اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: توزيع الأدوار

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:13-10-2018
    الساعة:08:50 AM

    المشاركات
    4,780
    العمر
    40

    توزيع الأدوار

    وزير الخارجية الأمريكي يدعو إلى تخفيف الحصار في شهر رمضان الفضيل ! فقد تضررت العلائق بين الأسر وتقطعت بهم السبل ! ، في ظل سياسة أخرى اشتهرت بها الإدارات الأمريكية ، وهي سياسة توزيع الأدوار ، فالرئيس ، في المقابل ، يضغط ويهدد ، فهو وَوَزِيرُ خارجيته وجنرالاته يؤكدون أن مكافحة الإرهاب أمر حيوي ويدعون الدولة المحاصرَة أن تريهم من نفسها الإخلاص والتجرد في محاربة الإرهاب والتطرف إذ تستضيف بعض قياداته وتموله ، ولو بطريق غير مباشرة ، بما تملك من مؤسسات وجمعيات فالحرب على الإرهاب ، كما قال رأس النظام في مصر في قمة الرياض ، ويبدو أنها كانت كلمةَ سِرٍّ أوحى بِهَا إليه من أوحى من شياطين الجن أو الإنس ! ، الحرب على الإرهاب لا تقتصر على الفاعل المباشر وإنما يسبق ذلك التحضير الفكري والإمداد اللوجستي من تمويل وتسليح وتدريب ..... إلخ ، فلا بد أن تبذل الدولة المضيفة جهدا زائدا وإن كانت حليفا نافعا فلا يخلو الكلام من لين تارة وشدة أخرى مع التأكيد على دورها الفاعل إذ تستضيف قطاعات عسكرية أمريكية كان لها دور في شن الغارات على معاقل الإرهاب لا سيما في العراق في إطار سياسة توزيع أدوار أخرى فالجميع يختلفون بل ويتلاسنون وربما اقتتلوا ولكن الجميع على حب واشنطن قد أجمع الإجماع المتواتر الذي يفيد العلم القاطع ، فذلك الثابت الرئيس في عالم لا يعرف الثوابت ابتداء ، كما يصرح ساسة المركز فليس ثم تحالفات دائمة ، وإنما المصلحة هي معيار الولاء والبراء الأول وربما الأوحد مع الاحتفاظ بقدر ضئيل من القيم والمبادئ تغلف بها بضاعة السياسة البراجماتية .

    فَثَمَّ تهديد بلغة حرب إذ استدعي الجنرالات في خطاب الرئيس الأمريكي على وجه لا يخلو من مفتاح دلالي يفصح عن توجه الإدارة الحالية أن يكون للجنرالات هامش أوسع في اتخاذ القرار السياسي في مقابل تقليص دور الخارجية الأمريكية فلا يكاد الناظر يسمع باسم وزير الخارجية الحالي ريكس تيلرسون فضلا أن يراه خلافا لأمثال هيلاري كلينتون وجون كيري في الإدارة السابقة فقد كانا مِلْأَ السمع والبصر وكان لهما من الفعل السياسي والظهور الإعلامي ما يكاد يضاهي ظهور الرئيس أوباما نفسه ! .
    فَثَمَّ لغة حرب لن يسلم منها أحد لا المحاصِر ولا المحاصَر وإنما لكل دوره ، لا سيما الرياض ، فهي عاصمة الجزيرة العربية مهبط الوحي الذي يحرض على الإرهاب والتطرف ، وإنما قصر النظر في ظل سياسة تغلب عليها المراهقة فلا تنظر في المآلات البعيدة فَصَارَ القوم كما يحكي لسان الدين الخطيب ، رحمه الله ، صاحب "الإحاطة في أخبار غرناطة" ، كَمَا يحكي عن مُلُوكِ الطوائف ، صَارُوا كَالضَّرَائِرِ التي تَتَهَارَشُ ويكيد بَعْضُهَا بَعْضًا عند الزوج الذي يملك الساق ! ، فهو الذي يتخذ القرار الرئيس وإنما يَتْرُكُ هامشا من المكايدة يحسن توظيفه إن كان زوجا ذكيا ! ، فهو يضع الإطار العام الذي يقصر أصحاب النظرة السياسية الجزئية أن يدركوا أهدافه الاستراتيجية البعيدة ، فالجميع في إطار نظام دولي محكم يحسن اختلاق الصراعات وإدارتها على وجه يحقق المصالح العليا للقوى العظمى الفاعلة ، فيصعب تصور المشهد على من قَصُرَ نظره وضاق أفقه وتحول أمر السياسة عنده إلى عاطفة تحب وَتُبْغِضُ حب النساء وبغضهم ، وهو أمر قُلَّبٌ لا يثبت على حال فلا يثبت على مبدإٍ ، لا في تصور ولا في حكم ، فمن أحب لأجل المصلحة قَرَّبَ المحبوب لِيَنْتَفِعَ به ثم أقصاه إذا اسْتَنْفَدَ أغراضه ، وهو خطأ يتكرر فالتيارات الإسلامية وهي الحلقة الأضعف في هذا الصراع وإن كانت الحلقة الأقوى من الناحية الأيديولوجية التي تجاوز حد الأيديولوجية الغربية التي تَنْصَرِفُ إلى معنى سياسي محض ، فالأيديولوجيا هي محرك الأمة في وضع استراتيجيتها السياسية والعسكرية بعيدة المدى ، فهي خطوط عريضة وأطر عامة تجعل الفكرة مصدر إلهام لا أكثر فلا يتدخل في التفصيل ولا يمارس دور التشريع إلا بقدر ما يحقق غاية السياسي الماهر الذي يحسن التلاعب بكافة الأوراق بما فيها ورقة الدين والفكر والأخلاق والقيم والمبادئ ، فهي ورقة تروج في العامة الذين يصدقون شعارات الخاصة الذين احترفوا السياسة البراجماتية وذلك ما يخالف بداهة عن تصور السياسة في الإسلام فليست صناعةً يمارسها أصحابها ممارسة التاجر المخاتل الذي يروم الربح العاجل .
    فالتيارات الإسلامية ، محل الشاهد ، تملك أيديولوجيا عابرة للعصور والأمصار ، وذلك ما يجعلها خطرا على أي نظام سياسي أرضي ، لا سيما النظام الغربي الذي يحتل موقع المركز الآن في ظل تراجع الشرق وَاكْتِفَائِهِ بدور الذيل ، فطريقة التفكير الفلسفية ، كما يذكر بعض مؤرخي المركز وهو صاحب "معالم في تاريخ الإنسانية" ، طريقة تَشَبَّعَتْ بفكرة المدينة بوصفها الغاية القصوى للدولة ، فصارت الفكرة الوطنية تحول دون امتداد العقل الْيُونَانِيِّ إلى الفكرة العالمية ، خلافا للرسالة الخاتمة التي جاءت بالرحمة العامة وجاءت تقيم الحجة على كل من بَلَغْ .
    وهذه النظرة الغربية الضيقة هي ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، من تأثير الجغرافيا في الطبائع والأخلاق والسياسات ، فأوروبا قارة ضيقة تشكو من تزاحم العمران ، وقلة الموارد ، وَطَبِيعَةٍ وعرةٍ فصلت بين دولها ومدنها فظهرت الكيانات الاجتماعية والسياسية الكثيرة التي تشكو الضعف والشتات ، والناظر في أوروبا التي تَنْتَحِلُ زعامة العالم فكرا وسياسة فهي أصل الحضارة والفلسفة ! ، الناظر فيها يجد أنها تروم لعب دور أكبر من حجمها الجغرافي والديموجرافي ، فهي ، كما يقول بعض المفكرين ، لا تعدو فِي الخريطة الجغرافية أن تكون تابعة لآسيا ، فهي امتداد للشرق لا أكثر مع أنها تحتكر وصف المركز فآسيا جزء من الشرق ، فالمبدأ من أوروبا التي ترسم الخريطة وتضع الجهات الأصلية والفرعية ! ، فالشرق ما كان فِي شرقها ، والجنوب ما كان فِي جنوبها ..... إلخ ، فَلَا يخلو الأمر مِنْ إحساسٍ شديدٍ بالنقص والدونية إذ لم تسهم أوروبا في صناعة الحضارة ما أسهم الشرق ، وآسيا على وجه التحديد ، فإن النبوات جميعا قد خرجت منها ، بل ومعنى الدين ، ولو أَرْضِيًّا ، قد ازدهر فيها ، بل والفلسفات التي يَتَبَجَّحُ بها الغرب إذ يَرُدُّهَا إلى الجنس الأوروبي الآري ، هذه الفلسفات قد نشأت في الشرق قبل أن يعرفها الغرب الذي يكابر إذ ورث نظرة الاستعلاء من جنس اليونان ، بل إن أجناس أوروبا ما هي إلا أجناس آسيوية قد هاجرت من الشرق إلى الغرب ، ومنها الجنس الآري نفسه ! ، فلم يكن في أوروبا ما يجذب أصحاب الحضارات القديمة فهي أرض قفر لا يلجأ إليها الإنسان إلا لجوء المضطر ، وإن قضت سنة التداول أن تكون اليوم ملجأ آخر لمن اضطهد في بلاده أو ضاق رزقه بما فشا من استبداد وفسادٍ تَنَوَعَّ ، فهو بين الاحتكار والانتهاب ..... إلخ ، فسنة التداول قد قضت ، ولو مؤقتا ، بانتقال مركز الحضارة من آسيا إلى أوروبا ، وتوشك أن تعاود الانتقال فقد فشل الغرب في الفكر والسياسة والحرب أن يضع معايير محكمة بعيدا عن النظرية النسبية التي تهيمن عليه ، فلا يَقَرُّ على قَرَارٍ إلا المصلحة المادية العاجلة ، فَلَئِنْ حقق الرَّفَاهَ بما انتهب من الأطراف ، فلم يرحم الضعيف إذ امتلك آلة القتل الفاعلة ، وَبِذَا ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، ظهر القدر الفارق بين امتلاك الفرد أو الجماعة قِيَمَ الحضارة ، وامتلاكهم آلاتِ الحضارة ومنها أسباب القوة المادية ، السياسية والاقتصادية والعسكرية ، فأوروبا وما أُلْحِقَ بِهَا في دائرة المركز السياسي المعاصر ، أوروبا وحلفاؤها لم ينجحوا في امتحان الحضارة وإن نجحوا في امتحان المدنية والتقنية والرفاه ، فلم يحسنوا استخدام أدوات الحضارة إذ لم يمتلكوا قيم الحضارة فيؤذن السنن النافذ أن يقضي بانتقال مركز التحكم والسيطرة من غرب قد آذنت شمسه بالأفول ، وإن استغرق ذلك أجيالا ، فتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في قيام الدول وضعفها ثم انهيارها وَزَوَالِهَا .
    فالتصارع على المادة هو ، عند التدبر والنظر ، القيمة العظمى في قارة لم تعرف من الوحي إلا آثار مبدَّلة فقد فلسفت النبوة لتحملها على نظرتها الأرضية ، فاغترت كما يغتر الساسة المراهقون ، اغترت بعاجل المصلحة ، فصار العقد هو عقد التشارك تارة والتصارع أخرى سعيا في تحقيق المصلحة السياسية بمفهومها البراجماتي الصلب ، فإن تصارعت كما كانت حالها في قرونها الأولى والوسيطة فهي تَتَصَارَعُ على السلطة والموارد القليلة ، وإن تحالفت فتحالف هش كالاتحاد الأوروبي فرابطه الوحيد هو المصلحة المادية دون أن يستند إلى أي تاريخ أو فكر مشترك فالتاريخ كله صراع هويات وحروب تصفيات .

