ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهُ لا يُؤْمِنُ ، وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ : جَارٌ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" ، فكان التوكيد بالقسم مع تكرار الكلام فذلك آكد في تقرير المعنى وترسيخه ، ولا يخلو من دلالة تَشْوِيقٍ تَسْتَرْعِي ذهن المخاطب ، فكان التكرار ، وكان النفي الذي تسلط على المصدر الكامن في الفعل "يؤمن" فأفاد عموما ظاهرا فَهُوَ مما يحتمل ، فجنس النفي في الأسماء والأحكام ، جنس عام مطلق في الذهن وآحاده في الخارج على أنحاء ، فَثَمَّ نفي الأصل ، وَثَمَّ نفي الكمال الواجب ، وكلاهما محل ذم ووعيد ، وإن تَفَاوَتَا في ذلك فَذَمُّ الأول أعظم ووعيده أشد ، فإن زوال الإيمان كله بِزَوَالِ أصله إن بالجحد والتكذيب ، فأصل الكفر يحل في الجنان فلا يجامع أصل الإيمان ، أو زواله بِنَاقِضٍ من نواقض الإيمان الباطنة أو الظاهرة ، القولية أو العملية ، فإن من شعب الكفر وإن لم يكن الأصل ، أصلَ الكفر وهو الجحود والتكذيب ، منها ما يقدح في أصل الدين فبه يَزُولُ الإيمان ، فلما احتمل اللفظ صدر الخبر : "والله لا يؤمن" ، لما احتمل نَفْيَ الأصل تارة ، وَنَفْيَ الكمال أخرى ، كان العمل بالظاهر حتما لازما حتى يرد دليل صارف ، فالأصل أن يحمل النفي على الظاهر فهو نفي للحقيقة الإيمانية ، أو نفي لصحتها ، فيكون الفعل ناقضا لأصل الإيمان وبه يخرج الفاعل من الدين ، ولكن ذلك لا يسلم في هذا الموضع ، فإن القرينة الصارفة قد أوجبت حمل النفي على نفي الكمال ، فليس إيذاء الجار مما ينقض أصل الدين إلا أن يكون ذلك بُغْضًا له لأجل دينه ، فينصب له عداوة على قاعدة دين فهو يُبْغِضُ فيه ما يدل على الدين من هدي باطن أو آخر ظاهر .
فجاء النفي الذي أكد بالقسم ، وجاء العموم في الموصول : "الذي" في رواية : "الذي لا يأمن جاره بوائقه" ، وهو مفرد اللفظ مذكر ولكن دلالته دلالة الجمع المستغرق بدلالة الوضع الأول فهو نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، أو بدلالة التغليب إذ قرينة التشريك في التكليف قد أوجبت من سعة الدلالة ما استغرق كل مكلف ، وَثَمَّ جناس اشتقاق يَزِيدُ المعنى بَيَانًا ، فمادة "أمن" هي أصل الاشتقاق في "يؤمن" و "يأمن" ، ودلالة الوصل ، كما تقدم ، دلالة تغليب تَعُمُّ كل مخاطب بالتكليف ، مؤمنا أو كافرا ، وذلك ما يجري عليه ما تقدم مرارا من خطاب الكافر بالفروع ، وخطابه بالأصل الذي لا يصح عمل ولا يقبل إلا به ، وهو أصل التوحيد ، فهو أعظم شرط وأول واجب بل هو الفرض اللازم فدلالة الإيجاب فيه دلالة لا تحتمل فهي نص قاطع يجزم فدلالته دلالة يقين ضروري ، فخوطب الكافر بهذا الواجب ألا يؤذي جاره ، وإن نفعه هذا التكليف فلا يَنْفَعُهُ النفع الكامل إلا أن يُسْبَقَ بإيمان أول هو الأصل الذي لا يصح فرع إلا باستيفائه ، وذلك قياس النظر الصريح فالفرع لا يسبق الأصل ، بل هو صادر عنه خارج منه ، فيكون الأصل وبعده الفرع ، والفرع لا يصح إلا أن يصح الأصل ، فلا بد من سلامة القصد من الشرك وسلامة النِّيَّةِ من الرياء ، فإذا