مما قد عمت به البلوى في تاريخ الفكر الإسلامي ما توسع فيه النظار من التأويل إذ استعمل في اصطلاح المتأخرين على وجه مُجْمَلٍ صار ذريعة إلى تعطيل الأخبار ، لا سيما الإلهيات وسائر السمعيات ، ثم قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، فصار تأويلا للأحكام الشرعية ، وتلك ذريعة إلى تعطيلها واستبدال الشرائع الأرضية اللادينية بها دون استثارة لنفوس لا زال فيها بقية تعظيم للوحي فَلَوْ صُدِمَتْ بالتعطيل المباشر لاستنكفت وأبت فلا بد من تأويل ذلك أن يُكْسَى الوضع لحاء الشرع ، وَيُغَلَّفَ الدواء المر بغلاف حلو لا تَنْفِرُ منه النفوس ، ولو طَوْرَ انْتِقَالٍ يتدرج فيه الذهن من الوحي إلى الوضع فمن الوحي الصريح إلى الوضع الذي يكسى لحاء الوحي ، ومنه إلى الوضع الصريح فيكون التدرج الذي يخفف الوطأة ويستدرج المخاطَب فلا يجد تعارضا أو تناقضا يحمله على الإنكار ، فلا حدة في الخلاف وإنما تدرج لطيف ناعم يفضي بصاحبه أن ينخلع من أحكام الوحي الجزئية فهو يزعم الاستمساك بالأصول الكلية والجذور الرسالية ، كما يرى الناظر في مجموعات العمل السياسي في الغرب وقد أصابها من ضيم الكهنوت ما لا يجحد ، فَرَامَتِ الانفصال عنه فهو قيد على العقل الصريح ، ولم يكن ذلك يجوز في مجتمعات تقدس الدين في شخوص رجالاته الذين صاروا آلهة تشرع فما يعقد في مجالسهم ومجامعهم لا يَحُلُّهُ حَالٌّ ، ولو كان الأب الذي في السماء ! ، فسلطان الأرض التشريعي أقوى ، فالعقل في هذه الحال خصيم الوحي وإن كان عقلا دينيا فهو بَاغٍ وَعَادٍ على الرسالة قد تَصَرَّفَ فيها بما يهوى وإن زعم أن قوله وحي نَازِلٌ من أعلى ، فقول الكهنة محكم وقول الوحي إذا عارضه متشابه لا بد من رده إلى المحكم من أقوالهم التي صدرت من مراجع أرضية لا تخالف نظرتها ، عند التدبر ، نظرة المناهج العلمانية اللادينية ، فالجميع من مشكاة العقل قد خرج ، والجميع قد جعل الوحي ثانيا ، وإن غلت المناهج العلمانية ضد الدينية فجعلته أخيرا ! ، بل وأخرجته من المشهد قسرا ، فالكهنوت الذي يزعم أنه ينطق باسم الدين هو ، عند التدبر والنظر ، علماني أرضي ، إذ جعل المرجع هو أهواء البشر وإن خص ذلك بطبقة أو نخبة من رجال الإكليروس الديني الذين صار كلامهم ، وهو كلام بشر قد خرج من الأرض فمرجعه العقل الجمعي لهذه النخبة التشريعية ، فلا يخالف عن المرجع العلماني اللاديني الذي جهر بخصومة الدين ، فاستبدل عقله الجمعي العام ، عقل الشعب ، بالعقل الجمعي للنخبة الكهنوتية التشريعية ، فاستبدل هواه بهوى الكهنوت فانتقل من هوى إلى آخر ، وفي كلتا الحالين لم يكن المرجع في التشريع هو المرجع المجاوز من خارج ، مرجع الوحي ، وإن زعم رجال الكهنوت أنهم يُمَثِّلُونَهُ ، فتلك دعوى اسْتَتَرُوا بها ليحكموا الناس باسم الله لا بشرعه الذي بَدَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ فَتَصَرَّفُوا في ألفاظه ومعانيه بأهوائهم الجامحة ، فصاروا نخبة تشريع تَرْجِعُ في أحكامها إلى العقل الجمعي الخاص ، عقل المجمع الكنسي ، فَرَامَتِ العلمانية انْتِزَاعَ هذا المنصب التشريعي لا لِتَرُدَّهُ إلى الوحي فَيَسْتَقِيمَ الأمر ، وإنما لِتَسْتَأْثِرَ به فتحتكر خطاب التشريع باسم الجماهير فهي تَزْعُمُ أنها تُمَثِّلُ العقل الجمعي العام ، لا عقل الكهنوت الخاص ، فاتسعت طبقة التشريع الأرضية من رجال الإكليروس إلى الجماعة كلها فصارت لها الحرية المطلقة إباحة وحظرا فمرجعها التشريعي مطلق لا يقيده شيء ، وإن كان الوحي المنزَّل ، فتلك دعاية العلمانية ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أن حكايتها الإجماع الأرضي فهي تمثل العقل الجمعي العام ، لوجد ذلك ضربا من ضروب الخداع السياسي فإن هذا العقل الجمعي العام ، تَتَحَكَّمُ فيه نخبة جديدة بعد إقصاء النخبة الكهنوتية ، فثم جماعات ضغط في السياسة تملك نفوذا كبيرا في صناعة القرار وإن لم تمتلك أدوات الحكم صراحة ، فهي تَمْتَلِكُهَا بما لَهَا من نُفُوذٍ كبير في أروقة الحكم فعندها من قوة المال والدعاية .... إلخ ما يجعلها تَتَحَكَّمُ في اختيار الجماهير لِنُوَّابِهَا في المجالس التشريعية الأرضية ، فَلَهَا قوة ناعمة شديدة التأثير وإن لم يشعر المجتمع بها فهي تحدد الثوابت وتضع المعايير والقيم السياسية بل وتجاوز ذلك إلى القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية فهي تبشر بدين كامل هو نظام حياة شامل يستغرق أجزاء الحياة وتفاصيلها ، وإن زعمت أنها نظام سياسة وحكم علماني ، سواء أكان مهادنا كالنظام اللاديني المتصالح في بريطانيا أم مهاجما كالنظام ضد الديني المتصارع في فرنسا ، فانتقلت سلطة التشريع من مجلس الإكليروس الديني الذي يمثل مصالح النخبة الكهنوتية الحاكمة في إطار معادلة سياسة مركبة أطرافها رجال الكهنوت ورجال البلاط ورجال الإقطاع الذي يمثلون آنذاك قوة المال والاقتصاد فضلا عن النخبة العسكرية وإن كان دورها آنذاك وظيفيا يخضع لسلطة البابا أو رأس الكنيسة فهو الذي يحركها باسم الصليب لتحقق مشاريعه وطموحاته السياسية والروحية ، فليس سلطانه ، كما يزعم ، سلطانا روحيا خالصا قد هادن السلطان الزماني السياسي ، سلطان البلاط الحاكم ، بل لا يخلو كأي رأس في عمل عام لا تحرر فيه النوايا من حظوظ النفس في الجاه والرياسة ، لا يخلو من طموح سياسي لا سيما وعنده من السلطان الروحي ما تخضع له الجماهير فهي طالبة لرضى الله في رضاه ! ، فلا يرضى الله حتى يرضى آباء الكنيسة ، ولا يدخل أحد الملكوت إلا بإذنهم ! ، فذلك سلطان طاغ قد جاوز حد الوحي بل والعقل فاستجاز أن يَبِيعُ الملكوت قطعا بصكوك وعقود موثقة ! ، فلا عجب أن يطمح في نفوذ سياسي فلا يقتصر على النفوذ الروحي فكان الصراع الذي اشتهر في تاريخ المركز بين السلطة الدينية الروحية والسلطة السياسية الزمانية ، وكان المجتمع دوما هو الخاسر الأوحد ! ، إذ تَتَصَارَعُ مراكز القوى الروحية والزمانية على استعباده والهيمنة على مقدراته وتوظيف أفراده لتحقيق مآربهم الخاصة سواء أكتست لحاء الدين أم كانت علمانية ، كما قد وقع بعد ذلك ، فإن السلطة الجديدة التي استولت على مقاليد المجتمع بِثَوْرَةٍ ضد دينية عنيفة جاوزت حد السلمية المفرِطة ، فذلك أمر يخالف عن الطبائع التي جبلت على الشح فلا يُنْتَزَعُ منها ما تظن أنه حق مكتسب من حقوقها وإن كانت مما انتهبته واغتصبته عنوة فلم يكن لها مستند إلا القوة الغاشمة ، فالقوة هي الحق الذي استجازت به انْتِزَاعَ هذه المكاسب ، فإن تلك السلطة الجديدة قد سارعت بالتخلص من مراكز القوى القديمة فاستثمرت حراك الجماهير الثائرة واحتكرت التحدث باسمها فهي تمثل القوة الجديدة ، قوة الجماهير التي استردت حُرِّيَّتَهَا وَانْعَتَقَتْ من ربقة السلطة المستبدة ! ، فكان أَنِ انْتَقَلَ مرجع الحكم والتشريع من طبقة الكهنة والأباطرة والنبلاء إلى طبقة جديدة هي النخبة العلمانية ، فمن مرجع كهنوتي أرضي يكتسي زورا بلحاء الدين إلى مرجع أرضي آخر يخاصم الدين كله ، الصحيح والباطل ، فهو يهدد ما انْتَزَعَ من المكاسب ، فذلك مرجع النخبة العلمانية التي خدعت الجماهير فهي تُوهِمُهُمْ أَنَّهَا تُمَثِّلُهُمْ أصدق تمثيل فالبرلمان أو المجلس الانتخابي إفراز حقيقي لرغبة الجمهور فليس مجلس تشريع يستبد باسم الدين أو السلطان كما كانت الحال قبل ذلك ، وقد يظهر ، بادي الرأي ، أن هذا المجلس التشريعي يمثل بالفعل رغائب الجماهير فقد انتخبت رجالاته بحرية فلم يكن ثم تعيين مباشر من سلطة أو تَرَقٍّ في مناصب الكهنوت ، أو آخر في مؤسسات سياسية مهيمنة لا تخرج الرياسة عن دوائرها الضيقة ، فاتسعت دائرة المشاركة السياسية وذلك أمر لا يجحد ، ولكنها مشاركة سياسية تخضع لسيطرة النخبة الجديدة فَلَهَا ، كما تقدم ، من القوى الناعمة ما تحكم به الجماهير دون أن تشعر فالجمهور يختار ما تختار فلا أحد يكرهه الإكراه الملجئ المباشر وإنما يكون الإلحاح على العقول في دعايات الفكر والسياسة فقد نجحت في صناعة عقل جمعي عام يحقق مآربها فلا يفرز إلا مجلسا نِيَابِيًّا يمثل مصالحها وإن كان الظاهر أنه يمثل الجماهير فهي التي اختارته طوعا ليحقق مصالحها فرضي الاختيار بل وأراده ليحقق مصالحه لا مصالحها ! ، وإن نجح في خداعها فأوهمها أن مصالحها هي مصالحه ! ، فصارت تختار مصالحه طوعا بعد أن كانت في أنظمة الاستبداد