اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: فريضة الاعتبار

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:08:36 AM

    المشاركات
    4,775
    العمر
    40

    فريضة الاعتبار

    مما اطرد في مواضع الاعتبار الصريح ما يدل عليه النظر ضرورة من توحيد الرب تَصَرُّفًا في الكون بالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة .... إلخ ، فهذا التوحيد ضرورة لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، فهو ينكر مقدمة ضرورية في النقل والعقل والفطرة والحس وهي أساس كل اعتبار في الكون ، فإنها المقدمة الأولى في أي استدلال فبلغت من الضرورة أن صارت آكدها وأرسخها في النفوس لو سلمت الفطرة من التبديل والتحريف فآل بها الفساد أن افتقرت إلى دليل على ما هو أصل الأدلة وأصرح البدائه ! ، فلا يستدل عليها بل هي مقدمة أولى يستدل بها الناظر فَلَوْ طُلِبَ لها دَلِيلٌ لأدى ذلك إلى التسلسل على وجه لا يسلم به استدلال فكيف يُطْلَبُ الدليلُ على دليل ؟! ، وإنما يطلب الدليل على دعوى ، فَالْبَيِّنَةُ تشهد ولا يُشْهَدُ لها ، فهي شاهد على الدعوى باعتبار أو إلغاء فكيف يُطْلَبُ لها دليل وهي دليل أول على كل مدلول تال ، فتوحيد الرب ، جل وعلا ، دليل أول على توحيد ثان هو الفرض اللازم الذي لا نجاة إلا بِانْتِحَالِهِ ، وهو توحيد التَّأَلُّهِ ، توحيد الله ، جل وعلا ، معبودا بحق فلا معبود بحق سواه ، فذلك أصل الدين الأول وما بعده من الأصول فهو إليه راجع ، كما أن الكتاب المنزل هو أصل الأصول ، فَمَا اكتسبَ دليلٌ حجية إلا أن رُدَّ إلى الأدلة القرآنية ، فشهدت له نصا ، كما شهدت آي التنزيل بحجية السنة ، أقوالا وأعمالا وَتَقَارِيرَ ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وذلك أمر قد بلغ حد التواتر فصار هو ، أيضا ، دليلا لا يستدل عليه ، فلا ينكر حجية السنة إلا من أنكر حجية الكتاب ، فهما قسيمان في النسبة إلى الوحي ، الجنس العام الذي يندرجان تحته ، فجنس الوحي جنس أعلى تحته آحاد من الآي والأخبار ، فتلازما من هذا الوجه ، وإن قُدِّمَ الكتاب فهو أصل الأصول ، فما استفاد أصلٌ حجيةً إلا بشهادته ، سواء أكانت شهادة التصريح ، كما تقدم من شهادته للسنة ، أم شهادة التلميح كما في شهادته للإجماع ، فشهد بعدالة الأمة ، فهي الأمة الشاهدة ، فشهادتها في كل موضع شهادةُ الصدق والعدل ، فإذا أجمعت فلا تجمع إلا على حق وإذا اختلفت فلا يخرج الحق من خلافها ، وإن خفي فلا بد من قائم به حجةً في محل النزاع ، وإلا فُتِحَ بابُ الاحتمال ألا تَصْدُقَ شهادتُها في نازلة من نَوَازِلِ الفروع فلا يؤمن خطؤها فكيف تشهد على بقية الأمم في أصل الأصول ؟! ، وشهد الوحي للقياس ، فحض على الاعتبار وكان الاستفهام إنكارا وتوبيخا في قوله تعالى : (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فلا يخلو من دلالة إنشاء آخر بأمر الأصل فيه الفرض ، فإن التعقل في آي التكوين والتشريع مبدأ كل خير ، فلا يسلم توحيد العبادة إلا بالنظر والاعتبار بآي التكوين فَثَمَّ قياس صريح ، قياس تلازم بَيْنَ السبب والمسبَّب فمن اعتبر بآي التكوين اعتبارا يَنْفَعُ ، حصل له من العلم النافع ما هو مبدأ كل عمل صالح ، فَتِلْكَ دلالة تلازم أخرى ، فالعلم منشأ العمل كما أن الربوبية منشأ الألوهية ، فمن آمن بالرب ، جل وعلا ، ربوبية العلم والقدرة ، ربوبية الجمال والجلال ، من آمن بذلك فإنه لا بد أن يَتَأَلَّهَ التأله الصحيح ، فلا يعبد إلا الله ، جل وعلا ، ولا يتخذ شرعا آخر يغاير عن شرعه ، فإن ما شرع ، وهو نص العبادة إذ لا تكون إلا تكليفا بخبر يصدق