صح الأصل فلا بد بَعْدَهُ من مُتَابَعَةِ صاحبِه الشَّرْعَ فَلَا يحيد عنه في قول أو عمل ، فلا يحدث في الدين ما ليس منه ، وإن صح قصده ، فلا يجزئه ذلك إذ قَدَّمَ نَظَرًا أرضيا على الشرع السماوي ، فَخَالَفَ في هذا الموضع أيضا عن جادة القياس المحكم فإن النظر الأرضي ، الديني أو السياسي ، متشابه في الفروع لا يسلم إلا أن يُرَدَّ إلى محكم من الأصول الْمُنَزَّلَةِ ، فلا يصح عمل إلا بشرط الإخلاص في النية والإحسان في الماهية ، وإحسان الماهية : إحسان في المتابعة لِمَا حَدَّهُ الشرع من شروط وأركان وواجبات وسنن ..... إلخ ، وإحسان في الأداء أن يُتْقِنَ العمل فلا يكون أداؤه أداء حركات تجزئ في أحكام الدنيا إِذِ استوفى الماهية ولكنها لم تشفع بالخشوع فهو روح العبادة وجوهرها الشريف وهو سبب في تجويد الماهية فتظهر آثار الخشوع الصادق في حركات الظاهر فلا يَقْضِي العمل قضاء المتعجل المستثقل ، وإنما يكون من التَّأَنِّي ما يُحْمَدُ ، فلا يجاوز فيه الحد فَيَقَعَ في التكلف أو الوسوسة فيكون من حركات الظاهر ما يزيد فيه العامل رجاء التجويد والتحبير فإذا به يخرج عن غاية الأمر فخشوعه قد انصرف إلى حركات الظاهر دون تدبر في معانيها وغاياتها ، فَثَمَّ خشوع صادق ، وثم آخر زائد عن الحد فيه من التكلف ما يَبْلُغُ في أحيان حد الوسواس ، وثم ثالث هو خشوع النفاق فهو يَتَقَصَّدُ التجويد في الصورة الظاهرة وإن كانت الصورة الباطنة باطلة ، فَثَمَّ أصل أول وهو أصل التوحيد ، وبعده يكون النظر في التشريع سواء أكان أصلا آخر ، فإن الأصل لا يقتصر على التوحيد ولا يقتصر على أصول العلم ، بل ثم من الأصول ما هو من العمل ، فالصلاة ، ركن عملي ، بل هي من أعظم الأصول ، فهي التالية لأصل الشهادة العلمي القولي ، فيكون من الأصل الأول ما لا يصح عمل إلا به ، وبعده يكون من الدين أصولا وفروعا ما يَزِيدُ فَيَبْلُغُ بصاحبه حَدَّ الإيمان الواجب ، سواء أكان من الأفعال أم من التروك ، كما في الخبر محل الشاهد ، فذلك من التُّرُوكِ إذ يفارق الجار إيذاء جاره ، فيأمن جاره بوائقه ، فالإيمان منه فعل ومنه تَرْكٌ ، كما أن منه أصلا لا يحصل دين يجزئ ولو مطلقا أول إلا به ، وفرعا يزيد على الأصل ، بل قد يساميه فهو أصل مثله وإن كان دونه في الرتبة ، فالأصول على أنحاء إذ ثَمَّ مِنْهَا ما تَنْتَقِضُ الحقيقة بِزَوَالِهِ كأصل التوحيد العلمي ، أو أصل الصلاة العملي ، على قول من يحكم على تاركها أَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلدِّينِ كله ، أو أصل التحاكم إلى الوحي باتخاذه مرجعا أول لا يجاوزه غيره فهو الذي جاوز العقول والنفوس فجاء بالأصول والفروع واستقل بمنصب التشريع فلا ينازعه فيه شريك ، فالوحي هو الشارع الأوحد وما سواه فَلَهُ تابع خاضع ، لا يستقل بإباحة أو حظر ، أو إيجاب أو ندب ، فلا يزيد في الأفعال وجه تعبد أو تَنَسُّكٍ ، فيكون قد زاد في الماهية ما لم تأت به الشرعة السماوية ، فتلك محدثة دينية رام صاحبها المبالغة في التعبد فجاوز عن الحد المشروع وزاد فيه ما استحسنه بعقل أو ذوق ! صَيَّرَهُ حاكما متصرفا في