    فالغرب يشكو من فقر الموارد البشرية والطبيعية ، فليس ، كما تقدم ، إلا امتدادا لآسيا ذَا طبيعةٍ جغرافية قاسية وليس سكانه إلا هجرات من الشرق الذي كان خَزَّانَ الحضارة والبشر في العالم القديم ، وذلك ما يجعل أوروبا تنظر في تاريخها غاضبة فهي تروم القطيعة المعرفية معه فكان خيار الحداثة الذي رامت به الانعتاق من استبداد الدين المبدل والسياسة الجائرة ، وهي ، كما يقول بعض المفكرين ، تُعَالِجُ الأمور بمنهاج الطفرات الفكرية المفاجئة لتبرر نظريتها في سيادة العقل الغربي ، الإغريقي ثم الأوروبي ، فقد قفز الغرب بفرضية العبقرية اليونانية فجاوز الحضارات القديمة ، السماوية أو الأرضية فجاوز النبوات القديمة ، فالرسالة الموسوية قد نَزَلَتْ في آسيا قبل تشكل العقل اليوناني ، فإنه لم يستفد علما نافعا إلا بعد احتكاكه بمدارس الفكر والفلسفة في الشرق ، وهي مدارس ، شاءت أو أبت ، لم تسلم من تأثير الرسالة السماوية وإن ناصبتها العداوة فَرَامَتِ الانطلاق من قاعدة أَرْضِيَّةٍ ، فنزلت الرسالة الموسوية في آسيا ، على القول إن سيناء جزء من آسيا ، وإن كانت في الجغرافيا الحديثة جزءا من دولة إفريقية فهي الامتداد الآسيوي لمصر ، وبعث الخليل عليه السلام في العراق ، وإن دخل مصر زائرا ، ولم يزر موسى عليه السلام مصر إلا رسولا وسرعان ما غادرها إذ كاد له فرعون وجمع ، فلم يطق نبوة تزاحمه ، فكان المنتصر الذي يضع قانون الشرع والسياسة فهو الإله الذي لا يقبل شركة لا من الأرض ولا من السماء ، فضلا أن يخضع لمرجع يجاوزه من خارج يأمره وينهاه ، فهو كالغرب الحاكم الآن فلا يرضى أي مرجع يجاوزه من خارج ، فوحده الذي يضع من الشرائع والسياسات ما يحقق مصالحه العاجلة إذ ضاق النظر فصارت اللذة هي الغاية والقوة هي الوسيلة ومنها قوة السلطان الفرعوني ، وقوة جيشه إذ أرسل في المدائن حاشرين فاستعمل سلطان السياسة أمرا ونهيا في حشد الجند لحرب المبدِّل للدين المظهِر للفساد ، فخلعت آلة الإعلام والدعاية في الدولة الفرعونية الحديثة ! خلعت عليه ألقاب الإفساد والإرهاب فكان الجمع الذي ظاهره الانتصار لقيم الإنسانية والمدنية ! ، وباطنه الانتصار لقيم فرعون ، الإله الحاكم الذي يأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزه من خارج ، فتلك حال الغرب اليوم ، فهو الفرعون الأعظم وهو الحكيم الأوحد ، فَلَيْسَ عَبْقَرِيٌّ سواه وإن كان أغبى الأغبياء ، فنظرية الطفرة العقلية كانت ، كما تقدم ، حجة جاهزة في تَبْرِيرِ الغرب احتكاره النظرة المعرفية الشاملة فالعبقرية اليونانية جاوزت الشرق القديم ، شرق الرسالات والفلسفات والديانات القديمة ، والعبقرية الأوروبية الآن قد نسخت عطاء الحضارة الإسلامية فجحدته بعد أن انتفعت بما قدم في عصور ازدهاره ، فاختزل دوره أنه الناقل لمادة العلم والحضارة ذات الأصل الأوروبي فلم يجاوز دورُه دورَ الحافظ الذث لا يحسن يستنبط ويجدد ، فأدى مادة العلم كما تحملها أداء الحامل للفقه وهو لا يفقه ! ، فليس عقله أهلا للابتكار والنظر في الكليات الجامعة فهو عقل ساذج لا يطيق النظر إلا في المشاهد الجزئية في عالم الفكر والسياسة وسائر صنوف المعرفة ، والغرب الذي لم ينزل فيه نص واحد من نصوص الوحي يلمز الشرق أنه جاهل لا يحسن النظر ولا يملك آلة العقل الباحث فلا يسع الغرب لتقرير نظريته في التفوق والسيادة ، لا يسعه إلا أن ينكر الوحي ويجحد فضله بل وَيَزْدَرِيَهُ ويجعله خرافة أو وصاية تَحَرَّرَ منها العقل بعد نضجه فلم يعد ثم حاجة إلى الوصي إذ بلغ العقل سن الرشد فاستقل بالبحث في مصيره وإن كان لا يعلم ما في غده فضلا أن يضع تصورا للحياة يجعله في غُنْيِةٍ عما سوه ، وَأَبَى أن يَنْقَادَ للوحي بل جعل ذلك مئنة من التقليد والجمود وضعف العقل وذلك أمر لم يسلم منه بعض من اغتر بهذا الطرح الذي انتسب إلى العقل نسبةً فيها نظر فالعقلاني حقا هو من يقدر كل شيء حق قدره فتلك هي الحكمة فلا يعطي العقل فوق ما يستحق ولا يُحَمِّلُهُ ما لا يطيق من النظر في الغيوب والبحث في أسئلة مصيرية لم تجب عنها إلا الرسالات السماوية ، والأمر ، كما تقدم في مواضع سابقة ، اصطفاء محض يعلم فيه الرب ، جل وعلا ، المحل القابل لآثار الوحي ، فاختار الأنبياء ، عليهم السلام ، من الشرق واختارهم من آسيا التي تعد مهد الحضارة الأولى ففيها ، كما تقدم ، خرجت الرسالات جميعا ، فنزلت الحنيفية الإبراهيمية ، ونزلت اليهودية والنصرانية ، ثم نَزَلَتِ الرسالة الخاتمة الجامعة فكانت الحجة الباقة حتى تقوم الساعة ، ولم تجعل لأحد فضيلة إلا بالتقوى ، فأبطلت بذلك نظرية الغرب في السيادة ، فهي النظرية الفرعونية التي تأبى الانقياد لأي مرجع مجاوز من خارجها ، فالفرعون الأكبر في المركز يحكم ، وإن استعمل بعض الفراعين الصغار في الأطراف فكلٌّ يكافح الإرهاب والتطرف نِيَابَةً عنه ، بل ويتطوع بدفع المال وربما حشد كما حشد فرعون لموسى عليه السلام ، فَثَمَّ حشود تجمع في المدائن في تحالفات سياسة وحرب ظاهرها مكافحة التطرف ، وحقيقتها الإجهاز على الوحي بقصره على تأويل واحد لِطَيْفٍ من أطياف العمل الإسلامي المعاصر ، له ما له وعليه ما عليه ، إن في السياسة أو في الحرب ، فلا شك أنه قد استدرج ولا زال على وجه أَوْقَعَهُ في جملة من الفخاخ المحكمة فاستعمل في الحرب تارة وفي السياسة أخرى بل وكان يوما يكتب المراجعات ويسعى في المصالحات التي استفادت منها أنظمة حكمٍ هي اليوم من يضعه على قوائم الإرهاب والتطرف ! ، فكان الشيخ الجليل يوصف أنه رمز الاعتدال في مرحلة النضال الفكري ضد التطرف المسلح ، فكتب من كتب وطبع من طبع نَزْعًا لفتيل الإرهاب ! ، بعد أن تشكل بفعل عوامل من داخل ومن خارج ، وأخطاء لا ينكرها أي عاقل ، فتضافرت عوامل عدة في مشهد مركب تم تسطيحه كالعادة وَتَوَلَّى كبر ذلك أرباب الاعتدال والوسطية الذين أفسحت لهم الأنظمة السياسية فضاءً فكريا وإعلاميا واسعا للقضاء على التطرف والإرهاب بعد أن اختزلت صورته في فكر يسيئ تفسير النصوص وتأويلها وَيُوَظِّفُهَا لخدمة حراك ميداني مخترق من جهات أجنبية تَرُومُ الشر بأهل الحق ، ولا يخلو القول باختراق هذه التنظيمات ، لا يخلو من نظر معتبر ، ولو في الجملة ، ولكن الصورة ليست بهذه البساطة ، فالأنظمة كانت طرفا فاعلا في اختراق هذه التيارات وتوظيفها بعد أن مارست ضدها أبشع صنوف الاضطهاد والتعذيب فكان ذلك جزءا من صناعة الأيديولوجيا التي تُسْتَدْعَى في مشاهد محلية أو إقليمية أو دولية على وجه تصير فيه رغما عنها ! ، عنصرا فاعلا في معادلة سياسية أكبر منها بكثير ، وإن كانت هي الحجة ! على وجه لا يخلو من المبالغة الفجة ، كما يتندر بعض الفضلاء إذ يذكر ما تصنع بعض دوائر الإعلام في أمريكا من استفزاز للمشاعر وحشد للرأي العام فالجميع معا ضد الإرهاب الذي صار يحتل مساحة إعلامية تُبَالِغُ وَتُهَوِّلُ من خطر الإسلام المتطرف فكل خمس دقائق إعلان عن التنظيم الدولي ذي الأنياب والمخالب الذي يحرق الناس ويقطع الرءوس ...... إلخ فاختزل الوحي في هذا التأويل الذي لم يسلم من الاختراق الاستخباراتي ثم التوظيف الإعلامي لتكون حربه ستارا لحرب أعم على الوحي فهو الذي يغذي هذه الأيديولوجية المتطرفة ، فجاء إنذار الرئيس الأمريكي بالأمس أن : كُفُّوا عن حشو العقول بثقافة العنف التي تحرض على قتل الناس وذلك ، بداهة ، يوظف أول ما يوظف لضرب شعيرة الجهاد في مقتل استنادا لتأويلات لم تخل من التعصب ولم تخل ، وهو الأخطر ، من الاختراق الاستخباراتي المحلي والإقليمي والدولي فكل يتخذها ذريعة لتحقيق ما يَرُومُ من الغايات السياسية البراجماتية ، كما يظهر في الأزمة الخليجية الحالية ، فالمعلَن أن الحصار لتقليم أظفار الإرهاب والتطرف وتجفيف منابعه الفكرية والمادية ، فهذا ما يعلنه المركز ، وتعلنه الأطراف التي أَوْكَلَ إليها إدارة هذا الصراع الْبَيْنِيِّ ، والحقيقة أنه صراع على قيادة الخليج بين ضرائر السياسة ، فقد اختلفن في كل شيء فتحالف بعضهن مع بعض ضد بَعْضٍ ثالث ووقف رابع على الحياد وسيطا أو ناظرا بقلق فنجاح هذا الحصار يكرس نظرية جديدة في السياسة الإقليمية في الخليج تهدد سيادة دوله فليست على قلب رجل واحد كما يظهر في اجتماعات المجلس فهي اجتماعات بروتوكولية لم تنجح في حسم الخلافات الفكرية والسياسية فلكلِّ دولة استراتيجية تتلاءم وظروف النشأة وأسباب القوة الناعمة والصلبة ، والجميع ، آخرَ الأمر ، يدور في فلك المركز فإن من رسم خارطة الخليج الحالية لم يرسمها عبثا ، وإنما تقصد إيجاد جيوب جغرافية لا تملك مقومات الدولة وإن امتلكت أسباب الثروة فهي تُعَانِي من ضعف الموارد البشرية ، وهي الموارد الأساسية لإقامة أي مشروع سياسي ناجح ، فالثروة لا تصنع دولة وإن كانت مقوما رئيسا من مقوماتها فلا بد من بنيان سياسي محكم يجاوز حد التهارج بين القبائل والذي يصل في أحيان إلى التهارج بين الضرائر السياسية كما يرى الناظر اليوم في هذا المشهد ، ولا بد أن يكون لهذا البناء السياسي مرجع من القيم والمبادئ يجاوز شهوة الملك التي جعلت كُلًّا يَتَرَبَّعُ على عَرْشٍ ويرفع علما ويضع خطة في السياسة والحكم لا تحقق إلا مصالحه الخاصة ولو أضر بالمصلحة العامة ، الداخلية والإقليمية والدولية إن أطاق الوقوف أمام القوى الدولية ، وذلك ، بداهة ، من فرض المحال ، فإن هذه الخريطة قد رسمها المركز فكيف تطيق الدول المرسومة أن تخرج عن سلطانه وهو الذي أنشأها ووضع لها الحدود وتكفل بحفظ أنظمتها السياسية مُقَابِلَ ما تبذله من تعهدات بحفظ مصالحه في المنطقة ، إن سياسية أو اقتصادية ، فالأمر يجاوز إمداده بالنفط والغاز ، وإن كان ذلك أظهر صور البذل لضمان الحماية فلا بد من صناعة العدو أولا بأول ، إن في المركز لحشد الرأي العام ، أو للأطراف فالأنظمة لا بد أن تشعر بالقلق والخوف الدائم لتسارع في الدخول في تحالفات استراتيجية مع المركز وإن شئت الدقة فقل تَبَعِيَّاتٍ سياسية تُفْقِدُهَا الاستقلالية ، فالمنشأ ، كما تقدم ، من المركز ، والسياسة منه ، والحماية منه ، والجميع يتزاحم لالتقاط الصور مع رئيسه كما ظهر في قمة الرياض الأخيرة فكانت الصورة التذكارية خير شاهد فرئيس المركز في الوسط والحلفاء يَتَزَاحَمُونَ لِيَقِفُوا بجواره ، وَيَتَسَابَقُونَ في إرضائه ، فإن نكل بعضهم أن يسارع المسارعة الواجبة فَتَبَاطَأَ لا أكثر فأظهر من الممانعة الجزئية نظير ما تظهره تركيا ، مع القدر الفارق ، بداهة ، في القوة والموارد ، فإن تباطأ بعض وإن لم يجهر بعداوة فهو جزء من منظومة المركز السياسية والعسكرية في المنطقة وإنما رام دورا أكبر فكان العقاب بالحصار فضلا عن كيد بقية الضرائر فلم تطق أن تحظى ضرة صغرى بأسباب قوة تجعلها في الصدارة ولو على المدى البعيد ، فكان الكيد النسائي في الشأن السياسي ، فكل ضرة تروم الاستئثار بقلب السيد الأمريكي ، ولو تدبر الناظر لوجد أن هذا المشهد إن نجح فسوف يتكرر بين بقية الضرائر فثم ضرة تقود الإقليم الخليجي بما لها من نفوذ سياسي يستمد أسباب قوته من الجغرافيا فهي ، كما تقدم مرارا ، عامل رئيس في صناعة السياسة ، فضلا أنها القوة البشرية الأكبر وإن اشتكى الإقليم كله من فقر بشري يفقده خط الدفاع الأول ضد أي مشروع غزو أو احتلال فليس ثم من يعمر الأرض ويملأ الثغور ، لا عجب كان إخلاء سيناء ، على سبيل المثال ، كان إخلاؤها من السكان والعمران شرطا رئيسا من شروط معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني فإعمارها ، كما يقول بعض ساسة يهود ، إعمارها أخطر على الكيان الصهيوني من قنبلة نووية ، فلا تملك من أسباب الديموجرافيا ما يجعلها تحافظ على الجغرافية التي ضَعُفَ تأثيرها السياسي إذ لم يشفع بالظهير السكاني فما فائدة الأرض إن كانت قفرا فمن يدفع عنها إذا غُزِيَتْ أو احتلت ، وقد حكى التاريخ الأندلسي أن الثغور الإسلامية كانت دوما محل اضطراب إذ تاخمت دولة النصارى في الشمال فكثرت الغارات وطمع النصارى في الأرض إذ خلت من السكان الذين يعمرونها فيشكلون خط دفاع أول ، فالكتلة البشرية في نفسها قوة ، ففطن لذلك الحاجب المظفر ابن الحاجب المنصور ، فنادى في الناس أن من رام سكنى الثغور فَلَهُ الدار والأرض والمحراث وله مع ذلك ديناران من بيت المال فشجع الهجرة إلى الثغور وأعطى من الامتيازات ما يجعل الناس يتسابقون إلى إعمارها لتكون خط دفاع أول ضد غارات النصارى .

    فالحضارة ليست أرضا أو موقعا بلا إنسان ، فهو عامل الحضارة الرئيس ، فأرض بلا إنسان لا تساوي شيئا ، والعبرة بالكيف لا بالكم فكثرة عدد بلا كيف لا تساوي إلا أعباء على الدولة كما هي الحال في مصر ، وإن كانت الدولة نفسها هي من تقصد إضعاف المجتمع لضمان السيطرة عليه فكان الإضعاف للعنصر البشري روحا وبدنا ، فصار العدد الكثير لا يساوي شيئا في معادلة السياسة وإن كان ثم موقع جغرافي متميز وموارد اقتصادية كبيرة فليس ثَمَّ أهمُ عنصرٍ من عناصر الحضارة وهو الإنسان المؤهل للقيادة فقد تقزم دور الإنسان في مصر تَبَعًا لِتَقَزُّمِهَا وتراجع تصنيفها السياسي من رأس إلى ذيل ، فأدى ذلك إلى أزمة اجتماعية وسياسية واقتصادية ، وإن كان ثم إمكانيات فليس ثم من يستثمرها .