وحكم يُمْتَثَلُ ، فإن ما شرع هو مناط العبودية ، فآي الشهادة : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، آي الشهادة على صدق الدعوى محبةً وانقيادًا أن يُتَّبَعَ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاتباع المطلق ، وهو ما يقيد بمناط التبليغ والتبيين لآي التشريع ، أخبارا وأحكاما ، فَيُتَّبَعُ في تكليف العبادة أن صدق الناظر أن الله ، جل وعلا ، رب الكون وإله الشرع ، فمن رضيه ربا يخلق لزمه أن يرضاه إلها يعبد ومن ادعى العبودية حبا ، فآية ذلك أن يتبع الوحي الذي أنزله ، فيصدق ويمتثل ، على وجه يستغرق آي الوحي كله ، فلا يُفَرَّقُ بَيْنَ خبر وحكم ، ولا يفرق بين حكم وآخر ، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فتلك مخالفة أخرى عن اعتبار العقل الصريح الذي حض عليه الكتاب العزيز أن : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فالاعتبار قد شهد له الوحي في مواضع إما أمرا بالاعتبار أو ضربا للأمثال على وجه يستبين به القدر الفارق بين المختلفين ، والقدر المشترك بين المتشابهين أو المتماثلين ، وإن لم يكن ثم تماثل من كل وجه ، فالتماثل قد يكون في الجنس والنوع ، كالحكم بإيجاب الصلاة والحكم بإيجاب الزكاة فهما يشتركان في الجنس الأعم إذ كلاهما من خطاب الوحي ، ويشتركان في نوع أول ، فكلاهما حكم أو إنشاء ، ويشتركان في نوع ثان ، فكلاهما فرض ، ويختلفان في العين فهذا أمر بواجب وذاك أمر بآخر ، فَثَمَّ قدر من التماثل يوجب التسوية فلا يؤمن بآية دون أخرى ، ولا يمتثل حكما دون آخر ، فيتحكم بالهوى والذوق ويحيد عن جادة الوحي فهو المرجع المجاوز من خارج فَلَهُ سلطان يعلو كل سلطان في الأرض ، وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من العلم والقدرة ، فلا يضاهي وصف رب العزة ، جل وعلا ، فإن علمه قد أحاط على وجه يوجب اتباع الوحي ، كلمه المنزَّل من السماء لهداية الأنام بأخبار الصدق وأحكام العدل التي تستغرق الباطن علما والظاهر عملا ، فهي تستغرق محال التكليف وهي تَزِيدُ في التصديق إذ يجاوز باستقراء النصوص ما قد يَتَبَاَدَرُ إلى الفهوم أنه تصديق الباطن أن يَعْرِفَ وَيَعْلَمَ ، وَيُثْبِتَ وَيُذْعِنَ ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل الإيمان الأول فلا يقتصر حده على الأصل ، فحد الإيمان أنه التصديق بالنظر في المعنى المتبادر وهو محض العلم في الباطن ، حده بذلك تقصير ظاهر في بيان الحقائق الدينية ، وإن صح ، من وجه ، فهو من تعريف الحقيقة بذكر بعض أجزائها ، فيجري مجرى النيابة في البيان تقريبا للمعنى في الأذهان ، وخطابا أول لمن ليس مؤمنا ، فأول ما يُدْعَى إليه أن يصدق بشهادة التوحيد ، فإذا شهد وانقاد ، فعلم حقا علما ينفع أن لا إله إلا الرب المهيمن ، فتدبيره الكون سبب في تشريعه الحكم ، فإذا حصل هذا التصديق الذي يجاوز حد المعرفة المحضة أو العلم المجرد في الذهن ، فذلك مبدأ إيمان صحيح ، ولكنه ، بداهة ، لا يستغرق الحقيقة الإيمانية المركبة من الاعتقاد والقول والعمل ، فما يحصل في قلبه من الاعتقاد جزءٌ وهو التصديق الذي يجاوز حد العرفان المحض ، وما يحصل على لسانه من شهادة الحق جزءٌ وهو حكاية ما قد قام بالباطن حكاية التلازم ، فإن منطق الظاهر لازم من لوازم المنطق الباطن ، فَبَيْنَهُمَا من التلازم ما يجري ، أيضا ، مجرى القياس الصريح في العقل إذ يَقْضِي بالتلازم الضروري بين منطق الباطن المنشئ ومنطق الظاهر الناشئ ، لا عجب أن حَدَّ أهل اللسان الكلام أنه اللفظ والمعنى ، فهما قسيمان منهما يحصل في الخارج الكلامُ المفيد المفهِم ، فالمعنى منطق باطن أول