الوحي ، فَزَادَ فِيهِ قَيْدًا لم يأت به النص على وجه يقدح في مرجع الحكم ، فالحاجة إلى التدين أعظم حاجة في تاريخ البشرية ، كما يقول بعض الفلاسفة ، فحيثما فَتَّشَ الناظر في تاريخ الأمم فلا بد أن يجد آثار مسجد أو دار عبادة ونسك ، فذلك قاسم مشترك بين جميع الحضارات والمذاهب ، سماوية كانت أو أرضية ، بل الأرضي منها وإن جحد الوحي عنادا وكبرا فلا زال في نفسه من آثار الفطرة الأولى ما يجعله ينادي إذا كان ثَمَّ شدة : يالله ، ففضحت النوازلُ النفوسَ التي استكبرت أن تُقِرَّ بوجود رب معبود ، فألجأتها الشدائد أن تفصح عما كتمت ، وأن تجهر بما به قد كفرت ، بل ولو جحدت الرسالات وأصحابها فلم تعظمهم فخاصة التأله والتعبد في النفوس مع ما يكون من خاصة الاقتداء والتقليد التي جبلت عليها النفوس ، فإنها أبدا تَتُوقُ إلى مُثُلٍ عليا في الدين والأخلاق والسياسة ، فَتُقَلِّدُهَا ، ولو في الهدي الظاهر ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، تلازم آخر في القياس الصريح ، فإذا اتفقت الصورة الباطنة فأحب الناظر صورة في الخارج ، كاملة أو ناقصة ، فقد ملأت عليه فُؤَادَهُ فلا يَرَى غيرها مثالا يُحْتَذَى ، فإن نطق فَبِلِسَانِهَا وإن تَزَيَّى فِبِزِيِّهَا ، فَتَأَوَّلَتِ الصورة الظاهرة ما قام بالجنان من الصورة الباطنة حبا أو بغضا ، فهو أقرب الناس في الصورة الظاهرة من حبيبه ، وهو أبعدهم من بغيضه ، فصورة الظاهر تحكي الباطن ، حبا أو بغضا ، صحة أو فسادا ، فتلك خاصة ضرورية في النفوس إِذْ جُبِلَتْ على تقليد المحبوب وشاهد ذلك من الوحي ما كان من آية امتحان فضح ، فـ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فمن أحب أحدا فهو يَتَحَرَّى رضاه أن يَمْتَثِلَ أمره وَنَهْيَهُ في شأنه كله ، جليله ودقيقه ، باطنه وظاهره ، فيكون الحبيب هو مصدر التصور والحكم ، فهو المرجع الذي رضيه التابع قدوة تجاوزه من خارج ، وانظر في أتباع المذاهب الأرضية كيف جعلوا كبار المنظِّرين آلهة تعبد بالحب بل وجعلوا جثمانهم كعبة تطوف بها الجموع وتحج إليها الوفود .

فَثَمَّ من يزيد في الدين على الماهية المشروعة إرادة التعبد ، فبدعته بدعة دينية ، سواء أكانت في أصل أو في فرع ، في علم أو في عمل ، وثم من يزيد ما ينقض الماهية الدينية فليس غرضه التعبد أو التنسك بل غرضه الطعن في مرجع الوحي فهو يزيد من عنده أو يحدث شرعا جديدا يضاهي الشرع المنزَّل ، فلا يزيد في ماهية الشرع ، بل يحدث ماهية أخرى تضاهيه بل وتنقضه نقضا بالنظر في المرجع الأول ، فالوحي مرجع من السماء قد نَزَلَ ، والوضع مرجع من الأرض قد حدث ، فَأَنَّى يَلْتَقِيَانِ ؟! ، فالتخالف بينهما أعظم من التخالف في محدثات دينية لم يَرُمْ أصحابها نقض الدين وإن أساءوا الظن بالوحي فاتهموه ، ولو لسانَ حالٍ ، أنه لا يجزئ إذ سكت عن أمور استحسنوها فألحقوها بالدين ، فاستدركوا على الوحي ما قد فاته ! ، فلم يكمل الدين إلا بما أحدثوا ، ولو نطقوا بذلك تصريحا لَانْتَقَضَ أصل إيمانهم ، فلازم حالهم تكذيب الوحي إذ قال باكتمال الدين ولم يُسَلِّمُوا بذلك فالدين عندهم لا زال ناقصا ! ، ولازم القول أو الحال ليس بقول أو حال إلا إذا ألزم صاحبه بما قال فأقيمت عليه الحجة الرسالية ، وإلا فلا يحاكم بلازم ، فقد يذهل عن لازم ما يقول فلا ينظر في عاقبته لا سيما وقد رام قصدا حسنا أن يزيد في التعبد والتنسك ، أو يَنْفِي عن الدين ما توهم أنه نقص فهو ينافح عنه ، كحال من عطل في الإلهيات فرارا من التمثيل والتشبيه ، فأراد خيرا وإن ضل إذ لم يسلك جادة الوحي بل تَوَهَّمَ فيه نقصا ، فضلا عن جهل وتقصير في جمع النصوص بعضها إلى بعض لتكتمل صورة استدلال صحيح صريح ، فشبه التمثيل تَزُولُ إن جمع إلى نصوص الإثبات نصوصُ التَّنْزِيهِ ، فلا يستوي من قصد الحق فهو يعظم الوحي وإنما رام الزيادة في العبادة والنسك ، لا يستوي هو ومن رام ، ابتداء ، نَقْضَ المرجع الأول ، مرجع الوحي ، فهو يروم استبدال الوضع المحدث به ، فيجتهد أن يبطل حجية الوحي إما بالطعن صراحة فهو شرع بداوة وتخلف وهو معدن تعصب وتطرف ..... إلخ ، من الدعايات الحديثة فلم تظهر إلا وجامعة الوحي السياسية قد نقضت ، وسيفه قد كسر فلم تصر له دولة تحكم ، وإنما صار فكرا يطارد ويصادر ، وتبجح خصومه بحربه فهي أشرف الحروب الفكرية والميدانية إذ تَرُومُ استئصال مادة الشر من العالم ، فلا بد من تشويه المرجع الفكري الذي يستند إليه هذا الفكر الأصولي الذي لا يصدر عنه إلا العنف فليس ثم مناص من تشويه الوحي لِتَنْفِرَ منه النفوس فهي تَتَوَجَّسُ خيفة مِنْ : قال الله قال الرسول ! فلن يكون بعدهما إلا القتل والهدم ، فالوحي خصم الحضارة العصرية وعدو النظم السياسية والإدارية فضلا عن الطرائق التقنية الحديثة ، فدعاية الخصم أنه يروم الرجوع بالناس إلى الكهوف والبراري ، فيأمرهم بهجر الحياة ويوقعهم في حرج عظيم ، وتلك وإن كانت دعاية ساذجة استهلكت إلا أنها مما غرس في العقل الجمعي الباطن وإن لم يشعر فهي حجر زاوية يحسن البناء عليه ، فصورة الدين في العقول التي عوقبت بدعاية السحر أن زهدت في دعاية الحق فابتليت بقرناء يُزَيِّنُونَ الباطل فيكسونه لحاء الحق ، بل ولحاء الوحي والرسالة في أحيان باجتزاء ألفاظ من النصوص يشهد ظاهرها ، بادي الرأي ، فيهدم الدين بمعول الدين ! ، وتلك من أخبث طريقة وأمكرها ، إذ تَكْسُو كلامها لحاء التجديد والتحديث فَتَقْتَنِصُ أي فرصة تسنح ، أو أي خطأ يصدر من أتباع الوحي ، فليس فعلهم حكما على الرسالة ، فهي المرجع الحاكم لا المحكوم ، وهي القطعي الذي يقضي في الظني من أقوال الناس وأفعالهم ، فلا ينسب إليها خطأ مَنْ جهل أو تعصب أو تأول فَحَادَ عن الجادة ، سواء أكان صادقا يطلب حق أم ذا هوى في جاه أو رياسة كساها ، أيضا ، لحاء الديانة ، أم جاهلا يتلاعب به خصومه فهو يحقق لهم من دعاية التَّنْفِيرِ ما لا تحققه آلة الدعاية التقليدية ، لا سيما إن كانت من خصم فالنفس ، بداهة ، تَتَوَجَّسُ منه خيفة فلا ترضى بشهادته إذ كيف يشهد خصم على خصمه ؟! ، لا سيما وهو متهم باستقراء تاريخه : أنه عدو قد استحكمت عداوته فَنَاجَزَ الأمة الخاتمة لا أفرادا ، وإنما شرعا ومنهاجا ، فلولا استمساكهم بالوحي ما ناجزهم الخصمُ العداوةَ ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فثم غاية أن يرتد الناس عن الدين الصحيح ، سواء أكانت ردة صريحة فجة ، أم أخرى لطيفة تكسى لحاء التجديد والتحديث ، كما تقدم ، فيكون من تأويل النصوص ما ينقض الأصول والفروع ، ويكون التوسع في الاستدلال بالمصالح والأعراف والذرائع ..... إلخ ، فإن عارضها النص فهي أولى بالتقديم ، فهي من أمور الدنيا وأصحابها بها أعلم ، فجاوز الأمر حد الماهيات الجزئية في فنون المعاش والصنائع فتلك ، بداهة ، لم ينزل الوحي يفصلها ، وإنما نَزَلَ يضع إطار التصور العام ويفصل في مواضع الحكم الخاص إن في اتفاق أو في اختلاف ، إن بالمنطوق أو بالمفهوم ، على وجه قد بَلَغَ الغاية في الإتقان فقد استند إلى طرائق في البيان فصيحة بها أبان الوحي عن الشريعة ، مقاصد وأحكام ، ففيها كفاية لمن أخلص القصد فجعل الوحي رائده ، وجعل التوحيد غايته ، فهو يتحرى مادته في العقائد والشرائع ، فلا رب إلا الخالق الحق ، وإلا إله يحكم ويشرع إلا الإله المعبود بحق ، فكان من تَرْكِ هذا الوحي المحكم والعدول عنه إلى الشرع المحدث ، لا في تحقيق مناط فيكون الباعث رغبة في جاه أو مال ، فهي شهوة بلغت حد الكبيرة ، ولكن صاحبها لم يزل معظما للشريعة حاكما بها كمرجع أول ، فمناط حكمه الوحي ، وإنما حاد عنه في التحقيق فأعطى الحق من لا يستحق أو حكم بسفك دم أو مصادرة مال ، فحكمه في الظاهر حكم الشرع إذ حَكَمَ بمناطه وأدلته ، وإنما خالف في تحقيق المناط في محكوم بعينه ولم يكن من فعله ما ينقض أصل الدين ، فلم يقارف كبيرة ناقضة للأصل وإنما قَارَفَ كبيرة ناقضة لكمال الدين ، خَلَافَ مَنْ نَصَبَ للوحي عداوة أولى فهو يَرُومُ تعطيله وإبطال أحكامه فيستبدل به مناطا آخر محدثا ، فقد هجر الوحي وتركه لا ترك الأول الذي يحكم به في الجملة فهو المرجع العام وهو المناط الخاص ، فلا يخرج عنه أن يسن من الشرع ما يضاهيه وإن في فرع فضلا أن يخالفه في أصل أو يخالفه في أصل الأصول ، توحيد التشريع فيحدث مرجعا آخر يعارضه ، ويجعله فوقه فهو يجاوزه فيكون الوحي له تابعا خاضعا ، بل وقد يزيد الهاجر التارك فلا يطيق الوحي ولو تابعا ، فَوَدَّ لو حكه من المصحف ، كما أثر عن بعض الْمُحْدِثِينَ الأوائل ، وإن كانت محدثته في الإلهيات ، فقد جد من البلايا والنوازل ! ، أن صار مراد كثير من خصوم الوحي سواء أكانوا على نحلة تغايره أم انتسبوا إليه فالشبهة بهم أعظم ، فهم أخطر من الأول وأنكى ، أن صار مراد أولئك أن يَحُكُّوا الوحي كله ، علما وعملا ، سياسة وحربا ، فلا تحفظ رياساتهم الباطلة إلا بذلك ، فلا بد من تشويه الأصل الأول وإلصاق كل نقيصة به فذلك تشويه يحمد ، كما يقول بعض رءوس المركز ، فلا بد من تشويه مرجع الخصوم وَتَزْيِيفِ أدلتهم ، لا نقدا لما استدلوا به من متشابه ، وإنما نقضا للأصل فهو أصل البلاء كله ، أحسن أتباعه الفهم أو أساءوا ! ، فيكون من صنيع أولئك المفتونين أن يهجر الأصل ويعطل ، فضلا أن يشتم وَيُنْبَزَ بما ليس فيه من القوادح ، فَتُشَنَّ حرب الدعاية عليه مكرَ ليل ونهار ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) ، وكل امرئ حجيج نفسه في عقده وشرعه فَلَيْتَهُ تحرى في دينه ما يتحرى في دنياه من مطاعم ومشارب غايتها فضلة تأنف النفس من صورتها ، فهي دليل نقص جبلي لو أحسن صاحبه يتدبر لعلم عظم افتقاره إلى رب قدير يدبر وإله حكيم يشرع ، فيكون من حال أولئك تعطيل الأصل وتركه ، والعدول عنه إلى غيره فتلك خاصة النفس إذ لا تجتزئ بِالتَّرْكِ ، فَحَالُهَا ، كما يذكر بعض المحققين ، أنها قد خُلِقَتْ لِتَفْعَلَ لا لِتَتْرُكَ ، فإن لم تفعل الخير وتمتثل أمر الرب ، جل وعلا ، أن : (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) ، فإن لم تفعل الخير الذي يعم بدلالة الإطلاق في العامل "افعلوا" ، فضلا عن دلالة التغليب في الضمير ، واو الجمع ، فهو يستغرق كل مكلف لقرينة العموم في التشريع المنزَّل ، فضلا عن دلالة "أل" في "الخير" ، فهي تُبَيِّنُ الجنس ، من وجه ، وتستغرق آحاده من آخر ، فإن لم تفعل الخير فعلت الشر فأشركت وعصت ، سواء أكان عصيانها بالفعل أم بِالتَّرْكِ ، وإن كانا ، عند التدبر والنظر ، مما يتلازم في قياس العقل ، لا جرم كان من عناية النظار أن نَصُّوا على اللازم فالأمر بالشيء فعلا يستلزم النهي عن ضده تَرْكًا ، فلا يوجد فعل وإلا وثم تَرْكٌ يقابله ، فلا يَتَلَبَّسُ بالفعل إلا أن يفارق ضده الواحد أو أضداده الدائرة ، فلا يحكم بالوحي إلا وقد فارق ضده من الحكم بالوضع ، والعكس يصح ، فلا يحكم بالوضع إلا وقد فارق ضده من الحكم بالوحي ، فالقياس يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ ، فَالتُّرُوكُ منها ما يَنْقُضُ ، سواء أكان نقضا لأصل الدين أم نقضا لكماله الواجب ، فَتَرْكُ التحاكم إلى الوحي واستبدال مرجع آخر بمرجعه تَرْكٌ يَنْقُضُ أصل الدين ، وَتَرْكُ الحكم في نازلة مع إنفاذ المناط فلا يبدل فضلا عن المرجع الأول ، ذلك تَرْكٌ يَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب ما لم يستحل الفاعل أو يستهزئ ، وَالتُّرُوكُ منها ما شرع ، كما في الخبر محل الشاهد ، إذ يحذر من يؤذي جاره فَيَتَوَعَّدُهُ بِنَفْيِ إيمانه ، فذلك ما يَنْصَرِفُ ، كما تقدم ، إلى نفي الكمال الواجب ، ما لم يكن ثم استباحة أو استهزاء ، وما لم يكن إيذاء الجار لأجل دينه ، فهو يبغض الدين في صورة من يؤذيه فينصب له عداوة على قاعدة من بغض للوحي فهو يبغض كل من ينتسب إليه ، ولو نسبة مجملة ، فلا يطيق ما يُذَكِّرُهُ بالدين فهو خصمه الأول ، وربما الأوحد ، وإن كسا ذلك ما تقدم من لحاء الحرب على التعصب والتطرف ، فشرع الترك في هذا السياق ، فذلك لازم الوعيد فهو خبر يدل لزوما على إنشاء النهي عما أنيط به الوعيد ، فلازمه النهي عن إيذاء الجار ، ولا يخلو هذا النهي ، لو تدبر الناظر ، من لازم آخر ، وهو الأمر بضده أن يحسن الإنسان إلى جاره ، وهو ما جاءت الوصية به صريحة في قول صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" ، وجاء الشرط في سياق الإلهاب والتهييج حضا على الفعل : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ " ، ولا يخلو من تقرير عام بدلالة الشرط في "مَنْ" وهو ما وضع للعاقل وضع اللسان الأول فتلك دلالته في المعجم ، وجاء الجزاء أو الجواب مَقْرُونًا بالفاء على حد الإيجاب في "فَلْيُحْسِنْ" ، فتدخل على جواب الشرط إن كان إنشاءً بأمر أو نهي ، فذلك من المواضع التي يجب فيها اقتران الجواب بالفاء ، ولا تخلو الفاء من دلالة سببية وهي ، أيضا ، مما يقرر المعنى ويؤكده ، ودلالة الفور والتعقيب تحمل المخاطب أن يبادر بالامتثال فيحسن إلى جاره ، فنص هذا الخبر على لازم الخبر الأول ، واكتملت صورة الاستدلال بجمع أدلة الباب ، وهو ما يواطئ قياس العقل الصريح فالنهي عن إيذاء الجار يستلزم بداهة الأمر بالإحسان إليه فضلا أن ذلك مما يشبع في النفس غريزة الفعل ، فالترك ، وإن كان فعلا بالنظر في الأصول ، إلا أنه سَلْبٌ به يُخَلَّى المحل فلا بد من تحليته أن يشتغل بضد ما هَجَرَ من العصيان ، فتكون التحلية بعد التخلية ، كما يقول أهل الطريق ، فذلك نظر صحيح في طبائع النفس فلا تُنْهَى عن منكر وإلا وَتُؤْمَرُ بضده من المعروف ، وثم جمع آخر يحمد بين ألفاظ النصوص ، فإن لفظ البوائق مما يستغرب ، فجاء بيانه في سياق آخر ، فـ : "قيل يا رسول الله ! ما بوائقه ؟ ، قال : غشمه وظلمه" ، فالغشم يذم وإن استعمله بعض السفهاء أن يُبِينَ به عن قوة وسلطان ، فليس ذلك مما يحمد في السياسة والحرب بل هو مما يذم أبدا ، فقوة الحق لا غشم فيها ولا ظلم ، وإنما يتحرى صاحبها العدل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فكان جمع النصوص مما أبان عن غرائب الألفاظ ، وذلك علم صنف فيه من صنف من المحققين ، فوضعوا الكتب في غريب الحديث ، فيطلب أول ما يطلب من نصوص الوحي إذ بعضها يفسر بعضا ، فإن لم يوجد لها تفسير في نصوص الوحي ، فَثَمَّ رجوع إلى كلام السلف فهم أعلم الناس بلسان الوحي ومقاصده ، إذ شاهدوا التنزيل كالصدر الأول أو قاربوه كمن جاء بعدهم فضلا أنهم ما تَلَقَّوْهُ إلا منهم فإسنادهم إلى عصر الرسالة يتصل ، فإن لم يكن ثم مرجع ، فالمرجع ، كما يقول بعض المحققين ، إلى لسان العرب في تفسير الآيات وَبَيَانِ غريب الألفاظ ، فحصل من الاستدلال صورة محكمة إن في جمع ألفاظ الأدلة أو بيان وجوه الاستدلال بها .

ودلالة الجار في الخبر ، لو تدبرها الناظر ، فإنها تَتَّسِعُ فتستغرق الجار القريب والجار البعيد وتستغرق جوار الأفراد وجوار الأمم والدول والحضارات فثم أمم لا تؤمن بوائقها ، وثم حضارات قد ناجزت غيرها الحرب لا على قاعدة عدل أو هداية وإنما شاهد ما أفسدت في الأرض يفضح ما تزعم من زيف التحضير والتحديث للأمم المغلوبة .

وفي سياق آخر جاء النص على الوعيد لا الحكم ، فـ : "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" ، ففي السياق ، محل الشاهد ، جاء النص على الحكم بانتفاء الإيمان الواجب دون الأصل الجامع ، وفي سياق آخر جاء النص على الجزاء ، فامتنع دخول الجنة ، وهو ، كما تقدم ، في نصوص الوعيد إما أن يحمل على امتناع دخولها ابتداء إلا أن يكون ثم مانع من نفاذ الوعيد ، أو امتناع دخول جنة بعينها فتكون "أل" في "الجنة" مئنة من العهد الخاص .

والله أعلى وأعلم .