    فالحال في الخليج تشبه ، من وجه ، الحال في سيناء ، فَفَقْرُ الموارد البشرية يجعل المنطقة في أزمة ولو على المدى الطويل لا سيما وأهل البلاد قد صاروا الأقلية في معظم أمصار الخليج ، أو هم أقلية عظمى ، فهم نسبة كبيرة ولكنها لا تبلغ حد الأغلبية المطلقة ، والبناء السياسي هش إذ غلب عليه ما يرى الناظر من تحالفات يغلب عليها طابع الكيد سعيا في قيادة المشهد ، ولو مُزْرِيًا لا يُغْرِي صاحب العقل أن يَتَصَدَّرَ فيه ، ومن يتحالفان اليوم لعزل ثالث ، فَلَيْسَ الود بَيْنَهُمَا على أحسن ما يُرَامُ ، فلا يخلو ، من كيد الضرائر ، وإن في المدى الآجل ، بعد القضاء على الضرة المحاصرَة فبعد طلاقها طلاقا باتا سوف تَتَصَارَعُ بَقِيَّةُ الضرائر على قلب السيد وسوف يسعى بعضها في طلاق الآخر كما يظهر في تسريبات السفير النَّشِطِ ! في أمريكا فَفِيهَا تلميحات بعزل الضرة الكبرى ولو من الناحية الفكرية بإجراء تقييم موضوعي لدورها في مكافحة التطرف لا سيما وهي المتهم الرئيس به بعد أحداث سبتمبر 2001 ، فهي معدن الفكر الذي يحذر منه الرئيس ترامب بالأمس ، وهي نواة الإسلام السني الصلبة من الناحية الروحية والعلمية ، فالدور عليها آت لا محالة بل هي الهدف الرئيس لو فَقِهَتْ ، والسلوك السياسي النسائي سوف يُفْضِي بها أن تبذل من التنازلات طمعا في رضى المركز ما يجعلها دولة منفتحة تكافح الإرهاب طبقا لمعيار المركز ، وسوف يحملها أن تخفف من جرعة الإرهاب الإسلامي في مناهجها الدراسية وطرائقها الاجتماعية ! ، ولو تدريجا على وجه يُؤَمِّنُ الانْتِقَالَ السلس للمجتمع من النمط المحافظ إلى النمط العلماني المتحرر ، وَثَمَنُ ذلك هو منصب سياسة لا أكثر فهو طموح فرد أو جناح في الحكم يرسم مستقبل أمة من البشر في صورة من أقبح صور الاستبداد بالرأي والإقصاء للجمع أن يشارك في صنع القرار السياسي وذلك أمر يغلب على جميع الأنظمة الحاكمة في المنطقة ، وإن صنفت أنها راديكالية ترعى الإرهاب ، وَصُنِّفَتْ من قبل حلفائها أنها أنظمة مقاومة وممانعة طالما هادنته واستضافته ولو وظفته ، ولو بشكل غير مباشر ، لتحقيق مآربها السياسية على المدى القريب والبعيد ، والحليف الأوثق للدولة المحاصرَة الآن هو ، بداهة ، التيار الإسلامي ! أسرع من يمدح بعاطفة لا تعقل في أحيان كثيرة ، فهي تحكم في كل مرة بادي الرأي ، فبوصلة ولائها لا تكاد تثبت ، واستثمار الأنظمة لها أمر يثير التعجب والاستنكار من تكرار الأخطاء التي صيرت التيار الإسلامي ، نواة الممانعة الصلبة ولو فكرا أو أيديولوجيا ، التي صيرته آخرَ أمره مجموعة وظيفية في عالم السياسة يستعملها هذا النظام مرة في مكافحة تيار العنف والتطرف فهي رائدة الوسطية وهي مدرسة العقلانية وهي التي تصنف الكتب وتدبج المقالات وتعقد اللقاءات وتسعى في المراجعات الفكرية لتقليم أظفار التطرف الجهادي ، ثُمَّ تُنْعَتُ بعد ذلك أنها مصدره الفكري وإن اقتصر نشاطها على الجانب السياسي فلم تحمل السلاح ، فهي ، مع ذلك ، أصل الإرهاب فضلا أنها إرهابية بالقوة وإن لم تمارس الإرهاب بالفعل فقوة الإرهاب فيها كامنة فهي إرهابية باعتبار ما سيكون فلا بد من استباقها وتصنيفها أنها إرهابية ! ، ولا مانع أن يستضاف شيوخها المقدَّمون بعد ذلك لأداء العمرة في العشر الأواخر ، كما وقع في العام الماضي ، مع أن الضيف إرهابي طبقا للتصنيف السياسي آنذاك ، فضلا عن النص على اسمه في القائمة الجديدة ، فقد صار إرهابيا في غضون شهور ! ، بعد أن كان ضيفا يعتمر ، وحقيقة الأمر أنه كان ذريعة مكايدة لنظام الحكم في مصر إذ كانت العلائق آنذاك متوترة بين القاهرة والرياض على خلفية الضربات المتبادلة تحت الحزام ، فكان الشيخ قفازا تُوَجَّهُ به ضربةٌ ، ورمزا تُمَرَّرُ من خلاله رسالة سياسية لا أكثر ! ، ثم انتهى الغرض العاجل من استضافته فتحول بعدها بأشهر إلى إرهابي قاتل ، وَفَرِحَ من فَرِحَ أن طبع أمير الدولة المحاصرَة على رأس الشيخ قُبْلَةً فاحتفى بها أنصاره كالعادة ! ، وكانت المبالغة في التقدير على عادة من يحكم بالعاطفة فحكمه في الغالب يتسم بالمبالغة ، مع أن هذه القبلة ، أيضا ، وإن شَابَهَا بعض الصدق والتقدير ، ليست إلا رسالةً من جملةِ الرسائل السياسية المتبادلة في إطار ما تقدم من سياسة المكايدة ، وقبل ذلك استضافت خلية الفساد الكبرى في الخليج ، استضافت الشيخ وكرمته ومنحته جائزة ووقف بعض أمرائها يمتدح عمل الشيخ العظيم وعطاءه المديد في خدمة الإسلام وترسيخ قيم الوسطية والتسامح ! ، ومن العجب أن بعض منابر الإعلام تذيع هذا المقطع أنه دليل إدانة لتلك الخلية مع أنه في نفس الآن دليل إدانة للتيار الإسلامي أيضا ! ، فهو ، إن أحسنت الظن ، متهم بالغفلة قد استعمله هذا النظام أو ذاك لما احتاجه ثم نبذه بعد أن انتهت المهمة ، وإن أسأت الظن فهو متهم بالتآمر على بقية التيارات الإسلامية فَرَضِيَ التحالف مع العدو المشترك الذي يكيد لهم جميعا ، فكان هذا التحالف لحسابات سياسية براجماتية جعلته يظن في نفسه الذكاء الخارق فذلك تكتيك مؤقت لا استراتيجية طويلة المدى فهو يَرُومُ الانتفاع بالنظام لإضعاف خصومه في نفس المعسكر ليصير هو الفصيل الرئيس ثم يَتَوَجَّهَ بعد ذلك إلى مقارعة النظام الذي تحالف معه وكأن هذا النظام غر ساذج قد تحالف معه ليهدد وجوده بعد ذلك ! ، ولا أحد يتعلم ، والأمر قد آل أن صار التيار الإسلامي بكافة فصائله كرة يتقاذفها اللاعبون لتسجيل الأهداف في شباك الخصم ، فلم يملك حتى الآن أن يصير لاعبا يسجل أهدافا لا كُرَةً تُسَجَّلُ بها أهداف وشتان ! ، وإن عُذِرَ التيار الإسلامي ، من وجه آخر ، أنه أشد التيارات اضطهادا وإقصاء وأعظمها ابتلاء فلا شك أن العمل تحت ضغط يسهل مهمة الخصم أن يوظف خصمه دون أن يشعر فهو يضيق عليه ويفتح له مجالا أو مسارا يرسمه إذ يمتلك من أدوات الرسم ما لا يمتلكه التيار الإسلامي ، فذلك ما قد يُلْتَمَسُ عذرا ولكنه ، من وجه آخر ، أمر يستحق الاعتبار التدبر لئلا تكرر الأخطاء بحذافيرها .

    والمشهد الحالي ، بداهة ، جزء من أجزاء الصورة ، وربما كان هامشا فرعيا ، لا سيما والإدارة الأمريكية الحالية تشكو من ملاحقات قانونية على خلفية حملتها الانتخابية واختراق روسيا لها ، وهي العدو الاستراتيجي الأول ، طبقا لتصريحات مسئولين متنفذين في الدوائر الاستخباراتية الأمريكية ، وقد يصح ذلك بالنظر في البعد الاستراتيجي على الأرض وأما البعد الاستراتيجي في الفكر فلم يُرَاوِح عدوا تاريخيا أوحد هو الوحي المنزَّل الذي يَنْزِعُ السيادة من واشنطن وموسكو وسائر العواصم ، وذلك أمر يخضع لإجراءات سياسية مرحلية قد تقضي بِتَغْيِيرِ الخطاب المعلَن ، فيكون تنظيم الدولة ، على سبيل المثال ، هو العدو الأول ، لا سيما مع انطلاق عملية تحرير الرقة بيد الحلفاء الأكراد وهو ما تَوَارَى خلف الأزمة الخليجية فهي فرصة لتمرير إجراءات كثيرة فكلٌّ يحسن توظيفها لتحقيق أغراضه ، فالحرب على الإرهاب ، حرب ميدان في بلاد الشام ، على وجه يكرس نفوذ الأكراد كقاعدة تآمر خلفية على الدولة التركية فهي القطب الثاني من أقطاب دعم الإرهاب بعد القطب الخليجي الأصغر ، لا عجب أن سارعت تركيا في دعم القطب الآخر المحاصَر فهي تَنْقِلُ المعركة إلى أرض الخصم في استراتيجية صِرَاعٍ تعتمد على ضربات الاستباق قبل أن تصل النار إلى البيت فإطفاؤها في مِهَادِهَا أيسر وإن كَلَّفَ ما كَلَّفَ فذلك خير من إطفائها بعد أن تطرق الباب وتحرق المتاع أو بعضه ، لا سيما والأكراد ، كما تقدم ، قد باشروا العمل العسكري بتأييد الإدارة الأمريكية الحالية ، فحماسها في الحرب على الإرهاب بكافة أنواعه ! ، قد أغرى دول المنطقة وتنظيماتها أن تصفي الحسابات وتحقق مزيدا من الأرباح ، فإدارة الرئيس أوباما لم تكن متحمسة لانقلاب مصر فتحفظت وإن كان التوجه السياسي الاستراتيجي للدولة الأمريكية التأييد ، ولو من طرف خفي ، إلا أن الخطاب الرسمي كان باردا ، خلاف ما كانت الحال في الخليج فكان الحماس منقطع النظير إلا من الدولة المحاصَرة التي تعتبر التيار الإسلامي إحدى آلاتها السياسية الفاعلة ، فكان الحصار في 2014 ولكنه كان أضعف وتم فَكُّهُ بسرعة إذ لم يكن ثم ضوء أخضر من المركز ، خلافا للحال الآن فالمركز قد أعطى الضوء الأخضر وشن حملته الكبرى على الإرهاب الجهادي في بلاد الشام ، وعلى الإرهاب الفكري في الخليج ، ولعلها معركة تخفف عنه الضغط في الداخل لا سيما وقد نجح في إيجاد وظائف ووظائف ووظائف ! ، فهو يَرُومُ تحقيق وعوده وَيَرُومُ التغطية بِذَلِكَ على فضيحة التَّوَاصُلِ مع روسيا على وجه قد يلحقه بالرئيس نيكسون ولو على المدى البعيد .
    والناظر في حال تركيا يرى أنها هي الأخرى مرشحة للحصار ، ولو على المدى البعيد المتدرج ، فهي أقوى بكثير أن يمارس معها هذا الفصل السخيف الذي مارسه الخليج في النازلة الأخيرة فلا يكون حصار دولة بحجم تركيا وإمكانياتها كحصار دولة صغيرة وإن كانت ذات طموح وذات موارد اقتصادية كبيرة ولكنها تشكو ، كما تقدم ، من ضعف الإمكانيات البشرية ، خلافا لتركيا فعندها مشروع طموح ، وإن لم يخرج الخروج الكامل على النظام الدولي الحاكم إلا أنه لامس من سقوف التحدي وإثبات الذات ما لا يرضاه المركز فلا يرضى بتابع ذي رأي ! ، ولو كان تابعا في آخر الأمر ، فلا يرضى إلا بتابع خاضع خير من يمثله الآن بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى نظام الحكم في مصر ، فهو تابع للجميع للمركز وللإقليم على وجه جعله وجزر المالديف في ذات المرتبة في التصنيف ! ، فَعِنْدَ تُرْكِيَا من الرؤية والإمكانيات البشرية والاقتصادية ما يجعلها قوة إقليمية عظمى فحصارها ، بداهة ، ليس كحصار دولة صغيرة ، فلا بد من التمهيد لذلك بما يتشكل الآن من كيان كردي بذريعة محاربة التطرف الإسلامي ، وبما يتزايد من الجفوة والفجوة بين تركيا وأوروبا لا سيما ألمانيا التي أعلنت نَقْلَ قواتها المشاركة في التحالف الدولي من تركيا إلى الأردن ، وهي رسالة ذات مغزى سياسي ، فهي رسالة من أوروبا في شخص قائدتها ألمانيا ، ورسالة من حلف الناتو الذي بدأ في التباعد عن تركيا كما ظهر في أزمة إسقاط الطائرة الروسية فهو يروم إقحام تُرْكِيَا في معركة كبيرة تستنزفها دون أن يتدخل التدخل الحاسم لدعم عضو في التحالف الأطلسي ! .
    ولا يخلو الأمر من استثمار النازلة في بعث الرسائل السياسية ، فألمانيا ترد الصفعة لأمريكا فَتُعْلِنُ اعتراضها على الحصار في ظل الجفاء المتبادل بينهما بعد وصول الإدارة الأمريكية الحالية إلى سدة الحكم ، وفرنسا تمسك العصا من النصف وإن كانت تميل أكثر تجاه الموقف الألماني فقيادتها السياسية الحالية تَتَبَنَّى خيار تقوية أوروبا في مقابل ما تصنع أمريكا من التخاذل في دعمها فلا بد أن تبدأ أوروبا في الاعتماد على نفسها بمنأى عن الآخرين ، بريطانيا وأمريكا ، كما صرحت المستشارة ميركل في قمة الدول الصناعية الكبرى الأخيرة في جزيرة صقلية .

    وإيران كالعادة ! على استعداد لتعويض النقص ، فهي تمنح الدولة المحاصَرة ثلاثة موانئ لإمدادها وتعلن تضامنها الكامل كما أعلنت تركيا ، وشتان الهدف ، وإن كانت الصورة واحدة ، وثم إعادة رسم للأحلاف والمحاور من جديد في ظل السياسة الأمريكية الحالية ، فمحور اعتدال يتبع واشنطن ، ومحور ممانعة سني تتزعمه تركيا ، ومحور ممانعة شيعي تتزعمه إيران ، وتنظيمات كثيرة تختلف أيديولوجياتها ، فهي مجاميع وظيفية تشارك في الصراع ولو جزئيا فضلا أنها تَتَحَوَّلُ في أحيان كثيرة إلى حجة لإشعال الحرب بذريعة القضاء على الإرهاب والتطرف ، فضلا أنها قد تستخدم بشكل مباشر نتيجة الاختراق الاستخباراتي أن تضرب فصائل أخطر من باب ضرب الخصوم بعضهم ببعض ، كما تصنع مصر التي تُعْطِي تنظيم الدولة قاتل مواطنيها الأقباط ! ، تعطيه من قُبَلِ الحياة كلما حوصر في ليبيا فيكون قتل النصارى ذريعة لضرب خصوم تنظيم الدولة وإنقاذه من ورطة مع أنه المتهم الأوحد بقتل النصارى المصريين داخل مصر وخارجها ، وتعطيه فضاء إعلاميا يشيد به ولكن خارج مصر فقط ! ، فهو عدو في سيناء ، حليف في ليبيا وهكذا فلتكن البراجماتية السياسية في استخدام المجموعات الوظيفية ولو بشكل غير مباشر في ظل ما تَتَعَرَّضُ له هذه التنظيمات على الأرض من اختراق استخباراتي قد يبلغ في أحيان دَائِرَة صنع القرار فيها ومشهد الجزائر في العشرية السوداء أنموذج في دراسة هذا النمط من الصراع السياسي والعسكري المعقد الذي تَتَعَدَّدُ فيه المصالح فَتَتَقَاطَعُ حينا وَتَتَعَارَضُ أخرى .
    والدين والمروءة يقضي في مشهد تختلف فيه أوصاف الخصوم فبعضهم أقرب إلى الحق من بعض وإن لم يصب أحدهم الحق المطلق ، وبعضهم ظالم والآخر مظلوم ، فالدين والمروءة أن ينصر الأقرب إلى الحق المظلومُ من وجه ، وإن كان ظالما من آخر ، فهو في هذه الحال مظلوم يستحق النصرة فضلا أن الشعوب هي من يدفع الثمن في النهاية ، وهي لا ذنب لها ، ولو في الجملة ، في هذه الألاعيب السياسية القذرة ، وأما المبالغة في تصوير المقاومة والممانعة واصطناع بطولات غير حقيقية وَكَيْلِ الثناء في غير محله ، وتصوير الأمر أنه صراع الحق مع الباطل وأن هذا آخر أمل للأمة أن تنهض ... إلخ ، فذلك من السذاجة بمكان عظيم ، لأن الجميع ، كما تقدم ، لم يعلن ثورة حقيقية في الأفكار وفي السياسة وفي الحرب على النظام الدولي الذي يمسك بزمام الأمر ، فالجميع لا زال يرضى بالشرعية الدولية حكما ، وهي شرعية حضارةٍ وَقِيَمٍ تضع معيار الحسن والقبح ، فليست شرعية سياسية أو قانونية مجردة بل قد أُشْرِبَتْ قيم الأمة المنتصرة فهي التي تضع القانون الحاكم ، وطالما ظل الوحي في معزل ، وظل أتباعه تحت هيمنة المركز فالخطر لم يبلغ بَعْدُ حد الضوء الأحمر وإن بلغ في أحيان الضوء البرتقالي إن ظهر قُطْبٌ في السياسة أو الحرب يخرج بعض الخروج عن السيناريو المكتوب ، وليس الأمر استعجالا لمعركة لم تعد لها العدة فطالما كانَ ذلك الفخَّ الذي تستدرج به أية صحوة للإجهاز عليها مبكرا باستفزازها وإدخالها في معركة لا تختار زمانها ولا مكانها ، فالخصم هو الذي يلجئها إليها إلجاء ، وإنما الأمر في الجملة اختيار التوقيت واختيار الطريق فلكلِّ ساحة طرائق في المواجهة ، فَثَمَّ مواجهة الحجج والبراهين في ميادين الفكر والقيم ، وثم مواجهة السيف في ميادين الحرب ، ولا يسلم لأمة رائدُها الوحي ، لا يسلم لها الأمر إلا أن يكون الوحي هو رائدها حقا لا دعوى فلا يتحول إلى هوية أو أيديولوجيا أو عامل حفاز يستثير المشاعر في المواجهات دون أن يُحَدِّدَ الغايات ويشرع الوسائل ، فلا يهيمن بكتابه الجامع وشرعه الكامل على مجريات الأمور ، فالمناهج الأخرى تروم ذلك فهي أنظمة حياة كاملة ، وإن كانت أرضية حادثة ، فعلام يُنْكَرُ على الوحي وهو الأحق بهذا الأمر ، فهو الذي نَزَلَ من السماء برسم العصمة ليحسم مادة التنازع في العقد والشرع والسياسة والحرب والأخلاق والزهد وسائر وجوه النشاط البشري الخاص والعام .

    والأزمات السياسية التي تَتَّسِمُ بالتصعيد المفاجئ ، إما أن تبلغ ، كما يقول بعض الخبراء ، حَدَّ الحرب ، فيكون الطرف الذي صَعَّدَ قد حسم أمره ابتداء فعنده من القوة ما يغريه بالحرب ، لا سيما إن اعتضد بمسوغ أدبي كنصرة مظلوم ، ومسوغ سياسي كإجماع دولي بقرار رسمي أن يتدخل في إطار تحالف دولي يقوده ، فهو الذي يتخذ القرار وإن كانت الصورة في الخارج صورة الشركة ، فهي شركة صورية إذ انفرد الرأس المدبر بالقرار فغاية من يُحَالِفُ أنه مستشار فضلا أَنْ يكون هملا لا دور له إلا إضفاء الشرعية ، وصورة حرب الخليج الثانية ، حرب الكويت ، تأويل صريح لهذه السياسة ، فالتصعيد قد يبلغ حد الحرب ، فقد أعد صاحبه العدة ، واتخذ القرار سَلَفًا في إطار استراتيجية طويلة المدى فالحرب لا تَنْتَهِي آثارها بانتهاء القتال ، وإنما لها من تَبِعَاتِ السياسة ما تظهر آثاره على المدى القريب والمتوسط والبعيد ، فلا تَزَالُ آثارها تظهر تَتْرَى ، وقد يكون التصعيد المتدرِّج بفرض حصار في السياسة والاقتصاد يَزِيدُ شيئا فشيئا على وجه يشبه عض الأصابع فيزيد المحاصِر من إجراءت الحصار كلما أظهر المحاصَر ممانعة حتى يستسلم طرف ويخضع ، وقد يكون التصعيد المفاجئ ، ولو في الظاهر ، كما في الحصار الخليجي الحالي ، فقد بلغ سقفه من اليوم الأول فكانت نظرية الصدمة التي اشتهرت في تقريرات السياسة والحرب المعاصرة لشل الخصم فلا يحسن يدبر أمره ، فيصاب جهاز التحكم والسيطرة فيه بالشلل فإن امتص الصدمة وجاوز آثارها الأولى فذلك ما يفضي إلى حال من الاستقرار إذ قد بَلَغَ الضغطُ الغايةَ والسقفَ فليس بعده إلا الحرب ، وهو ما قد يختاره المحاصِر إن تعجل الحسم ، والإشكال في الحصار الحالي أن الطرف المحاصِر لا يملك من قوة النار ما به يقدم على أمر كهذا ، إلا أن يتم ذلك في إطار تدابير استخباراتية دقيقة فلا يكون التدخل اجتياحا وإنما يكون انقلابا في الداخل بالتواصل مع بعض الطامحين داخل العائلة الحاكمة أو خارجها فيكون إمدادها بعناصر خاصة تسيطر على أجهزة الدولة وتعلن البيان رقم 1 ، وتلك طريقة كلاسيكية اتبعتها الدوائر الاستخباراتية في المركز في كثير من الانقلابات العسكرية البيضاء أو الدموية ، ومحاولات الانقلاب ضد نظام كاسترو في كوبا ، والأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن الماضي هذه المحاولات نماذج مشهورة فكانت واشنطن توفر الدعم اللوجستي ، فتستضيف مفارز من المعارضين ، وتمول وتدرب وتضع الخطط وتشارك في التنفيذ بعناصر خاصة لها من خبرات الحرب الخاطفة والضربات السريعة القاتلة ما يجعل الانقلاب من أسفل فَلَمْ ينجح في التواصل مع قيادات عليا مُتَنَفِّذَةٍ في الدولة فاستعاض بمجاميع يدربها فهو يستضيفها لأداء المهمة ، وقد تَتَوَاصَلُ مع قيادات في الداخل فيكون الانقلاب من أعلى ، كما في انقلاب شيلي 1973 ، فإن لم تعجل الأطراف المحاصِرة أن تحسم بسرعة خاطفة فتكون سرعة الحسم كسرعة البيان الذي صدر في الفجر ! ، فذلك ما يفضي إلى نوع من الجمود والاستقرار الذي يطول أمده في إطار سياسة المصابرة ، لا سيما إن تدخلت قوى في الإقليم أو في النظام الدولي ، فعدلت الكفة فالصراع قد اتَّزَنَ نوعا ما إذ سارعت أطراف تدعم مباشرة كتركيا ، وسارعت أخرى تدعم سياسيا دون أن تَتَعَهَّدَ بأية مساعدة عسكرية كإيران فلا تَرَى في الدولة المحاصَرة صفقة ميدانية رابحة ، إذ ليس لها من الحاضنة الشعبية ما لها في دول أخرى ، فإنها تمارس نفس النظرية الأمريكية في الاستضافة والتمويل والتدريب لمفارز من الشباب الْمُؤَدْلَجِ الذي يُنَفِّذُ عمليات نوعية في بلاد المنشأ إذ نجحت طهران فيما فشل فيه أهل الحق أن تجاوز بأيديولوجيتها العقدية المذهبية حدودها الجغرافية واللسانية ، وإن كانت الحقيقة اتجارا بالديانة في صفقات السياسة ، فأهل الحق أولى أن يجاوزوا بالحق الذي بين أيديهم حدود الجغرافيا واللسان لا اتجارا بالدين وإنما اعتصاما بالوحي المنزَّل الذي أمر بالاجتماع وعدم الفرقة على أساس من لسان أو عِرْقٍ ..... إلخ ، فضلا أن يكون على أساس سياسي براجماتي يحمل صاحبه أن يجازف فيقطع العلائق مع أبناء الدين واللسان والعرق فيكون من لُحْمَةِ الاجتماع ما تَعَدَّدَتْ أسبابه ، كما في النازلة الخليجية الحالية ، فصاحب الطموح قد جازف على نحو يثير الدهشة والامتعاض ، ففتنة الملك فتنة عظمى فهي قَطَّاعَةُ الأرحام والصلات ، فعقمها لا ينجب خيرا فليس إلا الشر الذي يخالف عن النقل والعقل والفطرة والحس وسائر موارد الاستدلال الصحيح .
    فَيَبْعُدُ ، بداهةً ، بل يكاد يحال أن تجازف إيران بقوة عسكرية إذ ليس لها في الدولة من الخلايا النائمة ما في شرق الجزيرة العربية والبحرين ، لا سيما البحرين فَلَهَا حاضنة شعبية كبيرة جعلت البحرين هي النقطة الأضعف التي تستثمر فيها طهران ما لا تستثمر في بقية البلاد ، فضلا عن خلية الإفساد ، الضرة الثانية ، فثم نفوذ كبير لطهران في جاليتها فضلا عن نفوذها في نخبة المعممين الذين ينشرون المذهب ونخبة الاقتصاد التي تسيطر على قطاعات حيوية ، فاستثمار طهران في النازلة الحالية لا يعدو أن اصطيادا في الماء العكر بإيجاد نقطة اختراق تجاور أرض الحرمين ، الجائزة الكبرى في نظر الملالي في قم ، فأم القرى السياسية لا بد من نقلها من مكة إلى قم ، ولا يخلو ذلك من تقاطع في المصالح بين طهران وأنقرة ، فهي فرصة لطهران أن تلطف الأجواء وأن تحقق اختراقا سياسيا جديدا للجبهة السنية بعد الاختراق الميداني في العراق والذي نجح في إيجاد أول نقطة اتصال بين العراق وبلاد الشام وإن كان في القصة فصول لَمَّا تكتب بعد ، والرب ، جل وعلا ، أعلم بالشهادة والغيب ، فإن صناعة الرعب الاستراتيجي تقضي بتمدد طهران تحت رعاية النظام الدولي ، فلا تحدثها نفسها أن تجاوز الحد وإلا كانت ضربات التأديب التي تُؤْلِمُ ولا تَقْتُلُ ، كما في ضربات التحالف لقوات النظام وميليشياته في بادية الشام ، وهي قوات تحركها إيران بخبرائها ومستشاريها ، فتقاطع المصالح في معركة الرقة تقاطع دقيق إذ ثم أطراف كثيرة ونقاط التماس بينها تجعل هامش الخطأ يتسع ، فثم تمدد للحشد الشعبي من الشرق وقوات النظام من الغرب على وجه يلامس الخاصرة الأردنية ، وهي خاصرة لقوى في الإقليم تعتبرها خط دفاع متقدم ضد المشروع الشيعي الذي يطوقها من الشمال ، فضلا أنها خاصرة لقوى دولية تَرَاهَا طوقا لكيان صهيون الغاصب ، وهي مطمح قوى إسلامية جهادية تَرَى أنها الهدف الأيسر في إطار سياسة الخلخلة والهدم وإعادة التشكيل ، فثم اختراق سلفي جهادي كما وقع في اختراق مخيم الركبان ، وله حاضنة شعبية شمال الأردن ، وثم خطر يتهدد الحدود إن من الشرق أو من الغرب فإيران وحلفاؤها على مقربة من معبر التنف ، نقطة الاتصال الثلاثية بين الحدود العراقية والبادية الشامية والحدود الأردنية الشمالية ، فالأردن ، عند التدبر والنظر ، كالجزيرة العربية ، فهي في مرمى إيران من وجه ، وفي مرمى تنظيم الدولة من آخر ، وهو ما يجعل احتمال التحالف التكتيكي بين إيران وتنظيم الدولة احتمالا واردا أن تُوَفِّرَ إيران للتنظيم ممرات آمنة إلى الجانب العراقي ليكون قاعدة انطلاق تهدد الرياض فالحدود الجنوبية معها طويلة ، فضلا عن توظيف التنظيم أن يضعف الأردن فذلك ما يحقق هدفا مزدوجا إذ يضعف خط الدفاع الخليجي المتقدم ويرسل رسالة تهديد إلى واشنطن في شخص رَبِيبَتِهَا الوظيفية ، الدولة العبرية ، على غرار رسالة حرب تموز 2006 التي أُرْسِلَتْ من الضاحية الجنوبية ، فالأردن كالجزيرة العربية ، من هذا الوجه ، فكلاهما يدور في فلك واشنطن فهي الخيار الاستراتيجي الأوحد ! ، وكلاهما تَتَهَدَّدُهُ طهران ، برعاية أمريكية ! ، وَتَتَهَدَّدُهُ التنظيمات الجهادية ، برعاية إيرانية ! ، فطهران تجيد التعاطي معها وهي غالبا ما تنجح في توظيفها في إيجاد معادلة حرب تخدم مصالحها السياسية طويلة المدى إن بالاختراق أو بظرف ميداني يضطر الطرفين أن يتحالفا مع الاختلاف بل والتناقض في الأيديولوجيا ، ومع ذلك تظل إيران في مأمن مما يحاك لبلد مثل تركيا على المدى الطويل لا سيما بعد قرار كردستان العراق إجراء استفتاء تقرير المصير أواخر سبتمبر القادم في سياق ما تشهده بلاد الشام من التئام الجيوب الكردية واتصالها برعاية أمريكية مباشرة ، ورضى خليجي ، ولو بالصمت ، وهو ما يؤذن بفتور في العلائق بين أنقرة والخليج ظهر في تصريحات الرئيس التركي الأخيرة وفيها تعريض بالضرة الصغرى فقد كان لها دور فاعل في محاولة الانقلاب الفاشلة الصيف الماضي ، فكان الطرح الذي جمع الرياض وأنقرة ، القضاء على تنظيم الدولة بقوة مشتركة تحت رعاية أمريكا ، بداهة ، فعدلت أمريكا عن هذا الطرح إلى تسليح قوات سورية الديمقراطية الكردية ، وذلك لا يَعْنِي الخليج كثيرا فهو يَرَى الخطر في تنظيم الدولة فالقضاء عليه هو الغاية سواء أكان ذلك بقوة تركية أم كردية ، فلما خُيِّرَ الخليج أن يتحالف مع أنقرة ، أو يرضى بالتبعية لأمريكا اختار اختيار السياسة البراجماتية أن يدخل في كنف واشنطن فلم يُعِرِ اهتماما لمخاوف أنقرة التي كان يروم التقارب معها من شهور قليلة ، فلم يكن التقارب إلا لأجل تنظيم الدولة وإيران ، فلما تدخلت أمريكا فأمدت الأكراد بالسلاح ، وتعهدت ، ولو بطرف اللسان ، أن تحجم الخطر الإيراني وأظهرت تجاهه من الحزم ما لم تظهر إدارة أوباما ، فلما كان ذلك مالت بوصلة المصلحة بعيدا عن أنقرة التي تَرُدُّ الآن أن تسارع في دعم الدولة المحاصَرة وأن تَتَقَارَبَ مع طهران لإيجاد نوع من التوازن في المشهد ، وطهران ، كما يقول بعض المحللين ، في أمان من التقسيم فمن العجب أن النظام الدولي يعطيها حق التمدد والاحتلال لأراض عربية كالأحواز وأراض كردية فلا يسمح لأكراد إيران بما يسمح به لأكراد العراق وبلاد الشام وتركيا ، مع أن الحدود متصلة ونشوء الكيان الكردي يقضي بحسابات الجغرافيا ، بادي الرأي ، أن ينضم الجيب الكردي شمال غرب إيران مع الكيان الكردي العراقي والشامي والتركي لاحقا فهو الجائزة الكردية الكبرى وهو الجيب الأكبر والأكثر خبرة في القتال ، وقل مثله في الجيب الكردي في أرمينية المسيحية الأرثوذكسية فليس عامل تقسيم لها وإنما هو عامل تقسيم للدول الإسلامية السنية حصريا ! .

