اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: قصّة قصيرة: وعنده مفاتح الغيب

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17852

    الكنية أو اللقب : كريم أمين

    الجنس : ذكر

    البلد
    sweden

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية وآدابها والدّراسات الإسلامية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 5

    التقويم : 42

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل23/7/2008

    آخر نشاط:11-02-2019
    الساعة:02:16 PM

    المشاركات
    2,861

    السيرة والإنجازات

    Lightbulb قصّة قصيرة: وعنده مفاتح الغيب

    قِصّة قصيرة
    "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"

    استيقظ باكرًا، يفرك عينيه، ينظر في ساعته الشخصية العتيقة غريبة الشكل، ثم يتأكد من الوقت في أخرى قُرمزية اللون في مينائها خرزة زرقاء، مُعلقة أمامه مُباشرة على الحائط بالقرب من باب غرفة نومه.
    ينهض مُسرعًا كي لا يتأخر عن أعماله، وقبل أن يتناول الإفطار ودون أن يُعانق الماء وجهه..، يذهب إلى طاولة الجلوس ليطالع الصحف اليومية التي أحضرها معه أمس قبل دخوله المنزل، فقد اعتاد أن يحصل على صحف اليوم التالي ويتركها حتى الصباح ليبدأ يومه بالتباشير التي تزفها له الأرقام والنبوءات الثابتة بباب "حظك اليوم" في جل الصحف.

    إنه يؤمن بكل ما يُخطُّ فيها وإن تقابلت أو تعارضت مع واقعه!، لهذا يتبع كلَّ ما يُقال دون أدنى شك وتفكير. فتارة لا يخرج من منزله لو قال له الطالع الخاص ببرجه الفلكي لا تخرج اليوم فلن تكون موفقًا في عملك.. فيتغيب عن العمل ثانية وثالثة ورابعة وألف، لا يذهب لمكان بعينه لأن الطالع أخبره بسوء الأحوال الجوية، أو أنه سيلتقي بأشخاص لا يحبهم، أو على العكس تمامًا يذهب إن أخبره بأنه سيقابل أشخاصًا يحبهم ولم يراهم مُنذ زمن.

    كان على تواصل مع عرافة مشهورة يُطلَق عليها مجازًا عالمة تنجيم وفلك، فهي بالنسبة له بلورة المُستقبل التي يرى من خلالها الحياة ولا يُمكن الاستغناء عنها، وهو بالنسبة لها عميلٌ مميز، يدفع الكثير الكثير من المال مُقابل عشر دقائق تمنحهُ إياها، تضرب له فيها على الأوراق عدة أرقام وتكتب عدة حروف ثُمَّ تُطالع السماء لترى نجومها وتخبره بما يُريح قلبه دائمًا؛
    ذات يوم طلب مُقابلتها على غير العادة، فلم ينتظر حتى نهاية الأسبوع مُخبرًا إياها بأن ذلك اللقاء استثنائي، فقد قرر هو وخطيبته أن يتزوجا عند مطلع الشهر القادم الذي لم يتبق عليه سوى أسبوعين ويريد أن يعرف كل ما يجب فعله في مقبل الأيام خاصة يوم زفافه. وافقت بل ورحبت مؤكدة له قدرتها على مُساعدته حتى يتم له الأمر، وأنها ستبذل قصارى جهدها لتضع بين يديه أكبر قدر مُمكن من قراءة طالعه وحظه.
    مرَّ اللقاء، وتركها جالسة في المطعم المكشوف الذي يلتقيان فيه دائمًا لتقابل عميلًا آخر. ذهب مسرورًا يُغني بصوت عال وكأن الأماكن التي راح يمشي فيها فرحًا ملكًا له فقط، بل ولم يشعر أنه في حالة هيستيريا وأن البعض أصبح ينظر له نظرة الجنون!.