تختارها قهرا ، فهي في جميع الأحوال في قبضة السلطة الأرضية ناعمة كانت أو صلبة ! ، فلم يخرج الجمهور عن سلطانها ، ولم يحقق الحرية التي لا يَنَالُهَا الإنسان إلا إذا خرج عن سلطان المرجع الأرضي ، فهو خارج من العقل البشري الناقص الذي جبل على الشح والأثرة فلا يريد إلا تحقيق مصالحه وإن كساها لحاء الدين والقيم والأخلاق ، فلا تحصل الحرية إلا إن خرج العقل عن هذا المرجع فجاوزه ليدخل في سلطان الوحي فهو المرجع الذي يجاوز الأرض من خارجها ، فأي مرجع أرضي ، وإن كان عقلا جَمْعِيًّا يمثل مصالح الجمهور أصدق تمثيل ، فأي مرجع أرضي لا يخرج عن وصفه البشري فهو مرجع من داخل العقل قد حدث ومن الأرض قد خرج فلا يسلم من تهمة الانحياز ففيه فَقْرٌ ذاتي وله مصالح وحاجات يَرُومُ تحقيقها ، وهو ، مع ذلك ، لا يعلم العلم الكامل ، فلا يعلم المآلات إلا ظنا أو تخرصا كما يظهر في تشريعاته التي يجري عليها قلم النسخ والتعديل تِبَاعًا فما كان بالأمس حسنا إذ يحقق المصلحة قد صار اليوم قبيحا إذ لا يحققها ! ، وهي مصلحة أرضية قاصرة ، فلو سلم جدلا أن المجلس النيابي يمثل الجمهور أصدق تمثيل فلم يخرج بذلك عن حد الأرضي المحدث الذي لا معيار له يثبت فهو جاهل بالمآلات فقير ذو احتياجات يسعى في تحقيقها وإن طغى وبغى بما يمتلك من أدوات الحكم ، فغايته أن يكسوها لحاء أخلاقيا لِتَسْتَسِيغَهَا النفوس ، فلم يخرج الجمهور في جميع الأحوال عن المرجع الأرضي الذي لا يجاوز العقل فليس من خارجه كما الوحي ، وليس مُبَرَّءًا من تهمة الانحياز والنقص والجهل كما الوحي فهو كلام الرب العدل الكامل العليم الذي استحق وحده ، جل وعلا ، الانفراد بمرجع التشريع ، فكان من المخاصمة بَيْنَ المنهاجين ، منهاج الوحي المنزَل ومنهاج الوحي المحدَث ، كان من المخاصمة بَيْنَهُمَا ما اقتضى المناهج الأرضية ، لا سيما في أطوار النشأة ، أن تهادن السلطة الدينية ، فهي لا تريد إقصاءها بل ترحب بها كحاكم أعلى يضع معايير السياسة والأخلاق ، فَلَهَا دور المرشد الرائد الذي يحظى بتقدير الجميع فهو أب روحي ولكن دوره ، مع ذلك ، دور هامشي اقتضاه البروتوكول الاجتماعي ، فيجتهد السياسي المحنك أن يضع لحزبه أو مجموعه السياسي جذورا دينية مجملة لا تَعُوقُ حَرَكَتَهُ فليست أحكاما جزئية مفصلة تقيد طموحه السياسي الجارف الذي يستجيز لأجله تجاوز الحدود والأعراف سواء أكان تجاوزه لطيفا أم عنيفا ، فلا يجد ما يعوق حركته إلا الوحي فوحده الذي جاء بأصول كلية وأحكام جزئية فوضع منهاج حياة كامل في مقابل ما وضعت العلمانية وإن زعمت أنها نظام سياسي محض لا علاقة له بالدين إلا الاحترام والتعظيم مع العزل والإقصاء خلف أسوار الكنائس والمعابد فلا يجاوزها ليدس أنفه في أمور الحياة فدونه قطع الرقاب إن وَسْوَسَ له شيطانه أن يشارك في صنع القرار إلا بما يُتِيحُهُ السياسي فَقَدْ يلجأ إليه في أحيان كباعث أو محرك للجماهير يُوَجِّهُهَا حيث يريد السياسي ، فيلعب الدين دور المجموع الوظيفي التابع لا دور القائد الرائد ، فهو عامل من عوامل التفاعل السياسي يزيد من سرعته دون أن يَتَحَكَّمَ في وجهته ، فكان من مكر السياسي أن هادن الدين ابتداء فأظهر تعظيمه وتمسك بجذوره بل وجعلها لقبا في اسمه السياسي فهو الحزب ذو الجذور المسيحية الأصيلة ! ، ولكنه في واقع الأمر يخالف عن هذه الجذور فضلا عن الفروع فَلَيْتَهُ استمسك بالجذور العامة المجملة فلم تسلم من تأويلات باطنة تحقق أغراض السياسي بلا حرج ، فلا يستعمل هذا اللقب الديني في فعل سياسي أو تشريعي يخالف عن المزاج العام ! ، فهو مسيحي محافظ ولكنه يبيح الإجهاض والعلاقات خارج إطار الأسرة بل والشذوذ ولو في طبقة رجال الدين ! وهو يُبَرِّئُ يهود من دم المسيح ، عليه السلام ، وذلك ، كما يقول بعض الباحثين ، نقض لركن رئيس من أركان الإيمان المسيحي فماذا بقي منه وقد زال ركنه ؟! ، ولا إشكال في كل أولئك إذ الدين محفوظ مقدس وإن كان خلف أسوار الكنائس مكبلا ، فكان الانتقال من الدين الحاكم ، كهنوتا باطلا مارس من الطغيان ما آلم كل عاقل حر ، فكان الانتقال منه إلى طور بَيْنِيٍّ لا بد منه في أي تحول فكري فلا يكون بداهة في لحظة ، فكان الطور الديني الإصلاحي الذي سلك جادة البروتستانتية ، فهي النصرانية العلمانية إن صح الاصطلاح ! ، وإن كانت النصرانية من يومها الأول حاملة لبذرة العلمانية ، كما ينوه بعض الفضلاء ، فإنها رضيت بالقسمة الأولى ، قسمة الروحي الديني ، والزماني الدنيوي ، فاقتسمت المصالح والمكاسب مع رجالات البلاط والإقطاع ، فَرَسَّخَتْ في النفوس هذه القسمة ، الديني والدنيوي ، فالدين في شق ، والدنيا في آخر ، ولكلٍّ مؤسساته وتنظيماته ذات الهياكل والمجامع ، وذلك أمر يراد ترويجه الآن في دوائر الإصلاح الإسلامي ، باسم الفصل بين الدعوي والسياسي ، فيكون الدين ذا أثر فاعل في صياغة القيم العليا دون أن يقحم نفسه في صراعات السياسة البراجماتية القذرة فهو أَجَلُّ من ذلك ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، دعاية العلمانية اللادينية في بلاد الشرق فهي تروم تَنْزِيهَ الدين عن ألاعيب السياسة فلم يعد في الدنيا سياسة يحترفها الساسة إلا السياسة المعاصرة التي تتسم بالبرجماتية والانتهازية وتجاوز القيم والمبادئ إن لزم الأمر ! ، فالسياسة الشرعية قد خفيت معالمها فلم يَعْتَدْهَا الناس ولم يمارسها أحد في فضاء العمل العام فهي حبيسة الكتب والمراجع حتى تسلل الشك إلى نفوس الجميع ، وإن كانوا من دعاة الإصلاح الإسلامي ! ، أن الوحي يُلَائِمُ هذا العصر بِتَعْقِيدَاتِهِ وَتَدَاخُلَاتِهِ ، وإن لم ينطقوا بذلك كما نطق خصوم الوحي ، فوجدوا حرجا إذ لم يجدوا مثالا سياسيا شرعيا في الواقع ، ولم يعطهم أحد فسحة ليقدموا هذا المثال للعالم فَلَنْ يَتْرُكَهُمْ بداهة حتى يَنْقُدُوا أصوله الفكرية وَيَنْقُضُوا غَزْلَهُ السياسي الواهي لا سيما مع انكشاف سوآته في الأعصار المتأخرة إذ لم ينجح طرحه الحضاري في حل الإشكالات السياسية والأخلاقية فضلا عن الأزمات الروحية والأخلاقية التي ضربت مجتمعاته مع ما حققته من طفرة مادية ، فكان الانتقال الماكر من الكهنوت الديني المستبد إلى طور ديني يَنْتَقِلُ فيه العقل تدريجا من قيم الكهنوت إلى قيم العلمانية اللادينية فتخفف جرعة الدين تدريجا كما تخفف جرعة المخدر حال العلاج من الإدمان فقطعها فجأة يضر المريض بل قد يقتله ! ، فحسن التدرج ، إذ تَرَى العلمانية أن الدين مخدرٌ وذلك ما نصت عليه العلمانية الماركسية الملحدة فهو أفيون الشعوب فلا تَبْرَأُ منه دفعة ، ولعل ذلك ما عجل بسقوط الشيوعية إذ اتخذت موقفا حادا ضد الدين فقطعت مادته فجأة فلم يصمد المجتمع إلا يسيرا حتى انهارت قيمه وأخلاقه ، فلا تصور لحياة آخرة ، ولو تَصَوَّرَ الكهنوت الأرثوذكسي الذي حكم البلاد قبل الحراك البلشفي الثائر ، فضلا عن استبداد الشيوعية وقمعها للشعوب وذلك عامل إفساد آخر لأخلاق الناس وطبائعهم ، فالاستبداد يفسد الأخلاق إذا انفرد فكيف إذ اجتمع مع الإلحاد وإنكار الدين كله بل وإنكار الإله وصيرورة الحياة مادة بلا روح ، فكانت العلمانية في الشطر الآخر ، الشطر الغربي الكاثوليكي ، كانت علمانية أخف وطأة ، وإن اشتدت وطأتها حال الثورة على الكنيسة الكاثوليكية ، فكانت لحظة مواجهة اقتضت عنفا يقضي على مراكز القوى القديمة تحت شعار : اشنقوا آخر إمبراطور بأمعاء آخر قس ، ونجحت الثورة في فرنسا أن تُزِيلَ الطبقة الحاكمة بمكوناتها الدينية والسياسية والاقتصادية فصادرت إقطاعات الكنيسة وكانت تلك ضربة من أقوى الضربات التي تَلَقَّتْهَا المؤسسة الدينية أن فَقَدَتِ استقلالها الاقتصادي فصارت ديوانا من دواوين الدولة بعد أن كانت رأسا من رءوسها الفاعلة في اتخاذ القرار واحتكار الثروة ، ونجحت القوى الخفية الداعمة التي تَتَحَكَّمُ في المشهد من وراء ستار فهي تحكم بلا سلطة ظاهرة تجعلها محل مساءلة مباشرة من الجمهور الذي لا يرى إلا السلطة الظاهرة التي تمتلك سلطات الرياسة التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وإن كان وراءها من يحدد مجال عملها فهو الذي يختار رجالات هذه السلطات ، وهو الذي يوحي إليهم بمبادئ الدستور وأحكام القانون وهو الذي يتحكم في قرار السياسة والحرب وإن لم يعلنه أمام الجمهور فهو الذي يصنعه بأدوات الضغط الناعمة ، فَيُمَوِّلُ حملات الانتخاب ويقدم الهدايا والعطايا وَيَبُثُّ أفكاره عبر وسائط دعاية ماهرة تَتَسَلَّلُ إلى العقول في لحظات الاسترخاء ، فنجحت هذه القوى إبان الثورة التي كانت تصنع مشهدا جديدا اتسم بالسيولة والفوضى فتلك الحال الكائنة بعد أي ثورة ، فطبائع الأشياء أنه بعد الخمول والركود ولو أحقابا تطول ، لا سيما إن كان ذلك بقبضة استبداد روحي وسياسي كما كانت الحال قبل الحراك الثوري الذي وقع فجأة ، فتلك فجأة الفعل المباشر أمام الأعين فقد سُبِقَ بتحضير طويل للعقل الجمعي الذي صُنِعَ على مُكْثٍ ، فتلك صناعة لا تحسن فيها العجلة ، فصنعته قوى فكرية وسياسية واقتصادية جديدة أحسنت استثمار الواقع المرير ، فكان لها التأثير الفاعل في توجيه الجماهير الثائرة التي ظنت أنها حرة فهي تتحرك بطلاقة ، وحقيقة الأمر أن ثَمَّ مسارا قد أُعِدَّ سَلَفًا فلا تَتَحَرَّكُ إلا فيه ، فيتم التوجيه عبر زعامات ثورية قد تشربت قيم القوى الجديدة التي تعيد رسم المجتمع بما يحقق أغراضها ، فالأمر ، كما تقدم ، لم يكن إلا انتقالا من استبداد إلى آخر ، فلم يخرج عن نطاق الأرض ، إذ لم يكن الدين الحق رائدا لا قبل الثورة ولا بعدها ، فما أيسر توجيهها إذ ضلت عن جادة الحق فما أكثر سبل الباطل فَتَنْحَرِفُ إلى اليسار تارة وإلى اليمين أخرى ، ولا تخرج عن قيد الاستبداد أبدا ، وإن كان ناعما خادعا في أحيان فهو يُعْطِي من هامش الحرية الفكرية والسياسية ما يخدع أي ناظر يَتَطَلَّعُ إلى أدنى قدر من الحرية ! ، كما قد عمت البلوى في الأمصار الشرقية لا سيما والسياسة الشرعية قد اخْتُزِلَتْ أجزاؤها تِبَاعًا فَغَابَتِ الشورى بعد انقضاء الرسالة والخلافة الراشدة ، وَسُلِبَ الناس حقهم في اختيار الحاكم وتقلص دورهم في صناعة القرار واتخاذه حتى آل الأمر أن يصيروا قطيعا يساق فلا يملك من أمره إلا أن يطيع الراعي الذي يقوده وإن أورده المهالك فلا يملك إلا السمع والطاعة فسلك جادة الجبرية في السياسة فهو مجبور في صورة مختار ، فيبايع الحاكم ويعطيه الشرعية ، وإن بَيْعَةً صورية لا أثر لها في ولاية أو عزل ، خلافا لبيعة الشورى الأولى فهي حقيقة لا دعوى ، فكانت تلك الحال مما أغرى كثيرا من أبناء الشرق أن يتطلعوا إلى محاكاة الغرب الذي منح الشعوب حق الاختيار زعم ! ، فهامش الحرية أوسع لا سيما في الأمور الفردية على وجه تقلصت فيه سلطة الحسبة التي تمارسها السلطة أو يمارسها المجتمع فالحرية لا حد لها في الأمور الفردية وإن خرج أصحابها عن الأعراف الاجتماعية فما يعني السلطة ألا يخرج الناس عن قيم الدولة الحاكمة فهي الإله الذي وضع الدستور والقانون المحكم الذي يُعَاقَبُ الخارج عنه أشد العقوبة فقد خرج من دين السلطة الحاكمة ، فلم يُعْطَ الشعب في هذا المثال السياسي العلماني حق الاختيار المطلق ، كما يزعم نظار العلمانية ، لا في اختيار الحاكم فضلا عن الشريعة الحاكمة ! ، وإن كان الظاهر أن الحاكم ، كما تقدم ، منتخب من عامة الشعب ، فهو منتخب من مراكز القوى التي تصنع العقل الجمعي لهذا الشعب الذي يختار ما ترغب وهي ترى أنه قاصر لا يحسن الاختيار وإن أوهمته أنه ناضج قد بلغ الرشد فجاز له أن يخالف أي حكم ، إلا حكمها فهو الدين الذي تَنْتَحِلُهُ الدولة وَيَنْتَحِلُهُ المجتمع طوعا كما في العلمانية الغربية الرأسمالية أو كرها كما في العلمانية الشرقية الشيوعية .

فكان من صنيع القوى الجديدة أن تحكمت في مسار الجماهير فصنعت لها الزعامات التي تقودها ، وواكب ذلك انْتِقاَلُ المجتمع من طور زراعي إقطاعي إلى آخر صناعي ، فكبار الملاك عائق أمام القوى الصناعية الجديدة ، وأكثرها من صغار الملاك الذين يريدون إنشاء المصانع ، واستبدالها بالمزارع فقد انتهى عصر الإقطاع الذي اقترن بالكهنوت ، فكان للكنيسة من الإقطاعات ما بلغ في أحيان شطر البلاد أو ثُلُثَهَا ! ، فكانت الثورة العنيفة حتما لازما لكسر هذا الطوق المحكم ، والانتقال بالمجتمع من طور الزراعة إلى طور الصناعة ، وذلك انْتِقَالٌ لا بد فيه من أخلاق جديدة ، فَنَسَخَتْ أخلاقُ المجتمعات الصناعية المنفتحة أخلاقَ المجتمعات الزراعية المحافظة ، وانهارت قيم الدين والأخلاق