ينشأ في الجنان ، واللفظ منطق ظاهر ثان يجري على اللسان ، فهو يحكي الأول بأصوات تُفْهِمُ ، وهو يصدقه إذ له يشهد فذلك جزء ثان من أجزاء الحقيقة الإيمانية ، فالإيمان قد يحد أنه التصديق لا أنه العلم المجرد كما زعم الجفاة في هذا الباب ، باب الإيمان والأسماء والأحكام ، ولكنه التصديق الذي شفعه المصدِّق بالإقرار والإذعان والانقياد والاستسلام والرضى والقبول وسائر ما يدل على صدق انتحال ، فليس دعوى تجري على اللسان نفاقا يَتَّقِي صاحبه سلطان الشرع في الأولى ، وإنما رام انتحاله طلبا لسعادة الأولى ونجاة الآخرة ، فَلَئِنْ حد الإيمان بهذا التصديق المشفوع بدلائل من الباطن تدل على صحة الاعتقاد في نفس الأمر ، وهي ، من وجه آخر ، تُنْشِئُ ضرورةً في القلب من أعمال الحب والبغض وما يحصل بهما من إرادة الفعل والترك ، تُنْشِئُ من ذلك ما تظهر آثاره ضرورة في الخارج ، في النطق والصمت ، في الفعل والترك ، فَلَئِنْ صح حد الإيمان بهذا التصديق الباطن فهو ، كما تقدم ، قدر زائد على ما قد قَرَّرَ الجفاة الذين قصروه على معرفة مجردة أو تصديق بارد لا أَثَرَ له في قوة الغريزة الإرادية انْتِصَارًا لما به قد آمن ، ومناجزة لمن له قد خاصم ، فنصب العداوة التي توجب البراءة ، فلا تسلم الديانة إلا بولاء من يَنْتَحِلُهَا وَبَرَاءٍ ممن يعاديها ، فتلك ، كما في صحيح الآثار أوثق عرى الإيمان ، فـ : "إن أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله ، وتبغض في الله" ، فتكون حركة الباطن حبا وبغضا ، ميلا إلى المحبوب أو آخر عن المكروه ، رغبة فيما يرضي المعبود ورهبة مما يغضبه ويسخطه ، تكون هذه الحركة في الله ، فدلالة "في" دلالة ظرفية معنوية على تقدير محذوف من قبيل : الحب في مرضاته مسارعة في طاعاته ، جل وعلا ، والبغض في مساخطِه مسارعةً في هجرها ، فتلك مفارقة تدخل في حد العمل ، وإن كانت تَرْكًا ، وهي ، من وجه آخر ، دلالة السببية فيكون الحب بسبب الله ، جل وعلا ، والبغض بسببه ، فقد اتخذه الناظر مرجعا أعلى في التشريع فهو يجاوز ما يهوى ويجد ، فلا هوى يعارضه ولا ذوق يناجزه ، وإنما تخضع له الإرادات فلا تسلك جادةً تُغَايِرُ جادتَه إن في الخبر أو في الحكم ، فلا يكون ثم مرجع تصور يُعْلِمُ إلا هو ، ولا يكون ثم مرجع حكم يأمر وينهى إلا هو ، على وجه يستغرق محال الحكم جميعا سواء أكانت محال التَّنَازُعِ التي عظم فيها التلاسن بل والتقاتل فكان ما كان من اختلاف لا يحسمه إلا أن يُرَدَّ الجميع إلى مرجع يجاوز من خارج ، فهو الحكم بَيْنَ الخصوم فيما اختلفت ، وهو مرد المفاصلة في مواضع المنازعة ، كما قد أمر الوحي إذ قد عم بدلالة النكرة "شيء" في سياق الشرط في قول الرب جل وعلا : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، فمركز الوحي كنص نازل من السماء قد حسم الخلاف بَيْنَ مراكز شتى في الأرض فلكل أمة مركز تصور وحكم ، بل ولكل عقل من الأهواء ما يستحسن ومن الأذواق ما يستعذب ، فلئن رد الأمر إلى هذه المراجع فلا يزداد بها إلا التَّنَابُزُ والتقاتل إذ هجر أصحابها من الوحي حظا ، فكان ما كان من العداوة والبغضاء قدرا نافذا ، ولا يخلو من دلالة إيجاب في الشرع ، فإنهم ما عوقبوا بالعداوة والبغضاء قَدَرَ تكوينٍ إلا أنهم حادوا عن جادة الوحي قَدَرَ تشريعٍ يعم محال التكليف جميعا وآحاد مسائله إن في الأصول أو في الفروع ، إن في الاتفاق أو في الاختلاف ، فهم حكم إذا اختلف الناس فلا بد من مرجع يحسم النِّزَاعَ ، والخصوم لا يرضون إلا حكما من خارج قد تجرد فلا حظ له في النازلة يحمله أن يعدل عن جادة الحق فيحكم بالباطل سواء أجهر أم تلطف فتأول نصوص الحق لتشهد لباطله وتلك جناية عظمى لم تسلم منها فرقة أحدثت في الدين ما ليس منه ، فإنها تَتَّبِعُ المتشابه إرادة تأويله التأويلَ الباطل ، فَتَرُومُ صرفه عن الظاهر الراجح إلى آخر مرجوح لا يتبادر بلا قرينة يصح الاعتبار بها ، فكان ذلك ، لو تدبر الناظر ، مخالفة عن الأمر آنف الذكر في قول الرب جل وعلا : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فالاعتبار الصحيح أن يستمسك الناظر بالأصل الظاهر الذي استفيد من دلالات المنطق باطنا وظاهرا ، فدلالة اللسان ، كما تقدم ، ليست دلالة لفظ مجرد ، بل هي دلالة معنى يعقل ، فحصل من الاعتبار ما يرجع إلى العقل بما رُكِزَ فيه من العلم الضروري بطرائق الْبَيَانِ ، فَبَيَانُ اللسان حكاية لما قد قام بالجنان من المعاني فمن استمسك به فقد سلك الجادة ، جادة الظاهر إذ استصحبه بما رسخ في الأذهان من دلالة الأصل الأول ، دلالة اللسان المطلقة ، فاستصحب هذا الأصل كما يستصحب الناظر في الأصول البراءة الأصلية إذا لم يكن ثم دليل ناقل عنها فذلك ، كما يقول أهل الشأن ، آخر مدار الفتوى ، فإذا لم يجد الدليلَ فالدليلُ عدم الدليل ، فكذلك الناظر الذي يستمسك بالأصل وهو دلالة اللسان المطلقة بما استفيد من معجم الدلالات العربية ، فذلك إرث نُقِلَ نَقْلَ التواتر فصار في نفسه دليلا أول فلا يفتقر إلى بَيِّنَةٍ من خارج تشهد له بالاعتبار ، فقد حصل به الاستدلال بادي الرأي فلفظ "أسد" إذ دل على الحيوان المفترس فتلك دلالة لا تفتقر إلى دليل فهي في نفسها دليل لا تقام عليه بَيِّنَةٌ إلا إن بلغ الأمر حد السفسطة ! ، أو كان المخاطَب لا يفقه العربية ، وهي لسان الاستدلال في نصوص الوحي وسائر ما نُظِمَ أو نُثِرَ بلسانه ، فمن استمسك بأصل اللسان الأول فهو كمن استمسك بالظاهر الراجح فلا يلزمه أن يقيم دليلا فدليله عدم الدليل المخالِف ، فمن رام الخروج به عن الظاهر إلى المؤوَّل فلا بد أن يقيم الدليل الصارف فهو ناقل عن الأصل فوجب عليه من الدليل الناقل ما لا يجب على خصمه ، فالناقل عن الأصل قولُه يُقْبَلُ إن أقام من الدليل الصحيح الصريح ما يشهد ، بل انْتِقَالُ الذهن في هذه الحال أن يقبل دعوى الخصم وإن خالفت الظاهر ، انْتِقَالُه في هذه الحال واجب إذ لم يَنْتَقِلْ بدعوى لا دليل عليها ، بل قد أقام الخصم من البينة ما يشهد لمقاله فوجب اتباعه ، بل كان قوله آنذاك هو الظاهر ، وإن ظاهرا مركبا يجاوز حد الظاهر البسيط ، فهو ظاهر من دلالة معجم إفرادية فهي الدلالة البسيطة ، ودلالة قرينة من خارج فهي قدر زائد رَجَّحَ المرجوح على الراجح فلم يكن الترجيح رأيا تَتَفَاوَتُ فيه الأهواء وَتَتَعَارَضُ فيه الأذواق وإنما كان ترجيحا معتبرا فأقام المرجِّح من الدليل الصحيح الصريح ما يوجب قبول قوله ، فكذلك العقول ، وهو محل شاهد تقدم ، فإنها سواء أكانت عقل الفرد أم عقل الجمع ، فلا تَرْضَى بحكمِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ فلكلٍّ عقل ولكل ذوق ، سواء أصح أم فسد ، أعدل أم ظلم ، ولا بد من معيار يحكم فيه بالصحة والعدل ، أو الفساد والظلم ، وإلا فَكُلٌّ يزعم أنه الصحيح العادل ومن يخاصمه فهو الفاسد الظالم ، فكان من عدل الخصومة الرسالية من باب استدراج المخاطب انْتِصَافًا له من النفس أن لم يجزم الوحي في قول الرب جل وعلا : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، وإن كان الحق جزما في مقاله ، ولو بالنظر في اعتقاد أتباعه ، ولكنه يدعو الخصم إلى كلمة سواء في الجدال ، فإذ ادعى كُلٌّ أنه الصحيح العادل فليس ثم مناص من الجدال الذي يظهر الحق فلا يكون جدال التحكم الذي يأبى صاحبه الانقياد لما يظهر من الحق فليس باعثه طلب الحق وإنما باعثه الانتصار للنفس والرأي وإن خالف عن الوحي فقد أصابه من الكبر ما أهلك كما قد أصاب الهالك الأول إذ : (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، موضع اعتبار آخر ، يدخل في حد الأمر أن : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فهو يقيس القياس الصريح طردا وعكسا ، فيوجب له ذلك أن يخالف عن جادة الهالك إن أراد النجاة ، فإن الحكم يطرد في كل مخالف مجادل بالباطل يقدم مرجع الهوى أو الذوق فيخالف به عن جادة النص ، مرجع الحكم الأول ، فيقدم ما تشابه من الوضع المحدَث وهو أَثَرُ الهوى الباطل والذوق الفاسد فآثارهما في الخارج معيار تحسين وتقبيح يضطرب بل ويخالف عن جادة الضرورة العقلية والفطرية فضلا أنه يخالف عن الجادة الرسالية فاستحسن ما أجمع العقلاء على قبحه ، واستقبح ما اجمعوا على حسنه وظهر ذلك في مواضع فجة يعظم فيها الخلاف لأحكام الفطرة النظرية والعملية ، الحسية والمعنوية ، وهو ما يرى الناظر اليوم في جُمَلٍ من الأخلاق السياسية والاجتماعية والفردية لا يخفى ظلمها في السياسة وَقُبْحُهَا في السلوك وهي ، مع ذلك ، محل رضى وقبول ، بل وصاحبها قد جعلها مرجع الحكم الأول فهي سقف لا يجاوزه مرجع ، ولو رسالةً من السماء تَنْزِلُ ، فلا بد أن تدخل في حكمه ، طوعا بالتأويل أو كرها بالتعطيل ! ، على وجه عم جميع الأحكام العلمية والعملية ، فالتأويل والتعطيل لا يقتصر على ما اشتهر في كتب المقالات من نصوص الإلهيات في الأسماء والصفات وإنما يجاوزها إلى الأحكام الأخلاقية والاجتماعية والسياسية .... إلخ ، فثم من يعطلها صراحة فيعلن الحرب عليها بجاحة فلا يخجل ولا يستتر وإنما يجهر بعداوة الوحي تكذيبا لأخباره وتعطيلا لأحكامه بل وانتقاصا واستهزاء ، فلا حياء أن يخاصم الوحي بل قد عَدَّ ذلك من الفضائل والمناقب فهو من جند النور الذي يُبَدِّدُ ظلمة التخلف والرجوع إلى أعصار البداوة الفكرية والحضارية ، وهو ممن خَطَّ بالقلم وضرب بالسيف انْتِصَارًا من الوحي الذي غَزَا العالم فأفسده فهو يهدد السلم في مجتمعاته وَيُبَدِّدُ روح التسامح من نسماته ..... إلخ من الدعاوى المطلقة التي صارت دليلا يَنْطَلِقُ منه كل طاعن في الرسالة ، فلم يجهد أن يقيم على دعواه دليلا ، ولم يجهد أن ينظر في مقال الخصم أهو السبب في الفساد والظلم أم مقال أرضي محدث لم يسلم من الأهواء فاستجاز لأجلها سفك الدماء وكان تاريخه القديم والحديث حروبا أفنت أمما ليفرض منهاجه على غيره ممن غلبه على أمره ، وذلك ما يَرَى الناظر أمثلة له في الخارج ، فهي مدركات حس يعاصر فَيَرَى ما أحدث المركز في الأطراف من الخراب بالحرب والسلب والنهب والإفقار والتجهيل ..... إلخ ، فذلك ، أيضا ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في حد الاعتبار في قوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فإن الاعتبار ، كما تقدم ، يوجب النظر في هذا المثال في مقابل آخر يشهد للوحي إذ كان له الأمر والنهي فكان رائد الصدق في الأولى والآخرة ، في الدين والدنيا ، في السياسة والحرب ، في الأخلاق والزهد ، في التجارات والصناعات ، وإن لم يسلم المثال من تَقْصِيرٍ في مواضع لم يكن ليقع لولا أن حاد الناس عن جادة الوحي في مواضع ، فصار سلوكها سببَ سعادة ونجاة عم بِرُّهُ الموافق والمخالف ، وصار العدول عنها سبب تعاسة وهلكة عم شؤمه ، أيضا ، فكان انحطاط الأمة الخاتمة بما ضَيَّعَتْ من حدود الرسالة الحاكمة ، كان ذلك سببا ، لو تدبر الناظر في تعاسة الموافق والمخالف معا ! ، فإن معيارها قد أحكم فليس معيار مصلحة أرضية يضطرب يجعل الأحكام