فتسلم من معارضة الوحي مطلقا فهو ، كما تقدم ، المرجع الذي يُرَدُّ إليه ما تشابه من الأحكام العقلية أو الذوقية ، وهو مرجع تَفَرَّدَ به الدين الخاتم فإن كل مرجع آخر لأي دين أو مذهب لا يخلو أن يكون مما له أصل رسالة ولكنه لم يسلم من التبديل أو التحريف على وجه تلاعب به أهل الْغِوَايَةِ في الكتب المنزَّلة فَتَصَرَّفُوا زيادة ونقصا ، فضلا عن تأويل الألفاظ فصار المرجع هو أهواء رجالات في الدين أو السياسة صَيَّرُوا أهواءهم دينا محكما فلم يكن ثَمَّ مرجع تُرَدُّ إليه الأهواء والأذواق ، بل تَصَرَّفَتْ في النصوص على وجه جاوز حد المخالفة في حكم مخصوص فَقَدْ طال الانحراف أصل الشريعة فأحدث المبدِّلة مناطا جديدا يضاهي مناط الأصل بل قد استبدل الأول بالثاني فنسخ الهوى الوحيَ وصار الكتاب المحكم الذي يرجع إليه الحكام ، صار هو أهواء رجالات لهم حظوظ ومكاسب ورياسات ومصالح لا تحفظ إلا بتبديل الشرع فهو يبطل رياستهم ويفضح غوايتهم التي كسوها لحاء الرسالة فتكلفوا تدينا زائفا وورعا باردا ، ولم يكن من الوحي الصحيح ما يرد غائلتهم ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، ما سلم منه الوحي الخاتم ، فالمناط محفوظ بالإجماع فلم يخالف في ذلك عاقل له أدنى حظ من علوم الرواية ، وإنما كان الانحراف في أهواء حادت بأصحابها عن الجادة المحكمة فلم تُفْضِ إلى تضييع الأصل أو تبديله ، فالنص لا زال محفوظا ولا زال مرجعا محكما يأرز إليه الحكام في كل عصر ومصر ، ويفقه الناس أحكامه ، تلاوة وتدبرا واستنباطا ، فهو الحجة الباقية ألفاظا ومعان ، فلا بد من قائم بها يحسن التلاوة ويحسن الاستنباط فعنده من علم اللسان ما به يدرك الدلالات ، فالوحي قد حفظ ألفاظا ومعانٍ ، والوحي قد أبان عما اختلف فيه الحكام إن بالمنطوق أو بالمفهوم ، ولو خفي الحق في أعصار ، فلا يضيع ولو كثر الخبث من فتاوى تشذ ، لَهَا من عضد السلطان ما به تحكم ، فتلك حكومة إكراه لا اعتبار بها ، فلئن نسخت العدل في أحكام السياسة والحرب فَلَمْ تَنْسَخْ ، بداهة ، حكم الشرع المحفوظ ، ولم تُفْسِدْ كافة العقول بل لا زال الرَّبُّ المعبود ، جل وعلا ، يقيم من العدول من يتحمل هذا الإرث الشريف ، إرث الرسالة ، فيتحمل ألفاظ الأدلة ووجوه الاستدلال ويحسن يضعها مواضعَها ، فلا يَزِيدُ ولا ينقص ، فلا غلو ولا جفاء ، وإنما توسط واعتدال في سائر الأحكام العلمية والعملية والأخلاقية ....... إلخ ، فسلم من غلو الخوارج ومن سلك جادتهم في نصوص الوعيد ، ولم يكن لهم حظ إلا أن استمسكوا بظاهر ألفاظ لم يجهد من استدل بها أن يضم إليها نظائرها في الباب ، ولم يجهد أن يحرر معانيها فَتَعَجَّلَ إذ قصرت الهمة أن يكابد مشقة الجمع والاستقراء والفقه والاستنباط فذلك مقام شريف لا يطيقه من تعجل فحكم بما يظهر ، بادي الرأي ، فلا صبر وإنما عجلة تُورِثُ صاحبها الندامة إذ حاد عن جادة الرسالة ، جادة العدل والقصد ، فاقتصر الغلاة في هذا الباب على نصوص الوعيد ، كما في الخبر محل الشاهد : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة " ، واقتصر الجفاة على أضدادها من نصوص الوعد كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" ، وَإِنَّمَا يحصل للمستدل من سلامة الاستدلال ما يصيب به الحق في نفس الأمر ، أو يصيب به من الاجتهاد ما يمدح وإن لم يصب الحق في نفس الأمر ، وإنما يحصل للمستدل ذلك إن جَرَّدَ القصد فلم يكن له هوى في ترجيح ولو سلك لأجله جادة التأويل بلا دليل ، فرجح بلا مرجح ، إلا هواه الذي صيره ، كما تقدم ، حكما من خارج فهو يقضي في النصوص حال التعارض ! ، فانقلبت الحكومة إذ صار المتشابه من الهوى والذوق هو الحاكم ، وصار المحكم من نصوص الوحي هو المتشابه ! ، ولا تحصل السلامة مع ذلك إلا بنظر صريح في نص صحيح فلا يستدل من لا رواية له ولا دراية فلا يعلم من النصوص ما به يستدل ولا يعلم من الأصول ما به يستنبط ، وإنما يجهل الحق ، وإن تجرد في القصد ، فلا يجزئ في الفتيا صحة القصد ، فذلك ما يحمد لصاحبه ، بل ويشترط في الفتيا على وجه قدمه أهل الشأن على العلم فيستفتي صاحبُ النازلة الأورعَ والأعلم معا فلا يستفتي العالم الفاجر بل لا بد من العدالة التي تحمل صاحبها على سلوك الجادة فلا يَتَكَلَّفُ من التأويل ما يشهد لقوله وإن مرجوحا أو ظاهر البطلان ، كما يرى الناظر في فتاوى المتأخرين الذين ابْتُلُوا بالدخول على السلطان فأوقعهم في حبائله فعنده من الزينة والزخرف ما لا يكاد أحد منه يسلم إلا أن يَعْتَزِلَهُ وما يعبد من الأهواء والشهوات على وجه استجاز به تأويل الوحي بل وتعطيله في أحيان إذ خالف عما يَرُومُ ، فليس العالم عنده إلا أداة من جملة أدوات بها يحكم ، فهو يحسن يوظفها أن يطوع الناس رغبا أو رهبا ! ، والفتيا من أعظم ما تطوع به النفوس ، فتعظيمها للدين وحسن ظنها في بعض من انتسب إليه ، ولو مغرضا أو جاهلا ، كل أولئك ما يحملها أن تسمع وتطيع فتكون المخالفة أن تُنَزَّلَ النصوص في غير مواضعها ، فأصحاب الأهواء فيها على طرفين : طرف غال يجاوز وطرف جاف يقصر وَبَيْنَهُمَا من حكومة العدل ما لا يصيبها إلا من اجتهد في تحرير القصد الباطن وإحكام الاستدلال في الاجتهاد ، فَيَتَحَرَّى الحق ما استطاع ، ويجهد في جمع النصوص واستقرائها ، ثم الحكم عليها صحة أو ضعفا ، فيحرر مادة الدليل الناصح من كدر الضعف والكذب ، ولا يعلم ذلك إلا بضبط وإتقان لا يَنْهَضُ له إلا أرباب الهمة ممن رسخت أقدامهم في علوم الملة ، ويحرر مادة الاستدلال الناصح من كدر التأويل البعيد أو الباطل ، فينظر في الأدلة نظر المفتقر الذي يطلب الهداية ، لا المستغني بهوى أو ذوق وإنما كان نظره في الأدلة نافلة من القول ! ، فقد انتحل ابتداء ثم رام الاستدلال لما ينتحل فكان نظره في الوحي تَبَعًا لا أصلا ، ولا يسلم دين المرء إلا أن يجعل الوحي هو الأصل المحكم فما سواه له تابع وبه محكوم ولترجيحه خاضع ، فهو الحكم من خارج الذي تُرَدُّ إليه محال التَّنَازُعِ ، فآل الأمر إلى تَعَارُضٍ في المرجع لا يقبل الجمع ، فلا بد من الترجيح ، فإما الوحي وإما الهوى إذ الغمد لا يَتَسِّعُ لسيفين وحكومة الإخبار والإنشاء لا تستقيم إلا إذا كان الحكم واحدا ، ولا تجدي حكومته شيئا فترضى إلا إن كان له من أسباب الحكم ما يرجح بقية الحكام فيكون أنصح وأفصح وأعلم وتلك ، لو تدبر الناظر ، خصائص الرسالة التي رَجَّحَتْهَا على غيرها من الشرائع والحكومات ، فلا غاية لها أن تَنْصَرُ حزبا على آخر ، ولا افتقار لها أن تُحَصِّلَ أسباب جاه أو رياسة دينية أو سياسية فَتَتَأَوَّلُ لأجل ذلك ما يَبْلُغُ بِهَا في أحيان طرائق الباطنية في الاستدلال ، فيكون التكلف في حمل الألفاظ على وجوه بعيدة لا عهد بها في نقل وحي أو لسان ، فضلا أن تَبْلُغَ الخصومة حد الفجور فيكون الجهر بتعطيل الوحي المنقول فضلا عن نَبْزِهِ بـألقاب النقص والتقصير فلا يصلح مناط تشريع في أعصار الحضارة التي صار العقل فيها قطب الرحى ، فلا يرضى وقد بلغ الرشد أن يخضع لمرجع يجاوزه من خارج ، وإن كان رسالة ما نَزَلَتْ إلا لتعصمه من الخطأ وَتُزَكِّيهِ بما تخبر به من نصوص لا يستقل العقل بِدَرَكِهَا وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من السعة والفقه ، فلا يَتَّسِعُ لكل معلوم ولا يفقه كل معقول بل شاهد الحال تعارض وتناقض بين العقول فكل يَرُومُ الظهور على خصمه وإن جار في الاستدلال وتكلف فجادل بلا حسنى إذ صار غرضه أن تكون له المنزلة العظمى ، وذلك ما يظهر في استدلال السفه الذي خف نسجه فلم يكن ثَمَّ عناية بجمع الأدلة ولا تدبر مَعَانِيهَا ، فضلا عن هوى يسبق وإن خفيا لا يظهر ، فكان من صنيع الخوارج ، كما تقدم ، أن اقتصروا على مواضع الوعيد ، وحملوها على الظاهر دون فقه زائد لا يحصل إلا بجمع الأدلة والتأليف بَيْنَهَا لتصح صورة الاستدلال الكاملة فلا يكون الاستدلال بطرف منها دون غيره أن شهد لصاحب القول فَوَافَقَ ما يهوى ، فكان هوى الخوارج في نصوص الوعيد فلا يجمعوا إليها نصوص الوعد ، فحملوا التحريم في الخبر محل الشاهد : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" ، حملوه على التحريم المؤبد وإن كان الفعل في نفسه ظلما في الحقوق فهو ظلم أصغر لا يقدح في أصل الدين ، على تفصيل تقدم في حال المستحل والمستهزئ ، فذلك تحريم كوني وهو مما يحمل على التحريم المؤقت جمعا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مواضع أخرى من الوحي وعدت الموحدين بالجنة ولو بعد حين ، فضلا أن إطلاقها ، أيضا ، مما دخله التشابه فلا يسلم الاستدلال بها إلا أن تجمع إلى نظائرها من أخبار الوعيد ، فلا يقال إن التحريم في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" ، لا يقال إن هذا التحريم يحصل بنطق الشهادة مع ترك الفرائض ! ، فذلك قول يفتح باب زندقة وانحلال من ربقة الشرع فيصير الحلال والحرام هدرا ، ويصير الدين لعبا إذ لا يظهر فيه وجه ابتلاء يميز فلو كانت كلمة مجردة لسهل على كل أحد أن يَنْطِقَهَا فلا كلفة ولا مشقة ، وإنما أبى من أبى النطق إذ علم المشقة والجهد وإن كان مما تطيق النفوس فلم يكلِّفِ الشرعُ بما لا يطاق ، وإنما سفلت الهمة فلم تطق مشقة التكليف إذ تخالف عن أهواء وحظوظ هي عند أصحابها دين ينتحل فلا يجتمع ، بداهة ، ودين الرسالة في إهاب واحد ، فلا يقال إن التحريم في سياق الوعد : "إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" ، مما يحمل على إطلاق السياق فتحصل النجاة بنطق مجرد ، وإنما ذلك ما يحمل على حصول الأصل الأول فلا ينفع إلا أن يشفع بقسائم له في حد الماهية الإيمانية من العمل الذي يصدق القول ، ومن القصد الذي ينشأ منه اللفظ فلا يكون نفاقا وإنما صدق الباطن واعتقد فنطق اللسان وصدقت الأركان ، فحصل من مطلق الإيمان ما لا يجزئ في حصول القدر الواجب إلا أن يشفع بالفرائض ، فحمل هذا اللفظ في أقوال أنه قبل نزول الفرائض فلما نَزَلَتْ نسخت إجزاء النطق المجرد فلا بد أن يشفع بالعمل المصدِّق ، وحمل أنه كسائر الأحكام ، فلا بد من استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فتستوفى الشروط من الأعمال وَتَنْتَفِي الموانع من الكفران الذي ينقض أصل الإيمان فيوجب لصاحبه خلودا في النار فالجنة حرام عليه حرمة التأبيد لما قام به من وصف الكفران والتشريك كما قد قال المسيح عليه السلام يعظ قومه : (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ، فذلك تحريم كوني مؤبد فالسياق قد شهد بذلك ، إذ أنيط حكم التحريم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة وهو الشرك ، وإطلاقه ينصرف بداهة إلى الشرك الأكبر الناقض لأصل التوحيد وهو ما شهد له السياق إذ ذم غلو النصارى في المسيح عليه السلام وهو الغلو الذي يكفر صاحبه ويمرق فقد نقض أصل التوحيد الأول ، فالتحريم في الآية مؤبد ، إن حمل الشرك فيها على الشرك الأكبر ، وقد يصح ، ولو من وجه ، النظر في عموم المعنى المستغرق أجناس الشرك وما يقابلها من جزاء التحريم على الجنة ، فيقال : إن من أشرك الشرك الأكبر الناقض لأصل الدين فالجنة عليه حرام حرمة التأبيد فلا يدخلها أبدا ، ومن يشرك الشرك الأصغر الناقض لكمال الدين فالجنة عليه حرام حرمة التأقيت إن نفذ فيه الوعيد فلم يكن ثم مانع فكان العدل أن يدخل نار العصاة فهي تطهره ، فإذا طهر دخل الجنة فليست عليه بحرام ، وإنما كان ثم مانع من عصيان زال بالتطهير فلم يخل من فضل عظيم من الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، ولم يخل من عدل في الحكومة إذ دَارُ الطهرِ الكامل لا يدخلها من لم يَتَطَهَّرِ الطهارة الكاملة ، وعليه يحمل ما تقدم من التحريم في خبر الوعيد : "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة" ، فذلك تحريم الكون الذي لا يقضي به إلا الرب ، جل وعلا ، كما هي الحال في تحريم الشرع ، فلا رب يحرم كونا إلا هو ، ولا إله يحرم شرعا إلا هو ، وبينهما من التلازم ما سبقت إليه الإشارة مرارا ، فيحمل تحريم الجنة في هذا السياق على تحريم التأقيت حتى يطهر من الجناية ، فإن كان ثم ابتداء مانع لنفاذ الوعيد لم تحرم عليه الجنة ابتداء ، وإن لم يكن فالتحريم انتهاء فلا بد من تطهير يذهب دنس العصيان فيصير صاحبه أهلا لسكنى الجنان ، فلا يسكنها إلا طاهر ، وقد يجري النص على ظاهره إن حملت "أل" في "الجنة" على العهد الخاص فهي جنة مخصوصة لمن سلم من هذه المعصية فلم يقتطع مال امرئ مسلم لا يحق له ، فحلف كذبا ليقتطعه ، فمن قارف هذا الجرم فلا يدخل الجنة التي أعدت لمن سلم منه وإن كان أهلا أن يدخل جنانا أخرى فمعه أصل التوحيد المجزئ الذي يدخله الجنة آخر أمره فضلا من ربه ، جل وعلا ، ولم يخل الجزاء من من إطناب فذلك آكد في الوعيد والتهديد ، فكان النص على اللازم على حد المقابلة بين الشطرين أو الطباق إيجابا بَيْنَ ألفاظهما في " أوجب الله له النار" و "حرم عليه الجنة" ، فَثَمَّ طباق بين "أوجب" و "حرم" ، و "النار" و "الجنة" ، وإيجاب النار في الشطر الثاني مما يحمل على الوعيد وهو بين النفاذ عدلا وعدمه فضلا ، فليس إيجاب الحتم ، وإنما قد يَقُومُ بالمحل مانع من نَفَاذِ الوعيد فضلا من الرب الحميد ، جل وعلا ، فلا تجب له النار مبدأ أمره ودلالة "أل" في "النار" مما يحمل ، أيضا ، على العهد الخاص فهي نار العصاة لا نار الخلد ، فنار الخلد لا يدخلها إلا الكافر المارق ، وهي النار التي يحمل عليها الوعد في الخبر آنف الذكر : "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" ، فيحرم على نار الخلد بما حصل له من توحيد في الجملة ، ولا يلزم من ذلك أن يحرم على نار التطهير لعصاة الموحدين إن قارف من العصيان ما يوجب التطهير من دنسه ، وإن احتمل ، كما تقدم ، ما يحتمل أصحاب الكبائر إن لم تَنْقُضْ أصل الدين الجامع ، فهم تحت المشيئة فقد يحرمون على نار التطهير فضلا وقد يدخلونها عدلا على وجه لا خلود فيه ، وإنما مآلهم التحريم بعد التطهير ، فيحرمون ابتداء على نار الخلد ، ويحرمون انْتَهَاءً على نار التطهير لعصاة الموحدين إن قارفوا ما يوجب دخولها ولم يكن لهم من مانع النفاذ ما يشفع فَلَئِنْ دخلوها فدخولهم مؤقت فيحرمون عليها آخر أمرهم بعد حصول التطهير الذي يجعلهم ، كما تقدم ، أهلا لسكنى الجنان .

والله أعلى وأعلم .