لا سيما العفة إلا آثارا باهتة فهي ، لو تدبر الناظر ، كالجذور المسيحية للأحزاب السياسية العلمانية ، فهي جذور تالفة لا تملك أي دور في الحياة ، بل رءوس هذه الأحزاب لا يطيقون الإنكار على أي سلوك شاذ يخالف عن قيم المسيحية ، فتجد أحدهم وهو رأس حزب محافظ تجده إذا سُئِلَ عن زواج الرجل بالرجل ! ، أبدى امتعاضا فهو يفضل أن تكون الأسرة رجلا وامرأة ، فرأيه شخصي ونصيحته غير ملزمة وإن كان رأس السياسة فهي علمانية لادينية وإن كانت ذات أصول مسيحية ! ، بل يرى الناظر إذ فتش في سيرته الذاتية أنه يقيم علاقة خاصة خارج إطار الزواج ولكنه على أدنى حال ! ، لا يقيمها خارج إطار الفطرة فهي بين رجل وامرأة ! ، وكل أولئك يجري بلا إنكار فالعقل الجمعي قد صُنِعَ على مكث فما كان بالأمس حلما فهو اليوم حقيقة ، وذلك ما يراه الناظر في تحولات سياسية واجتماعية حادة يشهدها الشرق الآن ، فالجميع يسارع في رضى يهود على وجه ينسخ الأدبيات الدينية والسياسية الراسخة في الأذهان ، وبعض المجتمعات المحافظة قد ابْتُلِيَتْ بقيادات سياسية طائشة تَزُجُّ بها زَجًّا في إطار علماني لم تألفه فضلا أنه يخالف عن أدبياتها الدينية التي تَشَرَّبَتْهَا على مرأى ومسمع من هذه السلطة السياسية ، فلا يخلو الأمر من فجأة تُنْذِرُ بفشل هذا الفعل السياسي الطائش ، ولو بمعيار السياسة البراجماتية المعاصرة ، فمآله قد يفضي إلى انشقاق السلطة نفسها فضلا عن انشقاق المجتمع وانشطار الدولة ، فلا يخلو الأمر من هذه الفجأة ، ولكنه إن تَتَبَّعَ الناظر جذوره السياسية أمر لا يعجب الناظر فيه ، فتاريخ السلطة يدل على علائق وثيقة بدوائر السياسة الغربية ، فَثَمَّ تَبَعِيَّةٌ سياسية لم يَحْسُنْ مبدأَ الأمر أن تظهر آثارها في مجتمع محافظ لا زال يعيش أطوار البداوة ، فلا بد من التدرج حتى يحصل التَّبَدُّلُ بل والانقلاب على المبادئ الراسخة فما كان قبيحا قد حَسُنَ ، وما كان محرما قد أُبِيحَ ، وما كان بالأمس خيانة سياسية قد صار اليوم تطبيعا يفتح آفاق التعايش السلمي المشترك ! ، والعقل الجمعي ، كما تقدم ، لا يصنع دفعة بل لا بد من حلم وأناة ، فذلك أمر قد يستغرق أجيالا ، ولكن نتيجته مؤكدة لا سيما ومن يُنَفِّذُ هو من يحكم فعنده من أدوات السلطة الناعمة والصلبة ما يجعل السَّنَةَ في حكمه مائة ! فالسلطة تختزل مراحل كثيرة لا تختزلها الأفكار التي تَتَسَلَّلُ إلى العقول شيئا فشيئا ، فليس لها من قوة القانون النافذ ما يجعلها فرضا لازما .
فكان من الانتقال الثوري من الكهنوت الملكي إلى العلمانية الجمهورية ما واكبه انتقال مادي من الطور الزراعي إلى الطور الصناعي ، فانتقل الناس من أخلاق إلى أخرى ، وانتقل مركز التأثير من طبقة اجتماعية إلى أخرى ، فانتقل من طبقة كبار الملاك من الإقطاعيين الزراعيين إلى طبقة صغار الملاك من أرباب المصانع الجديدة ، وواكب ذلك تَقَلُّصُ دَوْرِ الدين وتحوله إلى مؤسسة خاضعة للدولة العلمانية الحديثة ، فهو موظف كأي موظف ! ، فلم يكن فاعلا رئيسا في صناعة القرار إلا بقدر ما يفسح له السياسي من مجال ، وبعد ذلك جاء الطور البلشفي في الثورة الشيوعية اللادينية ، فقد قضت على طبقة صغار الملاك فضلا عن كبارهم فصارت الدولة هي المالك الأوحد ، وقضت على ما تَبَقَّى من الدين إذ جهرت بالإلحاد الصريح فصارت هي الإله الأوحد ! ، وإن خالفت عن الفطرة مخالفة فجة عجلت بانهيارها السريع .

وفي مقابل هذه العلمانية ضد الدينية ، في فرنسا أولا ثم في روسيا ، فهي فِي الأولى قد خاصمت الكاثوليكية وفي الثانية قد خاصمت الأرثوذكسية ، كان ثَمَّ مثال ثالث وهو العلمانية البريطانية المتصالحة مع الدين ، ومع الملكية ، فصارت الملكية دستورية تملك ولا تحكم ، وصار الدين رائدا تُصَدَّرُ به الدساتير فالملك هو رئيس الكنيسة فلا يخلو اسمه الوظيفي من لقب ديني ، وإن كان كلقبه السياسي فكلاهما حبر على ورق ! ، إذ العلمانية هي الحاكمة المهيمنة ولكنها لم تدخل في صراع حاد مع الكنيسة والملكية وإنما أقصتهما من المشهد بلطف ! ، ورضيا بما أَعْطَتْهُمَا العلمانية اللادينية من مناصب أدبية رفيعة وإن لم يكن لهما دور في الحقيقة ! .