جميعا نسبية لا تَنْضَبِطُ ، فالعدل لا حد له ، وإنما العدل ما به تحصل المنفعة العاجلة واللذة الطارئة ! ، فصار العدل في الأمة الغالبة يغاير العدل في الأمة المغلوبة ! ، فالعدل في الأمة الغالبة قسمة حظوظ تُنْصِفُ أصحابها ولو اقتسموا عاجل لذة مع فساد العقد والشرع وفساد الحال وسوء المآل ، والعدل في الأمة المغلوبة ما يمليه الغالب من أحكام على وجه يرسخ سلطانه ويحفظ مكاسبه ولو ظلم الناس جميعا ، سواء أكان الظلم بيده أم بيد من اصطنع من أتباعٍ في الأمم المغلوبة فهي ، كما يقول أهل الشأن ، مولعة أن تقلد الغالب وتسير في ركابه ولو عطلت ما عطلت من الأديان والأخلاق وخصائص الحضارة إذ تمانع فهي تدافع الوافد الغريب فعندها من القيم ما يكفيها ، فذلك نظر الأمم ذات الحضارة الأرضية فلا تَرْضَى وافدا من خارج ، فهي بما رسخ فيها من القيم الدينية والأخلاقية والسياسية لا ترضى بديلا فترى ذلك أمرا معيبا يَنْتَقِصُ من قدرها أن تَتَّبِعَ غيرها ، فكيف بأمة مادتها رسالة محكمة قد نَزَلَتْ من السماء مفصَّلة ، إما بالنص أو القياس ، فقياس الاعتبار ، وهو محل شاهد تقدم ، أن تكون ريادة العقول للوحي المنقول ، فالعقول الأرضية لا ترضى وافدا من خارج يسوسها فترد مادة الحضارة إن جاءتها من خارج وتلك حضارة الفكر لا آلة الرزع والحصد والطب .... إلخ من آلات المعاش التي يستوي الناس فيها فيحملها جيل عن آخر بلا حرج ، فليست مناط مفاصلة بين الأمم ، وإنما مناط المفاصلة قيم التصور والأخلاق والسياسة والحرب .... إلخ فهي التي تضع إطارا جامعا يوظف آلات الحياة فيضع لها معيار الحسن والقبح فلا يُبِينُ عن ماهياتها في الحصد والزرع والطب والصناعة فذلك أمر يعلم بالتجريب وهو إرث تراكم في طرائق العيش فلا حاجة فيه لوحي ، وإنما جاء الوحي حضارة تضع إطارا لهذه الآلات ، وتفصل من الأحكام ما تقاس به الأفعال حسنا وقبحا ، فمرجعه في التحسين والتقبيح يجاوز حد القيم المطلقة في الذهن فتلك كليات لا يحسم الإجماع عليها مادة التنازع بين الأمم والأفراد في الخصومات ، وإلا انتفت الحاجة إلى الرسالة بما رُكِزَ في النفوس من العلم الضروري بهذه القيم المطلقة ، بل قد جَدَّ في هذه الأعصار من مذاهب ما بعد المذاهب ! ، فهي ضلال بعد آخر إذ الحيرة تزداد فلا تحسمها الطرائق الأرضية بل تذكي نارها فلا يطفئها إلا غيث الوحي المنزَّل الذي يحسم الخلاف بين العقول أن يُرَدَّ إلى مرجع يجاوز الفهوم فقد تجرد من الأهواء والحظوظ فحكومته تُرْضَى إذ لا شبهة في حاجة أو افتقار ، أو مداهنة أو نفاق ، فَجَدَّ في هذه الأعصار مذاهب بعد المذاهب جحدت ثوابت العقل والفطرة والحس فهي تقول بالنسبية المطلقة فلا مطلق ولو مجردا في الذهن فضلا أن يكون مفصلا في الخارج بشرع محكم كامل قد استغرق العلوم والأعمال جميعا ، وكان فيه شفاء لصدور العالمين اتفقت أو اختلفت فهو معيار محكم يقيس به العقلاء ما يجد من نوازل التصور والشرع والسياسة والحرب .... إلخ ، فتكره تلك الطرائق المطلق ، ولو أرضيا ، فكيف بإنكارها للوحي فهي تَنْبِزُ كل من قال بمطلق ولو مجردا في الذهن أنه متعصب يستمسك بأصول ترجع به إلى الوراء ، فكيف بمن يستمسك بوحي مفصل يجاوز حد المطلق في الذهن ؟! ، فالاعتبار الصريح في قوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، يشهد من باب أولى أن تكون حضارة الوحي أشد دفعا لأي وارد من خارج ، فهي أولى بالغيرة والحمية وإنما عمت البلوى بما كان من غلبة المركز فهو الآن الغالب الذي يقلد بل وَيُقَدَّسُ ! ، فالأمم المغلوبة قد جعلته المعيار الذي تقيس به حضارتها وإن خالف عن أصولها في النظر والاستدلال ، فكيف بأمة مرجعها وحي من السماء ؟! ، فهي أولى أن تُمَانِعَ وَتُدَافِعَ ما لا يكون من غيرها ، فهزمت النفوس وإن حفظت النصوص بوعد الصدق من رب السماء والأرض جل وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فذلك ذِكْرٌ حسم الجدال فكان مرجعا ومركزا لحضارة الوحي المنزَّل في مقابل مراجع شتى لحضارات الوضع المحدث فلا زالت تحدث من المراجع ما ينقض بعضها بعضا فأنى لها بإحكام عقيدة أو شريعة أو منهاج وهي كل يوم في شأن ؟! ، فَتَنْقُضُ ما غَزَلَتْ بالأمس ، إذ لا معيار محكم يُبِينُ عن الحسن والقبيح فمعيارها ، كما تقدم ، منفعة عاجلة فهي مما يضطرب فلا ينضبط فإذا صار الشرع له تَبَعًا فليس إلا الاختلاف إذ المنشأ أهواء وأذواق كثيرة ، فجاء الاعتبار في موضع آخر من الوحي ينكر ويوبخ ولا يخلو من دلالة عقل صريح يحكم إذ يفرق بين المختلفين ، قرآن الرسالة ومذاهب الفكر والسياسة ، فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، وذلك ، كما تقدم ، اعتبار آخر صحيح إذ وحدة المرجع فالقرآن من عند واحد هو الرب المهيمن ، جل وعلا ، وحدة المرجِعِ ترجح بداهة تعدد المرجِع فيكون الاختلاف الكثير لاختلاف العقول والأذواق ، على وجه لا يحسم تَنَازُعَهَا إلا مرجع من خارج يجاوزها ، وهو ، كما تقدم مرارا ، الوحي المنزَّل ، فجاء الاعتبار في الآية يفرق بين المختلفين ، الواحد المحكم والكثير المتشابه المختلف فلا يزول اشتباهه إلا بِرَدِّهِ إلى محكم الوحي الذي عم بدلالاته المنطوقة والمفهومة ، فشهد النص ، كما تقدم ، لأصول الأحكام إما شهادة التصريح أو شهادة التَّلْمِيحِ ، وكان من مأثور البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما انتفع به النظار فقد استعمل من طرائق الاستدلال ما اتسعت به دائرة التشريع اجتهادا يعتبر لا آخر فاسدا يخاصم النص والإجماع ، فيخالف عن جادة الاعتبار الصريح الذي يقضي بتقديم المحكم على المتشابه فَيَقْضِي الوحي حكما من خارج في متشابهات الأهواء والأذواق ، لا كما يصنع كل من فسد اعتباره ، فهو يَتَتَبَّعُ المتشابه فيجعله رائدا يقدم على ما أحكم من الوحي ، فالتأويل طريق ثان يسلكه من رام نقض الوحي ، فمن صرح بالعداوة فأمره لا يشتبه ، وإنما يشتبه أمر المتأول إذ يكسو الباطل لحاء الحق من الوحي المنزَّل فعنايته أن يُلَفِّقَ من الأدلة ما يشهد لقوله ولو تكلف لأجل ذلك من تأويل الوحي ما يخالف عن قياس العقل الصريح ، فلم يكن له حظ ينفع أن يَمْتَثِلَ أمر الوحي المنزَّل أن : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فاعتباره يخالف عن الجادة إذ يروم تأويلا لما أُحْكِمَ ، مادتُه ألفاظٌ تشتبه فَيَرُدُّ المحكم بالمتشابه وقياس الاعتبار الصريح ، كما تقدم مرارا ، أن يُرَدَّ المتشابه إلى المحكم ، فخالف عن الأمر الذي أطلق فعم وجوه الاعتبار كلها ، ولا يخلو الضمير الذي اتصل بالأمر في "اعتبروا" أن يدل على عموم آخر بالنظر في معنى التغليب فهو قرينة تطرد في نصوص التشريع لقرينة العموم في التكليف إلا أن تَرِدَ قرينة تقصره على جنس أو نوع أو آحاد فيكون من الخصائص التي تجري مجرى وقائع الأعيان فلا يقاس عليها ، وليس ثم قرينة هنا توجب التخصيص ، بل الاعتبار الصحيح يشهد بحمل اللفظ على الظاهر المركب من دلالة الوضع الأول ، دلالة الجمع المذكر ، ودلالة القرينة الزائدة ، العموم في أحكام الشريعة النازلة ، فذلك ما اتسعت به دائرة الاستدلال فعمت كل مكلف ، وكان نداء أولي الأبصار لا أن يقصر التكليف عليهم ، فلا يكون ثم أمر اعتبار لغيرهم ممن رزق آلة العقل ، مناط التكليف ، ولكنه لم يحسن النظر بها بل قد استعملها في ضد