    اتصل بخطيبته ليخبرها أن عرسهما سيؤخر ليوم واحد، وعندما سألته عن السبب وكيف يُمكن تدارك الأمر فكل شيء خاص بالتجهيزات اللازمة لذلك اليوم قد تمَّ تفعيله، وأن بطاقات الدعوة قد تم توزيعها جميعًا ولا مجال للتأخير!.
    أجابها:
    _ لا تقلقي يا حبيبتي، كل شيء سيتم مُعالجته.
    استغربت، فكررت:
    _ سألتك عن السبب وهذا ما يعنيني في المقام الأول أما بقية الأمور فأنا أوضحها لك، هي أيضًا ليست بالأمر الهين.
    صمت قليلًا ثم أردف: السبب أن طالع ذلك اليوم سيكون مشهودًا بالسعادة أما ما قد تم تحديده مُسبقًا فسيكون غامضًا ويجب أن نسافر فيه معًا لمكان ساحلي، كما أن السيدة عالمة الفلك أخبرتني بأفضلية تأجيل العرس لليوم التالي.
    ضحكت مما سمعت منه، بل وأصابتها نوبة هيستيرية لدقائق، وظل هو أيضًا يضحك معها على نفس الدرجة وكأن جُنَّة ما قد سكنت عقليهما.
    ثم قالت:
    _ ألن تكف عن تلك الخزعبلات التي لا تقدم ولا تؤخر، إن هؤلاء يا عزيزي كاذبون، وإن تنبأوا بأمر وتحقق فلأن الله كتبه لك إن كان خيرًا، وإن كان شرًا فقد كتبه عليك.
    يُقاطعها غاضبًا:
    _ وأنت ألا تكفيني استهزاءك بي وبما أقول، وتَكْفِي نفسك عناء النقاش في هذا الأمر؟.
    ترتفع بينهما حدة الأصوات على الهاتف وتحوّلت المُكالمة إلى مُلاكمة، فتحاول أن تكتم غيظها وتحتويه، ويفعل نفس الأمر فيعود الحديث بينهما إلى طبيعته.
    خطيبته:
    _ افعل ما شئت، أنا طوع بنانك..، كما أنني أحبك مخلصة لا يتبدل حُبي لك مهما تفعل، ولكن اعلم أن الأمر أصبح عندك كبيرًا ويجب التوقف والبحث عن حل لهذا الهُراء.
    هو:
    _ تُسفِّهين الأمر مرة ثانية.
    خطيبته:
    _ لا، إنني أضع أمامك مشكلة يجب حلها، اعتقادٌ خاطىء قد يُغضب الله منك، وإيمانٌ في بشر مثلك بأنه يعلم الغيب وهذا يُعجّـل من إنزال النقمة ليس عليك فحسب بل عليّ أنا أيضًا لأنني سأكون شريكتُكَ فيي بقيّة الحياة إن شاء الله.
    هو يضحك ويتجاهل ما تقول ثم يرد عليها:
    _ دعكِ من كل ذلك ودعينا نفكر في أمر زواجنا وهذا ليس وقتًا مناسبًا للنقاش.
    حين نكون معًا ربما تستطيعين تحريك الماء الراكدة والبراكين الخامدة بداخلي وأتمرد على التأمل في الطالع وأتأمل جمالك.
    خطيبته تضحك خجلة قائلة:
    _ ودعك أنت أيضًا من ذلك الغزل الآن وأجّله لما بعد الزواج، واعلم أنني لن أتمكن من السفر معك في اليوم الذي كان من المُفترض أن يكون يوم زواجنا وقد أصبح يومًا من المُفترض أن نسافر فيه وفي تاليه نتزوج، سأكون مشغولة جدًا بالكثير من الترتيبات.
    ألح عليها في تغيير رأيها وأنها يجب أن تسافر معه بعدما سألها عن ماهية تلك الترتيبات، فأجابته وهي تضمُر في نفسها انقباضًا شعرت به في قلبها من تلك السفرة!:
    _ بل لا يُمكن أن أسافر، فهناك أمور مُتعلقة بتجهيزات النساء لا تعرفُ أنت عنها شيئًا فلسنا مثلكم معشر الرجال. كما أننا سنسافر بعد العُرس لنقضي شهرًا من العسل معًا، فاذهب أنت إن شئَت رغم أني لست موافقة عليها.
    يقول لها قبل أن يغلق سماعة الهاتف مُخبرًا إياها بأنه راغبٌ في رؤيتها فقد اشتاقها:
    _ لك ما أردتِ يا حبيبتي، أما أنا فسأفعل ما أشارت به السيدة عالمة الفلك.
    تبقت أيام قليلة على العُرس، وكالعادة يقوم صباحًا ويفعل ما يفعله كل يوم، لكنه في تلك الأيام كان سعيدًا حدَّ الانتشاء فإن الأيام الماضية مضت بتوقعات العرافة كما أخبرته..؛

    وفي صباح يوم السفرة التي رتب لها مُستعينًا آخذًا برأي العرافة متجاوزًا رأي خطيبته، ذهب إلى المطار في موعده تمامًا، مُستقلًا طيارة قد حجز فيها ذهابًا وإيابًا في نفس اليوم، نزل مدينة انطاليا بتركيا كما كان مُقررًا، تحدث من هُناك مع العرافة التي باركت زواجه وأخبرته أنها لن تتمكن من الحضور غدًا لسفرها إلى رحلة خارج البلاد لأيام، تقبل منها المُباركة وشكرها، ثم تكلم مع خطيبته التي كانت تُرتب للزواج ليخبرها باشتياقه لها واحتياجه!، لكن الشعور الذي ولد بداخلها منذ أيام أصبح في ازدياد، بل وبكت عندما كلمها!، وحين سألها عن سر الحزن والبكاء، أظهرت له عكس ما تضمر وأخبرته أن تلك دموع الفرحة لا الأحزان.

    عاد في نفس الطائرة التي أقلعت به، وأول ما فعل حتى قبل أن يستقل سيارته بالخارج، ذهب نحو مكتبة داخل المطار واشترى الصحف اليومية فلم يتمكن أن يقرأ طالعه عند ذلك الصباح على غير العادة فكان متعجلًا من أمره حتى لا تفوته الطائرة.
    استقل سيارته مُسرعًا نحو بيته، فلديه الكثير من الأمور كما أن العائلة والأصدقاء يستعجلونه على الهاتف فلقد تأخر عنهم كثيرًا، طمأنهم وأثناء القيادة، أخذ يُطالع حظه اليوم!.
    اتصلت به العرافة من الخارج لتضعه في صدمة وحيرة فأخبرته أنها رأت في طالعه اليوم أن خطيبته تلك نذير شؤم عليه وأنه لا يجب أن يتزوجها..!، تلقف كلماتها وكأن صعقة أصابته، ناقشته بعدما هدأ قليلًا فلم تُغيِّر رأيها رغم توسلاته لها وإفهاهما أنه يحب خطيبته كثيرًا إلا أنها وضعته بين سندانة ومطرقة وتركت له حرية الاختيار إما في تركها أو في الاستمرار معها لكن لا يجب أن يستشيرها أو يسألها عواقب أي شيء بعد ذلك!.

    وقبل أن يتخذ قراره، وقبل أن يصل إلى باب "حظك اليوم" وحين كان يقلب الصفحات.. غفل عن عجلة القيادة للحظات فانحرف عن المسار وسقط من أعلى الجسر الذي كان عليه فتحطمت السيارة.
    لم يمُت، بعض الإصابات البسيطة قد أنجاه الله من ذلك الحادث، بعد يومين خرج من المُستشفى مُختلفًا كليًّا عمَّا كان عليه قبل دخوله، اقتنع كامل الاقتناع بما قالته العرافة، بل وأيقن ان خطيبته مصدر الشؤم وحسم صراعه النفسي ولم يعُد يبالي بأي شيء سوى أن ينسى خطيبته، رغم ما كان منها حتى في مرضه وآلامه فقد كانت بجانبه ليلًا نهارًا تعمل على رعايته.
    أصبحت المُنجِّمة مُتحكمة فيه بشكل كبير، يفعل كل شيء تقوله دون تفكير ولم يعُد يُطالع أبوابًا أخرى في الصحف فقط يبحث عن كلماتها وتوجيهها في كل مكان.
    مرت عليه أسابيع يفعل كل ما تُمليه عليه دون هفوة تشكُكٍّ مِنهُ، وفي نفس الوقت كانت بعض الأشياء تتحقق بطبيعة أحوال القدر المكتوب على الجميع.

    وذات يوم استثنائي في تاريخه وفجأة دون مُقدمات تم فصله من العمل!، في اليوم التالي خسر بعض أمواله التي كان يُضاربها في البورصة، وماتت والدته، وبدأت تتراكم عليه الديون التي لم يستطع تسديدها.
    ابتعدت عنه العرافة فقد أصبحت مِحفظة نقوده خاوية وبالتالي لن يُغدق عليها المال بل النّكد والهَم، بل وقررت ألا تقابله، فجنَّ جنونه.
    وفي إحدى المرات التي ألحّ فيها ليُقابلها أبلغت عنه الشرطة بدعوى أنه جاء ليتهجم عليها. سُجن ليومين ثم تم الإفراج عنه بعدما وقّع محضرًا بعدم اعتراضها، بعدها تدهورت حالته النفسية والصحية، اعتزل أهله وأصدقاءه والناس جميعًا، جلس نادمًا عمَّا فعله في حق نفسه وحق من أحب، بعدما نظر إلى كل ما جرى محاولًا الاهتداء للأسباب بعينٍ صافية، بداخله صراعات عميقة هل هذا عقاب من الله على ما كان يعتقد من دونه؟، أم سوء حظه في الحياة؟.

    تمر أشهرٌ على الحادث، ومازالت خطيبته تعيش حالة من الصدمة التي لا تفارقها، تجلس في غرفتها دون زاد إلا القليل الذي يُبقيها على قيد الحياة. تدهورت حالتها كثيرًا وأوشكت على الذبول كوردة سُرعان ما سيؤول أمرها إلى الزوال والموت. لم يُعجب وضعها ذلك والدها الذي ذات صباح لم يستأذنها كعادته في الدخول ولأنها ما كانت تأذن لأحد إلا من حين لآخر، ففتح باب غرفتها المؤصد بمفتاح احتياطي كان لديه، دخل لم يُحدثها بأي أمر، إنما قام بزوي الستائر والشبابيك ليجعل آشعة الشمس والنسيم يعبران إلى غرفتها.

    استمر في صمته واستمرت في شرودها، لم يُدر وجهه إليها بل ظل ناظرًا إلى المدى وجمال الطبيعة الذي يُطلُّ من شرفتها وظهره إليها، ثم قال لها برمزية وتورية:
    _ صباح كل يوم تشرق الشمس مُبتسمة، شاكرة ربها على النعم الكثيرة التي هي فيها.. قوة وجمالًا وعظمة، وهناك أنتِ في عالم من الكآبة تُريدين إبقاء نفسك ليُسيطر الشيطان على روحك ويفنى جسدك غير شاكرين لله وربما غير موحِّدين. ثُمَّ يُشير بسبابته اليُمنى نحو شيئ ما مواصلًا حديثه:
    هُناك طائرٌ يا ابنتي يُحلِّقُ تحت جنح هذا اللهيب الحارق، وأحيانًا في جنح الظلام وكثيرًا في المطر. من المؤكد أنه يبحث عن الحياة ليستمر قويًا يطير بجناحيه، فلو استسلم لتلك الأشياء جميعًا سينهزم ولن يستطيع الطيران حتى الأبد. ثُمَّ يخرج من الغرفة مُغلقًا الباب وراءه كما كان قبل دخوله، تاركًا إياها مع أشعة الشمس والمدى الجميل والطير المُحلق، والأفكار التي تصارعها لعلّ كلماته العميقة تُبقي في روحها بذرة الأمل لتُثمر في مُستقبلها حياة جديدة.
    كريم أمين
    من مجموعتي القصصيّة..
    (كمشكاةٍ فيها مصباحٌ)

    ذاهبة لتُصلّي في القُدس، فقابلتها صهيونية شمطاء مُجنزرة وقالت لها.. ممنوع..
    أصبحنا نرقص هُنا، ونشعل الشموع.. فخُذي بَخوركِ وارحلي

    أعمالي المطبوعة/الياسمين الأحمر/مايا/الموناليزا الهاربة

  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 52493

    الكنية أو اللقب : أبو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : مستلزمات طبية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل31/10/2016

    آخر نشاط:25-05-2018
    الساعة:12:50 PM

    المشاركات
    122

    جميل ياأخي
    أحسنت وأبدعت
    دمت جميلا


  3. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17852

    الكنية أو اللقب : كريم أمين

    الجنس : ذكر

    البلد
    sweden

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية وآدابها والدّراسات الإسلامية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 5

    التقويم : 42

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل23/7/2008

    آخر نشاط:11-02-2019
    الساعة:02:16 PM

    المشاركات
    2,861

    السيرة والإنجازات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها سيد الشاعر اعرض المشاركة
    جميل ياأخي
    أحسنت وأبدعت
    دمت جميلا
    أحسنَ اللهُ إليكَ سيّدي الشّاعر، شُكرًا جزيلًا لكَ على استحسانك..

    ذاهبة لتُصلّي في القُدس، فقابلتها صهيونية شمطاء مُجنزرة وقالت لها.. ممنوع..
    أصبحنا نرقص هُنا، ونشعل الشموع.. فخُذي بَخوركِ وارحلي

    أعمالي المطبوعة/الياسمين الأحمر/مايا/الموناليزا الهاربة

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •