مما يقرر أهل الشأن ، ولو من باب اللازم لمقال باطل بَيَانًا لعواقبه الوخيمة ، ما كان في الإلهيات من إطلاق لقب الشرك ، فالمشبهة مشركة إذ شبهوا الله ، جل وعلا ، بخلقه ، والمعطلة مشركة إذ سلبوا الرب ، جل وعلا ، أوصاف كماله وخلعوها على غيره ، كما في مقال الباطنية ، والغلاة في آل البيت ، رضي الله عنهم ، فَقَدْ قَارَفُوا من الشرك ما يظهر في نسبة أوصاف إلهية إلى الأئمة فلهم ولاية تزيد على الولاية الشرعية ، فَثَمَّ ولاية تكوينية تُهَيْمِنُ ، كما أن ثَمَّ ولاية تشريعية تحكم ، وهي تجاوز الولاية السياسية في الفقه ، فقد صارت من أصول العقائد ، وصار فيها من الشرك في الأسماء والصفات ما استجاز به بعضهم أن يطلق أسماء الرب ، جل علا ، على الأئمة في مدائح تدل على فساد عظيم فِي العقائد ، وحصل في بعض طرق الإرادة والرياضة لا سيما المتأخرة ، حصل فيها من الغلو في الأئمة والشيوخ ، الحي والمقبور ، ما استجيز به خلع بعض الصفات الإلهية على بشر لا يعلم ولا يقدر ، وكان من غلو النصارى في المسيح عليه السلام ما استجيز به القول باتحاد الأقنوم أو حلول الرب المعبود ، جل وعلا ، في الناسوت الأرضي المحدث مع ما اتصف به من نقص في الجبلة والوصف ، فهو بشر كسائر البشر يطعم ويشرب ، فجاء القصر بأقوى الأساليب مئنة من الحصر والتوكيد ولا يخلو من دلالة المبالغة زيادة في التقرير والتوكيد في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) ، فهو عبد مخلوق ، قد شهدت جبلته باستحالة ربوبيته أو ألوهيته ، فلا يكون الرَّبُّ عبدا إلا على مذهب إمام الاتحادية في أَبْيَاتِهِ الشركية :
الرب عبد والعبد رب ******* يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب ******* أو قلت رب أنى يكلف .
وهو ، مع ذلك ، ليس عبدا كسائر العباد ، فذلك جفاء في مقابل غلو النصارى ، فثم من جفا في المسيح عليه السلام كما في مقال الجفاة في النبوات إذ جعلوا أصحاب الرسالة بَشَرًا كَسَائِرِ البشر فليس ثَمَّ اصطفاء بوصف أخص ، أن هَيَّأَ الرب ، جل وعلا ، المحل أن يقبل آثار النبوة ، وكان ثَمَّ من الزِّيَادَةِ في الجنان والأركان ما لا يُخْرِجُ صاحبه من حَدِّ الإنسان ، فالأنبياء لهم من قوة العقل والبدن ما يزيد على بقية البشر ، وليس لهم من الهداية إلا البيان والإرشاد ، فـ : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فثم التوكيد بالناسخ "إن" ، واسمية الجملة فضلا عن لام التوكيد ، لام الابتداء التي أُخِّرَتْ فالمحل الواحد ، محل الابتداء ، لا يحتمل مؤكدين ، وثم تكرار آخر إذ تكرر الإسناد ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنت تهدي إلى صراط مستقيم ، فَتَكَرَّرَ الفاعل مظهرا معنويا على حد الابتداء في الضمير "أنت" ، ومضمرا لفظيا على حد الفاعلية في "تهدي" وهو مما استتر إيجابا ، وثم عموم يدل عليه الإطلاق فهو صراط مستقيم يحسم مادة الاعوجاج ، فهو النبوة التي جاءت تؤكد ما استقر في الفطرة ، من وجه ، وَتُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ مِنْهَا من آخر ، وَتُقَوِّمُ ما اعْوَجَّ ، فَتَسْلُكُ بِمَنِ اتَّبَعَهَا جادة الصراط المستقيم في كافة مسائل الدين العلمية والعملية ، فتحسم ما تقدم من مادة الشرك ، ولو تدبره الناظر ، لوجد منه ما ينشأ من الغلو ، ولوجد آخر ينشأ من الجفاء ، فَإِنَّ الجفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، يصرف الناظر أن يغلو في المخلوق الحادث بما جُبِلَتْ عليه النفوس فلا بد لها من معظَّم تقدسه ، وهي ، مع ذلك ، تدعوه وَتَلْجَأُ أليه في الشدائد ، وإن فضحت الشدة ما استقر في الفطرة من توحيد المعبود بحق ، جل وعلا ، بدعاء الاستغاثة إذا عَظُمَ الخطب ، فـ : (إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، وذلك ، مما حُدَّ حَدَّ الكثرة ، فتلك دلالة "إذا" في اللسان فلا تخلو من دلالة الشرطية التي تطرد وَتَنْعَكِسُ ، ودلالة الظرفية ، ولا يخلو الشرط أن يجري مجرى التعليل ، فدلالته كدلالة السبب ، فالسَّبَبُ عنه يصدر المسبَّب ، والشرط عنه يصدر الجواب أو الجزاء ، فكان من الجواب ما أُنِيطَ بالشرط ، فالمعنى الذي اشتق منه هو مناط التعليل وهو ما يكون من ركوب الفلك ، وَثَمَّ قَيْدٌ آخر دل عليه السياق اقتضاء فلا تكون استغاثة إلا من كُرْبَةٍ ، وَقَدْ يُقَالُ ، من وجه آخر ، إِنَّ ركوبَ الفلك مظنة الخوف من الهلاك بما يكون من هَيَجَانِ الرِّيحِ ، فمن يَرْكَبُ فهو يدعو وَيَتَضَرَّعُ أن يَنْجُوَ من الغرق ، ثم كان الجزاء الذي يدل على استقبال وإن حُدَّ حَدَّ الماضوية في "دعوا" فَثَمَّ من قَرِينَةِ اللفظ ما رجح ذلك فهو تأويل سائغ خرج باللفظ عن المعنى المتبادر وهو الماضوية إلى المضارعة ، فدخول "إذا" على الفعل الماضي قد صيره شرطا ودلالة الشرط دلالةُ استقبال فلا يقع الجزاء إلا إذا وقع الشرط ، فيكون منهم ركوب ، ثم يكون منهم دعاء على حد التلازم طردا وعكسا ، فالشرط دال بالمنطوق والمفهوم ، بل قد نص على المفهوم آخر الآية : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، فذلك آكد في تسجيل الجناية أن عَدَلُوا عن مُقْتَضَى الفطرة ، فطرة التوحيد أَنْ لَيْسَ ثَمَّ رب يقدر إلا واحد ، فَلَا يُعْبَدُ إلا هو بالدعاء استغاثة ، وذكره يجري ، أيضا ، مجرى المثال لعام ، فالآية مِثَالٌ على حَالَ فِطْرَةٍ تُسْتَخْرَجُ في الشدة وإن أنكر صاحبها فهو يكابر في الرخاء فيجحد الرب ، جل وعلا ، إذ لا يحتاجه في الرخاء ، أو هكذا يظن ، ظن السوء ! ، فإنه لا مخلوق يستغني عن الخالق ، وإن حَالَ رَخَاءٍ ، فما أُجْرِيَ عليه من أسباب السعة في العيش هو مما امتن به الرب ، جل وعلا ، سواء أكانت المنة اصطفاء فصاحبها يطيع ، أم استدراجا بالمكر فصاحبها يعصي ولا تَزَالَ النعم تَنَزَّلُ عليه تَتْرَى ، والآية ، من وجه آخر ، مثال على حال شرعة ، وهي الدعاء ، وهي لازم الفطرة ، من وجه ، فالفطرة تَنْطِقُ بِتَوْحِيدٍ ضروري ، والدعاء تأويل له يجري على لسان الداعي ، وهي لازم ما يُقِرُّ به الداعي حال الخوف من ربوبية القدير فوحده من ينجيه ، فالآية دليل على أصل التوحيد ، توحيد الربوبية آلاء تدرك بالفطرة والحس والعقل فضلا عن دلالة الشرع فهي تفيد من علم الضرورة ما لا ينكره إلا جاحد أو مكابر أو مسفسط ، وتوحيد الربوبية ، من وجه آخر ، ذريعة إلى توحيد في التعبد والتأله ، ولا يكون ذلك إلا بمنهاج مفصل في العلوم والأعمال ، في الأخبار التي يغتذي بها الجنان ، والأحكام التي تغتذي بها الأركان ، فلا بد من توحيد الرسالة اتباعا ، وهي ، كما تقدم ، دليل البيان والإرشاد ، فهي صراط مستقيم مفصَّل لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي المنزَّل ، فهو الذي جاء بالتوحيد والعبادة ، فَقُيِّدَ الدعاء في الآية ، وهو عبادة ، قُيِّدَ بالإخلاص ، وهو توحيد القلب في القصد ، تقييد الحال ، فذلك يجري مجرى الاحتراز في العبادة فقد يدعو الله ، جل وعلا ، ويدعو غيره ، فجاء قيد الإخلاص يَرْفَعُ الاحتمال فصار لفظ الآية نصا في الباب ، باب التوحيد الذي لا يصح عمل إلا به ، فهو شرط الصحة في كل عبادة ، ومنها الدعاء ، فهو العبادة كما في الخبر المشهور ، فـ : "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ، فذلك ، أيضا ، من القصر مبالغة ، فَثَمَّ قصر بتعريف الجزأين "الدعاء" و "العبادة" ، فضلا عن اسمية الجملة وضمير الفصل "هو" ، فذلك تَنْوِيهٌ بالدعاء إذ به يظهر من الذل والخضوع والانقياد فضلا عن الإقرار بالثناء الضروري على الرب العلي ، جل وعلا ، فَلَنْ يَدْعُوَ ، بداهة ، إلا عليما بحاله قديرا على رفع بلائه ، لا جرم كان دعاء الأنبياء والأئمة والشيوخ شركا في العبادة ، فهو شرك في عبادة الدعاء التي لا يجوز صرفها إلا لله ، جل وعلا ، صرف الاختصاص الذي دلت عليه الآية ، فكان تقديم ما حقه التأخير في قوله تعالى : (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، فالقياس : مخلصين الدين له ، فضلا عن دلالة اللام في "له" فلا تخلو من دلالة استحقاق واختصاص ، فلا يخلص الدين إلا لله ، جل وعلا ، ودلالة الدين في هذا السياق دلالة جنس أبانت عنه "أل" ، فهو جنس الطاعة والخضوع والانقياد ، ولا تخلو "أل" من دلالة عموم يستغرق أحكام الدين كلها ، علما وعملا ، سياسة وحربا ، أخلاقا وزهدا ، وإن لم يباشر الآحاد كلها في نفس الآن فذلك مما يمتنع في القياس بداهة ! ، وإنما يجزئ فيه استحضار المعنى أن يُوَحَّدَ الرب ، جل وعلا ، في الجنان توحيدا يستغرق كافة الأحوال والمحال فينتحل الناظر ألا حاكم يقضي في الخصومات إلا رب البريات ، جل وعلا ، بما أجرى على ألسنة الرسل ، فهم الواسطة المرضية بين الرب ، جل وعلا ، والبرية ، لا جرم كان من التوحيد توحيد الاتباع ، ولا يكون إلا باتباع الشرع في أحكام الدين جميعا ، فهو يخلص فيها إذ لا يصرفها إلا لله ، جل وعلا ، وهو يخلص فيها إذ لا يَتَلَقَّاهَا إلا من مشكاة الوحي المنزَّل ، فيوحد في العبادة ، ويوحد في الاتباع ، فهو يوحد المرسِل ، جل وعلا ، إذ أرسل الرسل ، عليهم السلام ، ليعبدوه وحده فلا يشركوا به شيئا ، كما في الخبر أَنْ : "لا تشركوا بالله شيئا وإن قُطِّعْتُمْ أو حُرِّقْتُمْ أو صُلِّبْتُمْ" ، على كلام في إسناده ، فالنكرة "شيئا" قد وردت في سياق نهي فأفادت عموما استغرق سائر المشرَكات العلمية والعملية ، وهو يوحد المرسَل من الأنبياء ، عليهم السلام ، فهم أصحاب الشرائع بما كان من بلاغ وَبَيَانٍ ، فهدايتهم لا تجاوز هذا الحد ، حد الصراط المستقيم ، في العلم والعمل ، في التصور والإرادة والنطق والفعل والترك وسائر حركات الاختيار ، ولو حركات جبلة ، فلا تخلو من معنى التكليف ، إذ يتخذها المؤمن المسدد ذرائع إلى الخير فَيُثَابُ عليها من هذا الوجه ، إثابة الواجب إن اتخذها ذريعة إلى واجب ، أو إثابة المندوب إن اتخذها ذريعة إلى مندوب ، ويتخذها المخذول ، كافرا أو عاصيا ، أو هو كلاهما معا ! إن جمع السوأتين فكفر في العقد وعصى في الشرع ، يتخذها ذريعة إلى محظور فَلَهَا حكمه ، فكان من هداية البيان والإرشاد ما استقلت به النبوات ابتداء ، وإن لم تَبْتَدِئِ التشريع ، فذلك وصف الرب العليم الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فلا يضاهيه غيره فيه ، فضلا أن يشاركه ، بل قد يُنَازِعُهُ ، بل قد يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يديه فَيُحِلُّ ما حَرَّمَ ، أو يُحَرِّمُ ما أَحَلَّ ! ، بل قد بلغت الجناية أن نَازَعَ في المرجع الأول ، فجعل العقل هو مصدر التشريع ، فهو أصل النظرية التشريعية والسياسية ، وإن نقض أصل الرسالة السماوية فَنَقَلَ مرجع التشريع من السماء إلى الأرض ! ، فصار العقل هو الذي يُعَيِّنُ مناط الحسن والقبح ! ، وصار هو الذي يضع القيم التشريعية الكلية بل وَيُتْبِعُهَا بالأحكام التفصيلية الجزئية فجعل من هواه وذوقه مرجع تشريع كامل يضاهي به الوحي النازل ، وذلك ، كما تقدم ، شرك في التشريع ، ولا يخلو أن يكون شركا في الاتباع ، فإن فاعله قد ضاهى من جفا في النبوة كحال من تَقَدَّمَ من أهل الرياضة إذ جعلوا النبوة كسبا لا وهبا ، فَلَهُمْ من قوة النفس وصفاء الذهن ولطف الروح ما به يَفْنَوْنَ في ذات الله ، جل وعلا ، فيتحدون بها إما اتحاد الحس ، أو اتحاد المعنى وهو وجه ألطف ! ، فالنبوة لم تعد مرجعا من خارج يتجاوز العقل ، وإنما هي مما اجتهد العقل في تصوره ، فخرج منه خروج الوحي من روح القدس ! ، فألقى العقل مادة النبوة العلمية والعملية إلى صور في الخارج ، يَتَخَيَّلُهَا الذهن الحاد ، فهي الروح التي تَنَزَّلُ بالكلم على قلوب الأنبياء ، عليهم السلام ! ، فذلك روح قدس روحاني لا اختصاص للأنبياء ، عليهم السلام ، به ، بل لكلٍّ روحُ قدس يلائمه ، فكل عقل فيه قوة النبوة ، وإن لم يكن نبيا بالفعل حتى يمارس رياضات التهذيب التي تجعل المحل أهلا أن يُوحَى إليه ، إن من خارج ، إن كان صاحب الرياضة لا زال يقر بمرجع رسالة من خارج ، أو من داخل ، إن زاد في الإشراك ، فجعل المرجع من الأرض حادثا لا من السماء نازلا ، فمرجع التصور والتشريع من العقل والنفس ، وإن شئت فقل من الهوى والذوق ! ، فكان من الإشراك في النبوة أن لم يعد مناطها خاصا بمن اصطفاهم الرب ، جل وعلا ، أن يُبَلِّغُوا رسالاته ، فلم يعد ثم وجه اصطفاء ، فكل نفس قد اصطفيت لهذا المنصب ، وإنما افترقت النفوس فمن واحدة تكد وتسعى في تحصيل أسباب الوحي بما تعالج من الرياضات والتأملات ، ومن أخرى قعدت فلم تأخذ بأسباب النبوة ! ، فآلت أن تكون صناعة تكتسب كسائر الحرف والفنون ، ومن لم يجهر بذلك نطقا ، فهو لازم ما يصنع فهما ، سواء أكان من أرباب الطريق الذي صَفَّوُا المحل ليستقبل آثار الوحي من خارج ، أم من أرباب الفلسفة أصحاب الخيال الخَلَّاقِ المبدِع ، فالمحل يُصَفَّى لا أن يستقبل وحيا من خارج ، وإنما ليصير مصدر التشريع فهو الإله الحاكم بما يحصل في الذهن من معان يستحسنها العقل فتظهر في الخارج خيالات تَتَحَرَّكُ فهي تَنْزِلُ وَتَنْطِقُ فَتُوحِي إلى العقل ما قد خرج منه ابتداء ، فمرجع الوحي هو العقل ، فمنه وإليه ! ، فهو رب التشريع الذي انْتَقَلَتْ إليه صفة التحليل والتحريم ، فصار هو مرجع القيم الأخلاقية والتشريعية والسياسية ، بل وصار هو مرجع الأحكام الجزئية بما يستنبط وإن خالف عن الوحي المنزَّل فما أراد إلا خلافه ، وما أراد إلا منازعته وصفا من أخص أوصاف الإله الحق ، وهو وصف التشريع ، فَرَامَ نقل المركز من السماء إلى الأرض ، سواء أجهر بعداوة الوحي ، فأبى أن يَنْقَادَ إلى أي مرجع يجاوزه من خارج ، فأعظم خصومه هو الوحي ، بل لو تدبر الناظر ، فليس ثم خصم إلا الوحي إذ هو المرجع الوحيد الذي يجاوز المراجع الأرضية كلها ، فَلَئِنْ تَنَازَعَتْ فهي تَتَصَالَحُ إن كان خصمها هو الوحي ، إذ يُفَارِقُهَا جميعا أصل النظرية ، فكلها وإن اختلفت وتدافعت بل وإن اقتتلت وَتَنَاجَزَتْ ، كُلُّهَا تَؤُولُ إلى مرجع أرضي محدَث فلا تخلو أن تخرج من هوى أو ذوق يستحسنه صاحبه فيجعله شرعا حاكما سواء أجهر بعداوة الوحي فأشرك به العقل بل جحد الوحي كله ونصب العقل إلها يقضي في خصوماته ، فَيُعَيِّنُ له القيم الكلية والأحكام الجزئية ، أم كذب فَزَادَ في الوحي ما ليس منه فإذا استحسن معنى وضع له إسنادا يصله بالوحي ، كما أثر عن بعض الوضاعين ، فـ : "كُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فَاسْتَحَسَنَّا شَيْئًا جَعَلْنَاهُ حَدِيثًا" ، أم تأول الصحيح ، فأعياه أن يجحد أو يكذب فيزيد ، أو تورع عن ذلك فلا زالت عنده بَقِيَّةٌ من دين ، فهو يعظم الوحي ، ولو في الجملة ، فَيَهاَبُ أن يخالف عن ظاهره المتبادر فلا مناص أن يستعمل التأويل ليصرف الظاهر المتبادر الذي يخالف عن هواه ، فيتحكم في الاستدلال وَيَتَعَسَّفَ إذ يُحَمِّلُ الألفاظ ما لا تحتمل من معان بعيدة أو باطلة فلا قرائن صارفة تَثْبُتُ أو تصح فليس إلا الهوى الذي يخرج من العقل فهو رائد تشريع جديد يسلك جادة تُخَالِفُ عن جادة التَّنْزِيلِ ، سواء أكان ذلك إبطالا لمرجع الوحي المتجاوز من خارج ، فليس ثم وحي ابتداء ، بل النبوة في العقل قد رُكِزَتْ فلا حاجة لها في نُبُوَّةٍ تجاوزها من خارج فَتَنْزِلُ من السماء ، ففي الأرض غُنْيَةُ تَصَوُّرٍ وَحُكْمٍ وعندها من أسباب الفكر والنظر ما يجعلها تستقل بالتشريع ، فقد بلغت الرشد وآن لها أن تَنْعَتِقَ من ربقة النقل ، فالعقل في حِلٍّ منه ، فَلَئِنِ احتاجه في أعصار البداوة ، في طور الدين فقد انْتَقَلَ عنه الآن إذ بَلَغَ الرشد ، كما تقدم ، فهو الآن في طور العلم الذي صار خصما للدين ! ، وتلك نظرية نشأت في أمم لم تجد من الدين صحيحا تَقْتَدِي به فلم يكن رائدها في التصور والحكم إلا كهنوتا قَارَفَ من الطغيان ما صد الناس عن الإيمان فلا يريدون مرجعا من السماء ، صحت نسبته أو بطلت ! ، فأبوا الانقياد لكهنوت الدين المبدَّل فإذا بهم قد دخلوا طوعا في ربقة كهنوت آخر أشد جورا وطغيانا ! ، وهو كهنوت الهوى والذوق بما يُحْدِثُ من مرجع أرضي يخاصم المرجع السماوي بل وَيَرُومُ نقضه وإبطاله ، وهو ، كما يرى الناظر في آثاره ، قد قارف من الجنايات ما زاد عن الكهنوت ، وكلاهما ، عند التحقيق ، ليس إلا نِتَاجَ مرجع أرضي محدث ، وإن انْتَسَبَ الكهنوت إلى السماء فنسبة باطلة ، في الجملة ، فإن الكهنة قد زادوا ما زادوا من عقولهم سواء أكانت الزيادة كذبا صريحا أم تأويلا بعيدا فضلا أن يكون باطلا قبيحا لا يليق بالوحي ، فَلَئِنْ نسبوا ذلك إلى مرجع يجاوز من خارج ، فجعلوه من الوحي ، فتلك نسبة كاذبة ، فليس المرجع إلا من الأرض ، وكذلك الشأن في الكهنوت العقلي فهو أرضي خالص وصاحبه لا يجحد ذلك فلا يكابر ويظهر تعظيم المرجع الرسالي من خارج فَيَتَحَايَلُ أن يُلْحِقَ حُكْمَهُ بالوحي ، وإن بتأويل بعيد متكلَّف ، فصاحب الكهنوت العقلي أصدق في القول والخصومة ! ، فهو يجهر بمرجع أرضي يناجز المرجع السماوي وَيَرُومُ نقل المركز من الوحي إلى العقل ، فالنبوة قد صارت في العقل فهو المنشأ ، ومن تَلَطَّفَ ، كما تقدم ، فلا يجد بدا أن يتأول ألفاظ الوحي النازلة من السماء ، فَيُحَمِّلَهَا من المعاني الأرضية المحدثة ما لا تحتمل فذلك التأويل الباطل المذموم فلا قرينة تصح من منقول أو معقول فما يزعم أنه قرينة عقلية ليس إلا وهما ، والعقول تختلف ، فلكلٍّ من القياس ما يستحسن ، فإذا صار المرجع من العقل هوى يتحكم صاحبه فلكلٍّ عقلٌ سواء أكان عقل فرد أم عقل جماعة ، كما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، فالعقل الجمعي قد صار ندا للوحي الإلهي فاستقلت كل أمة أن تضع من معايير الحكم وآحاده ما تَرَى أنه الأصلح ، فهو ، كما تقدم ، أرضي محدث فخرج روح التشريع من الأرض وجرى على ألسنة كُهَّانٍ جدد ، فَثَمَّ كهنوت تشريع وسياسة معاصر يضاهي الكهنوت القديم ، بل وَيَزِيدُ عليه من إحكام الشرعة ما يجعله المحكم الذي يُرَدُّ إليه كل متشابه ! ، ولو مرجع وحي يجاوز الأرض ، فآل الأمر إلى نِزَاعٍ أول بَيْنَ النقل والعقل ، بَيْنَ مرجعِ الوحي النازل من السماء ، ومرجع العقل الخارج من الأرض ، فالأول يهدي هداية البيان والإرشاد ، فـ : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وكذلك الشأن في الخبر : "بُعِثْتُ دَاعِيًا وَمُبَلِّغًا ، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مُزَيِّنًا ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ" ، على كلام في إسناده ، فَحُدَّ الفعلُ "بُعِثَ" على حد الماضوية ، إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، وقد حذف الفاعل للعلم به بداهة ، فهو الله ، جل وعلا ، الذي يصطفي من شاء من رسله ، من الملك والبشر ، فهم ، كما تقدم ، الواسطة الصحيحة بين الحق والخلق ، فبعثوا بمرجع يجاوز الأرض فهو من خارجها يَهْدِيهَا ، فذلك رائد الصدق والعدل بالكلم الإلهي التام ، فـ : (تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) ، فهو رائد التصور بكلم صادق لا كذب فيه ولا خطأ ، وهو رائد الحكم بكلم عادل لا ظلم فيه ولا جور ، فأبى العقل الفاسد في كل جيل إلا أن يعارض مرجع الوحي بآخر محدث في الأرض ، لا يعلم المآلات إلا ظنا وتخرصا ، فَأَنَّى له أن يحكم وهو لا يعلم علم اليقين المحيط ، فكان من الفناء قديما أن فنت الذات الأرضية في الذات الإلهية ، فصارا واحدا لا تَمِيزُ أحدهما من الآخر ، وفنت في هذا الجيل عقول الكهنة في العقل الأول ، فالنفس الأرضية تجتهد في الرياضات حسا أو معنى رجاءَ أن تَبْلُغَ درجة النبوة بل قد تجاوزها إلى درجة الألوهية التشريعية ! ، فكان من فناء أهل الطريق أن تَهَيَّأَ المحل أن يقبل آثار النبوة ، فيجري على لسانه كلامُهَا المعصوم ، وثم من جاوز فَالحَالُّ فيه بعد الفناء هو ذات الإله فمن يَنْطِقُ على لسانِه الأرضي المخلوق هو الرب الخالق المعبود فَيَنْطِقُ بالشرع تحليلا وتحريما وإن خالف عن الوحي الخاتم فقوله له ناسخ ! ، وذلك لازم كل من ابْتَغَى غير الله ، جل وعلا ، حكما ، فمن يحتكم إليه من إمام أو شيخ أو مشرِّع أرضي أو حاكم سياسي قد حلت فيه روح الإله المشرِّع فصار ما ينطق به شرعا ينسخ ما تقدم ، فلم تختم النبوة بَعْدُ بلازم هذا القول فلا زال ثم أنبياء تشريع ، كحال من غلا في الأئمة فجعلهم لطفا عاما يجاوز لطف النبوة الخاص الذي اقتصر على زمانها فلطف الإمامة العام حَكَمٌ في لطف النبوة الخاص ، والوحي لما تَزَلْ كلماته تجري على ألسنة الأئمة ، فإمامتهم وولايتهم تكوينية وتشريعية ، كما تقدم ، فما يقولون ، وإن كلاما مخلوقا في الأرض ، هو مرجع يجاوز من خارج فيحكم في الناس بل ويحكم في كلام النبوات عند التعارض وَتَعَذُّرِ الجمع إذ الإمامة بنص المحققين من رجالات المذهب ، الإمامة على وزان النبوة فهما سواء ! ، ولكلٍّ من أهلية التشريع ما يفتح الذرائع أن تُبَدَّلَ الأحكام والشَّرَائِعُ بوحي لما تَزَلْ آحاده تَتْرَى سواء أكانت من المعصوم أم من نُوَّابِهِ فمن ولي الأمر من فقهاء المذهب وصار مرجعا أعلى يفتي في كل شأن تعم به البلوى إن في الدين أو في الدنيا ، فمن ولي من أولئك فهو مُشَرِّعٌ ، وإن لم يُصَرِّحْ ، فَنِيَابَتُهُ عن الإمام المعصوم الغائب تجعل له من سلطان التشريع والحكم ما يَنْسَخُ أَيَّ قولٍ ، وإن سماويا ، وذلك لازم من لوازم هذه النظرية السياسية ، وإن لم يجهر بها صاحبها فَتَحَايَلَ ، كما تقدم ، أن يكذب فَيَزِيدَ في مرجع الوحي النازل ما يشهد لمقاله ، أو يَتَأَوَّلَ النَّازِلَ ولو تأويلا بعيدا أو باطلا ليشهد لما يُحْدِثُ في الدين أولا بأول ! ، فالوحي لَمَّا يَنْقَطِعْ ، ومرجعه لم يَعُدْ يَقْتَصِرُ على مرجع يجاوز من السماء ، بل أقوال الأئمة ، صدقا أو كذبا ، واجتهادات الولي الفقيه ، وإن لسانَ حالٍ فهي كما تقدم من لوازم القول ، كل أولئك مما يُنْسَخُ به الوحي تصريحا أو تلميحا ، فكان من فناء الذات الأرضية في الحقيقة الإلهية ما جاوز حد الفناء الوجودي إلى آخر تشريعي ، فالمحل يقبل آثار النبوة بالرياضة ، أو هو أهل أن يشرع فقد حلت فيه روح التشريع وانتقل مركز التحسين والتقبيح من السماء إلى الأرض ، من النقل إلى العقل ، ففي مقابل الغلو في الأنبياء أن يُرْفَعُوا فوق درجاتهم بالإطراء الكاذب ، وهو ما حسمت مادته آية : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) ، فأثبت له العبودية ولكنه لم يُسَوِّهِ ، من كل وجه ، بالعبودية الأرضية المطلقة ، فكان القيد بالنعمة ، وهي مما حُدَّ حَدَّ الماضوية في "أنعمنا" إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، وَحَسُنَ في سياق التعظيم والتشريف إسنادها إلى ضمير الفاعلين المجموع ، وبعده كان جعل التكوين بالخلق المعجز ، فـ : (جَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) ، فصار مثلا يضرب على تمام القدرة الإلهية ، وهو ، أيضا ، مما حسن معه إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين ، ففي مقابل ما تقدم من غلوٍّ في الأنبياء ، كان ضده من الجفاء ، فكان من الجفاء في مقابل الغلو ، أن نَزَعَ عنهم الجفاة خصائص النبوة الزائدة ، فليسوا إلا رسلا يحملون بَرِيدًا ! ، فليس لهم من الوصف الزائد ، وصف البلاغ والبيان الذي تُقَامُ به حجة الرسالة ، ولا تُقْبَلُ رسالة إلا إذا كان حاملها عدلا ، وعدالة الرسالة التي تَعُمُّ بها البلوى ، تَزِيدُ ، بداهة ، عن عدالة حامل أي رسالة في شأن حكم أو سياسة أو حرب .... إلخ ، فهي عدالة العصمة التي رُفِعَتْ من الأرض بِقَبْضِ صاحبِ الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالأنبياء ، عليهم السلام ، وإن كانوا عبادا إلا أن لهم من الوصف ما يَزِيدُ لا على وجه يحصل به الغلو فيخرجهم عن حد البشرية الطينية إلى حال أخرى نورانية فضلا أن تكون إلهية ! ، فكان من الغلو ما اشتهر في مقال النصارى ومن غلا في آل البيت ، ومن غَلَا في الشيوخ ، فكان الشرك ، من هذا الوجه ، زيادة عن الحد بالإطراء الكاذب في المخلوق الحادث ، ولو نَبِيًّا يُكَلَّمُ ، وكان من الشِّرْكِ ، أيضا ، شرك الجفاة في النبوات إذ جعلوا النبوة كسائر الصناعات التي تكتسب بالجهد والرياضة وَالْفُتُوَّةِ ومعالجة أسباب الْعُزْلَةِ والجوع والعطش والسهر والنظر المستغرق فذلك ما يُصَفِّي النَّفْسَ وَيُهَيِّئُ المحل أن يقبل آثار الوحي ، بل ثم من غلا فَزَادَ فجعل هذه الرياضات ذريعة إلى الفناء ، فَنَاءَ الوجودِ ، أن تَفْنَى ذاتُ المخلوق في ذات الخالق ، جل وعلا ، فيكون الامتزاج الروحاني الذي تخالط فيه الحقيقة الأرضية الحقيقةَ السماوية ! ، فكان من الشرك ما جاوز به بعض أرباب الرياضة الحد ، لا سيما في الجيل المتأخر ، إذ امتزجت طرائق الرياضة بطرائق الفلسفة الباطنة ، فكان من باطنية الشيعة وباطنية الصوفية وباطنية الفلاسفة ..... إلخ ، ما جفا في النبوات ، والقول باكتسابها بطرائق الرياضة ! قَدْحٌ في التوحيد بمقارفة أجناس من التشريك ، فَيَكُونُ من إنكار الوحي الْمُنَزَّلِ إذ جعل النبوة اصطفاء ، سواء أكانت رسالة الملك أم رسالة البشر ، فـ : (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ، فجاء التوكيد باسمية الجملة ، فضلا عن دلالة المضارعة في "يصطفي" ، فذلك مما تستحضر به صورة انقضت ، صورة الرسالات السابقة ، وهو مما يَعُمُّ الحال والاستقبال بالنظر في زمن التكلم ، فلا زال اصطفاء الرب ، جل وعلا ، رسله من الملائكة وإن انقطعت رسالة البشر ، فكان من تَنَزُّلِ الملائكة بكلمات التكوين ، فهي رسل التدبير بإذن الرب القدير الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهو اصطفاء يعم رسالة التشريع خبرا وحكما ، ورسالة التكوين إيجادا وإعداما ، فكان من اصطفاء الأنبياء أن يَنْزِلَ عليهم الوحي فهو المرجع الذي يجاوز العقول والنفوس جميعا ، فيحكم في الأهواء والأذواق حكومة العدل إذ يَرُدُّ ما تَشَابَهَ منها إلى ما أُحْكِمَ من كلمات الرسالة ، فهي التامة صدقا في أخبارها وعدلا في أحكامها ، وذلك ، كما تقدم ، جوهر النِّزَاعِ الرئيس بين حضارة الوحي المنزَل وحضارات الوضع المحدَث ، فهي سُبُلٌّ شَتَّى قد تَتَصَارَعُ وَتَتَنَازَعُ ، ولكنها إذ تُخَاصِمُ الوحي فهي جميع منتصر ، فَتَنْسَى ما بَيْنَهَا من خلاف أو تَتَنَاسَاهُ حتى حين ، فَثَمَّ عدو ناجز وهو الوحي إذ فَارَقَهَا جميعا إذ مرجعه من خارج الأرض ، فَنَزَلَ من السماء وَبُعِثَتْ به الأنبياء ، كما في الخبر آنف الذكر ، فـ : "بُعِثْتُ دَاعِيًا وَمُبَلِّغًا ، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ" ، فذلك بعث التشريع بقرينة السياق ، وهو قسيم يشاطر بعث التكوين قسمة الجنس المطلق في الذهن ، جنس البعث ، فمنه بعث تكوين نافذ ، ومنه بعث تشريع حاكم ، فَبُعِثَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالوحي ، وقد أطلق الفعل فلم يقيد بمفعول فبعث الدين كله ، خبره وحكمه ، وكان القيد بالحال : "داعيا ومبلِّغا" ، فتلك ، كما تقدم ، هداية البيان والإرشاد فَنَفَى الهدى في الخبر ، فذلك هدى التوفيق والإلهام فلا يطيقه بشر ، فَهُوَ مما اخْتُصَّ به الربُّ الخالق ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، فمن شاء هداه فضلا ومن شاء أضله عدلا ، وبعد شطر الهداية فضلا ، كان شطر الغواية عدلا ، فـ : "خُلِقَ إِبْلِيسُ مُزَيِّنًا ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ" ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، أيضا ، فقد خلقه الرب ، جل وعلا ، بالقدرة والحكمة ، فلا يخلو خلقه من حكمة عظمى ، وبه استخرج من النفوس عبوديات لولا خلقه ما خرجت ، فحصل به من الخير الآجل ما يرجح شره الطارئ ، فهو شر نسبي في المقدور لا يضاهي الخير الكلي في فعل الرب المعبود ، جل وعلا ، فلا يُنْسَبُ الشر إليه نسبةَ الإطلاق ، وإنما يُنْسَبُ إليه خلقا بالمشيئة لا شرعا يرضاه ، والشر ، مع ذلك ، في المفعول المخلوق لا في فعل الخالق المعبود ، جل وعلا ، فكان خلق إبليس الذي قيد بالحال : "مُزَيِّنًا" ، فأرسله الرب ، جل وعلا ، على الكافرين يؤزهم أزا ، وذلك فعل العدل والحكمة أن سُلِّطَ على المحال الفاسدة التي تقبل آثار وسواسه إذ يُوحِي زُخْرُفَ القول غرورا فيخدع الناظر أن يُحَسِّنَ القبيح وَيُقَبِّحَ الحسن فيفسد صورة الاستدلال بما يجري الرب ، جل وعلا ، على لسانه من زينة تُزَيِّفُ الحقائق ، فلا يسلم منها إلا من اعتصم بالله ، جل وعلا ، فاستعاذ به واستعان أن يدافع هذا الوسواس فلا يضره استقلالا ، إذ : "لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ" ، فذلك فعل الرب ، جل وعلا ، فلو شاء هدى فضلا ، كما تقدم ، ولو شاء لأضل عدلا ، فلا يضل إلا محالا ناقصة تقبل آثار الوسواس فلا تدافعه ، فَلَوْ تَزَيَّنَتْ بِزِينَةِ الوحي فاستعاذت به في كافة أحوالها ، وجعلته رائدها في التصور والحكم ما وجد الشيطان بوسواه عليها سبيلا ، فـ : (لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ، وثم نكرة في سياق النفي وهي "شيء" في كلا الشطرين : "وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ" و : "لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ شَيْءٌ" وهو مما يزيد في المعنى ويقرره ، فذلك عموم محفوظ لا مخصص له ، فليس ثم هدى أي هدى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في معنى الهدى الخاص ، هدى التوفيق والإلهام فهو قدر زائد على البلاغ والبيان ، فدلالة "أل" في "الهدى" من هذا الوجه ، دلالة عهد خاص تنصرف إلى التوفيق والإلهام خلاف ما أثبته الخبر صدر الكلام فقد نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام هدى الدعوة والبلاغ ولا يُجْزِآَن إلا أن يُشْفَعَا بالبيان الذي يرفع أي إجمال فتقوم الحجة الرسالية على عموم البرية ، وليس ثم ضلال أي ضلال لإبليس إلا أنه سبب في ذلك ، وأما خلق الضلال فهو ما لا يكون إلا بمشيئة رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فَيَخْلُقُهُ في المحال الناقصة التي تقبل آثاره وذلك العدل ، ويعصم منه المحال الكاملة التي أخذت بأسباب الشرع فاستعاذت به من الوسواس فعصمها من الضلال وذلك الفضل ، ففعل الرب ، جل وعلا ، في الكون يدور بينهما ، فإن شاء هدى وأعطى فضلا ، وإن شاء أضل ومنع عدلا .

والله أعلى وأعلم .