ومن قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) ، فجاء الظرف الذي يحكي ما لم يقع بعد ، وهو الحشر الذي حُدَّ حَدَّ المضارعة مئنة من الاستقبال ، ودلالة المضارعة ، بادي الرأي ، دلالة الحال والاستقبال فَرَجَّحَ السياقُ دلالةَ الاستقبال ، وثم دلالة عموم دل عليها الضمير المتصل ، هاء الغائب في "يحشرهم" ، دل عليها دلالة التغليب ، فلا يقتصر على جمع الذكور بل يعم الإناث ، بل ويعم كل شيء ، فتجمع الأعيان كلها ، ولو عجماوات ، فإن العدل حكم يعم ، فيستغرق ما عقل وما عجم ، فالحشر فعل يعم كل كائن ، فجاء التقييد بالحال "جميعا" ، فهو فعيل بمعنى مفعول فيحشرون مجموعين بعضهم إلى بعض ، فيجمع الجن والإنس ، على حد الطباق إيجابا ، والحشر ، من وجه آخر ، وصف فعل يناط بالمشيئة ، ولازمه حياة الأبد فالرب ، جل وعلا ، هو الآخر الذي لا يفنى ولا يبيد خلافا لمن يحشرهم فالموت والفناء قدر كتبه الرب ، جل وعلا ، على كل مخلوق ، فـ : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، فذلك عموم يستغرق بدلالة الوضع الأول في اللسان ، ولا يخلو من تخصيص بالعقل ، فهو يجري مجرى العام الذي يُرَادُ به خاص ، فاستثنيت نفس الخالق ، جل وعلا ، سواء أقيل هي الذات أم وصف زائد على الذات ، واستثنيت نفوس شاء الرب ، جل وعلا ، ألا يجري عليها قلم الموت ، من الحور والولدان وأقوام يخلقهم الرب ، جل وعلا ، للجنة ، فَيَجْرِي ذلك مجرى المجاز ، عند من يجوزه في اللسان والوحي ، فالعام قد دل على خاص ، وهو نفوس المخلوقات التي جرى عليها قدر الموت ، فخرج الخالق ، جل وعلا ، وخرج من شاء الرب ، جل وعلا ، ألا يموت ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن هذا العموم محفوظ بالنظر في قيد ضروري يدل عليه النظر العقلي الصريح ، فكل نفس مخلوقة ذائقة الموت ، أو كل نفس مخلوقة لم يشأ الرب ، جل وعلا ، بَقَاءَهَا ، فإن هذه النفوس التي يخلقها للجنة ، أو تسكنها من الحور والولدان ، هذه النفوس لا تَبْقَى بذاتها ، فبقاؤها بإبقاء الرب ، جل وعلا ، لها ، فليس ثم باق بقاء الذات إلا الله ، جل وعلا ، فوصف الحياة والبقاء به يقوم أزلا وأبدا بلا سبب من خارج يستمد من الحياة والبقاء ، فَعَنِ الأسباب قد استغنى ، فَقَدْ خلقها وأجراها على سنن محكم ، والخالق ، جل وعلا ، بداهة ، في غنى عن المخلوق ، فمن خلق الكون وأجراه على قياس محكم ووضع له قانونا يَنْتَظِمُ أجزاءَه ، كيف يجري عليه هذا القانون وهو الذي قَدَّرَهُ وَخَلَقَهُ ، فكان العموم الذي استغرق كل نفس مخلوقة تَفْنَى ، فهذا القيد يجعل العموم محفوظا لم يدخله التخصيص ، فلا يقال بمجاز إذ المعنى يظهر ، بادي الرأي ، فالقيد بهذا الوصف يَنْفِي احتمال المجاز ، وقد ساغ الابتداء بالنكرة "كل" إذ تدل على عموم ، فضلا أنها قد أضيفت إلى "شيء" فحصل لها نوع تخصيص فَزَالَ من إجمالها ما سوغ الابتداء بها ، وبعدها جاء الخبر "ذائقة الموت" ، ولا يخلو الخبر من استعارة إذ استعير الذوق المحسوس باللسان لذوق آخر معقول ، فالموت وإن أدركه العقل ، وَوَجَدَ الحس بعض آثاره ، فـ : (لَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) ، فينظرون بالعين وَيَرَونَ ما يعالج الميت من سكرات ، ولكنهم لا يُبْصِرُونَ الملَك إذ يَنْزِعُ الروح ، فالرب ، جل وعلا ، أقرب بالملائكة ، فـ : (نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) ، فَقُرْبُهُ في هذه الحال بأسباب خَلَقَهَا ، وهي أسباب مُغَيَّبَةٌ ، كما أنه ، جل وعلا ، يقرب بعلمه ، فـ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، فذوق الموت ذوق معقول لحقيقة لا يدركها إلا من يباشرها ، فاستعير ذوق اللسان لها تَقْرِيبًا للمعنى ، فهو حقيقة في ذوق الحس مجاز في ذوق المعنى ، وإن لم يخل الموت أن يكون للحس فيه نصيب ، فإن ثَمَّ من آلام السكرات ما يوجع الأركان إلا أن يُخَفِّفَهَا الرب الرحمن ، جل وعلا ، ولا تخلو الإضافة أن تكون إضافة عامل إلى معمول على تقدير اسم الفاعل بالعامل المضارع ، فاستكن فيه ضمير الفاعل كما يستكن في العامل المضارع الذي اشتق منه ، فهو فرع عنه في العمل ، كما قرر أهل الشأن ، فإن اسم الفاعل مشتق من المضارع فيعمل عمله وإن كان أضعف فإن المشتق أضعف في العمل من الأصل الذي اشتق منه ، فيعمل بشروط ، خلاف الأصل فهو يعمل مطلقا ، فتقدير الكلام على القطع : ذائقةٌ الموتَ ، فيعمل عمل المضارع على تقدير : تذوقُ الموتَ فذلك مما يستقبل في زمان الوقوع وإن انْقَضَى أمره في العلم الأول فسطر في لوح التقدير ثم كان تأويله في الشهادة إذ أراد الله ، جل وعلا ، وقوعه كما قد قدره في العلم الأول وسطره في لوح التقدير ، فالمضارعة هنا على الأصل بالنظر في زمن الوقوع فلما يأت تأويله بعد ، فتأويل ما قد علم الرب ، جل وعلا ، أزلا هو : ما يقع في الخارج إذا شَاءَه الخالق ، جل وعلا ، فتأويل الخبر أو القدر هو وقوع المخبر به أو المقدور الأول ، فيكون تأويل القدر أن يموت فلان أو فلان من الكائنات ، أن يموت بالفعل ، فيصدق الشاهدُ الغائبَ ، فالمشهود يواطئ المغيب على وجه محكم لا زيادة فيه ولا نقص ، فيكون من تقدير الحكيم ، جل وعلا ، فَثَمَّ إتقان في الصنع ونفاذ في الفعل ، وذلك ما يعم ، لو تدبر الناظر ، أحكام التشريع كما التقدير ، فيكون من الإحكام ما يظهر في تأويل الأحكام الكونية ، وتأويلها أن تقع ، ويكون من الإحكام في الشرع ما يوجب تأويله في الخارج تصديقا وامتثالا ، فتأويل التكوين وقوعه ، وتأويل الإنشاء امتثاله ، فكان من المضارعة ما يستقبل فذلك قدر لا يسلم منه إنس ولا جان ، فالجميع ميت ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، والجميع يحشر : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، فكان الترتيب على التراخي ، فتلك دلالة العطف بـ : "ثُمَّ" إذ يموت المخلوق ويفنى ويكون ثم برزخ وحاجز حتى يشاء الرب الخالق ، جل وعلا ، بعث الأجساد فعند الله ، جل وعلا ، تجتمع الخصوم يومَ القيامة ، فيكون الاختصام وهو مئنة من المفاعلة فهي محاجة ، فكل خصم يحاج خصمه عند ربه ، جل وعلا ، وهو العليم الحكيم ، وهو العدل في القضاء ، فـ : (إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، وإطلاق الفعل "تختصمون" مئنة من استغراق لجميع الأقضيات الدينية والسياسية ..... إلخ ، فكان من الاختصام في الأولى ما لأجله بُعِثَ الرسل فجاءوا بما يَفْصِلُ في خصومات العلم والعمل ، فجاء الوحي يهدي ويسدد ، فَوَافَقَ من وافق فضلا ، وخالف من خالف عدلا ، وشاء الرب ، جل وعلا ، أن تُؤَجَّلَ بعض الخصومات ليوم الفصل ، فذلك يوم يفصل فيه الجبار ، جل وعلا ، بين الخلائق ، بالقدرة والحكمة فيظهر من آيات العدل ما يوجب الثَّنَاءَ على الرب ، جل وعلا ، فكان قدر الموت الذي عم ، وهو ما أكد بالناسخ في "إِنَّكَ مَيِّتٌ" ، وهو نص في الباب ، وقد أطنب بتكرار الناسخ على وجه استغرق الخصوم ، و : (إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، فكان قدر الموت الذي تذوقه كل نفس سواء أكانت جنا أم إنسا ، ذكرا أم أنثى ، فكان ظرف الحشر في آية الأنعام ، فـ : (يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) ، فدلالة المضارعة دلالة الاستقبال إذ رجحها السياق ، فدلالة الحال لا تظهر إلا إن كان الموت الكائن حالا ، إلا إن كان حشرا ، فهو قيامة صغرى ، أو هو قيامة بالنظر في المآل ، فهو سبب يفضي إليها ، فيطلق لقب الحشر في هذه الحال ، بالنظر في الغاية ، فالموت هو السبب الذي يُوصِلُ إليها ، فهو حشر إذ يفضي إليه ، فيصح ، من هذا الوجه ، أن يعجل في دلالة الحشر فيكون منه ما يقع في هذه الدار ، وهو الموت ، فهو فناء الأبدان وحشر الأرواح فلا تفنى ، ولا يخلو في هذه الحال ، أيضا ، أن يكون ذا دلالة استقبال فإن الموت قدر آت يبلغه المخلوق إذا شاء الخالق ، جل وعلا ، قبضه ، فكان من السبب المشهود مرضا أو طعنا ، فـ :
من لم يمت بالسيفِ مات بغيره ******* تعدّدت الأسباب والموت واحد .

ويكون من السبب المغيب ما يقبض الروح فأولئك رسل الخالق ، جل وعلا ، إلى المخلوق بقدر نافذ ، فلا يخلو الإرسال في هذه الحال من دلالة تَكْوِينٍ ، وقد جمعت الرسل في قوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) ، إما جمع تعظيم فالملك الموكل بالقبض واحد ، فيكون ذلك مما يلائم دلالة الإضافة إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فحسنت إضافة الجمع إلى ضمير الجمع ، وإن كان المضاف واحدا فهو خلق عظيم ، والمضاف إليه واحدا ، وهو الرب القدير الحكيم ، تبارك وتعالى ، فالجمع تعظيم ، ولا يخلو من وجه يصح فيه التعدد ، لا أن الآلهة كثير ، وإنما وصف الرب ، تبارك وتعالى ، كثير فَلَهُ من الكمالات ما لا يحصى ، وهي ، جميعا ، بذات واحدة قد قامت ، فليست كَثْرَتُهَا مما يسوغ ما ذهب إليه أهل التعطيل من الْتِزَامِ قدماء كثر في الأزل ، فَيَقُومُ الوصف في الخارج وقد استقل ، وهو ما لا حقيقة له في الخارج ، وإن جرد الذهن المعاني في حَدٍّ ، والذات في آخر ، وَمَايَزَ بين المعاني فليست القدرة هي الحكمة ، وليس العلم هو البصر ...... إلخ وذلك بَدَهِيٌّ آخر من بدائه العقول ، يحسم مادة التعطيل التي احتال بها بعض من تأول في هذا الباب فنسب الأوصاف كلها إلى الذات ، فالسمع هو الذات والبصر هو الذات فذلك يُفْضِي إلى إلغاء القدر الفارق بين المعاني إذ كلها تكافئ واحدا وهو الذات ، فهي واحدة ، وإن اختلفت حروفها لفظا وحدودها معنى على وجه يخالف عن البدائه ، كما تقدم ، فإن مادة "بصر" تخالف عن مادة "سمع" ، إن في جرس اللفظ الحاصل في الآذان ، أو في معناه الحاصل في الجنان ، فمن نفى هذا القدر الفارق وجعل الجميع واحدا فقد تأول على وجه عطل به دلالات الوحي بل ودلالات العقل واللسان ، فأبطل منطق الباطن إذ يفرق بين المادتين ، فالسمع غير البصر ، وإن كانا جميعا من أسباب العلم ، فالسمع درك المسموعات على وجه يحصل به من صورة العلم ما يكافئ الفعل ، فعل السمع ، فيحصل من العلم بقدر ما يحصل من السمع ، وكذلك الشأن في البصر ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فإن سمعه وبصره كلاهما مما يحيط ، فليس كسمع المخلوق وبصره ، فثم قدر فارق في الحقائق في الخارج ، وإن كان ثم اشتراك في المعنى الذي يثبت في العقل ، فجهة الاشتراك مطلقاتُ المعاني في العقل الباطن ، وجهة الافتراق مقيداتُ الحقائقِ في الخارج ، فلا تناقض ولا تعارض إذ انفكت الجهة ، فمن نفى هذا القدر الفارق وجعل الجميع واحدا فقد تأول على وجه عطل به دلالات الوحي بل ودلالات العقل واللسان ، فأبطل منطق الباطن ، على التفصيل آنف الذكر ، وأبطل منطق الظاهر إذ يفرق في حد اللفظ الذي يطرق الآذان ، فالسين والميم والعين مادة إذا جمعت حروفها حصل منها صوت مركب فهو دليل خاص على معنى بعينه يواطئه ، فذلك ما استجمع في ذَخَائِرِ الجنان الباطن من مَعَانٍ هي مقدمات الضرورة في أي استدلال مركب فهو يَتَأَلَّفُ من مقدمات وَنَتَائِجَ عقلية ، وكلها يؤول آخر الأمر إلى ألفاظ ومعان يجمع بعضها إلى بعض فتفيد بالمجموع المركب ما لا تفيده آحادها ، فالآحاد لها دلالات إفرادية في المعجم الأول لا يحصل بها من المعنى المفهم ما يشفي الغل إلا أن تجمع في سياق مركب يفيد بالجمع ما لا يفيد بالإفراد ، فَثَمَّ دلالة إفراد تفيد مطلقات في الذهن ، وثم دلالة تركيب تفيد مقيدات في الخارج ، وذلك ، أيضا ، مما يحسم مادة التشبيه في الإثبات وهو مِمَّا تذرع به المعطلة ، فإن قيد الإضافة للمعنى المطلق في الذهن أن يضاف إلى ذات أو إلى ضميرها ، سواء أكان مفردا أم مجموعا على حد التعظيم كما في قوله تعالى : (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ، فإن هذا القيد يحسم مادة التشبيه في الخارج ، وإن حصل من الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن ما لا يُتَصَوَّرُ بَيَانٌ إلا بإثباته ، فالاشتراك في المطلق في الذهن لا يوجب التماثل أو التشابه في المقيَّد في الخارج ، فلكلِّ ذاتٍ يقوم بها معنى ، لكلِّ ذاتٍ من هذا المعنى ما يليق بها كمالا أو نقصا ، فلا يستوي سمع الخالق ، جل وعلا ، وسمع المخلوق ، وإن اشتركا في جنس المعنى المطلق في الذهن ، فالقيد قد أبان عن القدر الفارق على وجه يوجب التوقف في حد الماهيات في الخارج ، ففي الإلهيات لا يجد العقل فسحة أن يجازف في حد الماهيات في الخارج فذلك ما لا يطيق فيفوضها إذ لا يطيق دركها ، ولكنه ، من وجه آخر ، يطيق إثباتها معان مطلقة في الذهن ، فلا يفوض المعاني وإلا أفضى ذلك إلى إبطال دلالات اللسان ، فلا تكون مادة "سمع" دليلا عن درك المسموعات فذلك ما يفتح باب التأويل ، فيخترع كل ناظر للمادة المسموعة من المعاني المعقولة ما يواطئ هواه ، وإن خالف عن بدائه النطق الباطن والظاهر ، فَيُسَوِّي بين المعاني على وجه ظاهر البطلان ، كما يلزم من قال إن السمع هو عين الذات ، والبصر كذلك ، فلازم ذلك أن يُسَوَّى السمع بالبصر إذ قد ساوى كلاهما واحدا وهو الذات ، فَلَزِمَ من ذلك ضرورة أن يَتَسَاوَيَا وإن اختلفا في لفظ المادة ودلالتها التي ركزت في الذهن ضرورة لا يجادل فيها إلا جاحد أو مسفسط ، فتلك شبهة تعطيل ما حصلت إلا من لوثة تمثيل ، فما لجأ الناظر إليها إلا فرارا من لازم لا يلزم ، وهو أن إثبات المعنى المطلق في الإلهيات يلزم منه التشبيه أو التمثيل في الخارج ، وليس ذلك مما يَلْزَمُ ، فجهة الإثبات تُغَايِرُ جهة النفي ، فالإثبات إثبات للمعنى المطلق في الذهن ، والنفي نفي للتشابه أو التماثل في الحقائق في الخارج ، وجهة الإطلاق الذهني تغاير جهة التقييد الخارجي ، وجهة الإثبات ، من وجه آخر ، تُغَايِرُ جهة التفويض ، فالإثبات للمعنى المطلق في الذهن ، والتفويض لعلم الحقيقة أو الماهية في الخارج ، وكذلك الشأن في تعدد الأوصاف ، وهو محل شاهد تقدم في قوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) ، فإن دلالة الجمع في ضمير الفاعلين إما أن تجري مجرى التعظيم فهي تدل على ذات واحدة ، وهي الذات القدسية ، وإما أن يكون ثم وجه يحمل فيه الجمع على الحقيقة لا جمع الذوات ، فالذات القدسية بما قام بها من أسماء حسنى وصفات عُلَى ، أولا وآخرا ، هذه الذات واحدة لا تَتَعَدَّدُ ، فذلك توحيد الذات والاسم والوصف ، وما يكون من تأويل هذه الصفات في الخارج من الأفعال ، كما في صفة الحشر يوم الفصل ، فإن ما يكون من الحشر يوم القيامة هو تأويل هذا الفعل الذي اتصف به الرب ، جل وعلا ، أزلا وأبدا ، فهو الحاشر للذوات وإن لم تخلق بعد ، إذ تقدم في العلم الأول ما يكون من إحيائها ثم إِمَاتَتِهَا ثم بَعْثِهَا يوم الحشر ، فالتوحيد يعم الذت والاسم والوصف ودلالات الأسماء والصفات الفعلية ، فالذات على التفصيل ، آنف الذكر ، واحدة لا تَتَعَدَّدُ ، وإنما تَتَعَدَّدُ الصفات التي تقوم بها ، فالعلم غير السمع غير البصر .... إلخ ، فذلك وجه الجمع في الضمير فهو يصح بالنظر في المعاني والأوصاف التي تقوم بالذات القدسية ، ولا يَلْزَمُ من تَعَدُّدِهَا تعدد الذوات إذ هي معان لا تَقُومُ بنفسها في الخارج ، وإنما تقوم بذات واحدة تَتَّصِفُ بها على وجه يلائمها ، كمالا أو نقصا ، فيكون التغاير في الحقائق في الخارج ، فذلك قياس العقل الناصح ، فلا يلزم ما التزم المعطلة من تَعَدُّدِ القدماء ، فيكون اسم السميع ذاتا تستقل ، أو وصف السمع الذي اشتق منها ، ويكون اسم العليم كذلك ..... إلخ ، فلا تغاير بالنظر في الدلالة الْعَلَمِيَّةِ ، فجميعها أعلام على الذات القدسية التي تَتَّصِفُ بالعلم والسمع والبصر وسائر الكمالات المطلقة التي جاءت بها الرسالة المنزَّلة في بابٍ الأصلُ فيه التوقيف فلا يدل عليه العقل إلا ضرورة مجملة في النفس هي ركز الفطرة التوحيدية الأولى فلا تنفك تفتقر إلى بَيَانٍ لا يستمد في مسائل الغيب إلا من مشكاة الوحي ، وذلك ما يعم كل ما لم يُعْقَلْ معناه من أحكام التوقيف بل ما عقل معناه فإن العقل لا يستقل فيه بقضاء ، وإنما يجتهد في تحرير المعنى الذي يناط به الحكم سواء أكان معنى خاصا في أصل منصوص فيقيس عليه ما يضاهيه من النوازل أم كان معنى عاما يستنبط باستقراء الفروع ، فمنها يَحُدُّ العقل مقاصد عامة عليها مدار الشريعة المحكمة ، فهي مما يصح به الاستدلال ما لم تخالف عن نص ، فلا اعتبار لما خالف نصوص الوحي الجزئية أو مقاصده الكلية فلا يعتبر العقل ما ألغى الوحي إن بالنص الخاص أو المقصد العام ، فالوحي حكم يهيمن من خارج فمنه يستمد العقلُ الأحكامَ ، وبه يُقْضَى بين العقول في الخصومات ، فذلك قضاء عاجل في الدنيا لما شاء ، جل وعلا ، القضاء فيه ، وما لم يشأ فكان من مادة الخصومة ما لم يحسم في هذه الدار ، فالخصومة فيه تكون بين يدي الرب المعبود ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، فكان ، وهو محل شاهد تقدم ، كان من الدلالة الْعَلَمِيَّةِ للأسماء ما يصح فيه الترادف ، فكلها تدل على مسمى واحد في الخارج فاسم السميع واسم البصير واسم العليم كلها بالنظر في الدلالة الْعَلَمِيَّةِ أعلامٌ تدل على الذات القدسية التي اتصفت بالكمالات المطلقة ، الذاتية والفعلية ، المعنوية والخبرية ، صفات الإثبات فهي مما يراد لذاته ، وصفات النفي تَنْزِيهًا عن النقص فهي مما يراد للازمه وهو إثبات كمال الضد من وصف الكمال المطلق على وجه يليق بذات الرب المهيمن ، جل وعلا ، فصح الترادف بالنظر في الدلالة الْعَلَمِيَّةِ ، وصح التغاير بالنظر في الدلالة الوصفية ، فإن اسم السميع قد اشتق من معنى السمع ، واسم البصير قد اشتق من معنى البصر ..... إلخ ، وتلك معان تَتَغَايَرُ وإن قامت بذات واحدة ، فكان الترادف ، من جهة ، والتغاير من أخرى ، على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض إذ الجهة منفكة ، وذلك ما اصطلح أن يسمى دلالة التكافؤ ، ولا يلزم منه ، كما تقدم ، تعدد قدماء في الأزل ، فالذات الأولى القديمة واحدة في الخارج قد قام بها من أوصاف الكمال ومعانيه ما دلت عليه الأسماء بدلالات الاشتقاق في اللسان ، فهذه الأوصاف مما لا يقوم بذاته ، بل لا بد من محل يتصف به ، فساغ الجمع من هذا الوجه في قوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) ، فالمقام مقام تعظيم تحسن فيه الإضافة إلى ضمير الجمع في "رسلنا" ، وهو ، من وجه آخر ، ما يواطئ دلالة الجمع في "رسل" ، والجمع فيه ، كما تقدم ، إما أن يكون جمع تعظيم لواحد وهو ملك الموت ، عليه السلام ، وإما أن يجري مجرى الحقيقة فإن من يسل الروح واحد ثم تَتَلَقَّفُهَا الملائكة منه ، كما في الخبر ، فيجري الجمع مجرى الحقيقة فهي رسل كثيرة ، فإما أن يكون الأمر تعظيما للملك القابض فصفاته كثيرة ، وإما أن يكون الأمر على حد الحقيقة فرسل الموت كثيرة ، خلافا لدلالة الضمير المجموع فلا تحتمل ، بداهة ، إلا معنى واحد وهو كثرة الأوصاف تعظيما لرب الخليقة ، جل وعلا ، فلا تحتمل تعدد الذوات فذلك من المحال إذ توحيد الذات والاسم والوصف والفعل تكوينا والحكم تشريعا ، كل أولئك ، لو تدبر الناظر ، من ضرورات العلم وإن أنكرها من جحد أو سفسط ، فلا اعتبار بخلافه إذ يخالف عن البدائه العلمية الضرورية ، فحسن الجمع مع الجمع ، جمع الرسل مع ضمير الجمع في "رسلنا" ، كما قد قال أهل الشأن في دلالة الجمع مع الجمع في قول الرب جل وعلا : (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ، فالأيدي قد جمعت تعظيما ، وذلك ما يلائم الإضافة إلى ضمير الفاعلين ، وهذا الجمع مما قد أبان عنه الوحي في موضع آخر فحده باثنين ، كما في قول الرب جل وعلا : (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ، فإما أن يجري مجرى القول إن أقل الجمع اثنين ، وإما أن يجري مجرى التعظيم على ما تقدم وإن كانت الإضافة هنا إضافة وصف إلى موصوف ، لا مخلوق إلى خالق ، كما في قوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) ، فتثبت صفة اليد على الوجه الذي يليق بذات الرب ، جل وعلا ، فيكون إثبات المعنى المطلق وتفويض علم الحقيقة والماهية بالنظر في الدلالة المقيدة بالإضافة ، وذلك ، كما تقدم ، أصل في هذا الباب ، فجهة الإثبات هي القدر المشترك وهو المعنى المطلق في الذهن ، وجهة النفي هي القدر المشترك في الخارج ، وهو الحقيقة والماهية فذلك ما لا يعلمه إلا رب البرية ، جل وعلا ، خلافا للمعاني فإن العقل يثبتها ضرورة بما ركز فيه من ذخائر اللسان فهي مفرداته في البيان والإفهام .

فجاء الشرط في آية الأنعام في قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، وذلك أمر يتكرر بل هو القدر الذي يَتَحَتَّمُ ، فحسن ، من هذا الوجه ، أن يصدر بأداة شرط هي مئنة من الكثرة فضلا عما تدل عليه من تلازم بين الشرط والجواب ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو الشرط من دلالة إيجاز بالحذف لما قد دل عليه السياق اقتضاء ، فإن الجائي هو قدر الموت بإذن الرب ، جل وعلا ، ولا يخلو من استعارة ما يحس من مجيء الجائي لما يعقل من مجيء المعاني ، وذلك أمر قد عم بدلالة الإضافة في "أحدكم" ، وهو ما يعم بدلالة التغليب ، بل ويعم كل جنس من الخلائق ، جنا أو إنسا ، كما تقدم في آية الأنعام ، فكان الطباق بين الجن والإنس ، فـ : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) ، وهو ، لو تدبر الناظر في معنى الحشر الأعم ، مما يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فذكر من يكلف ممن له عقل يناط به التصديق والامتثال ودلالة الحشر تجاوزه فهي تستغرقه وتستغرق البهيم الأعجم ، كما في الخبر أَنْ : "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ" ، فجاء الشرط يعم في قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، وهو ما قد دخله التخصيص بما كان من الحور والولدان والخلق الذي يُنْشِئُهُ الخالق ، جل وعلا ، للجنة ، فضلا منه وَمِنَّةً ، وإن لم يستقل بالبقاء فبقاؤه ، كما يقول بعض أهل الشأن ، ليس ذاتيا وإنما بقاؤه بإبقاء من خارج ، فثم سبب وهو مشيئة الرب ، جل وعلا ، ومن ثم جاء الجواب في قوله تعالى : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) ، فتلك وفاة قد أسندت إلى السبب فلا تعارض بينها وبين إضافة الوفاة إلى المسبِّب وهو الرب ، جل وعلا ، فذلك من فعله الكوني إذا شاء وأسباب الفعل هي ما يُرْسَلُ من رسل الموت ، فَتَوَفَّتْهُ الوفاةَ الكبرى ، لا وفاة النوم الصغرى ، كما في قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) ، ولا وفاة القبض والاستيفاء ولا يلزم منها موت أو نوم كما في قول الرب جل وعلا : (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) ، فلا دلالة فيها على الموت وإنما بقي في أجل المسيح ، عليه السلام ، قدر فمآله كسائر الخلق هو الموت ، وإن اختص الأنبياء ، عليهم السلام ، بخصيصة تزيد أنهم يُسْتَأْذَنُونَ قَبْلَ القبض ، وجاء ختام الآية حالا تقيد في قوله تعالى : (وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) ، وبها يحترز فتلك وفاة كاملة فلا تفريط فيها ولا تضييع ، فكان من القهر وصف جلال صُدِّرَتْ به الآية على حد القصر بتعريف الجزأين في قوله تعالى : (وَهُوَ الْقَاهِرُ) وهو مما يحمل على الحقيقة بالنظر في جنس القهر التام ، فتكون "أل" في "القاهر" مئنة من استغراق المعاني ، من وجه ، معاني الجلال والعظمة في القهر ، ومئنة من العهد الخاص إذ لا تحصل هذه المعاني التامة إلا في ذات واحدة وهي ذات الرب ، جل وعلا ، التامة ، فالوصف الكامل لا يقوم إلا بذات كاملة ، ولا تخلو دلالة القصر ، من وجه ، أن تكون مئنة من المبالغة ، إذ حصل القهر من غيره ، جل وعلا ، وإن قهر ظلم وعسف فكم قهر الطواغيت وكم ادعوا من فوقية العروش ما استجازوا به منازعة الرب المعبود ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه وهو العلو والقهر ، وذلك ما يكون بالكون إيجادا وإعداما فقهر الكائنات بالموت ، ويكون بالشرع إباحة وحظرا ، فلا تجوز المخالفة عنه فشرعه قاهر عال قد جاوز شرائع الأرض المحدثة ، فكان من طغيان المحدِثة في الأخبار والأحكام أن نازعوه وصف القهر فَرَامُوا العلو على الوحي بالتعطيل ، فعطل من عطل في الأخبار ، وعطل نظيره في الأحكام ، والباب واحد إذ يطغى العقل فيعلو ويقهر فهو يستحسن ويستقبح بمعزل عن الوحي المنزَّل بل ويعارضه بما يحدث من معان فيجعلها مرجع التصور والحكم الأعلى فيخضِع لها الوحي فقد صيره متشابها وهي المحكمة التي تَتَصَرَّفُ فيه إثباتا ونفيا ، أمرا ونهيا ، فلا يرضى بمرجع الوحي النازل الذي يجاوزه من خارج ، فطغى بما حصل له من هوى أو ذوق متشابه فَرَامَ التصرف به في الوحي المحكم وتلك طريقة تخالف عن قياس العقل الصريح فضلا عن ألفاظ الوحي الصريح ، فكان من القهر فوق العباد وهو معنى يعم ، فأطنب بعده بالخاص وهو إرسال أول ، فذلك إرسال الحفظة يحفظونه من أسباب الهلاك والعطب ، وقد نُكِّرَ لفظهم مئنة من الكثرة ، من وجه ، وعظم الوصف ، من آخر ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده زيادة في المنة الربانية ، وقد حد الإرسال حد المضارعة في "يرسل" مئنة من ديمومة واستمرار ، وذلك عام قد خص بالغاية في قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) ، وَقَدَّمَ ما حقه التأخير وهو الظرف "عليكم" في قوله تعالى : (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) ، قَدَّمَهُ مئنة من حصر وتوكيد فضلا عن دلالة الاستعلاء المعنوي الذي عم بدلالة الضمير المجموع ، كاف المخاطب في "عليكم" ، وكل أولئك مئنة من إحاطة العلم والقدرة ، فكان إرسال أول للحفظة ، وكان ثم شطر ثان فيه ذكر الإرسال الثاني إرسال الرسل القابضة فلا تفرط ، فكان من جناس الاشتقاق ما جمع النوعين ، الحفظة والقبضة ، بالنظر في جنس الإرسال العام وإن اختلفا في الماهية والوظيفة في الخارج ، وكلاهما ، من وجه آخر ، يندرج في جنس أعم وهو الإرسال الكوني فمنه إرسال الريح فضلا ، فـ : (هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) وإرسال الشياطين عدلا كما في قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) ، والإرسال الكوني ، من وجه آخر ، يشاطر الإرسال الشرعي في نحو قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ، يشاطره جنسا أعلى وهو معنى الإرسال المطلق .

والله أعلى وأعلم .