    وإيران وتنظيم الدولة ، كمصر وتنظيم الدولة ، فعداء في جبهات وتحالف في أخرى ، فالمصلحة قد جمعت بين التنظيم وإيران في ضرب الرياض شرقا ، وبينه وبين مصر في ضرب أعداء الجنرال المنقلب في ليبيا غَرْبًا ، وروسيا تَرُومُ هي الأخرى دورا في المشهد فهي تميل بحذر تجاه الدولة المحاصَرة فهي ، بداهة ، ضد أمريكا التي تقود الحلف الخليجي المحاصِر فهي المحركة الرئيسة من وراء ستار ، وهي وتركيا متوافقتان في تحجيم الدور الأمريكي في المنطقة ولكنهما متخالفتان في الملف الكردي فموسكو تمد الجسور مع الأكراد ، وفي الملف الإيراني فجسور موسكو مع طهران أرسخ .

    والأمر من التصعيد إلى الجمود ، ثم الحوار وهو الأرجح أو إشعال الحرب وتلك مغامرة لا يحتملها الخليج لا سيما مع جبة الاستنزاف في اليمن جنوبا فلا يطيق جبهة أخرى في داخله فضلا عن جبهة الشام التي تهم الخليج فهي عمقه الاستراتيجي شمالا ، فضلا عن التحرش الإيراني من حدود العراق ، ومن خلاياه النائمة شرق الجزيرة العربية ، وربما أفضى الأمر ، والله أعلم ، إلى صفقة سياسية جزئية في إطار الصفقة الأكبر ، صفقة القرن ، فيكون التضييق على حركة المقاومة في غزة لا سيما وهي تستجيب بعد أن دخلت العملية السياسية البراجماتية فَذِكْرُ اسمها في أسباب الحصار لم يكن ارتجالا بل هو ضغط ناعم لتحقيق مزيد من التنازلات تفضي آخر الأمر إلى تطبيع كامل مع كيان صهيون ، فضلا عن أهداف أخرى من قبيل التضييق على تيار الإسلام السياسي وأعداؤه في مصر والخليج كُثُرٌ فذلك مكسب إضافي في إطار الصفقة الأعم ، فضلا عن تهذيب خطاب قناة الجزيرة بعض الشيء في إطار المنافسة الإعلامية بَيْنَهَا وبين قناة العربية .

    وأية منظومة حكم وسياسة يجري عليها من سنن الكون ما يجري الآن على المنظومة الخليجية ، فجيل الآباء ، كما يقول بعض الأمراء ، يصارع ألا يَنْهَارَ البنيان الذي شيدوه ، وإن شئت الدقة فَقُلْ : البنيان الذي شُيِّدَ لهم ، أو كان من رعاية المركز ما يَسَّرَ لهم الأمر ومهد لهم الأرض على تَفَاوُتٍ في تدخل المركز في كل حال سياسية تَبَعًا لأهميتها الاستراتيجية ، فرسم الخرائط وحد الحدود لا يكون عَبَثًا ، والمنظومة الخليجية إرث بريطاني أنجلوساكسوني وَرِثَتْهُ واشنطن مع نهاية الحرب العالمية الثانية ودخول شركات النفط الأمريكية مجال التنقيب والاستخراج لما عُدِنَ في أرض الجزيرة من الذهب الأسود الذي تدور به آلة الصناعة والرفاه في المركز ، فكان هذا الإرث الذي أصابه الترهل فجيل الأبناء ، كما يقول ابن خلدون رحمه الله ، جيل وسط فيه تظهر ثمرة الملك فَيَبْلُغُ الغاية وليس بعد الكمال إلا النقص فتلك سنة جارية لا تسلم منها إمارة عدل ورشد أو حكومة جور وغي ، وليتأمل الناظر حال الخلافة من رشاد إلى ملك عضوض إلى ملك جبر فكان النقص الذي انتهى آخر أمره بملك سياسة جائر عطلت فيه الأحكام والشرائع وذاع فيه الطغيان والاستبداد ، وليتأمل الناظر ما يجري الآن في الشرق من أجيال فتية في السياسة والحرب قد أصابها الغرور بما فاض عندها من قوة رجحت به الخصم ، وذلك أنموذج إيران التي تستثمر أزمات المنطقة وآخرها أزمة الحصار فهي تمد نفوذها غربا تجاه الحدود بين العراق وبلاد الشام وكبار رجالاتها في الحرب يظهر في توقيت حرج وهو يدشن هلال المذهب والعرق في ظل دعم من روسيا وإن لم يكن الوفاق تاما ، كما ظهر إبان اجتياح حلب فظهر لكلٍّ من الطموح السياسي والاقتصادي ما يخالف عن طموح الآخر ، فروسيا الآن تحكم السيطرة على تدمر وهي ، كما يقول بعض المحللين ، قاعدة عسكرية جديدة في بلاد الشام في حَيِّزٍ من الجغرافيا له من الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية ما يجعل التحكم فِيهِ تحكما في البادية الشامية كلها ، وهي بادية تُتَاخِمُ العراق وتجاوز حدوده وتجاور الهلال الخصيب من الجنوب ، وذلك ما يزاحم الهلال الشيعي ، فإن سيطرة قوة كروسيا على هذه المنطقة الاستراتيجية يجعل إيران تتوجس خيفة على المدى الاستراتيجي البعيد لا سيما والمنطقة تختزن من الثروات ما يُسَيِّلُ لُعَابَ دولة كروسيا لا تعرف في السياسة إلا لغة القوة والمال على نحو فج يجاوز ، في أحيان كثيرة ، الْبُرُوتُوكُولَ السياسي ، وإن اكتفت إيران في هذه المرحلة أن تفتح الطريق من العراق إلى الشام ، ولو حارة واحدة ! ، وذلك ما يجعل لتنظيم الدولة دورا قادما في إيجاد معادلة توازن بين قوى تَخْتَلِفُ وإن كان ظاهرها الاتفاق .
    وأزمة الحصار في الخليج جزء من خطة أعم يعاد بها رسم الخريطة السياسية في الشرق ، وهي فرصة سانحة لمشاريع جزئية كالمشاريع الروسية والإيرانية أن تحقق من الإنجاز على الأرض ما ترسخ به واقعا جديدا في السياسة والحرب ، وكمشروع القيادة في مصر أن تُمَرِّرَ بَنْدًا رئيسا في صفقة القرن وهو إيجاد الرئة الجديدة لكيان يهود بِتَدْوِيلِ الممر المائي الذي تحتل جَزِيرَتَا تيران وصنافير مدخله ، فتقليم أظفار وتهذيب أخلاق القوى المارقة وخنق الإرهاب ، كما يقول الرئيس ترامب ، وقد اتخذ تعريفه بعدا أوسع ، مع ما يمارس من تضييق على قطاع غزة وتفريط في الحقوق يطلق في تصريح هنا أو هناك كما في تصريح آخر لمسئول أمني كبير ! في السلطة الفلسطينية عن حق يهود في حائط البراق ! ، فضلا عن احتواءٍ للسلطة الحاكمة في غزة فهو أمر قد بَدَأَ من عقد أو يزيد في إطار سياسة من المد والجزر فطرف يضيق ، ولم يكن ذكرها في قرار الحصار أنها منظمة إرهابية لم يكن ذلك ، كما تقدم ، ارتجالا من قائله ، بل هو ضغط من جهة ، في مقابل طرف يرخي ، كمصر التي تمارس دور المفاوض مع السلطة الحاكمة في غزة كما في الزيارة الأخيرة لوفد من الحركة التي باتت هي الأخرى تجيد فنون التنازل البراجماتية كما ظهر في ميثاقها الأخير وهو ما أغرى الخصوم أن تمارس مزيدا من الضغط بحصارِ رَاعٍ رئيس من رعاتها في الخليج فذلك ما يدفع بصفقة القرن خطوة أوسع ، وإن كان هذا الراعي مَقَرَّ ضيافة يحسن احتواء الضيوف والتحدث باسمهم أو التأثير في قرارهم بشكل غير مباشر ، ولو بسيف حياء الضيافة ، وتلك قناة يمرر بها المركز ما يريد من الرسائل فدور الدولة المضيفة دور كبير وإن جاوزت الحد في التأييد في أحيان فذلك خلاف في تكتيك جزئي لا في استراتيجية الضيافة الكلية كما يضرب بعض الفضلاء المثل بدور مصر مع الزعيم الفلسطيني الراحل عرفات فكانت هي من يحسن استضافته والتأثير عليه واستعماله كورقة تضغط بهت لتغض واشنطن الطرف عن انتهاكاتها ولتعطيها مزيدا من الامتيازات السياسية فوحدها من يملك مفاتيح عرفات فتعرف ما يرضيه وما يسخطه وتعرف كيف تستدرجه إلى مائدة المفاوضات وتعرف كيف تخدر مشاعره إذا غضب فيوقع على ما لا يرضى تحت إلحاحها ووعودها بالنظر في الأمر بعد أن يوقع وَيَنْتَهِيَ الأمر ! .
    ومشروع فارس الفتي لن يسلم هو الآخر ، وإن طال الزمان ، من سنة النقص بعد الكمال فدوره الآن ذروة يَبْعُدُ في حسابات السياسة الاستراتيجية أن تثبت فمنحنى السياسة يبلغ نقطة الاتزان وبعدها يكون الانحناء ، كما يشكو الخليج الآن ، فَبَعْدَ انْقِضَاءِ جيل الآباء المؤسسين والأبناء الذين ورثوا التَّرِكَةَ الاستعمارية كما هي فكانوا ضِمْنَ حزمة من التدابير السياسية والأمنية التي دشنها الاستعمار قبل رحيله وهي تدابير عمت الشرق كله من المحيط إلى الخليج ، وإن اختلفت في تفاصيل دقيقة تبعا لاختلاف الطموحات الأنجلوساكسونية البريطانية في مصر والخليج والعراق ، والطموحات اللاتينية الفرنسية في المغرب العربي ، فكان جيل المؤسسين الذين تحملوا النظم السياسية الجديدة في بلادهم من محتل فَرَضَ معادلة جديدة في الفكر والسياسة والاقتصاد ، فكانت الدولة العلمانية الحديثة ، خلفَ الدولة الإسلامية العتيقة ، وكانت تجزئة التركة ابتداء ، فالجعرافيا ، كما يقول بعض المفكرين ، معطى رئيس من معطيات السياسة فالدولة ذات الجغرافية الواسعة تملك من مؤهلات القوة ما تدفع به عن نفسها ، خلافا للدولة ذات الجغرافيا الضيقة فكان تقسيم العالم الإسلامي حتما لازما وإلا ما فائدة الإجهاز على الخلافة والحفاظ على تركتها كما هي دون تقسييم وتفتيت لتنهض مرة أخرى بسهولة إن ظهر خليفة جديد ! ، فكان التقسيم حتما لازما بعد الذبح بسكين حادة أجهزت على النظام السياسي ، نظام الخلافة ، ومارست من حرب الاستئصال للهوية ما تَفَاوَتَ فكانت الحرب في المركز ، في تُرْكِيَا ، شرسة وكانت في الأطراف كمصر ناعمة وإن أحدثت من تشويه التاريخ ما أحدثت ففقدت الدولة الإسلامية الركيزتان الرَّئِيسَتَانِ : التاريخ والجغرافيا ، فتشويه الهوية الإسلامية التاريخية بالقيم العلمانية اللادينية ، وتفتيت الجغرافيا ، وإضعاف الإنسان في روحه وبدنه بما مُورِسَ عليه من صنوف القمع والعنف ، فاختلت معادلة الحضارة في الشرق باختلال عواملها الثلاثة : الإنسان والتاريخ والجغرافيا ، وأهمها ، لو تدبر الناظر ، الإنسان ، فإن أُضْعَفَ في روحه وقيمه وَأُضْعِفَ في بدنه وَضُيِّقَ عليه في رزقه وأخيف في نفسه وماله وعرضه فماذا بقي من إنسانيته ليتحمل أعباء البناء والتشييد لحضارة التوحيد ؟! .
    فَتَحَمَّل الآباء هذا التقسيم الجغرافي الأول فَنَالَ كُلًّا حظُّه من التَّرِكَةِ تَبَعًا لما حَدَّ المركز من حدود جعلته حاضرا في المنطقة بنفوذه وإن غادرها بجنوده ، ونشأ من الكيانات السياسية ما لعب دور الوسيط أو الرسول فَعَبْرَ قناته يمرر المركز رسائله إلى الأطراف فَاخْتُلِقَ الكيان الإقليمي العربي ، الجامعة العربية ، واختلقت هيئات إقليمية أخرى كالاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي ، محل الشاهد ، فهو أَدَاةٌ من أَدَوَاتِ المركز السياسية في الإقليم الخليجي ، فالمركز يفضل جمع الأطراف على مائدة واحدة ليرسل رسالة السياسة والحرب مرة واحدة ، وكما كانت حرب الخليج الثانية إعادة تعريف لمصطلح الأمن القومي العربي إذ حدث الشرخ واقترف المحظور على خلفية معقدة من الإحن السياسية التي تراكمت في الصدور ، فكانت التضحية بعضو من أعضاء الجامعة العربية وكان الحصار الذي أعقبه الغزو والاحتلال في 2003 ، فاليوم يعاد تعريف مصطلح آخر وهو الأمن القومي الخليجي ، مع أن أطرافه جميعا بما فيها الدولة المحاصَرة لا تصنف في المركز أنها دول مارقة وإنما تختلف فقط في مدى ولائها وَتَبَعِيَّتِهَا للمركز ، فالدولة المحاصرة كانت مقرا لمنتدى أمريكا والعالم الإسلامي الذي انطلقت دورته الأولى في 2003 ، نفس العام الذي سقطت فيه بغداد ! ، واستمرت بعد ذلك بانتظام وهو مشروع شراكة بحثية ، إن صح أن ثم شراكة بين المركز والأطراف ، فليست إلا علاقة التابع بالمتبوع ! ، فهو مشروع مشترك بين مؤسسة بروكنجز ، ولها فرع في الدولة المحاصرَة ، فهي صاحبة المشروع البحثي ، مشروع العلاقات الأمريكية مع العالم الإسلامي ، وثم نخبة من الباحثين اتخذت من عاصمة الدولة المحاصَرة مقرا إقليميا لدراسة الشرق وتقديم التوصيات التي ترسخ العلاقات بين المركز والأطراف على قاعدة من الإصلاح السياسي والاجتماعي تعيد صياغة المجتمعات الإسلامية ، لا سيما الخليجية ، وفق منظومة جديدة من القيم مَرْجِعُهَا الرئيس قيم الحضارة الغربية ، وهو ما يتطلب وقتا وجهدا لإحداث الانتقال بسلاسة فلا يكون ثم خسائر ولا يضطر المركز أن يتدخل بقوة صلبة فهو يتدخل ابتداء بقوة ناعمة يقودها نخبة من الباحثين من أمثال الدكتورة شيريل بينارد صاحبة كتاب "الإسلام الديمقراطي المدني" ، أي الديمقراطي من الناحية السياسية ، العلماني من الناحية الفكرية فهو اختيار دقيق للاسم على ما عهد في دوائر البحث في المركز ، فثم تطلع إلى بناء شبكات إسلامية معتدلة في إطار ما يُسَمَّى محور الاعتدال في مواجهة محاور الشر والتطرف ، فالنخب الإسلامية تَتَرَاوَحُ بَيْنَ "الحداثيين" وهم الحلفاء الأوائل إذ تَشَرَّبُوا قِيَمَ المركز فصاروا أشد ولاء لها من المركز ! ، وثم النخبة العلمانية وهي نخبة على الجادة سائرة فتدخل في إطار التحالف وإن لم تحتل الصف الأول ، فهي تأتي ثانية بعد النخبة الحداثية ، وربما كان الصراع الآن في الخليج بين هاتين النخبتين ، وهو ما ترجمه الحصار ، فهو صراع بين نخبة حداثية تروم الاستئثار بولاء المركز فتقدم أوراق الاعتماد أنها حارسة القيم والمصالح جميعا وأنها رائدة التطبيع فهي تحتفظ بعلائق وثيقة مع الكيان الصهيوني الذي يتبجح وزير خارجيته الآن فيقول إن القضية الفلسطينية لم تعد عائقا أمام عملية التطبيع الكامل ، فصارت قضية هامشية يختلف فيها الرأي دون أن تفسد للود قضية ! ، فالخلاف فيها سائغ ، وتأجيلها حتم لازم فثم معركة أصعب وهي المعركة مع الإرهاب والتطرف الإسلامي الراديكالي ، وهو ما تمثله النخبة الثالثة التي أشارت إليها الدكتورة بينارد ، وهي النخبة الأصولية أو النخبة الراديكالية فقدمت التوصيات مبكرا أَنْ لا تعايش مع هذه النخبة ولا تهادن ، وإنما غاية الأمر أن يتم اختراقها واستدراج بعض فصائلها المعتدلة ! ، وهو تصنيف مؤقت لا دائم ريثما يتم الإجهاز على الفصيل الأشد تطرفا ، وبعده ينقلب المعتدل فيصير متطرفا ويدرج على قوائم الإرهاب وهو الذي كان بالأمس محل الاحتفاء والترحيب من دوائر الحكم والسياسة في الأطراف بل وفي بعض دوائر المركز ، وذلك فخ محكم وقع فيه الإسلام السياسي حصريا ، فكان هو النخبة المعتدلة المؤقتة التي استدرجها المركز ، فكان لها دور كبير في تمرير القيم السياسية الرئيسة في مشروع المركز من قبيل الديمقراطية والدولة الحديثة ...... إلخ ، بعد إلباسها ثِيَابًا إسلامية فضفاضة فمارست النخبة السياسية الإسلامية عمليات من التأويل والصياغة لتهضم هذه القيم التي تَتَعَارَضُ مع أصل النظرية الإسلامية في السيادة والحكم ، ومارست نوعا من الإرهاب الفكري من قبيل ما يمارس ضدها اليوم ! ، فمارست منه ما مارست ضد التيارات الإسلامية الأخرى التي رفضت هذه التأويلات وعدتها انتقاصا يطال جوهر الدين أن تُنْزَعَ السيادة من الوحي ، فكان التضييق الإسلامي عليها ! ، فهي منغلقة لا تفقه شيئا في السياسة وخطابها خطاب وعظ تقليدي لا يصلح لمباشرة العمل السياسي الاحترافي ، واليوم يشرب هذا التيار المعتدل من كأس التطرف فثم إعادة تعريف لاصطلاح الإرهاب والتطرف وهو ما ترجمه الحصار المفروض الآن ، فاختيار الإدارة الأمريكية السابقة ، الإدارة الديمقراطية ، هو التعايش مع هذا التيار الإسلامي السياسي المعتدل فكانت الحماية الكاملة للدولة المحاصَرة بوصفها رائدة في هذا المجال فهي طُعْمٌ استدرجت به قوى المعارضة في المنطقة كلها ، فتشبه ، من وجه ، تركيا التي تعيد هي الأخرى صياغة مفهوم جديد للإسلام الوسطي ، وإن جاوزت الحد في الطموح السياسي فكان التضييق وتقليم الأظفار حتما لازما ، وهو ما تتعرض له الدولة المحاصَرة اليوم وإن لم تكن راعية لحركات إسلامية تهدد المركز إلا أن اختيار الإدارة الجديدة ، الإدارة الجمهورية ، هو الدفع قُدُمًا في مشروع الشرق الأوسط الجديد بإجراء التقسيم الذي يعد هذا الحصار نقطة انطلاق له فهو نقلة نوعية يعاد بها صياغة مفهوم جديد للأمن القومي الخليجي ، فالشقيقة الكبرى تشارك ، دون أن تشعر وربما شعرت ولكن طموح السياسة والسيادة أقوى فهو طموح الضرائر التي تتنازع وكأن مؤتمر الرياض كان الرد على منتديات الحوار بين أمريكا والعالم الإسلامي فقد آن الأوان أن ينتقل الحوار إلى الشقيقة الكبرى بعد أن استأثرت به شقيقة صغرى جاوزت الحد في طموحها السياسي بما تمتلك من أدوات القوة الناعمة ، السياسية والاقتصادية والإعلامية ممثلة في قناة الجزيرة ، فضلا عن استضافتها لنخب من المعارضة الفكرية والسياسية في العالم العربي تَنْتَمِي إلى مشارب عدة ، إسلامية وعلمانية ...... إلخ ، فهي وعاء فكري جامع يؤسس قاعدة سياسة جديدة في المنطقة تنافس القواعد الكلاسيكية ، القاهرة ، الرياض .... إلخ ولعل ذلك هو سر الغيرة الزائدة بين الضرائر والتي رامت إحداث تغيير سياسي جذري في الدولة المحاصَرة عبر انقلاب عسكري داخلي في النصف الثاني من التسعينيات ، وهي اليوم تعيد الكرة بحصار محكم مع اختلاف دوائر السياسة في الإقليم والمركز بين مؤيد ومعارض وَمُتَحَفِّظٍ وَنهَّازٍ للفرص كصانع القرار الإيراني .
    وَثَمَّ ، وهو محل شاهد تقدم في تقسيم الدكتورة بينارد ، ثَمَّ نخبة تمثل الشريحة العظمى وهي نخبة "التقليديين" ، وهي تمثل جمهور الرأي العام في المنطقة وعليه يقع التنافس بين النخب الحداثية والعلمانية من طرف ، والنخب الراديكالية من آخر ، فهو الكتلة التصويتية الحرجة ! ، وتوصيات الدكتورة بينارد أن تدعم النخب الحداثية والعلمانية وأن تسحق النخب الراديكالية ، وهو ما بَلَغَ الأوج بسرعة قِيَاسِيَّةٍ بِرِعَايَةِ الإدارة الحالية في واشنطن ، وذلك ما يُؤَكِّدُ لكل ناظر أن هذا المشروع قديم ، وإنما تَوَالَتْ خطوات التنفيذ على وجه يدهش له من لا علم له بمنشأ الأمر ، والمركز مع ذلك يحتفظ بعلائق وثيقة مع جميع الأطراف فهو يُرَهِّبُ من جانب وَيُرَغِّبُ من آخر ، فوزير الدفاع الأمريكي ماتيس يتحرى الدقة هو الآخر في ثنائه على أمير الدولة المحاصَرة فهو يقود عملية تغيير صعبة لمجتمعه ، وهي العملية التي تقودها بقية أنظمة الحكم في الخليج في إطار الانتقال التدريجي إلى الخيار الحداثي الذي نوهت به الدكتورة بينارد في كتابها فلا بد من إعادة تعريف للإسلام ، وهو الهدف الرئيس وإن كان ثم إعادة تعريف أخرى لمنظومات العمل السياسي في المنطقة ، الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ...... إلخ فهي اليوم تؤدي وظائف سياسية جديدة إذ تحولت من منظومات تعاون إلى منظومات تآمر وحصار لإرساء قواعد جديدة من العمل السياسي يَرُومُ المركز الآن إقرارها في المنطقة فهي مقدمات لتقسيم جديد يتولى كبره هذه المرة جيل الأحفاد فقد انقضى زمان الأجداد والآباء فلا يصلحون لقيادة قاطرة التغيير والتقسيم الجديدة لا عجب أن كان الشباب الآن هم نجوم المشهد وإن اتفقوا جميعا على الولاء للمركز ، وإنما الصراع صراع ولاءات ، فالأشد وَلَاءً هو الذي سيحظى باستخلاف المركز في المنطقة كوكيل حصري في المنطقة ، والدول ، كما تقدم من كلام ابن خلدون رحمه الله ، من آباء مؤسسين إلى أبناء وارثين إلى أحفاد مُضَيِّعِينَ ! ، ولا يسلم من هذه السنة كيان سياسي فالمركز نفسه قد آذنت شمسه بالأفول كما أفلت شمس المركز البريطاني الأنجلوساكسوني ، والمركز الفرنسي اللاتيني ، و : (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) .

    واليوم يجري عمل دءوب في الشرق لإعادة تعريف الإسلام المعتدل ليشمل شريحة أوسع من الأطياف السياسية والفكرية ، لا سيما الدوائر المركزية التي كان ينظر إليها أنها الدوائر المحافظة ، فهي النواة الصلبة في أفكارها وعاداتها وتقاليدها وإن كانت دبلوماسيتها كسائر الدبلوماسيات الشرقية الحديثة ، فهي براجماتية توظف أوراقها الناعمة ، لا سيما الورقة الروحية ، تماما كما تصنع إيران بوصفها قائدة المعسكر الآخر فهي تحشد الأتباع بقوة روحية ناعمة وإن كانت آثارها في الخارج أشد إيلاما فهي قوة ناعمة في المنشإ صلبة في الميدان ترسل الآن ، كما يقول بعض المحللين ، رسائل سياسية لطيفة عَبْرَ جنرالها العابر للحدود ، الجنرال قاسم سليماني ، فهو بالأمس في الموصل ، واليوم على الحدود العراقية يؤم فيالق المجاهدين من لواء فاطميون الأفغاني الذي يمارس شعائر اللطم والضرب على الصدر ، فشريحة الأنصار ، كما يقول ذلك المحلل ، قد امتدت من بلاد الأفغان شرقا إلى الضاحية الجنوبية في بيروت ، والناظر في حال هذه الميليشيا تحديدا ، ميليشيا فاطميون يجد التلاعب في مشهد إعلامي يُوَظَّفُ تَوْظِيفًا سياسيا لا يخلو من جانب روحي فدعاية المذهب هي الظاهرة فتلك قوة "قم" الناعمة قوة المذهب في مقابل قوى الإرهاب والتطرف السلفي الوهابي ..... إلخ في الجنوب فلا بد من استئصالها بحشد الأنصار فبعد الانتهاء من الهلال شمالا فالدور على الجنوب وصولا إلى الرياض ، والهدف الأقدس هو أم القرى والمدينة ، لتحوز إيرانُ أمَّ القرى الحقيقية وتحوز مراقد آل البيت في البقيع ، ولو على المدى الاستراتيجي البعيد فتلك مشاريع أجيال قد تبدو اليوم ضربا من العبث ولكنها تجد من الهمم والعزائم والعقول الاستراتيجية ما يَتَبَنَّاهَا ، وللناظر في دولة يهود عبرة ، أية عبرة ، فهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، مشروع مستحيل في القرن التاسع عشر فلا الجغرافيا ولا الديموجرافيا ولا معطيات السياسة الدولية توحي ، ولو من طرف خفي ، أن ذلك ممكن فهو من المحال الذاتي السياسي والجغرافي ! ، ولكن المحال صائر جائزا فواقعا واجبا بهمة جيل الآباء المؤسِّسِينَ ، وإن مسخا شائها في ظل التباين الفكري والسياسي بين الكيان والوسط المحيط ، ولو على مستوى الشعوب بعد أن تداعت الأنظمة تباعا أن تطبع مع الكيان فقد اكتشف العالم الإسلامي السني أن عدوه الرئيس ليس كيان يهود وإنما عدوه الرئيس منه ، فعدوه أيديولوجيا متطرفة خرجت من رحمه فالإشكال في تُرَاثِهِ ومصادره الأصلية ، وليس في قتال أعداء الديانة ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فكذلك الشأن في مشروع إيران السياسي الذي يكتسي بلحاء الدين والمذهب فقد حشد الأتباع من المشرق إلى المغرب ، وحقيقة الأمر أنه حشد جملا عظيمة من المرتزقة كما هي الحال في لواء فاطميون فالقتال بأجر وَجُمَلٍ من الامتيازات المادية والاجتماعية تحظى بها أسر اللاجئين الأفغان شرق إيران فضلا عن الامتداد الديموجرافي غرب بلاد الأفغان ، فالهزارة عرق ينتحل المذهب وإيران تمارس نوعا من الدعاية الأيديولوجية الفاعلة كما يرى الناظر في استغلالهم شعائر الحج والعمرة ، فمن أدى المناسك يرى حرص الفرس على الظهور والاستعلان بالشعارات والأعلام والمسيرات ولو محدودة العدد على وجه لا يخلو من الاستفزاز لا سيما في المدينة ففي البقيع إرث روحي يعتبر الفرس أنفسهم أصحابه ، أو هكذا يُقْنِعُونَ جمهورهم ، والنظام يُوَفِّرُ هذه الرحلات بأسعار في متناول الجميع ، على أن يتحرك الجميع وفق خطة سير يتقدمها الملالي والناظر في عينة عشوائية في المدينة النبوية قد يُصَدِّقُ الدعاية الفارسية إن لم يكن له حظ من العلم بالتركيبة السكانية للعالم الإسلامي ، فكثافة الوجود السياسي الفارسي ! تحت ستار المناسك يجعل الناظر يشعر أن أتباع المذهب كتلة رئيسة من كتل العالم الإسلامي فهم كما يزعمون 50% وحقيقة الأمر أن نسبتهم لا تجاوز 10_15% ، وإن كانت هذه النسبة الآن هي الأعلى صوتا إذ أخذت بأسباب القوة ، فالجمع الكثير لا يغني شيئا إن كان مقطع الأوصال والوشائج ، حتى بلغ الأمر أن تحاصر بعض الدول بعضا في شهر الصيام على خلفية ما تقدم من الغيرة السياسية النسائية ، فهذه رسالة سياسية إعلامية تمارسها إيران الآن في ميدان الحرب فالأفغان من أتباع المذهب على حدود الشام ! ، فقد وقع الإجماع المذهبي على الفعل السياسي الإيراني استنادا إلى نظرية ولاية الفقيه ذات البعد السياسي الثوري ، والجميع يشارك ، ولو مشاركة رمزية ، على اختلاف المطامع والمطامح ، فثم من تحركه المصلحة المادية ، وثم من يشارك مكرها تحت إملاء السلطات الإيرانية ككثير من اللاجئين الأفغان ، وثم من تحركه غريزة الخوف كما هي حال كثير من أبناء المذهب العرب في العراق بعد إجادة طهران توظيف الحراك الميداني لتنظيم الدولة الذي سارع باستعداء جميع الأطراف سنة وشيعة وأكرادا ، عربا وعجما ! ، فكانت فتوى النجف الشهيرة في الجهاد الكفائي وهي المستند الرئيس للحراك الميليشياوي العراقي الآن ، وثم من تحركه غريزة التدين ، وثم من امتزجت في نفسه غريزة التفوق العرقي الفارسي والتفوق الديني المذهبي ..... إلخ فالجميع تحت راية الولي الفقيه ، وذلك يشبه ما صنعت أمريكا لما حشدت التحالف الدولي ضد الإرهاب فرامت مشاركة الجميع ، ولو مشاركة رمزية ، في الإمداد أو التدريب أو النشاط الاستخباراتي ..... إلخ ، لتؤمن بذلك مظلة شرعية لحربها ، فثم إجماع دولي على حرب الإرهاب ، كما أن ثم إجماعا مذهبيا في طهران وتوابعها أن يكتمل الهلال الشيعي وأن يزحف لتحرير المراقد المقدسة في المدينة المنورة فتلك عقيدة عسكرية قد لا يحققها الجيل الحالي من المقاتلين ، بل قَدْ لا تحصل أبدا ولو بعد أجيال عدة ، لا سيما والدولة الإيرانية ليست متماسكة تمام التماسك كما يبدو لأول وهلة ، فهذه المعركة ، من وجه آخر ، طوق نجاة يجمع الرأي العام على كلمة سواء كما تصنع أمريكا إذ تختلق أعداء استراتيجيين أو تكتيكيين ، فَتَنَبَّأَ بعض نظارها ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن البلاد ستواجه مشكلة ، أية مشكلة ! ، لو اختفى الاتحاد السوفييتي من الوجود ، فمن لنا بعدو يوحدنا كالاتحاد السوفييتي ؟! ، فكان الإسلام كما ظهر مبكرا في تحذيرات الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون ، فالإسلام هو المشكلة ! .

    ولا يخلو الأمر ، أيضا ، من توظيف روحي في الطرف المقابل ، فَثَمَّ لأم القرى فهي قوة ناعمة رئيسة صارت تُوَظَّفُ في عالم السياسة بل وصارت ورقة ضغط إن صح ما نقلته صحيفة لوموند أن ملف الحج والعمرة قد صار ورقة مساومة لدول في القارة الإفريقية لتشارك في الحصار السياسي الحالي ، وفي ظل هذا المشهد المركب الذي انهارت فيه منظومات القيم الدينية والأخلاقية وصار الشرق فيه مطية لكل وافد من خارج يستثمر قوته الناعمة والصلبة لتحقيق مآرب في السياسة والحرب والاقتصاد ، فلا يملك الشرق الآن زعامة دينية أو سياسية جامعة ، فحسب أهله في هذه الآونة أن يستغرقوا الأوقات في التدبر والاعتبار لعل الله ، جل وعلا ، يرزقهم زعامة تجمع أشتاتهم ، فالزعامات السياسية في الشرق الآن ليست أهلا لقيادة روحية أو سياسية فلا تعدو أن تكون مجموعات وظيفية قاربت صلاحيتها أن تَنْتَهِي مع انتهاء خطة التقسيم الأولى واستنفاد أغراضها الرئيسة ، فكانت في الشعوب آنذاك بقية رمق من دين وأخلاق فالعهد بالكيان الروحي والسياسي الجامع ، كيان الخلافة ، العهد به كان قريبا على ما لحقه من نقص عظيم آخر أيامه ، ولكن روحه لم تَزَلْ بقاياها في الأطراف التي صارت أشلاء ، فكانت المجموعات الوظيفية ، الملكية والجمهورية ، التى وليت الحكم لتكرس مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ، فَتُصَيِّرَ الحدود على الورق حقائق في النفوس مع ما بُثَّ في النفوس من جاهليات قديمة بعثت عصبيات اندثرت لتضرب الجامعة الإسلامية في مقتل ، فبعد انقضاء مرحلة الترويض لأي ثائر يعترض على خطة التقسيم الأولى ، وهي المرحلة التي استعمل فيها العنف المفرط وهو ما يضعف النفس ويصيبها بالانكسار والخوف بما يمارس ضدها من قمع فاق الوصف فقد جاوز حد الديانة والمروءة وعلا سقفه فلامس حرمات كانت في الجاهلية الأولى خطوطا حمراء لم تستحلها قريش من أتباع الرسالة في أضعف أحوالهم ! ، فكان عنف الاستعمار وبعده عنف الأنظمة التي ورثت الحكم فقضت على بقية الروح المقاومة في الشعوب الشرقية ، لا سيما الروح الدينية الجامعة ، فاستبدلت بها العصبية الجاهلية التي بلغت حد التقاتل في المدرجات والتنابز في مواقع التواصل الاجتماعي انتصارا لمنتخب من خصمه ! فمعركة الميدان قد تحولت من ميدان الحرب إلى ميدان الكرة ! ، ونجحت الأنظمة في إخماد الجذوة المشتعلة في النفوس بالترغيب تارة والترهيب أخرى ، فكان سلاح الشهوات لإفساد الأخلاق والمروءات ، وسلاح الشبهات لإفساد العقول والعقود ، وسلاح القتل المباشر الذي لم يرفع يوما إلا تحقيقا لمآرب النظام الحاكم ومن ورائه المركز الداعم فهو المخطط الرئيس وإن ترك التفاصيل للأنظمة فلا يعينه إلا الكليات الجامعة ، واليوم قد استنفدت هذه الأنظمة أغراضها ، فَثَمَّ جيل تال هو جيل الأحفاد وثم نخب جديدة في الأنظمة العسكرية لم تعالج الحرب ، ولو حرب تحريك وخداع ! ، فهي حصاد تطبيع مبكر ، فكل أولئك هم قادة المستقبل مع اندثار جيل الآباء سياسيا وبيولوجيا فكثير منهم غير كفء من الناحية العقلية أن يحكم بيته ويدبر شأنه الخاص فضلا أن يدبر الشأن العام ! ، فارتفع سقف الطموح في دوائر السياسة في المركز أن تعيد التقسيم وفق محددات جديدة في عالم السياسة فهو عالم متغير لا يثبت على حال ، والشرق قد رضي بدول المنفعل لا الفاعل فهو حقل التجارب وهو ميدان التنافس بما عُدِنَ في باطنه من ثروات وبما له من دور رئيس في صناعة قرار السياسة والحرب طيلة التاريخ الإنساني ، فتاريخ الحضارة قد انحصر في هذه المنطقة بما لها من إرث ديني وفكري ، وإيران ، وهي مثال تكرر ، قد أجادت قراءة المشهد فسعت مبكرا في تدشين مشروعها السياسي ذي الأبعاد الأيديولوجية وما كان له مع إحكامه أن يحقق هذه النجاحات المرحلية لولا أنه تَلَقَّى الضوء الأخضر من المركز أن ينطلق وإن رَاوَغَ وَنَاوَرَ وَوَظَّفَ أوراقه في المنطقة فلا بد في كل نصٍّ مسرحي من خروج جزئي عن السيناريو المكتوب لا يضر آخر الأمر بأصل النص ، وهي تحسن ، كما تقدم ، انتهاز الفرص السياسية المواتية ، فالأزمة الحالية فرصة أن تلعب إيران دور الوسيط أو الباك يارد ، كما يطلق عليه في اصطلاح الاقتصاديين ، وهو دور يحقق مكاسب مادية للوسيط إذ يوفر الدعم للكيان المحاصَر في مقابل ما يحقق من انتعاش في حركة الشحن والتفريغ في مَوَائِنِهِ وقد عرض ثلاثة منها لتكون تحت تصرف الدولة المحاصرة فضلا عن إجراء رمزي إغاثي يثير السخرية فقد أرسل 800 طن من المواد الغذائية الإغاثية لدولة تمتلك أصول استثمار في الخارج تقارب 335 مليار دولار ! ، فهي ، بداهة ، شحنة رمزية تحقق مأربا سياسيا لا إغاثيا ! ، وكذا صنعت المغرب فذلك واجب تحتمه الشريعة ! ، وكذا صنعت سلطنة عمان إذ خصصت مِينَائَيْ صلالة وصحار لدعم الدولة المحاصرة في رسالة لا تخلو من رمزية سياسية أخرى فالسلطنة تخرق الإجماع الخليجي قصدا في مواضع عدة لتؤكد على خصوصيتها الفكرية والسياسية ، فضلا أنها لا تريد يوما أن تُحَاصَرَ ! ، فتكون قد أُكِلَتْ يوم أُكِلَ الثور الأبيض ، وليت الشرق المسلم يُفَعِّلُ هذه النظرية على وجه يجاوز المصالح الذاتية الضيقة ، فلو فَعَّلَهَا يَوْمَ سقوط بغداد ما جاء الدور على دمشق والقائمة تطول ! ، ولا يخلو طريق طهران من ألغام قد يكون بعضها قد صنع في الخارج ولا يخلو من مكون محلي تشرف عليه دوائر في الجهاز الاستخباراتي فانفجار طهران الأخير هو الآخر جزء من مشهد مركب ، فربما كان خطة وضعها المركز وأشرفت على تنفيذها بعض دوائر الاستخبار في الأطراف بعد تلقيها ضوءا أخضر أن ترد على خلايا طهران النائمة في بلادها بأخرى تنقل بها الصراع إلى إيران ، أو هي تَتَخَيَّلُ ذلك فثم فارق قوة كبير بين الضفتين يجعل ذلك لعبا بالنار في دوائر قريبة فالمركز لن يناله من نارها شيء إن صدقت دعوى طهران أن له يدا فيها فهو في مأمن من ضررها المباشر وكذلك مجموعه الوظيفي الأول في المنطقة ، المجموع اليهودي ، فالناظر يعجب دوما أنه الكيان الوحيد الذي نجا حتى الآن من هذه الفوضى العارمة التي طالت أقرب الدوائر الجغرافية إليه ولم تحدثها نفسها حتى الآن أن تجاوز الحدود ! ، فصانع القرار الدولي يرسم خطوط الفوضى والاستقرار ، ويقحم الجيران في حروب باردة وأخرى ساخنة ، بالأصالة أو بالوكالة ، وربما كانت عملية طهران الأخيرة من هذا القبيل لا سيما مع رمزية المكان ، مرقد مرشد الثورة الأول والبرلمان الذي يمثل رمز السياسة والحكم ، ولا يخلو الأمر من انتهاز سياسي في الداخل الإيراني على خلفية الصراع بين الدوائر المحافظة القريبة من المرشد والدوائر الإصلاحية القريبة من رئيس الجمهورية ، ولكل حدث سياسي توابع تَنْتَفِعُ بها أطراف تحسن توظيفها ولو جزئيا بعيدا عن الهدف الرئيس كما يرى الناظر على سبيل المثال في مسلك المجموعة الوظيفية العسكرية الحاكمة في مصر الآن ، فهي تستغل هذا الظرف الإقليمي إذ احتل الحصار الخليجي دوائر رئيسة في الإعلام فكان تمرير اتفاقية الجزيرتين في ظل خمود سياسي واجتماعي متوقع فقد كانت أحداث يوليو 2013 وما تَبِعَهَا تمهيدا مبكرا لحزمة من القرارات السياسية في إطار صفقة القرن فيبعد ، بداهة ، أنها وليدة إدارة ترامب التي لم تستلم الحكم إلا من أربعة أشهر أو يزيد وسياسة المركز لا تصاغ بهذه السذاجة بل هي مشاريع استراتيجية بعيدة المدى تشارك فيها مراكز بحث واستشارة ودوائر حرب وسياسة ، فالأمر يجاوز بداهة رئيسا متواضع الخبرة السياسة كالرئيس ترامب الذي يبدو أنه هو الآخر قدر من السماء نازل ليؤجج الصراع بين مؤسسات الدولة الأمريكية ، فإن ضعف الرئيس يُحَوِّلُ هذه المؤسسات إلى أجنحة تتصارع إذ الرئيس يمثل نقطة توازن لجملة من القوى المؤثرة في صناعة القرار ، فإن كانت نقطة الاتزان ثابتة فذلك يؤذن باستقرار الدولة فَثَمَّ رأس تتحاكم إليه المؤسسات فهو يفصل بينها في الخصومات بما يملك من صلاحيات الدستور ، وإن كانت نقطة الاتزان مضطربة لا سيما وسجل الرئيس لا يخلو من ثغرات قد تستغل لاحقا في عزله إن لم يحقق مآرب أجنحة في الدولة ، فإن اضطربت نقطة الاتزان فلم تحكم السيطرة ولم تحسن شغل المقعد الرئاسي فذلك ما يغري المؤسسات أن تتنافس ففضاء السياسة قد شغر أو عجز شاغله أن يملأ فراغه ، وهو ما يفسر التضارب الحاصل في التصريحات كما في أزمة الحصار الحالية ، مع حرص الجميع على جمل من الخطوط السياسية الحمراء فهي محل اتفاق ففي ذروة الأزمة تمرر صفقات سلاح للدولة المحاصَرة المتهمة بدعم الإرهاب فهل تبيع واشنطن طائرات مقاتلة لدولة تَرْعَى الإرهاب ؟! وإن كانت تلك ورقة تشهر في وجه من يجاوز الحد وإن لم يخرج عن النص ، أو هي من جملة أوراق الابتزاز السياسي والمادي ، وفي ظل هذه الأزمة يرسل وزير الخارجية ريكس تيلرسون رسالة سياسة إلى التيار الإسلامي ، فإدراج جميع أطيافه في قائمة الإرهاب أمر يضر فثم قطاعات معتدلة ! في تركيا والخليج وهي رسالة إلى تيارات أخرى لا سيما في مصر لتعدل من سلوكها السياسي بعد أن جاوزت الحد إبان الربيع العربي وإن لم تكن ، أيضا ، خطرا على المركز ، فهي كسائر من يشتغل بالسياسة لا سيما في الأجيال التالية ، أجيال الأبناء والأحفاد ، فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، أمر لا يقتصر على الدول وإنما يطال التنظيمات ، أيضا ، فالصحوة قد انقضت منها أجيال فجاء الأبناء والأحفاد بسقف فكري وسياسي واقعي ! لا يجاوز سقف المركز ومع ذلك كان الأمر يحتاج بعض التهذيب فكانت أحداث يوليو 2013 وما بعدها وهو تهذيب داخلي ، فلم يكن الأمر أصالة بفعل مباشر من المركز ، وإنما كانت الأدوات إقليمية وداخلية في التمويل والتخطيط والتنفيذ ، فالمركز ، كما تقدم مرارا ، لا يشغل نفسه كثيرا بالتفاصيل وإنما يشرف عليها إجمالا ، كأي عقل استراتيجي في السياسة ، فكانت هذه الأحداث استئصالا لآخر رمق في الدولة المركز في المنطقة ، فكان الفخ الذي استدرجت له النخبة القوية الفاعلة في المجتمع التي قد تقف يوما أمام مشاريع أكبر كصفقة القرن ، فالناظر اليوم في الشارع المصري يبتسم راثيا وربما ساخرا من ردود الفعل الثورية في اعتصامات الأحزاب الكرتونية التي كانت جزءا من مشهد 30 يونيو وما بعده فكانت جزءا من الغطاء السياسي لذلك الحراك ، وهي اليوم تَرُومُ لعب دور الثائر ! ، والناظر في أعدادها وتأثيرها في الجمهور المشغول بإعداد الإفطار ومتابعة مسلسلات رمضان يدرك الجناية العظمى التي اقترفتها هذه المجاميع الوظيفية فقد كانت من الأسباب الرئيسة ولو سكوتا في موضع البيان فهو بيان أعطى السلطة العسكرية الذريعةَ السياسية والأخلاقية لتستأصل الإرهاب المحتمل ! ، فوحده الذي كان يمكنه التأثير في هذا المشهد السياسي الذي تباع فيه الأرض وليتها تُبَاعُ لمن يدفع الثمن فهي جزء من مشروع المركز وما على الأطراف إلا أن تبيع وتشتري فتوظف صفقاتها على وجه يصب في قناة الصفقة الرئيسة فذلك ثمن السلطة فلا تنال إلا على جسر من الجثث والتنازلات ، وقد قُتِلَ ألف أو يزيد في ساعات وكان المجتمع في الدوائر الملاصفة لساحة القتل يمارس حياته في أريحية كاملة على طريقة : وأنا مالي ؟! ، فهل سَتَثُورُ اليوم لجزيرتين غير مأهولتين ، وحرمة دم المسلم الواحد أعظم عند الله ، جل وعلا ، من الكعبة لا من تيران وصنافير ، ومن سكت على الأعلى سكت على الأدنى من باب أولى ، ولا يخلو الأمر ، من وجه آخر ، من انتهازية سياسية تثير الاشمئزاز في إطار ضغط ! يمارسه النظام الحاكم في مصر على الخليج ليضغط بدوره على تركيا فيلحقها بشقيقتها الصغرى المحاصرة ! ، ويسلمه معارضيه السياسيين في أنقرة ، لا سيما بعد انحلال التحالف الذي دشنه الخليج مع تركيا لمواجهة تنظيم الدولة تحت إشراف أمريكي فقد قلبت واشنطن لهم ظهر المجن واستدعت الأكراد نكاية في تركيا وتمهيدا لحصارها ، وهو ما أحدث نوعا من التنافر بين الخليج وأنقرة ، ونوعا آخر تلقائيا من التقارب بين أنقرة وطهران وهو ما أحسنت طهران كالعادة استثماره فهو من جملة المكاسب الجانبية التي حققتها طهران ، ولم تعد تركيا تَرْعَ خاطرا لمن لم يَرْعَ لها خاطرا ، بل وبدأت تسرب معلومات عن تمويل كبير بلغ نحو 3 مليارات دولار لمحاولة الانقلاب الفاشلة الصيف الماضي فتلك صورة رامت بها خلايا الإفساد في الخليج استنساخ مشهد 3 يوليو المصري في تركيا مع القدر الفارق بداهة في الخبرة السياسية وهو ما جعل أنقرة تجاوز هذا المطب في انتظار مطبات أخرى تُعَدُّ لها إن في المركز أو في الإقليم ، وما يجري الآن من الحصار في الخليج هو مقدمة لحصار تركيا من وجه ، وتقسيم الخليج من وجه آخر ، لا سيما الشقيقة الكبرى فهي الهدف الرئيس ولو على المدى البعيد لا سيما مع تكاثر الأعداء حولها من الجنوب والشمال والشرق ووجود حليف لا يُطَمْئِنُ في مصر غربا ، وأنقرة تملك ، مع ذلك من الثبات الانفعالي السياسي ما يجعلها خصما قويا بل إن الدولة المحاصرة الآن قد أبدت من الثبات الانفعالي ما لا ينكر ، وَفَعَّلَتْ جملا من أوراقها السياسية والإعلامية الناعمة على وجه يستحق الاعتبار ، وإن كان الجميع ، كما تقدم ، معتدلهم ومتطرفهم ! ، لا يخرج عن الإطار المحكم الذي رسمه المركز بإذن الرب المهيمن ، جل وعلا ، فالأمر ، كما تقدم ، مطلع الكلام ليس إلا توزيع أدوار ، وأمة قد نُحِّيَ شرعها وَأُلْغِيَ عقدُها السياسي الجامع ، وَقُسِّمَتْ أرضها دويلات ولم تُبْدِ حراكا يقاوم أو يعارض هل يظن عاقل أنها قد تَثُورُ لقطعة أرض تباع هنا أو هناك ؟! ، فضلا عما استحل من حرمات دينية ودنيوية في سياق ثورات التصحيح المضادة التي حرقت فيها المصاحف والأجساد فهل يظن عاقل أن سنة الاستبدال سوف تتخلف في حق هذا الجيل وقد أُعْطِيَ الفرصة فلم يستثمرها بل كان هو نفسه من وأدها في مهدها فعلام يثور اليوم ولم يجهد نفسه فخير له أن يعد العدة للعيد ملابسَ وكعكًا فذلك خير له وأبقى فسوف يجد على أقل تقدير أثره العاجل فليس ثَمَّ الآن من يجاوز تفكيره موضع قدميه ، وأي عاقل يخطط لأهل الشر في سدة الحكم في مصر فإنه لن يجد فرصة للتخلص من الرئيس المعزول ، فك الله أسره ، خيرا من هذه الفرصة في ظل الموت السريري الذي يشكو منه المجتمع فضلا أنه عقبة كؤود بصموده وتمسكه بمبادئه ، اتفق معها الناظر أو اختلف ، فصموده محل اعتبار وهو محل توجس من النظام الحاكم في مصر ومن القوى الداعمة له في الإقليم فلن يشعر النظام الحالي بالأمان ولن يكتسب شرعية ، ولو كاذبة ، طالما بقي الرئيس المنتخَب على قيد الحياة ولعل ذلك ما يلفت النظر في هذه الآن ، والجميع مشغول بالأحداث المتصاعدة في الإقليم ، إلى ما يَتَعَرَّضُ له الرئيس من محاولات قتل ناعمة كما صرح في بعض الجلسات فضلا عن تصديق حكم الإعدام على مجموعة من الشباب من محافظة المنصورة وبطبيعة الحال لن يلتفت أحد إلى دماء بسيطة كهذه الدماء فقد سفكت أضعافها ولم يلتفت أحد ! .
    وافتقار الشرق إلى الاستراتيجية بعيدة المدى لا يقتصر على النخب الحاكمة وإنما يعم الشعوب والأفراد فالجميع في الفشل شرك كما يقال في مصر ! .
    ولا يخلو الأمر في زعامات الشرق الآن يتراوح بين الموظف والأشد توظيفا ، والعمالة والأشد عمالة .... إلخ ، فهو يتراوح بين الفعل وأفعل التفضيل في مورد الذم ، فلا حاجة إلى اصطناع بطولات لزعماء لا يدعونها وإنما غاية الأمر أن منهم من يمارس الوظيفة بلباقة وحشمة ومنهم من يمارسها بفجاجة ووقاحة والجميع آخرَ الأمر موظفون ! ، بل إن رءوساء المركز هم ، أيضا ، موظفون ، ولكن من الدرجة الأولى ! ، وَثَمَّ ، كما يقول بعض الفضلاء ، دوائر خفية في عالم السياسة ، هي التي تدير المشهد بإذن الرب المهيمن ، جل وعلا ، فذلك محل إجماع ، سواء أقيل هي ماسونية أم يهودية كما قَالَ صاحب "أحجار على رقعة الشطرنج" ، وإن بالغ في الأمر ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء ، فأعطى يهود أكبر من حجمهم إذ بَالَغَ في نظرية المؤامرة وهو ما يفضي في أحيان كثيرة إلى رد فعل عكسي فيشعر الناظر بالهزيمة النفسية إذ لا قبل له بهذه العقول الجبارة في الدهاء والمكر السياسي ، أم قيل إنها تناط بقاعدة محكمة من النصوص تشير إلى جمل من الغيوب وهي أشراط الساعة الصغرى والكبرى على وجه يحسن فيه الاحتراز في النظر فلا يكون تكلف التأويلات لحمل النصوص على الأحداث لا العكس ، فالصحيح أن يقاس الحدث على النص ، فالنص هو الأصل والمرجع لا أن يُتَأَوَّلَ النص لخدمة الحدث أو استدلالا لفكرة تحصل في الذهن تفتش عن دليل لها من الشرع ، فالشرع حاكم لا محكوم ، والأمر في هذه التأويلات يضيع بين الإفراط فيها ورد الفعل وهو التفريط في نصوص صحيحة فيردها العقل جملة وتفصيلا ! فهو يراها تخاريف لا تصلح لتفسير أحداث السياسة المعاصرة مع ما فيها من تعقيد وتراكب ، والحق ، كما تقدم مرارا ، وسط بين طرفين ، طرف غالٍ يُفْرِطُ وطرف جافٍ يُفَرِّطُ .

    والحركات الإسلامية اليوم ، بوصفها قاطرة الشرق فهي التي تَنْتَمِي ، ولو في الجملة ، إلى الإسلام ، روح التاريخ والحضارة في هذه البقعة من الكون ، الحركات الإسلامية اليوم تَفْتَقِرُ إلى مراجعة عامة ، فهي بين تيار قارف الإرجاء بنكهة السياسة فالتيار الاستخباراتي الذي خرج من رحم الحرب الثانية في الخليج ليكرس نظرية طاعة ولاة الأمر مطلقا وتم تصديره إلى الفضاء الإقليمي ، هذا التيار يلعب اليوم دورا كبيرا على غير العادة في القتال دعما للجنرال المنقلب في ليبيا ، والتيار المضاد له جملة وتفصيلا ، تنظيم الدولة ينسق مع الجنرال المنقلب ، والإسلام السياسي يشكو من التخبط والتسرع في التأييد والمعارضة فيحتفي بِمَلِكٍ أو أمير فهو أشرف زعيم فإذا قلب له ظهر المجن تَبَيَّنَ أنه عميل على وجه يدل على سذاجة سياسية مفرطة فذلك باختصار ، ولو ضربا للمثال بليبيا ، ذلك باختصار هو حال التيار الإسلامي اليوم ، فهو بكافة أطيافه إلا ما رحم الرب جل وعلا ، قد وُظِّفَ لتحقيق مآرب غيره ، ولو لم يكن ذلك هدفه الرئيس فتأول الأمر أنه تقاطع مصالح ولم يخل فعلا من مصالح تحققت ولو في الجملة لا سيما إحياء معان وشعائر كمعاني الرابطة الإسلامية الجامعة وشعيرة الجهاد الغائبة ، وبعضه قد تطوع فَوَظَّفَ نفسه دون دعوة ! ، كما هي حال قطاعات من التيار السلفي في مصر تشارك الآن في البرلمان وتؤيد اتفاقية التنازل عن صنافير وتيران في إطار نظرية طاعة ولي الأمر الراشد الجنرال الخائن ! .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 52396

    الجنس : ذكر

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : شاعر

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل10/10/2016

    آخر نشاط:09-10-2018
    الساعة:10:05 PM

    المشاركات
    32

    جزاكم الله خيرا

    أسطر من القلب
    أفضل الذكر لا إله إلا الله
    و أفضل الدعاء الحمد لله

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •