تقزيم الطموح استراتيجية بطيئة تنحط بصاحبها تَدْرِيجًا فيصير الطموح خاصا في مجتمع تَتِمُ تسويته على نار هادئة فتزدهر النزعات الفردية التي تقترن في العادة بحال من اللامبالاة تجاه الشأن العام سواء أكان دِينِيًّا أم سياسيا أم اجتماعيا أم أخلاقيا أم إنسانيا مجردا ، فَتَرْبِيَةُ الأمم بالأزمة والمجاعة ، أو بِالتَّرَفِ والبطالة ، وَتَرْوِيضُهَا بالترغيب تارة والترهيب أخرى ، كل أولئك يختزل الطموح في رغبة الفرد أن يأكل أو يشرب أو ينكح أو يحقق نجاحا علميا أو عمليا لا يغادر دائرة الأنا ، فهي في أعصار الانحطاط وغياب الرؤية الشرعية والسياسية ، هي المقدس الأول وربما الأوحد ولأجلها يستجيز الإنسان وطأ الضعيف ، فهو يزاحم لاستلاب حظه وينظر في حال من يحتاج ويسأل فلا يجد فسحة أن يساعد غيره إما أنه لا يجد ما به يساعد فهو في حال إفلاس مادي ومعنوي فلا يطيق ولو كلمة طيبة تُوَاسِي ، وإما أنه يَجِدُ وَيَضِنُّ في ظل ما تقدم من صناعة المجتمعات على هيئة أفراد تَتَنَازَعُ المكاسب والمناصب ، والضغط المستمر لا سيما ضغط الحاجة يستخرج من الإنسان نَزَعَاتٍ حيوانية لا غاية لها إلا إشباع الغرائز المحسوسة أو المعقولة ، مع استخدام قبضة البطش ، ولو تَلْوِيحًا ، فهي تضبط أداء المجتمع ، فيكون صراعه المكتوم الذي لا يجاوز أبدا حد التقاتل بين الأفراد ، فلا يهدد السلطة فهي ، أبدا ، في مأمن من غضبة العامة ، وذلك وسط يناسب أي إجراء سياسي أو عسكري تتخذه السلطة فهي لا ترى في المجتمع خطرا إذ نجحت في تقليم أظفاره فانحطت بطموحه حتى صار همه الرئيس ألا تستهدفه السلطة بالقوة الصلبة ! ، فيكفيه استهدافها له بالقوة الناعمة ، فقد أدخلته في دوامة احتياجات مادية وأزمات فكرية وأخلاقية ، فأفسدت مزاجه وانحطت بطموحه واستعملت أدوات وظيفية فاعلة ، فَثَمَّ دول ذات قوانين وسلطات تملك من قوة القضاء والنفاذ ما يسري في عموم الناس فتخضع له ، طوعا أو كرها ، ويتم امتصاص الغضبة مع كل إجراء بجملة من الإجراءات الدعائية والأمنية ، والإجراء الأمني هو الإجراء الوحيد الفاعل في هذا الإطار السياسي الوظيفي الذي يحمي السلطة من رد الفعل الغاضب ، إن كان ثم رد فعل ! ، فلا يكون في العادة رد فعل يُؤَثِّرُ بعد تقزيم الطموح ، ولكن الاحتياط واجب ، فلا يَرْدَعُ الناس مثل القوة وهي لا بد أن تكون غاشمة ، كما يقول بعض السفهاء ! ، وإن كان صادقا في هذه الكلمة وهو الكذوب ، فإن تمرير أي صفقة تاريخية : فكرية كتطبيع الأوضاع ، أو سياسية كتكريس الاحتلال ، ولو بإجراء رمزي يكرس واقعا عمليا فرمزية القرار أنه أضفى شرعية سياسية يمنحها الأقوى الذي يمسك بمقاليد السياسة المحلية والإقليمية والعالمية ، وهو الذي يضع معايير الشرعية الدولية التي يَتَشَدَّقُ بها صاحب الحق المغلوب ، فضلا ألا يكون صاحب حق فهو يَنْتَحِلُهُ زورا ، فليس إلا جزءا من دعاية الخصم ، فالهيئات السياسية التي تمثل القضية هي في نَفْسِهَا هيئات صنعها صاحب الشرعية الدولية التي خَطَّهَا بقلم القوة ، فلم تسطر إلا بمداد دماء جرت أنهارا في الحربين العالميتين ، فصار القوي المنتصر هو صاحب القرار وهو واضع الميزان الذي يمنح الشرعية تارة وَيَنْزِعُهَا أخرى ، وَيَسِمُ من يُوَافِقُ أو يَتَعَاوَنُ ، ولو من طرف خفي ، أنه معتدل فهو شريك عاقل في صفقة جائرة تهدم الأديان وتبيع الأوطان نظير رضى المركز فهو الذي يمنح صك التولية أو العزل ، وهو الآن ، كما في خطاب الاعتراف الأخير ، هو الآن يروم التعاون مع القيادات الشابة المعتدلة لرسم خريطة جديدة للمنطقة ، وذلك أمر لا بد أن تُعَدَّ له بيئة العمل الملائمة ، وهو إعداد طويل المدى ، فأعدت المجموعات الوظيفية التي تقوم بالتنفيذ وغرضها الرئيس إلجام المشاعر أو إلهاؤها ، وتغيير المزاج العام ، فلا بد من تجريم أي صورة من صور المقاومة الصلبة ابتداء ، فالمجموعة الوظيفية السياسية التي تمثل القضية المصيرية هي نفسها أول حزام أمني يطوق الكيان الغاصب فهو يجرم أي مقاومة تقرها كافة الشرائع والأعراف فمع تقادم العهد صار الدفاع عن أرض مغصوبة جريمة يعاقب عليها صاحب الحق نفسه ! ، فقد أُعْطِيَ له حق الحديث دون غيره فكان ذلك من مكر السياسة الدولية أن تُضَيَّقَ دائرة الحديث فالمنظمة وحدها هي الممثل الشرعي الوحيد للحق السليب وإن كانت هي الحامي الرئيس للغاصب الذي استلبه ! ، وتلك طريقة في السياسة ماكرة فليس توحيد المنبر مما يحسن في كل حال ، وإن كان الأصل في طلب الحقوق الاجتماع على قلب رجل واحد ، إلا أن توزيع الأدوار قد يقضي بتعدد المنابر مع التنسيق لئلا يقع التعارض فيكون ثم من يَتَبَنَّى خطاب مواجهة ويكون آخر يَتَبَنَّى خطاب موادعة وكلاهما يزعم أنه يطلب الحق ذاته فيقع التعارض والاختلاف وهو ما يمهد للعدو أن يتلاعب بالفرقاء فَيُغْرِيَ بعضهم بِبَعْضٍ كما صنع اتفاق أوسلو الذي أوجد سلطة أمنية وإن أضفى عليها الشرعية السياسية فهي مجموعة وظيفية أمنية بامتياز قد اقتصر دورها ولا زال على ملاحقة كل من يَتَهَدَّدُ الكيان اليهودي ، فكانت نكايتها في أصحاب الحق أعظم من نكاية الخصوم ، وكان التنسيق الأمني هو الثابت الوحيد الذي لم يُنْسَخْ من هذه الاتفاقية التي أُفْرِغَتْ من مضمونها شيئا فشيئا ، كما يتندر بعض الفضلاء ، فاتفاقية ثم ضربات تترى وفي كل ضربة يخصم جزء من رصيد السلطة في الصفقة بذريعة أنها لم توف بالتزاماتها وإن كان الخصم لا يوفي بشيء ابتداء ! إلا ما يذر به الرماد في العيون ، فلم يَبْقَ من الاتفاقية إلا التنسيق الأمني ، والخطاب السياسي الواحد إنما يكون لأصحاب الشوكة القوية وأما من يخوض جهاد دفع لعدو صائل فلا يحسن أن يجمع بيضه كله في سلة واحدة فضلا أن تكون السلة مما صنع الخصم فإنشاء المنظمة في ستينيات القرن الماضي كان من أعظم ما أضر بالقضية لا سيما مع تعدد الأيديولوجيات فثم من انطلق من قيم اليسار وثم من انطلق من قيم القومية في حقبة كان الكلام فيها باسم الوحي جريمة سياسية أو نكتة تُثِيرُ السخرية ، فلا بد أن يَتْرُكَ المفاوض السياسي لنفسه هامش مقاومة فلا يسلم السلاح كله فلئن اضطر في التفاوض أن يلتزم هدنة ، فليكن شعاره على أدنى حال ! ، شعار زعامات يهود : يد تفاوض وأخرى على الزناد ! ، فلا عجب في أي تفاوض أن يكون نَزْعُ سلاح المقاومة شرطا رئيسا بذرائع شتى كتوحيد الأجهزة الأمنية لئلا تسود الفوضى ، فلا يخرج سلاح عن سيطرة السلطة التي صنعها العدو لتحوطه ! ، فذلك من أبرز ما استفاد الخصم من إنشاء المنظمة التي احتكرت خطاب السياسة ورامت احتكار المقاومة المسلحة ، فَلَا يُلْزِمَنَّ المفاوِضُ غَيْرَهُ بما خاض فيه من مفاوضات فَيُجَرِّدَ نفسه من أوراق الضغط كلها ، وإنما يحسن به أن يعطي حملة السلاح هامشا يتحركون فيه ولو ورقة ردع يلوح بها فهو ينتفع بما تحققه من نكاية في الخصم الذي يفاوضه دون أن يتحمل من تَبِعَتِهَا شيئا فهي خارج سيطرته ! ، كما قد صنع النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحديبية ، فإنه لم ينكر ما صنع أبو بصير ، رضي الله عنه ، وإن لم يُؤْوِهِ في المدينة لئلا يخل بشروط الصلح ، فكان أبو بصير ومن معه ورقة ضغط ألجأت قريشا بعد ذلك أن تطلب تعديل المعاهدة بإلغاء ما اشترطت من رد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَنْ جاء منها مسلما ، فذلك يجري مجرى : مَا فَعَلْتُهَا ولم تَسُؤنِي ، وأما توحيد الخطاب وإن شئت الدقة فَقْلِ احتكار الخطاب على وجه لا يسلم من التهمة ، فالمحتكِر غير مأمون بما ظهر من سوابق تدل على التفريط والتنازل فضلا عن الخيانة والتآمر وضروب من الفساد الأخلاقي والمالي والإداري ، فاحتكار الخطاب ، وليس ثَمَّ كيان راسخ ذو شوكة ، مما يسهل أمر الخصم في احتواء المقاومة فقد صنع مجموعة وظيفية تحتكر الخطاب وراح يفاوضها وَيُنَسِّقُ مَعَهَا للقضاء على المقاومة التي تَزْعُمُ أنها تَتَحَدَّثُ باسمها ! .
ولم تقتصر صناعة المجموعات الوظيفية على المجموع الوظيفي الذي يمثل صاحب الحق في هذه المسرحية ، بل صنعت المجموعات السياسية التي تجاوره ، وهي القيادات الشابة آنفة الذكر التي حققت نقلة نوعية في عملية التطبيع والتطويع ، فلا بد من شخصيات ثورية ذات طموح كبير واضطراب في المشاعر ، فهي تَتَّسِمُ بِرُدُودِ الفعل الحادة في قمع أي مخالف وهي شخصيات لا تملك مؤهلات القيادة فلا خبرة ، ولو سياسيةً ، فضلا عن رقة الديانة وضحالة الفكر وإعجاب عظيم بالنفس في مقابل الإزراء بغيرها فكل من تقدمها لا يفقه من أمر السياسة شيئا فوحدها من سيتخذ القرار المصيري الذي جبن عنه غيرها وذلك ما ورد في خطاب الاعتراف فالرئيس النرجسي ذو الطابع العدواني مع قلة العقل فهو يجمع إعجابا بالنفس وعدوانية في الطبع فضلا عن سلطات كبيرة ، هذا الرئيس يعلن أنه اتخذ قرارا جَبُنَ عنه من سبقه في سدة الرياسة فآن الأوان أن يظهر الرئيس الشجاع الذي لا يخشى ردة الفعل لا سيما وشركاؤه في الصفقة قد مهدوا الأرض فاقتلعوا منها الشوك وهم على طريقته فالمرء على دين خليله ، فَلَوْ تَدَبَّرَ الناظر في الزعامات الحديثة التي كان لها دور رئيس في صياغة المشهد السياسي في الشرق ، من قضى منها نحبه ومن ينتظر ! ، لو تدبر في أخلاقها ودوافعها النفسانية لوجد الجميع على صورة واحدة مع اختلاف في القدر ، فبعضها أشد حماسة من بعض ، فثم من يتسم بقدر من العقل فأخلاقة السياسية أخلاقٌ محافظة لا تروم القفزات المفاجئة التي تهدد بانهيار الْبِنْيَةِ السياسية الكلاسيكية ، وَثَمَ من فقد العقل فأخلاقه السياسية أخلاق تُجَازِفُ في صفقات كبيرة ، فالمقابل يغري ، فَثَمَّ من يطلب الملْكَ ولو لم يكن له أهلا ، وهو في سبيل ذلك يجاوز كل الأحكام والأعراف ، فثورة التجديد الفكري والسياسي لا تحتمل تأجيلا ، فتكون قَرَارَاتُهَا تَتْرَى فهي تفجأ الرأي العام إذ تنسخ أدبياته الفكرية والسياسية والاجتماعية وتلك ثورة لا بد لها من قوة صلبة تسلك جادة الصدمة المفاجئة لتشل المجتمع فتسهل السيطرة عليه في انقلاب سياسي وفكري يدشن مرحلة جديدة لا تطيق صوتا يعارض ، ولو ناعما لا يفاصل فهو يحتفظ بهامش مهادنة واسع مع السلطة تجعله في أحيان يؤيد ويبايع فيكون طرفا في صفقاتٍ ضيقة الأفق يروم بها نجاة ، ولو بالصمت ، وإن صار ذلك ، أيضا ، من جملة ما نسخته هذه القيادات الشابة الطموحة التي يشيد بها خطاب الاعتراف الأخير ، فلم تعد ترضى بالصمت بل لا بد من بيان يؤيد وفتوى تُوَقَّعُ نِيَابَةً عن رب العالمين ، جل وعلا ، أن ما يجري هو حكم الوحي فلا زال له في النفوس بقية هيبة تجعل عنوانه حتما لازما ولو إلى حين ! ، فصفقات التطبيع قد حملت في مراحل عنوان : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، وتحت هذا العنوان الديني تَتَحَرَّكُ مجاميع وظيفية إعلامية تغرد داخل السرب هذه المرة ، فهي تهون الأمر على النفوس بل وتنطق بحجة الخصوم فلا تعرف لأصحاب القضية حقا ، ولو من منطلق قومي سياسي أو وطني سياسي ضيق فالمنطلق الديني قد تم احتواؤه وإخماده بل قد صار مناط اتهام بالتطرف والتعصب كما يظهر في خطاب المجموعات السياسية التي تحمل هَمَّ القضية فهي تحذر كما يحذر الخصم ! تحذر من موجات إرهاب وتطرف قد تجتاح المنطقة ، فالقرار يجعل لهذه المجموعات البغيضة حجة ، والقضية كما يقول بعض أرباب الفلسفة من خصوم الأصولية الإسلامية حصرا ! ، القضية قد اختزلت في كلامه بين مجموعات إسلامية أصولية متطرفة ونظائرها في المعسكر الآخر ، فثم أصولية إسلامية في مقابل أصولية يهودية ، فهذا الخطاب المتشنج من كلا الفريقين هو ما يعوق جهود التسوية التي يبذلها رجالات السلام والتطبيع الذي يُبَشِّرُونَ بعهد جديد من المحبة لا صراع فيه أبدا سواء أكان صراعا دينيا أصوليا أم صراعا سياسيا فبعد إخراج الإسلام من المعادلة وحصاره بتهم الإرهاب والتطرف مع استنباط النسخة المعتدلة فهي أحدث إصدارات الإسلام ! وهي خط الدفاع الأول الذي تقف وراءه السلطة الحاكمة في حربها الضروس مع الأصولية الإسلامية مادة الشر والعنف في المنطقة بل وفي العالم كله ! ، فبعد إخراج الإسلام من المعادلة جاء الدور على الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي يستعمل مفردات العصر فلا يخرج عن مقررات الشرعية الدولية فهي مستند النضال السياسي المعاصر الذي يستجدي أي دعم فيناشد القوى الدولية التي تحب السلام وتحترم القانون تُنَاشِدُهَا أن تَنْتَصِرَ للحق فتدغدغ الضمير العالمي إذ القرار مخالف للشرعية الدولية ! ، وكيف لعاقل أن يطلب من خصمه أن يعدل فيه فيتحاكم إلى شرعية وضعها الخصم الذي لا يعرف إلا لغة القوة ، فتلك شرعية كتبت بدماء ملايين ضحى بهم المركز لِيُؤَسِّسَ بُنْيَانَ العالم الجديد ، فهل يستجيب هذا الضمير العالمي ويقر بحق أصحاب الأرض ؟! ، فغاية أمره أن يحتاط إن كان ثم بقية مقاومة ، فيستجيب لتحذير العقلاء من الزعماء المعتدلين فالقرار يؤجج مشاعر الشعوب ، فلا فقه في استفزازها بقرار سياسي هو في حكم النافذ ، فالإعلان عنه يكاد يكون تحصيل حاصل وإن لم يخل من رمزية سياسية تجعله بالون اختبار لإجراءاتِ تسويةٍ أشد عنفا واستفزازا ، فالخطر الأكبر في الخطوات التالية إذ كَسَرَ هذا الخطاب حاجز العقل السياسي المحافظ فصاحبه ذو عقل سياسي ثوري ! ، يتسم بالمغامرة كما أتباعه في دائرة الصراع ، فَثَمَّ مغامرون كثير قد رضوا أن يكونوا طرفا في هذه الصفقة الثورية مع أن أَدَبِيَّاتِهِم السياسية تجرم مصطلح الثورة إلا ما يكون من ثَوَرَاتِهم على الأفكار الأصولية العتيقة والسياسات الكلاسيكية العقيمة التي لم تحقق شيئا طيلة عقود مضت فلا بد من جرعة تجديد فكري وسياسي تنقل الشعوب إلى مرحلة جديدة من السلام الذي لم يعد الآن إلا استسلاما لتصور كامل يروم قفز الحواجز ولا يطيق مشهد التفاوض العبثي الذي يوزع أدواره تهدئةً بلا حل جذري ، فكان يكسب الوقت ويرسخ أمرا واقعا على الأرض ، وتلك مرحلة قد جاوزها طموحه الجارف الذي يروم الآن قرارا شجاعا جبن عنه من سبق ، فآن الأوان أن يتصدر الشجعان المشهدَ ، فيتخذوا القرار النهائي دون مداهنة ، فالشعوب قد ثم إخضاعها وتقزيم طموحها والقضاء على نخبها الفكرية والسياسية وصناعة النخبة البديلة التي كانت حتى وقت قريب تغرد خارج السرب فكانت السلطة تتعاطف معها في الباطن فلا تجرؤ على إظهار ذلك حتى نَبَتَتْ الزعامات الثورية المعاصرة فأعطت لهم فضاء إعلام رسمي أن يدشنوا المرحلة الجديدة ، فالثوابت الفكرية والسياسية محل نظر ! ، وصناعة الرأي العام الجديد قد تحتاج في أحيان إلى قدر من القوة الغاشمة التي تشل الجمهور فلا يقاوم وبعدها يكون التلطف والرفق بعد أن تضع الحرب على التطرف والأصولية أوزارها فيكون الخصم قد استسلم فلا يقاوم الأفكار والقيم الجديدة فلا قوة له أن يقاوم بعد ما وجهته السلطة من ضربات صلبة وناعمة ، والمشهد قد أُعِدَّ على مكث بالنظر في تاريخ الزعامات السياسية المعاصرة ، فنقلت الجماهير عبر ملكيات وجمهوريات تعاقبت وكان لكلٍّ خطاب تقتضيه المرحلة فهي تقضي في أحيان أن يظهر السياسي من الجفاء ما يلعب به دور المقاوم ، ثم يفرغ الخطاب السياسي شيئا فشيئا من مضمونه عبر مراحل لا يفطن لها الرأي العام الذي يُعَادُ تشكيله وهو لا يشعر ، فخطاب المقاومة فضلا عن الجهاد فهو تهمة في هذا العصر ! ، هذا الخطاب يوصف في مراحل تالية أنه خطاب عاطفي متشنج ، فلا بد من قدر من التعقل يفضي في النهاية إلى اتفاقيات السلام والتطبيع التي تقف الشعوب حجر عثرة في طريقها فلا بد من تهيئتها طوعا أو كرها ، أو بهما معا ، فترغيبا في مواض وترهيبا في أخرى حتى تقبل ما يمليه الخصم فالمشهد لم يعد يحتمل تفاوضا جديدا فقد مَلَّتِ الأطراف جميعا هذه المسرحية المكررة ، وإذا تدبر الناظر مصر ، على سبيل المثال ، لوجد أنها مثال قياسي ، فجمهورياتها المتعاقبة قد نجحت في تطويع الرأي العام ، رضي أو سخط ، فصار السلام هو الخيار الاستراتيجي الأوحد مع أن مبدأ الخطاب كان حربا في العهد الملكي الذي لم يكن يحتمل آنذاك الدخول في تفاوض ، فلم يكن الرأي العام يحتمل ذلك بل لم يكن يحتمل خطابا سياسيا بلا إجراء فاعل على الأرض ، فليس إلا الحرب فكانت مسرحية 48 التي اكتشف فها العدو نجوم الجمهورية الأولى ، جمهورية يوليو فأحسن استثمارهم في امتصاص غضبة الجماهير الثائرة على النظام الملكي ، ولم يكن خطابه الثوري آنذاك يحتمل عبارات الدبلوماسية الهادئة ، فلا بد من خطاب عاطفي ثَائِرٍ من قبيل : سنقاتل سنقاتل سنقاتل ! ، ومع ما كان من تجاذبات السياسة التي يَخْرُجُ فِيهَا الْمُمَثِّلُ البارع عن النص فَلَهُ من الإبداع والطموح الخاص ما قد يتحمله المخرِج تارة ، ولا يتحمله أخرى فيبادر بالعقوبة ، فسقف الطرح القومي الذي أجج مشاعر العرب قد انهار على رءوسهم في يونيو 67 ، فانتقل الرأي العام من مرحلة الثورة إلى مرحلة السكون وخطابه وإن احتفظ بِبَعْضِ مفردات الثورة إلا أنه قد انتقل ، شاء أو أبى ، من خطاب الهجوم إلى خطاب الدفاع ، خطاب الجمهورية الثانية ، جمهورية أكتوبر التي استندت إلى شرعية النصر الذي صنع الجند بعضه على الأرض وتولت آلة الدعاية بقيته فصار يملأ السمع والبصر ، فتلك شرعية البطل الذي قاد معركة الحرب كما سيقود بعد ذلك معركة السلام ولا أحد يجرؤ أن يعترض فمصيره الطرد إذ استدرك على رب الأسرة وصاحب العصمة والحكمة الذي يعلم من دخائل الأمر ما لا يعلمه العامة وتلك دعاية تتكرر في كل عصر فآلة الإعلام التي تجيد صناعة الآلهة تختص الزعيم بأسرار ومواهب لا يطيقها بشر فهي وحي بل قد جاوزته إلى علم بالبواطن والسرائر ! ، فمهدت الأرض لصفقة السلام الأولى في 1977 بالزيارة التاريخية التي كانت نقلة نوعية في تاريخ الصراع فقد أقر صاحب القضية بحق المحتل في الأرض ، وهو ما سيزيد بعد ذلك فيقول رئيس السلطة : إن دولة يهود قد ولدت لتعيش لا لتموت ! ، وما ظنك بخصم يقابل خصمه بهذه الكلمات في صراع وجود لا يحتمل القسمة على اثنين فقد أقر له أنه باق فمن يزول إذن إلا الطرف الآخر كما يجري العمل الآن على قدم وساق في صفقة القرن ، صفقة السلام في نسختها الجديدة ، فكان التمهيد المتدرج بعد حرب أكتوبر بخطاب العقل الذي يفتش عن المصلحة الخاصة فما نَالَنَا من هذه القضية إلا كل رزية ؟! ، فليست قضيتنا إذ المناط قد ضاق ، فكان إسلاميا ثم صار قوميا ثم صار وطنيا ، واختزلت القضية في أصحاب الضرر المباشر فالأطراف الأخرى وسيط لا طرف في الخصومة وَلَيْتَهَا كانت وسيطا نزيها بل هي تَتَلَقَّى الأمر من المركز لتضغط على الطرف الأضعف ، ليقدم التنازلات التي كانت بالأمس ذات خطوط حمراء وإن ذهبت في التنازل إلى أبعد الآماد ، فصار من العبث الاستمرار في هذا المسار ، فلا بد من نقلة نوعية يتخذها زعيم نرجسي مستبد يمارس من أبوة السياسة ما لا يقبل معارضة أو مناقشة فهو يعلم ما لا تعلم العامة ، فكان قرار السلام الذي دشن الجمهورية الثالثة ، جمهورية مارس 1979 ، وهي جمهورية قطعت أشواطا واسعة في مسار التطبيع السياسي والاقتصادي وإن لم تحقق الشوط نفسه في تطبيع المشاعر العامة ، فقد نجحت في اسْتِنْبَاتِ نخبة فكرية وإعلامية تُرَوِّجُ لهذا المسار ومارست من الضغوط الصلبة والناعمة على الجماهير ما قَزَّمَتْ به الطموح وإن لم تخمد في النفوس جذوة المقاومة ، ولو ضعيفة ، فكان ثَمَّ خطوط حمراء تحول دون قطع الشوط كله ، فصفقة القرن تَفْتَقِرُ إلى قائد أشجع وأشد نرجسية وإعجابا برأيه وأشد تفريطا في كل ثابت مع امتلاكه أدوات السلطة فيوشك أن يتخذ من القرارات ما يصدم الأديان والأبدان جميعا فلا بد من التحضير بجرعات عالية من العنف تُرَغِّبُ وَتُرَهِّبُ فهي تقزم طموح الجمهور فلا يأبه بما يغامر به الزعيم من حاضر ومستقبل ، فقد صار في مأمن وهو يجاوز كل خط أحمر ، وما خفي كان أعظم ، فلئن كان ثم في مسلسل الجمهوريات : جمهورية ما أطلق عليه ثورة يناير ، مع ما اكتنفها من قصور وما كان من تلاعب الخصوم وضعف الأداء إلا أنها كانت تحمل اسم الثورة وإن لم يكن لها من المسمى كبير حظ ، إلا أن الاسم في نفسه لا يقبل الدخول في صفقات السياسة ، فاسم الثورة يخاصمها ، فكان انقطاع في إسناد الجمهوريات اتصل بآخرها ، جمهورية يوليو 2013 فهي الجمهورية الشجاعة التي تطيق المجازفة بقدر أكبر من الثوابت ، فسوف تحقق من النجاح ما لم تحققه جمهورية مارس 1979 وإن كانت إفرازا من إفرازاتها ولكنه إفراز مُعَدَّلٌ فسقف تنازلاته أعلى ، وما خفي كان أعظم ، فربما كانت الجمهورية التالية أسوأ ، فالأمر في الجملة من سيئ إلى أسوأ عبر مراحل متدرجة من الصناعة على نار هادئة ، فما كان بالأمس خطابا معتادا في أدبيات الحياة العامة ، بل وكان محل استحسان إذ يُشْعِرُ النفوس بالعزة ، ولو وهما ، قد صار الآن خطابا ثوريا عاطفيا لا ينظر بعين الواقع في معطيات السياسة فلا بد من كسر حاجز الصمت بزيارة كزيارة القدس في 1977 لإلقاء حجر في المياه الراكدة وإلزام الخصوم بصفقة السلام فهي قرار شجاع حكيم ! ، بل وله مستند من التنزيل ، فـ : (إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فالسلم ليس جريمة ، بل هو مقتضى الفقه والعقل ، فانحط خطاب الثورة إلى خطاب العقل ، وخطاب الثورة ، وإن انطلق من مبادئ القومية أو الوطنية ، قد صار اليوم محل استنكار وتجريم فهو خطاب أصولي متطرف ، وذلك يشبه ، من وجه ، ما يتندر به بعض المتابعين إذ مناط الأمر وهو بيت المقدس الإسلامية قد انحط دركة فصار بيت المقدس العربية ثم انحط أخرى فصار بيت المقدس الفلسطينية ، وأرضها ، أيضا ، تختزل من القدس كلها إلى القدس الشرقية إلى أبو ديس فالتسوية تقترحها عاصمة بديلة مع إعطائها عنوان القدس فالمدن تتشابه أسماؤها بلا حرج ، وذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، حَلٌّ قد خرج من عقل يَرَى كل شيء قابلا للبيع والشراء ، ولو كان الأرض والمقدسات فقد اشترى كثيرا من ولاياته في الأرض الجديدة ليضمها إلى دولته الناشئة آنذاك فاقتراح البيع والشراء اقتراح لا يُجَرَّمُ في ثقافته وهو ما استزرعه في عقول أتباعه من دول الطوق والجوار ، فكثير منهم قد تلقى أفكاره في معاهده فَتَشَرَّبَ ثقافة لا تَرَى خطا أحمر ، ولو دينا وأرضا ، فكل شيء يقبل التفاوض في إطار صفقة القرن ، وأي رمز يقاوم ولو مقاومة ناعمة فلا بد من إقصائه من المشهد طوعا أو إكراها ، بل مجرد وجوده ، ولو مأسورا ، قد يشكل خطرا على شرعية الصفقة ، فمن يُبْرِمُهَا لا يطيق أي رمز يجاوره ولو كان في سجنه أسيرا ، ولعله يسعى في التخلص منه ولو باغتياله جسديا بعد فشله في اغتياله معنويا بكسر الإرادة والقبول بأي تسوية ، فمع ما اكتنف طرحه من قصور عظيم إلا أنه كان محركا يؤثر ولو باستحضار عاطفة سريعة الاشتعال والانطفاء على ما قد عهد في شعوب الشرق ، فهذه العاطفة الآن ، ولو مجردة من الفعل ، ليست محل رضى أو قبول ، فهي ضد العقل والسلم العام في بلاد ، وضد الشرع في أخرى قد صارت فيها الفتوى أداة من أدوات السلطة تَنْسَخُ به ما تشاء من الأحكام وَتَنْبِزُ به من تشاء من خصومها ، فَثَمَّ حزمة من الأسماء والأحكام الشرعية التي توظف في الخصومة السياسية ، وأبرزها الآن اصطلاح الأصولية والراديكالية الإسلامية ، وإن أظهر بعضٌ من الموضوعية ما يكسو به مقاله ، فالأصولية الإسلامية واليهودية ، كما تقدم ، عائق رئيس أمام مستقبل زاهر ينتظر المنطقة بعد التسوية والتطبيع وإن كانت الجناية كالعادة تقع ابتداء على الأصولية الإسلامية فما ذكرت معها الأصولية اليهودية إلا ذرا للرماد في العيون لئلا يقال إن الخصومة للإسلام حصرا ! ، ولا يجد الناظر أي إجراء فاعل يحسم تلك الأصولية اليهودية في مقابل إجراءات التطبيع والتركيع التي تُتَّخَذُ ضد الأصولية الإسلامية ، لا سيما والقلاع المحافظة تَتَهَاوَى ، فكان الطرح العلماني فيها بالأمس خفيا فلا يظهر إلا نَزْرَا يسيرا ولو اختبارا لمشاعر الجماهير المحافظة ، فَأُعْطِيَ له اليوم من الفضاء الإعلامي ما صار به يَنْطِقُ بحجة الخصوم في حملات دعاية شرسة تمهد الأرض ، أيضا ! ، لصفقة القرن ، فهي تنطق بلسان الخصم فلا وطن للمسلمين أو العرب أو الفلسطينيين على الخريطة السياسية بل التاريخ والجغرافيا شاهد بالوطن القومي اليهودي والعاصمة الأبدية وليس صاحب الأرض إلا شراذم من الجبارين قد ذمهم التنزيل فأمر بني إسرائيل أن يدخلوا عليهم الأرض فلما دخلوها في عهد يوشع بن نون ، عليه السلام ، صارت لهم ملكا حصريا ! ، آمنوا أو كفروا ، سارو على منهاج الرسالة أو سلكوا سبل الغواية فهم شعب مختار لا يحاسب ولا يعاقب والأرض لهم أبدا صلحوا أو فسدوا ، ومن العجب أن صاحب هذا العقل ينعت خصمه أنه عنصري متعصب يزعم أن أمته خير أمة أخرجت للناس ! ، فوعد المائة الماضية ، وعد بلفور في 1917 ، قد جاء الاعتراف الأخير يصدقه ، وَبَيْنَهُمَا ، لو درى الناظر ، محطات انهيار أعظم تحركت لأجلها الجماهير فنكبة 48 أعظم منه ، ونكبة 67 أعظم ، وحريق المسجد الأقصى في 1969 أعظم ، ونكبة 79 أعظم ، ونكبة أوسلو 93 أعظم ، ونكبة غزة أريحا 94 أعظم ، وهي التي صيرت خصم الأمس طوقا أمنيا يحيط بخصمه ويحميه من اعتداءات الجماعات الراديكالية المتعصبة ، وفي كل مرة كانت الجماهير بعاطفتها المجردة من أدوات الفعل السياسي والميداني ، كانت الجماهير تَنْتَفِضُ وكانت السلطة تجاملها بقدر هَبَّتِهَا ، فيكون سقف الخطاب العالي الذي يهدئ الروع والمشاعر ، كما يرى الناظر في بعض ردود الأفعال بعد الاعتراف الأخير ، فدعوات إلى قمم ومؤتمرات لا تَتَمَخَّضُ في العادة إلا عن فئران هزيلة فهي تُفْرِغُ الحراك الجماهيري في قالب دبلوماسي ناعم يتخذ بعض الإجراءات الشكلية وقد لا يتخذ إجراء إلا الشجب والاستنكار وربما كان الخطاب أهدأ فهو يبدي التحفظ والقلق لا أكثر ، ولكل مرحلة ، كما تقدم ، خطاب يلائمها ، في إطار سياسة التقزيم المتدرج لطموح الجمهور المتحفز ، وهو ما يشبه ما كان بعد حريق المسجد الأقصى في آب 1969 فقد نامت رئيسة الوزراء اليهودية جولدا مائير وإن شئت الدقة فقل لم تَنَمْ لَيْلَتَهَا خوفا من رد فعل المسلمين والعرب فكانت تخشى زوال الكيان اليهودي بعد هذه المغامرة فاستيقظت ولم تجد شيئا ، إلا مؤتمر الرباط الذي امتص غضبة الجماهير ، فَأَيْقَنَتْ آنذاك أن دولتها قد صارت حقيقة واجبة بعد أن كانت فرضا محالا بمعيار التاريخ والجغرافيا والسياسة .

وقيادات الجوار الآن ما بين طامح يستعجل الرياسة ولو اتخذ من الإجراءت ما قد يُفْضِي إلى ضد ما يريد فالعجلة قد تفسد وتحرق وإن أراد صاحبها أن يُنْجِزَ وَيُنْضِجَ ، وثم من شغله وسواس الشرعية فهو يفتش عن أي مستند يَرْكَنُ إليه ليؤسس شرعية لحكمٍ يفتقر إليها فضلا أنه إفراز خرج من رحم جمهوريات صنعت على عين الخصم ، وقد قالت قيادة من قيادات الكيان الغاصب يوما ما : إن أبناءنا سيحكمون بلاد العرب ولو طال الزمن فسواء أقصدت الولادة الحقيقية فهم من رحم أمهات يهوديات ، أم قصدت الولادة المجازية وهي الولادة الفكرية في معاهد يَتَشَرَّبُ الدارس فيها مبادئ الخصم وقيمه الحضارية ، وهي ، لو تدبر الناظر ، أعظم خطرا من الولادة الحقيقية ، فسواء أقصدت هذه أم تلك فقد تحقق ما قالت ، وظهر من الجيل الجديد من يروم التجديد والتطبيع لا سيما وقد وجد من المركز قيادة مغامرة في دنيا المال والأعمال ، فالسياسة عندها صفقات ! ، فالمرحلة لا تحتمل لطفا أو وداعة ، بل لا بد لأي نقلة نوعية من قبضة حديدية إذ طموح المركز الآن قد جاوز حد زرع الكيان إلى إعطائه شرعية الحياة بل وقيادة المنطقة ، كما قد جاء في خطاب الاعتراف فالكيان الغاصب هو أعظم أنموذج سياسي في المنطقة فهو الرائد الذي يُحْتَذَى والمسارعة في التطبيع معه هي واجب الوقت فذلك ما يوفر على المنطقة مائة عام أخرى من التخلف والرجعية ، فلا عجب أن يكون اعتراف كهذا قد اتُّخِذَ بعد التشاور مع رجال المرحلة ! ، فرجال التطبيع أشد حماسا في إبرام الصفقة ، والمشهد العام ، لو تدبر الناظر ، يغري أي مغامر في ظل حال من التشرذم والانقسام ، فالمنظومات السياسية القديمة تتآكل وبعضها قد دخل في مرحلة الموت السريري وثم تحالفات جديدة تعقد على أنقاض التحالفات القديمة ، وكأن الأمر قد آل ، كما يقول بعض المحللين ، إلى حلف أنجلوساكسوني تقوده أمريكا ومن ورائها مصر والأردن وبعض دول الخليج ، وفي مقابله حلف تقوده روسيا ومن ورائها تركيا وإيران ، وقمة سوتشي دليل بارز على حجم هذه القوى الثلاث ، روسيا وتركيا وإيران وإن كانت روسيا هي الطرف الأقوى ، ورئيسها يطلق في سياق ما يقع الآن في الشرق من إعادة رسم للخرائط ، يطلق في هذا السياق خطابا يستحق التوقف فهو يرى أن روسيا هي الحامية الجديدة لنصارى الشام بل ويهود فلسطين فقد تواصلوا معه عن طريق الجمعيات اليهودية في أمريكا فهو يروم وجودا دائما في المنطقة ، وإن زعم أن دوره قد انتهى بعد أن وضعت الحرب أوزارها ، فَيَرُومُ لعب دور كالدور الذي لعبته روسيا الأرثوذكسية إبان مراحل الضعف في الدولة العثمانية فكانت روسيا تجيز لنفسها التدخل في شئون الدولة العثمانية باسم حماية الأقليات والإشراف على المقدسات فهي مسمار جحا شهير في عالم السياسة ، فذلك حلف يقابل الحلف الأول ، وهو يتألف من روسيا وتركيا وإيران والصين ، ولو دعما غير مباشر ، وبعض آخر من دول الخليج ، ولعل مشهد الحرب بالوكالة في بلاد الشام واليمن هو أَحَدَ مظاهر الصراع بين المعسكرين الجديدين في الإقليم ، والأيام القادمة حبلى بِتَغَيُّرَاتٍ تَتَسَارَعُ لا يعلمها إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، والجامع الرئيس الآن أن لا دور للشعوب تقريبا إلا المشاهدة عبر وسائل الإعلام أو المشاركة في فاعليات ضعيفة فقد سلبت الشعوب أدوات القوة في إطار ما تقدم من سياسة تقزيم الطموح الفردي والجماعي ، وليس ذلك بَثًّا لليأس في القلوب ولكنه وصف للواقع ، فمن مناهج البحث في النوازل : المنهاجُ الوصفي الشارح وإن لم يقدم حلا عاجلا فتلك معضلات يستغرق حلها أجيالا كما استغرق ظهورها أجيالا أخرى إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، الحل العاجل آية منه يستدرج بها خصومه إذ يملي لهم ويسعف به أولياءه وقد : (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .

والإشكال في هذه الحقبة أَنْ ليس ثَمَّ كيان مستقل ، فالكيانات التي يفترض أنها من يطلب الحق قد صارت كيانات تابعة للمركز تَبَعِيَّةً كاملة أو غالبة في ظل نظام دولي صارم قد أمسك بخيوط السياسة ، فضلا عن تآمرها فهي مجموعات وظيفية غير قابلة للحياة في مجتمعاتها إن رفع المركز عنها يده فهو الراعي الرسمي الذي أنشأ ودعم وأضفى الشرعية السياسية على مجموعات تخاصم المجتمع منطلقاته الفكرية والسياسية فأدبياتها أدبيات المركز فتدين له بولاء مطلق ولا يجمعها برعيتها إلا التشابه الظاهري في اللسان والهيئة وإن كان ثم تباين بل وتناقض في المنطلقات والغايات ، فلو كانت ضعيفة وغير تابعة لهان الخطب كما كانت الحال زمن الحملات الصليبية الأولى قبل ظهور قادة التجديد من آل زنكي وآل أيوب بعدهم فلا ينكر الناظر أن ثم خيانات وقعت آنذاك ولكنها لم تكن الأصل كما هي الحال الآن ، ولم تكن جهرا يستفز كما هي الحال الآن أيضا ! ، فثم مسارعة في الدخول في هذه الصفقة السياسية على وجه يدل على سفه وخفة عقل ، فأطراف الصفقة قد قطعوا الصلات مع الشعوب فلم يكن ثم من الحنكة ما يَسْتَبْقُونَ به ، ولو شعرة تصلهم بالجمهور ، فالعاقل لا يجازف فيضع بيضه كله في سلة واحدة ، فكانت المسارعة في صفقة طرفها الأقوى هو رئيس تلاحقه ملفات فساد ، فهو السلك الذي ينتظم حبات هذا التحالف ، وهو سلك وَاهٍ لو انقطع لانفرط التحالف ، فلم يجد خيرا من هذا التحالف الذي يديره بعقل التاجر فيحقق بعض المكاسب المادية في صفات اقتصادية يرضي بها قاعدته الانتخابية ، فضلا عن قاعدة أخرى تشكل جماعة ضغط سياسي في هذا الملف بعينه ، فيرضيها بإنفاذ ما وعد ويستثمر ذلك في صرف الأنظار ، ولو مؤقتا عن ملاحقاته القضائية ، فثم فاتورة يجب على كل مرشح سدادها ، وهي تَتَرَاوَحُ بَيْنَ السياسي والاقتصادي .
ولا يخلو القرار من دلالة أخرى لطيفة ، إذ لا يُتَّخَذُ قرار كهذا إلا بعد تهيئة المشهد وتوطئته ودراسة الحال السياسية والأمنية دراسة محكمة فالأجهزة الاستخباراتية في الإدارة الأمريكية قد أبلغت الرئيس أن الحال في الجملة مطمئنة فالشعوب مُغَيَّبَةٌ كما لم تكن من قبل في ظل موجة القمع الحالية فغضبتها مأمونة والخسائر ، إن وقعت ، فهي محدودة مع أخذ الاحتياطات اللازمة بتأمين السفارت بقوات المارينز ! ، وذلك ملمح آخر من ملامح السيادة الوطنية فقوات المارينز تحرس السفارات في دول تزعم أنها ذات سيادة ! ، ولو كان ثم ضعيف قد اشتد ضعفه ولكنه مستقل في فكره وقراره لهان الخطب فقد تحصل له أسباب القوة يوما فيستقل الاستقلال التام خلافا لمن هو مبدأ الأمر تابع فلو ازداد قوة فلا تكون إلا على رعيته ولا تصب إلا في قناة من صنعه فقوته في هذه الحال تضر ولا تنفع ، فضعفه خير لمن تحته ! .

والإدارة الأمريكية مع ذلك لا تَتْرُكُ شيئا للصدفة فهي كسائر مناهج الفكر والسياسة في المركز تحرص على استقصاء الآراء عبر مراكز إحصاء دقيق فذلك مما بَرَعَتْ فيه فالبحث والاستقصاء باستقراء ردود الأفعال : رافدٌ رئيس من روافد المعرفة السياسية التي تمد صانع القرار بمعلومات صحيحة تساعد في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب فلا يفوتها أن تستقرئ ردود أفعال الشعوب العربية والإسلامية فثم لجان تعمل الآن في هذا الشأن ، وهي ، لو تدبر الناظر ، محل عناية المجموعات الوظيفية التابعة في الأطراف فهي تجيد استثمار النتائج فإن كان رد الفعل ضعيفا فهي تَتَبَجَّحُ أن ذلك إنما يرجع الفضل فيه إليها فقد أدت دورها بنجاج فمنعت أي حراك يهدد مصالح المركز وقزمت طموح الأفراد والجماعات إلى أدنى حد ، فهي موظف نشيط ذو كفاية ، وإن كان رد الفعل قويا فهي تستثمره إذ تظهر حاجة المركز إليها في إخماد هذا الحراك فضلا أنها قد تسمح ببعض الغضب تَنْفِيسًا للاحتقان ومداهنة للشعوب إن كان ثَمَّ بقية حياة ، فتجيد التلاعب في إطار شد وجذب بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشعوب من جهة ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ المركز من أخرى فهي تخشى أن يستبدل غيرها بها فلا تنفك تكرر أنها خيرُ مَنْ يحفظ مصالحه في المنطقة ، وأنها على استعداد أن تقطع الشوط كله فتقدم من التنازل ما قد يفجأ الخصم فلم يكن يتوقع هذه الأريحية السياسية من القيادات وإن كانت الشعوب عائقا ، ولو وجدانيا ، أمام تطبيع العلائق الكامل ، كما يقول رئيس وزراء الكيان اليهودي ، فتخشى هذه المجموعات غدر المركز وتجاربها معه ليست كلها ناجحة فكم استغنى عن خدمات بعض الموظفين لما انتهت صلاحيتهم السياسية ، فلا تنفك هذه المجموعات تجدد شبابها رغبة في إطالة عمرها الافتراضي وإن اضطرت أن تصطنع بعض الحوادث أو تعطيها ضوءا أخضر فهي تجدد مخاوف الغرب فلا يجد بُدًّا إلا أن يُبْقِيَ عليها فَمُهِمَّتُهَا لَمَّا تَنْتَهِ بعد وهي حريصة كل الحرص ألا تَنْتَهِيَ هذه المهمة أبدا فهي مجموعة وظيفية اصْطُنِعَتْ خصيصا لأداء هذه المهمة فإذا انتهت فما الحاجة إليها إذن ؟! .

وردود فعل القيادات في الغرب تَتَفَاوَتُ فمن تحفظ دبلوماسي بريطاني فهو مما عهد من الدبلوماسية البريطانية الرزينة التي تجيد فن التعامل مع الملفات السياسية المزمنة فتحسن إدارتها وتوظيفها فهي الآن تتحفظ على هذا القرار مع أنها منشأ هذا الكيان مع ما قد وقع بين الطرفين من مناوشات بلغت في أحيان حد الاقتتال نهاية الانتداب البريطاني في الأرض المحتلة فهي ذات نَزْعَةٍ بروتستانتية لا يخفى تقاربها مع يهود وهي مع ذلك رَزِينَةٌ لا تسلك سلوك الإدارة الأمريكية الحالية التي تعبر عن مزاج بروتستانتي حاد ، وإن كان صاحب القرار رجلا بلا قيم ، في الجملة ، فما البروتستانتية عنده إلا أداة من أدوات الربح الذي يروم تحقيقه كأي رجل أعمال ناجح ! ، فلا يخلو الدين من دور وظيفي في الأطروحة الغربية المعاصرة ، فليس قائدا ولكنه أداة فاعلة في صناعة السياسة ، وتجد من رد الفعل المتحفظ في فرنسا ما يخالف عن المزاج الكاثوليكي الكلاسيكي الذي يُكِنُّ عداوة كبيرة ليهود ولكن فرنسا وإن كانت الكاثوليكية فيها إرثا فكريا ، لا تجد ما يمنعها من تأييد الكيان اليهودي لا سيما إن كان من يؤيد هو فرنسا العلمانية الثورية وهي تدين بفضل كبير للجمعيات السرية التي يلعب يهود دورا كبيرا في توجيهها فتدين لها بفضل كبير في نجاح الثورة العلمانية وهي نسخة براجماتية لا تمانع في تأييد كيان ذي صبغة دينية سياسية فثم تاريخ من المصالح المشتركة يجيز القفز فوق حواجز التاريخ والدين ، وألمانيا تتحفظ ، أيضا ، وعلائقها مع أمريكا في اضطراب من لدن جاء الرئيس الحالي ، فألمانيا زعيمة أوروبا العجوز ترى فيه خطرا على المنظومة الغربية التي تَتَرَأَّسُهَا ، ولا شك أن الكيان اليهودي قد نجح في إنشاء شبكة علاقات عامة واسعة في عواصم صنع القرار فضلا عن شبكات مصالح أخرى مع دول الطوق التي صارت حرسا على حدوده ، فلم يكن قرار الأمس مع رمزيته إلا نتاج عمل دءوب فهذه الشبكات لم تُؤْتِ أُكُلَهَا في يوم وليلة ! .

ولا زال الإشكال الذي لم يحسم بعد ، فالاختلاف الفكري حاضر ولو في مواضع يفترض فيها الإجماع ولو ذهابا للأحقاد حال الشدائد ، فلا زال الجدال أهذه قضية سياسة أم قضية دين فثم من يصر على إعطائها البعد السياسي فينزع عنها الوصف الديني ، ولا يقتصر ذلك على أصحاب الطرح العلماني أو القومي بل ثم مِمَّنْ ينتسب إلى التيار الإسلامي من يصر على ذلك أَيَّمَا إصرار في إطار الترويج لفكرة الفصل بين الديني والسياسي التي ازدهرت في هذه الآونة فهي مقدمة لطيفة لعلمنة الإسلام ، وإخراج القضايا السياسية من دائرته ، فالصراع مع الفكرة الصهيونية السياسية لا مع اليهود وإن أناط الوحي الأمر باسمهم فلم يرد ذكر الصهيونية في الآيات القرآنية ! ، فمحل النزاع حتى الآن لم يحرر والخصم في المقابل قد حرره مبدأ الصراع فَنَصَّ على يهودية الدولة وإن دعاية سياسة يحسن توظيفها .

والله أعلى وأعلم .