وثم مثال رابع ، وهو محل الشاهد الأول ، وذلك أخطر مثال ، فالبروتستانتية إصلاح هادئ للكاثوليكية قبل الإجهاز عليها بالضربة القاضية ، وهي لا تخاصم الدين أبدا بل اسمه في كل خطاب ورسمه قد نقش على العملة ، وإيمانه السياسي ! يظهر في جبهات الصراع التي يخوضها كمدافع عن الحضارة الإنسانية ضد البربرية والهمجية التي صارت الآن حصرا إسلامية راديكالية ! ، فلم تَرَ البروتستانتية أن ثَمَّ حكمة في صراع حاد مع الدين بل يجدر بالسياسي أن يحتوي الديني بعد إفراغه من مضمونه السياسي والأخلاقي إلا بقدر ما يحقق مصالحه ، فالعمل لا يدخل في حد الإيمان ! وذلك تقرير يضاهي تقرير الإرجاء في المذاهب الإسلامية ، فيجدر بالسياسي أن يحتوي هذا الطرح الديني الذي يقتصر على الجذور وَالْكُلِّيَّاتِ ، فيجعله رائدا في المعارك والملاحم لا سيما ما يدور الآن في الشرق من رحى الحرب الشرسة ضد الإسلام الراديكالي المتطرف ! ، فهو الآن خصم رئيس يهدد قيم الغرب العلمانية فواجب الوقت قتاله حسما لشره المستطير إذ لا ليس في نصوصه إلا قتل الآخرين ليعيش وحده ، كما يروج بعض المخذولين ، فالناس جميعا يخشون الإسلام ويخافون من أتباعه ! ، وواقع الحال يكذبه إذ دينهم مع ما يكال له من تهم هو أسرع الأديان انتشارا في العالم إذ يواطئ الفطرة الأولى التي أيقنت بإفلاس الحضارة الغربية ، إفلاس الروح ، وإن حصل لها من المادة كفاية بل وتخمةُ تَرَفٍ ورفاهيةٍ لم تجب عن الأسئلة المصيرية التي تَعْتَمِلُ في كل قلب يَنْبِضُ ، فلا زال له من الحياة حظ ، ولو خاف أهلُ الأرضِ الإسلامَ وَأَتْبَاعَهُ فكان خوفهم من سلطانه هَيْبَةً في النفوس بما امْتُثِلَ من الأمر أن : (أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) ، مع أمنهم ظلمه وإن خالفهم الدين والمذهب بل وأبغضهم في الله ، جل وعلا ، حقا ، فقد أمر بالعدل ، ولو أبغض ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فلو خافه أهل الأرض جميعا على ما تقدم ذكره لكان خيرا لهم قبل أن يكون خيرا لأتباعه ، ففيه ، لو تدبر الناظر ، سعة لمن خالف فلا يكره على انتحاله ولا يُظْلَمُ في سلطانه ، وذلك مناط إخفاق آخر في حضارة الغرب التي تَزْعُمُ احترام الآخر ، ومن نَظَرَ في الأمصار التي احتلها الغرب في مقابل الأمصار التي فتحها الشرق أدك يَقِينًا من يَصْدُقُ في دعواه ومن يكذب ، واستقراء التاريخ في هذا الباب حتم لازم ، ولا يُؤْتِي ثِمَارَهُ إلا أن يَتَّسِمَ بالعدل والشمول لا التحكم والقصور فيجتزئ على مشاهد بعينها ليستدل بها ، فلا يرى في تاريخ الإسلام إلا السواد ولو نقطة في ثوب أبيض ، ولا يرى في المقابل في تاريخ الغرب واحتلاله للأمصار شاهد حاضر إما مباشرةً وإما عبر وكلائه ، لا يرى فيه إلا البياض ولو نقطة في ثوب أسود ، وهو وإن حقق من العدل في أمصاره ما يُحْمَدُ فلا يجحده منصف إلا أنه ، كما تقدم مرارا ، عدل نسبي لا يجاوز فضاءه الجغرافي ولا يجد آثاره النافعة ابتداء إلا الرجل الأبيض فهو السيد الأوحد ومن سواه فخدم أو رقيق فخيرا فعل أن أحسن إليهم بفتات موائده ! .

فيجدر بالبروتستانتية أن لا تخاصم الدين لا سيما وقد نجحت في تحديثه وتجديده ! ، وذلك ما يراد الآن كيدا للدين الخاتم بذريعة التجديد أيضا ، فنجحت البروتستانتية الإصلاحية في كسر جمود الكاثوليكية ، واحتفظت بدور سياسي وإن اقتصر على الجانب المعنوي وكانت من وجه آخر قنطرة جاوزها الغرب إلى العلمانية الصريحة ، فالإصلاح الديني البروتستانتي قد زلزل أركان النصرانية التقليدية قبل أن تكتسحها الثورة العلمانية ، فكان هامش الحركة في البروتستانتية أوسع إذ هي أقرب المذاهب النصرانية إلى العلمانية اللادينية ، ولم يعد الناظر يعجب من مذاهب ذات جذور مسيحية تخضع لسلطة مجالس تشريعية علمانية تَسُنُّ من القوانين ما يخالف عن مبادئ النصرانية وأحكامها ، فلم تعد إلا هوية مجملة باهتة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يراد الآن لحركة الإصلاح الإسلامي ، لا سيما السياسي ، بذريعة فصل الدعوي عن السياسي ، ليعزل الإسلام بلطف دون استثارة المشاعر الدينية بل يكون أتباع الإصلاح الإسلامي السياسي والاجتماعي شهود زور على هذا التحريف فيجلسون في أروقة المجالس التشريعية التي تسن من القوانين ما يخالف عن قطعيات الدين ، فيصير زواج الكافر من المسلمة حلالا ، بل ويتبجح من يتبجح من رءوس السياسة العلمانية أنه قد مضى زمان استبدادٍ وَتَحَكُّمٍ كانت المرأة فيه تمنع من اختيار شريك حياتها ولو كافرا ، وفي المقابل لا تجد حركة التجديد الإسلامي زعمت ! ، وهي تجاور أولئك في مقاعد المجلس النيابي لا تملك إلا الموافقة فالأغلبية قد وافقت والقانون حكم يفصل فهو فوق الجميع بل وفوق الوحي إن خالفه ، فالقانون يقدم على الوحي إن تعارضا وَتَعَذَّرَ الجمع ! ، وذلك أمر يزعم بعض من ينتسب إلى الحركة الإسلامية الإصلاحية أنه احترام لمعايير الحكم السياسي الديمقراطي فاختيار الناس فوق كل اعتبار والله ، جل وعلا ، وحده من يحاسبهم في الآخرة ، فلا سلطان للدين في الحياة ، فقد تم إقصاؤه بلطف إذ فصل الدعوي الاختياري عن السياسي الإجباري ، وصار رجل الدعوة المسامح في شق ، ورجل الدولة المصارع في آخر ، بذريعة التخصص وهو أمر يحمد في توزيع العمل فَيُعْطَى كُلٌّ من العمل ما يطيق ، ولا يكون اختيار القيادات تَبَعًا للولاء الحزبي الضَّيِّقِ ، فكل أولئك يُحْمَدُ في توزيع العمل لا في تقسيم الدين على أنحاء فيتلاعب الناس به تحت سمع الحركات الإسلامية وبصرها فقد رضيت بما منحت من سلطة شكلية أن تَشْهَدَ زورا على مخالفة الأحكام الشرعية القطعية وَبِئْسَتِ الصفقة في الأولى وفي الآخرة ، فإن خصومها لا يَرْضَوْنَ بهذا التَّنَازُلِ بل لا يَزَالُونَ يَكِيلُونَ لها تهم التطرف والانغلاق وعدم الاندماج ...... إلخ ليحظوا منها بمزيد من التنازلات لا تزيدهم إلا طمعا ولا تزيد الحركة إسلامية إلا سخطا ، فـ : "مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ، وَمَنْ أَسْخَطَ النَّاسَ بِرَضَا اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ النَّاسَ" .

والتأويل ، وهو محل الشاهد الأول ، هو الذريعة لتبرير هذه المخالفات الصريحة ، فلم يعد الأمر حكرا على نصوص الإلهيات من الأسماء والصفات .... إلخ ، بل قد تعدى شؤمه فَبَلَغَ أحكام الدين القطعية ، فبلغ أصل السيادة فلم يعد الحكم للوحي بل صار للشعب الذي جاوز اختياره الحاكم فَلَهُ أن يختار ما شاء من الأحكام وإن خالفت عن منهاج الوحي المحكم ، فالتأويل يفسح مجال التَّبْرِيرِ لهذه المخالفات لا سيما إن جُرِّدَ الإسلام من مادته التشريعية المفصلة وتحول إلى كليات مجملة فاقتصر الناظر على مبادئه دون خوض في تفاصيله فهي لا تلائم العصر الحديث بتطوره السريع المتلاحق ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، دعوة تفضي آخر أمرها إلى علمنة الإسلام كما قد صنعت البروتستانتية فليست إلا محاكاة للأنموذج البروتستانتي الإصلاحي وهو ما قرره بعض المفكرين إذ يحكي ما اصطلح أنه إصلاح جذري يحدث الآن في الجزيرة العربية فهو يشيد به من وجه ، ويقدم النصح من آخر ، فلا بد لإتمامه من أخلاق بروتستانتية إصلاحية وهي الأخلاق المجملة التي ساهم بعض الدعاة في ترسيخها في النفوس بخطابهم الباهت الساذج الذي حول الإسلام إلى مادة سائلة لا حدود لها تحفظها من الذوبان في غيرها من الأفكار والمذاهب ، فالمسلم العصري ، كما ينوه بعض الفضلاء حكاية لهذا الطرح الدعوي ! ، المسلم العصري كائن استهلاكي كنظيره الغربي فهو تاجر ماهر ومستخدم جيد للتكنولوجيا ومنفتح على الآخر بلا حدود فقد زالت الحدود والفواصل وصار التعايش السلمي يكافئ الفوضى الفكرية الخلاقة فهي من جنس الفوضى السياسية الخلافة التي تُفْضِي إلى إعادة رسم للمشهد بكافة أبعاده الفكرية والسياسة على وجه يحقق أهداف الغالب الذي يملك أدوات الحكم ، فيملك القوة الصلبة والناعمة ولا يجد المغلوب إلا أمرا من اثنين فإما أن يقاوم بذخيرة فكرية حية ورائده في ذلك قوله تعالى : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وإما أن يخضع ويستسلم ويقبل الانصهار والذوبان في بوتقة الغالب ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وأخطر من الصفقات السياسية التي يُرَادُ الآن إنجازها في الشرق ، أخطر منها الصفقات الفكرية التي يروم المركز البروتستانتي الحاكم أن ينجزها في الشرق ليتحول الدين فيه إلى نسخة من العلمانية الأمريكية فهي الحاكمة الآن بعد تراجع العلمانيات البريطانية والفرنسية والشيوعية .

وأخطر من ذلك أن بعض الحركات الإسلامية قد رضيت الدخول في هذه الصفقة اختيارا أو اضطرارا بل وَلَبَّسَتْ على الجماهير فقد استسلمت لضغط الواقع وهزمت وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، تُبَشِّرُ بهذه الهزيمة أنها نصر عظيم فقد نجت من المقصلة التي طالت أخواتها في الدول الأخرى ونجحت في الاندماج وَفَوَّتَتِ الفرصة على خصومها ولو بالتنازل عن ثَوَابِتِهَا فلو اعتزلت الزور لكان خيرا لها أن تكون شاهدا عليه ، وما عليها لو لم تَنْجَحْ في الانتخابات وتدخل البرلمانات فليس ذلك شرطا في دخول الجنات ، فلا يحسن بها وقد هزمت فكريا أن تكابر وتعتبر ذلك نصرا سياسيا ولو صَدَقَ أَنَّهُ نصر بمعيار السياسة فهو خسارة عظمى بمعيار الأفكار والمبادئ وتلك خسارة لا تعدلها خسارة ولا يجبرها نصر سياسي زائف في معارك انتخابية لا صوت فيها يعلو على صوت البراجماتية والانتهازية اتجارا بكل سلعة رائجة ، ولو بالدين خداعا للمخلصين فدخول البرلمان غاية تبرر كل الوسائل الشريفة والوضيعة ! ، وهل ذلك إلا اتباع لسنن الغرب الغالب في معاركه السياسية العلمانية فيحسن بمن سلكها ألا يَنْسِبَ نفسه إلى الإسلام فهو من فعله السياسي الانتهازي براء .

والله أعلى وأعلم .