مما اطرد في كلام المحققين في باب الأسماء والأحكام أن الشرك قد يكون بالقول الصريح وقد يكون بلازمه ، فَثَمَّ من قارف الشرك بلازم القول ، وإن لم يكن لازم القول قولا ، فإن قول القدرية ، على سَبِيلِ المثال ، شِرْكٌ فِي الفعل والخلق ، فالقدرية قد أثبتوا العبد خالقا لأفعاله ، ولو بلازم القول ، فإن منهم من غلا فَنَفَى العلم ابتداء ، ولا يكون خلقٌ إلا بعلم ، بل إن الخلق ابتداء خلق التقدير، والتقدير لا يكون إلا بعلم ، فلا يوجد من يَشْرَعُ في فِعْلِ إلا وقد تَصَوَّرَهُ وَتَصَوَّرَ غايته ، فالعلة الغائية ، كما يقول أهل النظر ، تسبق في التصور ، وإن كانت تَلِي العلة الفاعلية في الوجود ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فالعلم أصل الأفعال ، فَعَلِمَ الربُّ ، جل وعلا ، ما كان من أفعال التكوين ، فعلمه أول أزلي ، فإذا شاء إخراج المعلوم من المعدوم إلى الموجود ، تكلم بكلمة تكوين بها كان التأويل ، فإن تأويل المعلوم أو المخبر به أن يقع في الخارج كما قد أخبر القائل ، فعلم الله ، جل وعلا ، قد ثَبَتَ أزلا وأحاط بالموجودات كلها إحاطة التفصيل ، فليس إحاطة بالكليات ، وإنما استغرق الجزئيات جميعها ، وبعد العلم كانت المشيئة ، والمشيئة تأويلُها كلمةٌ تكوين بِهَا يكون المقدور في الخارج ، فتوحيد الربوبية فرض واجب لا يحصل إلا أن يُثْبِتَ صاحبُه أن الخالق واحد ، سواء أخلق تقديرا أم إيجادا ، فلا يثبت خالقا آخر معه ، فثم من أشرك في هذا الباب فأثبت خَالِقِينَ بعدد الفاعلين من البشر ، وليس ثم خالق إلا الله ، جل وعلا ، فهو الخالق والعبد فاعل ، أو الرب ، جل وعلا ، هو الفاعل فِعْلَ الخلقِ ، والعبد هو الفاعل فِعْلَ المباشرةِ والكسبِ بإرادة تؤثر في إيجاد المفعول فليست إرادة تقترن بالفعل اتفاقا ، وليست علامة أو أمارة كَزَوَالِ الشمس سبب إيجاب للظهر ، فإن حركة الشمس مما لا يطيق المصلي ، وهي ، مع ذلك ، علامة عندها يكون التكليف ، فثم من قال إن الإحراق يكون عند اشتعال النار لا بها ، فَنَفَى السببية ، وذلك جفاء الجبرية في مقابل غلو القدرية الذين جعلوا السبب مستقلا بالفعل ، سواء أكان ذلك مطلقا ، أم مقيدا بأفعال الاختيار ، أم مقيدا بقيد آخر وهو فعل التكليف فليس الاختيار كله تكليفا بل أكثره من أفعال الجبلة فَثَمَّ من قال إن العباد يستقلون بفعل التكليف فلم يعلمه الرب ، جل وعلا ، قبل وقوعه وذلك قول القدرية الأوائل ، نُفَاةِ العلمِ ، وهم من تَنْصَرِفُ إليهم فتاوى السلف أنهم خارجون من الملة إذ أنكروا معلوما من الدين بالضرورة وهو علم الرب ، جل وعلا ، ومن القدرية من قال إن الله ، جل وعلا ، قد عَلِمَ ولكنه لم يشأ ولم يخلق ، فلا يقدر على الخلق وإنما يعلم علما لا يؤثر في تقدير المعلوم فضلا عن إيجاده ، فإن الإيجاد ، لو تدبر الناظر ، لا يكون إلا بعلم ، فالإيجاد يكون بكلمة تكوين والكلمة من العلم فاقتصر العلم على علم الإدراك دون علم التأثير والتقدير فضلا عن المشيئة والخلق ، فثم من أثبت العلم والكتابة ونفى المشيئة والخلق فصار خلق الأفعال خارجا من عموم الخلق في قول الرب جل وعلا : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، ونسب ذلك إلى غيره فَثَمَّ من قال إن العبد هو خالق فعله وذلك شرك يدخل في حد الشرك المنهي عنه في قول الرب جل وعلا : (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، وثم من قال إن الظلمة وهي رمز الشر هي من خلق الشر ، فكان ثم ثَنَوِيَّةُ في الربوبية ، فثم رب يخلق الخير وهو النور وثم آخر يخلق الشر وهو الظلام ، وذلك مذهب المجوس المانوية إذ يقدسون النار فهي رمز الخالق ، فيشبه ، من وجه ، قول الغلاة في البقر أو أجناس من الحيوان ، فإنهم لم يقدسوا البقرة لذاتها فهي حيوان ، وإنما قدسوها إذ هي رمز الرب الخالق فهي صورة أرضية تحكي المعبود السماوي أو هي صورة حلت فيها صورة الإله ، فذلك منشأ الحلول والاتحاد ، وهو ، لو تدبر الناظر ، شرك آخر ، في الذات والوصف ، وهو مادة غلو في الصورة الأرضية فهي الذريعة أن تُشْرَكَ بالإله الحق ، فكان من شرك القدرية أن أَثْبَتُوا خالقا آخر غير الرب ، جل وعلا ، سواء أكان واحدا أم كثيرا بعدد الفاعلين ، وسواء أعم جميع الأفعال أم اقتصر على أفعال الشر ، فَثَمَّ من قال إن الله ، جل وعلا ، لم يخلق الشر ولم يرزق من الحرام ، فثم خالق آخر غيره ، وثم رازق آخر غيره ، وأولئك لم يحسنوا التفريق في باب الإرادة بين إرادة التكوين النافذ فهي تعم كل مخلوق ، سواء أكان مادة خير أم مادة شر ، فالرب ، جل وعلا ، خالق الشر وإن لم يشرعه ، بل قد نهى عنه ، فجهة النهي تغاير جهة الخلق ، فالنهي تشريع والخلق تكوين ، فاختلفت الجهة وانفكت وذلك ما تَزُولُ به الشبهة ، فضلا أن الشر المخلوق ليس شرا من كل وجه ، فهو شر في المخلوق لا في الفعل الذي قدره وشاءه وخلقه ، وهو شر جزئي لا كلي ، فليس شرا من كل وجه ، بل جهة الشر في المخلوق الطارئ ، لا في فعل الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو خير كله ، ولو بالنظر في المآل فالشر العاجل يحصل به من الخير الآجل ما يرجحه فالحكمة تظهر في الترجيح بين المصلحة والمفسدة ، فَتُحْتَمَلُ المفسدة الصغرى تحصيلا للمفسدة العظمى فَلَوْلَا الشر ما استبانت للخير فضيلة ، ولولاه لكان خلق العالم عَبَثًا ، فقد خلق للابتلاء والامتحان على وجه تظهر به حكمة الرب ، جل وعلا ، إن في تكوينه أو في تشريعه ، ولولا هذا الابتلاء بالتدافع بين الخير والشر ، لولاه لفسد العالم ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، فانحلت الشبهة أن يُفَرِّقَ الناظر بين إرادة التكوين النافذة ، وإرادة التشريع الحاكمة ، وكان جدال الخصوم بين غلو القدرية في النفي ، وغلو الجبرية في الإثبات ، وَبَيْنَهُمَا القول العادل إذ فَرَّقَ فالجهة فيه تَنْفَكُّ ، فكان من الحكمة الإمساك في هذا الباب ، لا الإمساك عن معاني الحق التي جاء بها الوحي وأمر بِتَدَبُّرِهَا ، فَثَمَّ جهة انفكاك أخرى في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا" ، فأنكر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجدال الذي يَتَقَاذَفُ فيه الخصوم الحجج فَكُلٌّ يَنْتَزِعُ من الْأَدِلَّةِ ما يشهد لِقَوْلِهِ ، ويترك من الأدلة ما يشهد لقول الخصم ، ولو جمع بَيْنَهُمَا لاكتملت صورة الاستدلال ، فجمع أدلة الباب يزيل الاشتباه ، ويجمع أشتات الحق لا سيما إذا انفكت الجهة ، فقولُ كلٍّ يصح ، فإن قول القائل : إن الله جل وعلا لم يرد الشر ، قول مجمل يصح من وجه ولا يصح من آخر فلم يرده شرعا إذ لم يأمر به ، وأراده كونا إذ قدره في الأزل بعلم التقدير الأول ثم كتبه في لوح المقادير ثم شاءه ثم خلقه ، وقوله : إن الله جل وعلا أراد الخير فقط ، هو ، أيضا ، من المجمل الذي يَزُولُ اشْتِبَاهُهُ بِبَيَانٍ زائد إذ الجهة فيه ، أيضا ، تَنْفَكُّ ، فالله ، جل وعلا ، أراد الخير فقط إرادة التشريع فلم يأمر بقبيح ، وإن شاء وجوده بإرادة التكوين وهو ، كما تقدم ، شر بالنظر في الجزء ، لا شر مطلق ، فَبِهِ يكون من الخير ما يرجح شره الطارئ ، فهو كالسبب الذي يَتَقَدَّمُ مسبَّبَه فلا يُتَوَصَّلُ إلى هذا الخير الراجح إلا بشر مرجوح يطرأ ، فلا تُنَالُ راحةٌ إلا على جسر من التعب لا أن التعب في نفسه مقصود فهو مما تكرهه النفوس ، وإنما تجشمته رجاءَ خيرٍ راجح في المآل الآجل ، وقياس العقل الصريح أن المسبَّب لا يكون إلا بسبب يتقدمه ، ولا بد لإنفاذه من استيفاء شروط وانتفاء موانع ، ولا بد ، مع ذلك ، من رجوع الأسباب جميعا إلى سبب أول قطعا للتسلسل في المؤثرين فكلها ترجع آخر أمرها إلى رب العالمين ، جل وعلا ، إذ كلمة التكوين سبب أول عنه تصدر جميع الأسباب ، وهي ، من وجه آخر ، أَثَرٌ من آثار الصفات الربانية ، الذَّاتِيَّةِ أو الْفِعْلِيَّةِ ، فإرادة الشر تصح نسبتها إلى الله ، جل وعلا ، نسبة التكوين لا نسبة التشريع فلا تقتصر إرادة التكوين على الخير فقط ، وإلا صح قول الثَّنَوِيَّةِ إذ جعلوا للشر خالقا يغاير عن خالق الخير فوقعوا في شرك الربوبية ، من هذا الوجه ، فَأَمْرُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالإمساك عن الكلام في القدر ينصرف إلى الخوض بلا علم ، أو الخوض بالجدال الذي يُثِيرُ الشبهات وَيُوَلِّدُ الإحن والعداوات ، لا الكلام النافع الذي به يكون التدبر النافع فيزداد الناظر إيمانا إذ يطالع من وصف الرب ، جل وعلا ، وفعله ما يدل على القدرة النافذة والحكمة البالغة فيحسن يُثْنِي على الخالق ، جل وعلا ، بما هو له أهل ، وذلك الثناء ، لو تدبر الناظر ، يمهد بين يدي توحيد آخر ، وهو توحيد العبادة والتأله بما شرع الرب ، جل وعلا ، من الكتب وأنزل ، وبما أجرى على ألسنة الرسل من الوحي ، فانفكت الجهة على وجه يصح به الجمع بين النصوص ، فإن منها ما يأمر بالتدبر في الآيات ، ومنها ما يأمر بالإمساك ، ولكلٍّ ، كما يقول بعض المحققين ، لكلٍّ جهةٌ ، فجهة الأمر إذا كان التدبر النافع الذي به يكون اليقين الجازم ، وجهة النهي إذا كان الجدال المذموم الذي يفسد القلوب بما يكون من شبهات هي سبب رئيس في العداوات ، فكان إغراء الرب ، جل وعلا ، لها بَيْنَ أقوام تركوا من الوحي حظوظا ، وذلك مما يعم وإن اقتصر لفظ الآية على النصارى في قوله تعالى : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، سواء أقيل أنهم السبب ، أم كان لفظ الآية خاصا بهم وإن ورد على غير سبب وهو قول المحققين في هذا الباب ، فإن القول إن الآية قد نزلت على سبب هو النصارى ، كالقول إن آي الفيل قد نَزَلَتْ على سبب تقدم وهو ما كان من أبرهة وجيشه ، ولا يخلو ذلك من تكلف ، فإن التنزيل قد جاء يحكي أخبار من تقدم على حد الاعتبار الصريح ، فكانت الرؤية صدر الفيل في قول رب العالمين جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) ، كانت رؤية العلم إذ أنيطت بحال ، وهو الذي يحكيه اسم الاستفهام "كيف" ، وإن تأخر عامله وهو "فعل" ، فاسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإن تسلط عليه فعل الرؤية بالنظر في المعنى ، وذلك ما يكون محله العقل ، فتلك رؤية باطنة ، رؤية الجنان تدبرا واعتبارا ، ولأجل ذلك جاء قصص الماضين فهو حكاية بها يكون الاعتبار ، وإن كان فيها سلوى فذلك لا يكون قصا بلا عبرة ، فليست حديثا يُفْتَرَى ، أو أحاديث مجالس يَتَفَكَّهُ بها الناس دون أن يكون من فعل التدبر ما يشرع ، ومن الاعتبار ما ينفع في الحال والمآل ، إذ القياس الصريح يوجب الاعتبار طردا وعكسا فحكاية سبيل المجرمين بَيَانٌ به يَتَّعِظُ العاقل أن يخالفهم الفعل ليخالفهم الجزاء والعاقبة ، فينجو من مصيرهم إذ هلكوا ، فحكاية العاقبة السيئة خَبَرٌ لا يخلو من دلالة إنشاء يلازمه ، فهي تَنْهَى عن الشر إذ عاقبته عاقبة السوء ، وهي ، من وجه آخر ، لا تخلو من دلالة تلازم خبري ، إذ هلاك من ظلم خبر يُحْكَى ولازمه في القياس الصريح نجاة من عدل ، فيكون الأمر بضد الظلم ، وهو العدل ، ليحصل ضد الهلاك وهو النجاة وهو مراد كل عاقل أن يصح تصوره وعمله في الأولى ، وأن ينجو في الآخرة ، فكان من رؤية العلم ما ينفع بالنظر في معنى التدبر وهو عمل الباطن ، وقد حملت الرؤية في تأويل آخر ، كما يقول بعض المحققين ، حُمِلَتْ على رؤية البصر فإن الحدث قريب وآثاره لَمَّا تَزَلْ ماثلة في الخارج فَثَمَّ من شهده رأي عين فجيله لَمَّا يَنْقَرِضْ بَعْدُ ، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ المرئي حالا بجارحة البصر وهو عمل الظاهر ، ولو تدبر الناظر ، لوجد تلازما آخر في القياس الصريح ، فرؤية البصر ظاهرا هي مبدأ ما يكون في الباطن من رؤية البصيرة ، فالعين تبصر المدركات الحسية ، والبصيرة تختزنها وتستنبط منها مدركات أخرى عقلية فيكون التلازم بين الظاهر حسا والباطن معنى وذلك مما اطرد في نصوص الوحي على وجه صَدَّقَهُ العقل والحس ، فالظاهر يُؤَثِّرُ في الباطن إذ يزيد فيه تارة ، كما تزيد أعمال الأركان في اعتقاد الجنان ، ويمده أخرى بمبادئ الاستدلال من البدائه المحسوسة فعمل الجنان أن يستنبط منها معان معقولة ، والباطن ، من وجه آخر ، يؤثر في الظاهر ، فإن مبدأ العمل إرادة ، ومبدأ الإرادة تصور يحصل في الجنان وعنه تصدر الإرادة وهي ، أيضا ، من حركة الباطن التي تَزِيدُ على حركة التصديق فهي تأويل ما يحصل في الجنان من صورة العلم ، فلا يخلو من محبوب تميل إليه النفس فهي تَرُومُ فِعْلَهُ ، ومن مكروه تميل عنه النفس فهي تَرُومُ تَرْكَهُ ، فالإرادة : إرادة فعل لما تحبه النفس ، وإرادة ترك لما تُبْغِضُهُ ، وذلك منشأ في الباطن لازمه في الخارج تأويل هذا الحب فعلا ، وهذا البغض تَرْكًا ، فيصدِّقُ الظاهر بحركاته الباطنَ بإراداته وتصوراته ، فكان من الرؤية في آية الفيل ما احتمل ، رؤية العلم ورؤية الحس ، وكلاهما يصح إذ له وجه من المعنى بلا تكلف ولا تعسف ، وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، فكان من قص التنزيل لقصص الماضين ما يحصل به الاعتبار طردا وعكسا على وجه يجاوز ما تكلف بعض النظار أن يجعلوا القصص الماضي سبب النُّزُولِ ، فالآية قد نَزَلَتْ تحكي ما تقدم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، جنس عام ، فمن حكاية الماضي ما كان على سبب كما في سؤال قريش تعجيزا عن أصحاب الكهف ، ومنه ما لا يكون على سبب تقدم كما في غالب قصص التنزيل ومنه حكاية ما كان من النصارى إذ عظم فيهم الجدال فنسوا حظا مما أوتوا من الكتاب ، فـ : (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فالعبرة بعموم المعنى وإن اقتصر لفظ الآية على النصارى فتلك سنة جارية في كل أمة كما في الخبر ، فـ : "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل" ، ودلالة "أل" في "الجدل" ، لو تدبر الناظر ، دلالة العهد الخاص فذلك الجدل المذموم الذي يَتَنَاجَزُ فيه الخصوم إرادة الظهور لا أكثر ، فَهَمُّ أحدهم أن يُحَاجَّ خصمه فينقطع فتظهر فضيلته في التلاسن ، ولو تكلف لأجل ذلك أن يكذب أو يتعسف في الاستدلال فَيُحَمِّلَ الأدلة ما لا تحتمل من المعاني ، ويرفع الصوت تَرْهِيبًا ، ويخفضه تَرْغِيبًا ، وَيَتَكَلَّفَ ما ليس له من أخلاق الإنصاف ، فهو يروم ظهور الحق زعم ! ، وليست غايته إلا أن يظهر قوله ، حقا أو باطلا ، فلئن ظهر الحق في قوله فهو لا يثاب إذ ما قصده ابتداء وإنما وقع له اتفاقا فرضي بحجة الوحي أن وافقت ما يهوى فلو خالفت لتكلف لها الرد تكذيبا ، أو التأويل تحريفا ليصرفها إلى معنى يشهد لقوله وإن باطلا ، فغايته ، كما تقدم ، أن يَظْهَرَ قولُه على قول خصمه ، ولو كان قوله باطلا محضا ، أو كان فيه حق وباطل فَيَرُدُّ لأجله ما في قول الخصم من الحق ، فذلك مئنة من جهل وتعصب إذ لا يحسن صاحبه يميز ما في قول الخصم فَيُفَرِّقَ بَيْنَ حقٍّ يُقْبَلُ ممن جاء به ، ولو شيطانا ، وباطل يُرَدُّ وإن أفتى به فاضل معتبر قد تحقق فيه من الورع ما تطمئن به النفس لِفَتْوَاهُ ، وعنده من العلم ما به ينظر ويستنبط ، ولكنه كسائر البشر ، لم يعصم من الخطأ ، فإذا أخطأ فلا يتبع ، وإنما يعتذر عنه ، فَلَهُ من سابقة الفضل ما يوجب ذلك ، وليس له من العصمة ما يوجب اتباعه مطلقا ، بل وصاية الأئمة الأوائل أن يُضْرَبَ بقولهم عرض الحائط إن خالف عن الوحي النازل فمذهبهم الحديث إذا صح ، فلا رائد لهم إلا الوحي ، فإن جادلوا فجدال الحق إما مدارسَةً تَنْفَعُ ، أو مناصحة تهدي ، أو زجرا لذي هوى ما رام بجداله إلا المنافحة عن الباطل ، فالأصل أن يُهْجَرَ فلا يُرَدَّ عليه إن كان خامل الذكر ، فإن فشا قوله فتلك بلوى توجب على من حصَّل علما أن يناجزه بالحجة ليقطع دابره ، وهي ، من وجه آخر ، مما يقدر بقدره ، فلا يزيد فيه المجادل عن القَدْرِ الواجب ، فإذا ذُكِرَ الْقَدَرُ فالأصل الإمساك ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إذا ذكر القدر فأمسكوا" ، فجاء الشرط على حد الكثرة فتلك دلالة "إذا" إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، أو قد يجري مجرى الإخبار عما يكون بعد ذلك من خوض الناس في القدر ، كما في خبر ابن عمر ، رضي الله عنهما ، وفيه : "إِنَّهُ قَدْ ظَهْرَ قِبَلَنَا ، (أي : في البصرة) ، أُنَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَبْتَغُونَ الْعِلْمَ، وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَهُمْ مِنِّي بُرَآءُ" ، فخاض الناس خوض الباطل وجاءت الفتن تَتْرَى كقطع الليل المظلم ، كما قد أخبر الصادق المصدق صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكانت دلالة الكثرة دلالة إخبار عما هو آت من المحدثات الدينية والفتن السياسية ، وقد حذف الفاعل ، فاعل "ذُكِرَ" مئنة من العموم ، فإذا ذكره أي ذاكر فأمسكوا ، وهو مما خص ، كما تقدم ، فقد يذكره ذاكر تَقِيٌّ يروم التدبر والاعتبار وَيُبَيِّنُ للناس منه ما أجمل ، وَيَرُدُّ ما تشابه لا تكلفا للشبهة ثم ردا عليها كما قد يقع في كلام بعض الفضلاء ، فيكون الإطناب في حد الشبهة ، ثم يقصر النفس في الرد فيكون مجملا لا يشفي الغل ، فما استفاد الناظر إلا انطباع الشبهة في قلبه دون أن يجد من الجواب الشافي ما يَنْزِعُهَا ، ولا يخلو الأمر بالإمساك ، لا يخلو ، أيضا ، من دلالة تخصيص فلا يشرع الإمساك لمن يعلم إذا ظهر الشر ولم يوجد من يدفعه غائلته إلا هو ، فالأصل في رده أنه فرض كفائي ولكنه قد يتعين على آحاد إذا لم يندفع الباطل إلا بهم ، بل إن الفرض في حقهم فرض عين خلافا للفرض الأعم ، فرض الكفاية ، فمناط الأمر الإمساك عن الجدال المذموم ، كما تقدم ، والإمساك عن فضول من الكلام لا ينفع فهو تَرَفٌ يشغل الناظر به عما هو أولى ، فلا يخوض في الشبهات إلا اضطرارا أن يدفع منها ما قد عمت به البلوى إن كان أهلا لذلك ، وإلا فاعتزالها واجب لئلا يَفْتَتِنَ القلب بالمذهب الحادث ، وقد اقترن جواب الشرط بالفاء على حد الإيجاب في "فأمسكوا" إذ الجواب إنشاء ، وذلك موضع يوجب اقتران الجواب بالفاء فحصل بها من الاقتران ما يزيد على اقتران وتلازم أول بين الشرط والجواب ، فَزِيدَتِ الفاء إذ لها علة في اللفظ ، كما قرر أهل النحو ، ولا تخلو من زيادة معنى إذ لا تخلو من دلالة السببية وهي لازم الشرطية ، إذ الجواب مسبَّب عن الشرط ، ولا تخلو الفاء ، أيضا ، من دلالة فور وتعقيب وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده مسارعة في امتثال الأمر ، وبعده كان الشطر الثاني أن : "إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا" ، فَحُدَّ ، أيضا ، حد الكثرة ، إمعانا في تقرير المعنى وهو مما كَثُرَ في الأعصار المتأخرة إذ صار الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، غَرَضًا يَسِيرَ المنال فليس ثم من يعزر أو يزحر ، بل قد انقلبت الحال فثم من يعضد ويحرض ، فتلك آلة فاعلة في هدم الشريعة النازلة وهي مرمى جميع الخصوم وإن اختلفت النفوس ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) ، فلم يجمعوا على شيء إلا أن يطعنوا في الحق ونقلته ، فجعلوا أولى حلقاته مرمى سهامهم إذ لو انقطعت لسقط الإسناد كله ولبطلت الحجة الرسالية دون تكلف الردود لكل موضع ، فمثلهم كمثل الطبيب إذ يروم علاج الورم ! ، مع القدر الفارق بداهة ، فهو يجعل الورم الرئيس غايته قبل أن ينظر في نواقله ، فالقضاء على الأصل أولى من الاشتغال بالفروع ، إذ لا بقاء لها بذهاب الأصل ، ولو بقيت فقد انقطع عنها الإمداد الرئيس ، ولو أحسن الطبيب التوصيف فأدرك الورم مبكرا ولما يكن من نواقله ما سرى إلى بقية الأركان ، فلو أحسن ذلك فأصاب الأصل ولما تصدر عنه فروع فتلك الغاية المثلى ، وهو ما يصنع أعداء الطريقة المثلى ، طريقة الوحي ، فالصدر الأول هم الأصل فلا يجدي تتبع روافدهم في الأفكار والأحكام والسياسات مع بقاء الأصل الذي يرسل نواقله في بقية الجسد ، فلا بد من حسم الأصل لقطع دابر الشر والتطرف ! ، وهو ما اصطلح أن يسمى تجفيف المنابع ، وهو أمر يجاوز منابع الحس ، فمنابع الفكر والمعنى أعظم خطرا فهي منشأ الفعل في الخارج فلا بد من تشويه الأصل كما يحرض بعض السفهاء في هذا العصر إذ ينسب إلى الوحي من الجنايات ما هو منها براء ، سواء أَقْتَرَفَهَا غلاة لا قدم راسخة لهم في الدين فيحسن استثمار ذلك على وجه يستفز به المشاعر بل ويثير في النفوس غَرَائِزَ الانتقام فيحرش بين الناس ويحرض على سفك الدماء فلا يرسخ ملكه إلا بإضعاف خصومه إذ يضرب بعضهم ببعض ، فينسب إلى الوحي ما هو منه براء سواء أكان من صنيع غلاة قد جاوزوا حد العدل في الاسم والحكم ، أم كان ذلك مما يصطنع الخصم ، بادي الرأي ، بالخداع والمكر ، فيسارع من في قلبه مرض أن ينهض وينفر فيجمع جموعه لحرب التعصب والتطرف ، وهو جاهل لا يبين في دينه أصلا ولا فرعا ، ولا يحسن يميز غلوا من جفاء ، بل هو الغالي في خصومة الوحي ، الجافي عن أخباره وأحكامه فجمع السوأتين على وجه لا يخلو من دلالة التلازم آنفة الذكر ، فإن الغلو في حد يستلزم جفاء في ضده ، والعدل وسط بَيْنَهُمَا ، وهو ما يخالف عنه الغالي والجافي ، وكلاهما يصدق فيه الوصفان ، فالغالي في حد جاف في ضده ، والجافي في حد غال في ضده ، فكان ما كان من جفاء في حق الصدر الأول ، رضي الله عنه ، وكان ما كان من قدح في عدالتهم وتتبع لِزَلَّاتِهِمْ بذريعة البحث النَّزِيهِ الذي لا يقع إلا على القيح والصديد ! ، فلا يقع على نافع وإن كَثُرَ ، وإنما غايته الضار وإن نَدُرَ ، فذلك سوء ظن يواطئ جبلته الناقصة ، وذلك تجفيف لمنابع الخير أن يهمز الدين ويلمز ، وأن يعبث الجاهل بأصوله وأحكامه بذريعة تجديده وتصفيته من كدر الغلو ، فلا يكون ذلك إلا بجفاء تام يأتي على أصوله بالإبطال مسارعة في خصومه ، وصيانة لِمُلْكٍ لا بد زائل وجاه لا حقيقة له فهو زائف فلا يزال الناظر يَرَى من ذل صاحبه وإن تكلف ما تكلف من آيات العزة ، فما ذلك إلا لنقص في نفسه عظيم ، فما تكلف الكمال إلا أنه ناقص الأخلاق فاسد الأقوال والأعمال ، وهو آلة فاعلة في يد من يخاصم الرسالة حكمها ، فلا أطوع منه إذ لا أفسد منه ولا أضعف ، فذل نفسه وجشعها جشع الكلاب إذ تصطرع على الجيف كل أولئك يجعله طيعا لينا في يد الخصوم وإن اشتد في المقابل فَضَيَّقَ وأمسك ، وسفك وهتك ، وَوَدَّ لو حك الوحي من الكتب والصحف لَيَرْضَى عنه أولياؤه ، فكان من مخالفة الأمر أن : "إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا" ، كان من المخالفة أن استرسل من استرسل لما تقدم من غرض رئيس أن ينقطع إسناد الدين بانقطاع أولى حلقاته وأشدها إحكاما ، فكان الأمر بالإمساك عما شجر بينهم ، وإن ألجأت الضرورة من يعلم أن يَتَكَلَّمَ بالعدل ، فلا يجاوز القدر ، كما تقدم في جدال من خالف في الْقَدَرِ ، فلا يتكلف الكلام ابتداء في قص ما جرى بين الصدر الأول من فتن وملاحم ، فلا تبلغه عقول كثير فيكون فتنة لهم ، ولا يتكلف ردا على خامل لا ذكر له ، فالبلوى به لا تعم ، فإذا تكلف ردا على قول خامل حصل من الذيوع والاشتهار ما تعم به البلوى ! ، فلا يكون الكلام إلا حال الضرورة كما في الأعصار المتأخرة إذ ظهر قول السبابة لا على لسان الغلاة من الفرق فحسب ، وإنما صار ذلك مادة في كلام كل طاعن في الوحي وما أكثرهم في الأعصار المتأخرة إذ بعد العهد بالقرون المتقدمة ، وهي معدن الفضل في التصور والحكم ، في السياسة والحرب ..... إلخ ، فكان من حالهم مثال فاضل قد استوفى الحياة علما وعملا ، وذلك ما تضيق به نفوس الخصوم الذين ناجزوا الوحي إذ جاوز الحد ! ، فلم يجتزئ بتصديق مجرد لا يعارض حكومة الوضع المحدث ، فهو يرضى بهذا التصديق بل ويرضى بجمل من الأعمال والأخلاق لا تُنَازِعُهُ السيادة ، وهي مناط الخصومة بين الرسالة وأعدائها من الجاحدين والكارهين في كل جيل ، فخاصموا الرسالة في الألوهية ، وهي رياسة عامة وسيادة تامة تأتي على حظوظهم في الملك والجاه والمال ، فذلك أعظم ما صد أصحابه أن يدخلوا في حكم الرسالة ، فكانت خصومة الرسالة باعث أولئك على الطعن في الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فضلا عن جاهل لا يحسن الفهم قد افتتن بذلك ، فهو مغلوب يصدق رواية الغالب ، فَرَاحَ يردد شبهاته وهو يزعم التحقيق والتنقيح ، ولا تجد في كلامه إلا الطعن والتشكيك وسوء الظن فيسارع في تصديق كل طعن ولا يَتَحَرَّى ما يزعم من دقة البحث والنقد ، ويسارع في تأويل كل قول أو عمل فيحمله على أسوأ المحامل وإن احتمل خيرا بل كان الخير فيه هو الأرجح ، فهو ينظر بعين الخصم الذي غلبه فلم تقتصر الغلبة على غلبة الأبدان بل قد عمت البلوى فبلغت الأديان والأفكار والتاريخ والحضارة فهو مغلوب غلبة تامة فلا تحدثه نفسه أن يدافع ، لا في جدال ولا جلاد ، ولا يحسن يعتذر عما شجر فلا ينكر النقص والخطأ ، وإنما العدل ، لو أنصف في الحكومة ، أن يقيس الخطأ بالصواب ، فلا يرد صوابا كثيرا بخطإ قليل ، فالعبرة بالكثير الغالب لا بالقليل النادر ، فلا يحسن في الحكم على الأعيان أن يهدر الغالب الكثير فيغض الحاكم الطرف عنه ، وأن يعتبر في المقابل النادر القليل فيطير به الناظر فرحا فما أسعده بأي مثلبة يطعن بها ويشكك ! ، وهو بَعْدَ ذلك يزعم أنه الباحث المحقق ، فكان في هذا الشطر ، أيضا ، أمر بالإمساك ولا يخلو من تخصيص ، فلا يمسك عن حكاية فضائلهم ، ولا يمسك إن قدح فيهم قادح وذاع قوله في الناس واشتهر ، فمن علم فواجب عليه أن يظهر علمه وإلا دخل في وعيد الكتمان فلا يحسن الإمساك في هذه الحال ، فانفكت الجهة على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض ، فالإمساك في حال ، والكلام في أخرى على وجه يحصل به مقصد الخير في كلا الوجهين .

ثم كان الشطر الثالث وهو ، أيضا ، مما تَنْقَسِمُ موارده في الخارج ، فـ : "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا" ، فإن ذكرها يحتمل ذكر الخير أن يتعلم منها الناظر ما ينفعه في دينه ودنياه ، فهي أدلة هداية في تحديد القبلة وتعيين الوجهة ، فـ : (عَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ، وأن يعتبر بها فهي زينة السماء فالنظر فيها يزيد الناظر إيمانا بالصانع الحكيم ، جل وعلا ، الذي أحسن كل شيء خلقه ، فأعطاه منه ما يكفي ثم هداه هداية التكوين أكلا وشربا ونكاحا .... إلخ ، وهداية التشريع خبر وإنشاء ، إثباتا ونفيا ، أمرا ونهيا ، وهي رجومُ الشياطين فذلك من خبر الغيب الذي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي المنزَّل ، فذلك ذكر خير لا يوجب الإمساك ، بل يحسن فيه الكلام ، وأما الإمساك فهو عن ذكر الشر من التنجيم والتشريك ، كما قد اشتهر في مقال الفلاسفة إذ جعلوا النجوم عقولا فاعلة تصدر عن علة أولى لا وصف لها ولا فعل ، فقد خلقت العقول اضطرارا ، ثم خلقت هذه العقول الكون على وجه أفضى إلى إبطال الشرع وإن تكلف له من تكلف من الفلاسفة الإسلاميين ضروبا من التأويل الباطن الباطل فكسى معانيه الباطلة لحاء الألفاظ النازلة .

فكان في كل من انفكاك الجهة ما يأمر بالإمساك في حال والكلام في أخرى ، ولكل حال حكمها ، وذلك مئنة من الحكمة في التشريع أَنْ شرع لكلِّ حال ما يلائمها من الأحكام ، فالأحكام دائرة مع أوصافها المؤثرة وجودا وعدما .

والله أعلى وأعلم .