ما خلقت لأجله أن تعتبر الاعتبار الصريح الذي يفضي بها إلى توحيد رب العبيد ، جل وعلا ، وعبادته ، فذلك ، كما تقدم ، قدر يزيد على مطلق التصديق بالربوبية فلا بد من آخر بالألوهية تصديقا وامتثالا ، على وجه يحصل به من الاعتبار الصريح ما ينفع فدلالة التلازم تقضي بإيجاب التصديق والامتثال في أحكام الألوهية فرعا على إثبات الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا ، وذلك تصديق يجاوز حد العلم الباطن ، ولو شُفِعَ بالإقرار والإذعان ، فَلَئِنْ سُلِّمَ أن الإيمان هو التصديق ، فذلك من باب إرادة السبب المنشئ فإن التصديق الباطن منشأ القول والعمل الظاهر ، فيكون من باب إطلاق السبب وإرادة المسبَّب ، أو إطلاق الجزء وإرادة الحقيقة كلها ، فالتصديق جزء من الحقيقة الإيمانية ، اعتقادا وقولا وعملا ، بل قد يصح الحد ، من وجه آخر ، بالنظر في معنى التصديق الجامع ، فهو بالجنان اعتقادا ، وباللسان قولا ، وبالأركان عملا فهي تصدق بحركاتها وسكناتها ما حصل في الجنان من التصديق الباطن ، فصح من هذا الوجه أن يقال إن التصديق يزيد وينقص ، مع أن المتبادر أنه عقد يُثْبِتُ أو يَنْفِي وذلك واحد لا يحتمل فلا يتصور الناظر فيه زيادة أو نقصا ، فإما الإثبات وإما النفي فلا ثالث ، فالتصديق الذي تطرأ عليه الزيادة والنقص هو تصديق الجوارح بالفعل والترك ، بل قد تجري الزيادة والنقص على الباطن ، كما يذكر بعض المحققين ، فالعلم يقوى بمطالعة الأدلة وتدبرها واعتبارها اعتبارا يجاوز التقليد بلا نظر واستدلال ، فاعتبار الأدلة طردا وعكسا ، لا سيما في مضارب الأمثال في قصص الماضين ، نجاة أو هلكة ، اعتبارها يزيد في التصديق وهو خاصة أولي الأبصار الذين توجه إليهم النداء في الآية فلا يخلو من دلالة التعظيم ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة التعريض بمن لم يسلك جادتهم فلا بصر له ولا عقل ، والنفي هنا لا يدل على انتفاء العقل ، مناط التكليف ، وإنما يَنْصَرِفُ إلى عقل زائد به ينتفع الناظر في الأدلة فيصدق ويمتثل وذلك قدر زائد على هداية البيان والإرشاد ومناطها عقل أول يفهم ، فَثَمَّ هداية التوفيق والإلهام التي بها يُسَدَّدُ وذلك فضل عظيم من الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، يُؤْتِيهِ من يشاء على وجه تحصل به الحكمة أن تُوضَعَ الهداية في المحال التي تقبل آثارها وذلك الفضل ، ولا توضع في المقابل في محال فاسدة لا تَنْتَفِعُ بها وذلك العدل ، فالحكمة أن يوضع كلٌّ في موضعه الذي يلائمه على وجه يوجب الثَّنَاءَ بكل كمال مطلق على الرب القدير الحكيم تبارك وتعالى .
    ولا يخلو الاعتبار من دلالة استعارة فإن العبرة من حد إلى آخر في عالم الحس إذ يعبر من ضفة إلى أخرى ، تلك العبرة قد استعيرت لعبرة العقول إذ تَنْتَقِلُ من معنى إلى آخر انتقال المستدل من الدليل إلى المدلول فهو المراد المطلوب ، ولا يخلو ذكر الأبصار آخر الآية في سياق النداء ، لا يخلو ، من وجه ، أن يكون من باب ذكر المنشإ وإرادة الغاية فإن البصر في الظاهر أول والبصيرة في الباطن ثان وهي المراد الرئيس إذ بها يكون التدبر والاعتبار فالبصر آلة حس تدرك ، والعقل آلة معنى تستنبط فهي الغاية وعليها المعوَّل في درك مراد القائل فكلامه ليس لفظا يُدْرَكُ بالحس أو إشارة تُدْرَكُ بالبصر دون غاية تَرْجِعُ إليها ، وإنما تُرَادُ اللفظة والحركة لغاية هي المعنى الذي أراده صاحبها وهو ما لا يدرك إلا بالبصيرة مناط الاعتبار في الباطن .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 24-11-2017 في 04:11 PM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •