وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم

يعود من رحلته حاملاً في قلبه شيئاً من الألم، جسده مُثخنٌ بالتنكيل المُبرح، تبدو عليه علامات الاحتضار مما لقيه من إهانة وجهل وإعراض وتعنت عند هؤلاء القوم الخاسئين.
يجلس من عناء الطريق أرضًا تحت شجرة عتيقة، ساندًا رأسه على هيكلها المُرصَّعِ بالغبار وبعض الخرابيش الأليفة وغير الأليفة، مُطالعًا المدى الذي يوصله بالسماء.
تألمتْ.. أنَّتْ.. بكتْ.. وبعضًا من دمعها عليه أفرغت.. عاد بعدما هدأت روحه قليلاً إلى ذكريات صباه، حين حمله جده في إحدى رحلاته التجارية صيفًا إلى الشام، فتذكر حبه الشديد له وحرصه واهتمامه الدائم به، وأول العهد بينه وبين خالقه حينما أشار الراهب عليه أن يتوخى الحذر!، فطفله الذي يحمله من المبشرين الموعودين بالنبوّة كما يقول جبينه، وتلك ملامحه الشريفة.. ثم أردف قائلاً: عُد به أيها السيد حتى لا يُقتل فإن القوم الجبَّارين متربصون به.
يضع يده الطاهرة على جذع الشجرة، فتطمئن وتعود باسمة ضاحكة فرحة بعدما علمت أن خيرَ البرية بخير، كانت مُتعبة لأجله لا من مرض عضال ألمَّ بها إنما تواسي ألمه وجراحه.
ينهض، يقفُ منتصب القامة شامخًا، يراهما يهبطان على أسنة النسيم تحوم حولهما هالات نورانية. الملَك المُخاطب باسم الله لجميع الأنبياء والرسل، جبريل، والملك الموكل من قبل الخالق بحفظ أًثقال الأرض ونشر التوازن بين كل أطرافها، ملك الجبال.
تبسم له وكيل الوحي قائلًا: البُشرى يا ابن عبد الله، أبشر يا حبيب الله.
وفي خطاب عرض بصيغة الأمر المتروك للهادي البشير قال ملك الجبال: مُر... مُرني يا مُحمد.. أطبق عليهم جبلا أبي قبيس وقُعيقعَان، فإن قومك قد تمادوا وإن لصبرك عليهم قدر.
لم يلبث إلا قليلاً مُفكراً فيما قاله المَلك، وقبل بضع دقائق مما سمع أخبرهم برأيه الرافض لما عرض عليه، بل ويواصل النبي سلسلة ملاحمه الخُلقية فيقول كلمات أبلغ وأجمل من كل قصائد العالم: بل أسأل الله لهم الهداية والمغفرة والرحمة لعل بطونهم تُخرج من هو صالح ويعبد الله، أما ما سببوه لي من ألم وجهل بي وبرسالتي، فإنّ أجري فيه على الغفَّار؛ ابتسم الملكان وقالا: حقًا.. وإنك لعلى خلق عظيم.
بعد تلك الحادثة، تأتي على طه وكل مخلص معه سنوات عجاف لا يُغاثون فيها ولا يعصرون. سنوات من الحصار المُجحف الجائر عليه وعلى آل بيته وصحبه الصابر، منهم من قضى نحبه إما مُقاتلاً مُدافعًا عمّا يؤمن به، واثقاً في المصطفى، ومنهم من مات جوعاً رافضاً المهانة والمذلة، ومنهم من كان يقتفي أثر الميتة ليسد رمقه.
والنبي الأمين بين محرابه وداره وأتباعه المؤمنين، تارة في بيته الذي لم توقد فيه نار لهلالين مُتتابعين، وأخرى يمشي بين الناس يدعوهم إلى ما فيه عزهم ورفعتهم، يٌقابل السيئة بالحسنة، والعذاب بالمغفرة. يُنادي عليهم أن آمنوا، يُنادوه أن عُد إلى آلهتنا، يسخرون منه، يسومونه سوء القول وهو قمر مُنير لا يبالي بما يرى، بل يستعين بالصبر والصلاة على أذاهم، ويستغفر الله لهم كلما غدا أو راح، لا يشعر بما يؤلمه بل هم داؤه العضال الوحيد، رغم كل ما يفعلونه، ورغم كل ما يلقاه من تحطيم لطاقاته الروحانية والمادية حيث أن معدته تظل خاوية رابطًا عليها الحجر بالأيام والليالي، إلا أنه حين يقف بين يدي الله ينحني ويسجُد سجدة الخائفين المُنيبين المُتأدبين؛ فيُنزل الوهَّاب ذكرًا مُخلداً من السماء فيه قائلاً له ليُسمع العالمين: وإنك لعلى خلق عظيم.
تُمر المحنة وتنقضي بعدما نجح فيها وكل من معه، وجاء إليهم وعد الله "وبشر الصابرين" ومكّن لهم في الأرض؛ في المدينة المنورة أحد أهم قلاع الإيمان والعدل والرحمة والصدق والوفاء في الأراضي الحجازية، وعند كل صباح ومساء يأتي إلى داره فرحًا، مُختالًا في نفسه، قاصدًا ما يفعل من اعتداء وجرم على النذير، رجلٌ يهوديٌ يضع فضلاته القذرة وفضلات أسرته على بابه الشريف ثم يمضي فخوراً بفعلته القبيحة.
يسأل النبي الله له الهداية ويأمر ألا يتعرض له أحد بإيذاء. يزداد اليهودي خبثاً ومكرًا وغرورًا ويزيد من أفعاله، وإذ بيوم يمرض فيه أحد أبنائه، يقرع الهادي بابه ليسأل عنه. يفزع من رؤية النبي وكأن كارثة حلّت به، لكن النبي يُبدّد خوفه إلى أمن، وتوتره إلى سلام، فتبسَّم في وجهه مُضيعاً بذلك كل حقد وضغينة من قلب ذلك الرجل، بل وكل ما شعر به في اللحظة من ندم على ما كان يفعل في جنبه.
النبي قائلًا له: ألن تأذن لي؟.. ستظل صامتاً هكذا كثيرًا؟.. جئت لأطمئن عليك فاليوم لم أشهد فضلاتك المُعتادة خلف بابي.
ينظر اليهودي أرضًا خجلاً من نفسه ثم يقول للنبي: منعني مرضُ ابني.
النبي: ومنعني عن زيارتك وزيارته منذ الصباح أمور المُسلمين.
يبتهج الإبن برؤية النبي ويُعلن اسلامه وهو على فراش الموت.
يحاول اليهودي استرضاء النبي والاعتذار له على كل ما ارتكبه في حقه، لكن النبي يمنعه عن التحدث في الماضي مُخبرًا إياه أن الله غفَّار الذنوب وما هو إلا سبيل بين الخالق والمخلوق، ثُم يُجيره في مصيبته ويتمنى لولده الذي صعدت روحه إلى بارئها الرحمة.
اليهودي: أشهد الرب.. بالفعل كما قال فيك: وإنك لعلى خلق عظيم.
يفتح البشير مكة.. ويسبّح الله كثيراً هو ومن معه من الصالحين، يجتمع أهل الكفر والعصيان ممن تعرضوا في الأطلال للمؤمنين بالاضطهاد والتنكيل، يقفون بين يدي النبي خاسئين منادين، تتباكى نساؤهم متوشحات بالسواد، أذلاء رجالهم يطلبون في كل وهلة ووهلة أن تشق بهم الأرض وتفنيهم ولا تُبقي منهم أحداً.
يقربهم النبي منه ويأمر جيشه ومن معه من تابعين مُخلصين أن يُفسحوا لهم الطرقات ولا يضيّقوا عليهم ولا يأخذونهم بما قد كان منهم في الماضي، فيُسارعون إلى الارتماء عند قدمه الطاهرة!، إلا أنه يستغفر الله، ويُعلن للجميع أن لا ركوع ولا سجود إلا للخالق معلنًا انتهاء عصر المخلوقات والشرك بالله.
يتوجه نفر منهم نحوه بعدما اعتدلوا قائلين له: ما أنت فاعل بنا يا محمد؟.
الرسول: ماذا ترون أني فاعلٌ بكم؟.
المُشركين: إنك لأخٌ كريم وابن أخٍ كريم.
الأمين يبتسم في وجوههم بسماحة قلبه ونضارة وجهه ثم يُعلن فيهم: اذهبوا فأنتم الطُلقاء.
يقول أحدهم فرحاً يكاد لا يُصدق ما يسمع وكأنه قد دخل في الإسلام: وإنك حقًا يا أبا القاسم لعلى خُلق عظيم.

قصة لـ كريم أمين
من مجموعة قصصية بعنوان
(كمشكاةٍ فيها ِصباح)