اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: أحِبُّـكَ أيُّها الجَائِـعُ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17852

    الكنية أو اللقب : كريم أمين

    الجنس : ذكر

    البلد
    إسطنبول

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية وآدابها والدّراسات الإسلامية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 5

    التقويم : 42

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل23/7/2008

    آخر نشاط:14-03-2018
    الساعة:12:33 PM

    المشاركات
    2,861

    السيرة والإنجازات

    Lightbulb أحِبُّـكَ أيُّها الجَائِـعُ

    قِصَّةٌ قصيرة..
    أحِبُّـكَ أيُّها الجَائِعُ

    ولدا في مدينة جوهر الصُّومَالية لأبَّين وأمَّين فقيرين، وكطبيعة السواد الأعظم في ذلك البلد.. فإنَّ البؤس والجوع والحرمان قد شملهم.
    نشأ علي وفُلَّة مُسالمين، عاشقين للحياة، غير حانقين على أحدٍ، بل وكانوا يشكرون الله في عليائه ولم يعترضا على مشيئته قط. كَبُرا معًا، فهو يسبقها في العُمر بسنة ميلادية واحدة، وقد ساعدهما على أن لا يفترقا طوال مرحلة الطفولة والصبا أن عائلتهما تسكنان خيمتين متجاورتين لنفس الحي.

    التحقا بإحدى مدارس الأمم المُتحدة، ولأنهما بارعان متفوِّقان ذكيَّان فقد استطاعت مديرة المدرسة السيدة تريز لبالوف أن تحدّث صديقها السيد راهول خان في شأنهما ليدبر لهما عملًا في غير أوقات الدراسة ليساعدا به أهلهما ونفسيهما على صعوبة العيش.
    عملا في محل غير ثابت في مكان واحد، إنما في عملين مُتقاربين حسب الحاجة. فتارة يجلسون في فصول محو الأمية يعلمون الأطفال، وأخرى في اليوم الأول من كل أسبوع في مُعسكر توزيع الأطعمة ينتظرون الطائرات المُحملة بالغذاء القادمة من مُنظمة الغذاء العالمي ليشتركا في توزيعه على أصحاب البطون الخاوية الذي يموت بعضهم قبل أن يصله قطعة خبز أو شربة ماء.

    ذات مرة كانت هُناك قافلة غذائية قادمة من إحدى الدول العربية، على رأسها شيخٌ كبير العُمر، حاد الطبع غليظ، عريض المنكبين، لحيته كثيفه لكنها غير مُسرَّحة، لا يبدو للعيان شعر رأسه فهو مُغطى بُعقال أسود وشماغ أبيض، ثيابه غير مُرتّبة.. جلباب أبيض اتخذ لونًا أصفرًا بمجرد نزوله إلى أرض الصومال.

    وقف جانبًا يلعن حظه واليوم الذي فكر فيه الذهاب إلى هُنا، أصبحت رائحته كريهة فقد ضاعت مع حقيبتة الخاصة التي سُرقت منه زجاجة عطره العتيقة، قابله عليٌّ مُرَّحِبًا بضحكة بريئة، قائلًا: أهلًا بك أيُّها الفاضل في بلادنا، وشكرَ اللهُ عملكَ الطيب.
    أجابه بحدةٍ مُطالعًا إياه بنظرة قرف ولم يمد يده ليُسلم عليه: أهلًا.

    جاءت فُلَّةٌ التي كانت ترقب تصرف ذلك الرجل وعلي، مُسرعة لتُدرك الموقف فقد بدا على الأخير غصة في حلقه وعَبرة أوشكت على النزول من بوابة عينه النجلاء اللامعة بعد أن تسمَّر مكانه، أرادت إدراك الموقف فهي تعرف كل طباعه.. فمجرد أن تجده على تلك الحالة تعلم أنه أوشك على الانفجار، وأنه يهم في ارتكاب حماقة كرد فعل على من يُخطئ في حقه أو حق غيره أمامه.

    وقفت بينهما باسمة لعلي ماسكة يده الحارة المُرتعشة الغاضبة، محاولة أن تُخفف عنه وتُرح قبضته.. وقد فعلت!، ثمَّ استدارت إلى الرجل العربي، ناظرة إليه نظرة استحقار نتيجة ما قد بدا منه تقليلًا من شأن علي وشأنهم جميعًا مُجرَّد أن نزل من الطائرة وحتى قدومه إلى المُعسكر.
    قائلة: أجئتنا لتطعمنا أم جئتنا لتؤذينا بنظراتك الدونية لنا، وجرحك لمشاعرنا وإشعارك لنا بالمنّ عبر صدقتك التي لم تُسيِّرها أنت إنما هي منحة من الله، فبدلًا من أن تكون جنديًا من جنوده المخلصين، وتلتزم الحياء والعفة فيما تُقدمه، سلكت طريق الكِبر والعظمة الزائفين.. اعلم يا هذا أنهما لله فقط.

    وقف مذهولًا مما سمع، وقد أصابت عقله جُنَّةٌ صامتة أعجزته عن النطق، تلقفته أهواؤه ورمت به إلى صراعات داخلية من تلك التي يفعلها مع نساء بلده حيث التسلط والبطش والغلوّ في طلب انقياد المرأة له بوجه عام أينما كانت ومتى كانت وخاصته على وجه تحديدًا ورؤيته المغلوطة أن كُلهن بالنسبة له مما ملكت أيمانه، وحيث تهوره وعدم سكوته على ما قد يظهر له كرامة وعزة نفس ورفضه لتصرفاته غير المبررة، كما فكر في إخراج بعض النقود وإعطائها لهما.. لعل نفسيهما تُكسر وعينيهما تُسدل أمام نظراته.

    بادرَ عليٌّ بالقول بعدما طمأن فُلَّةً أنه لن يندفع ويرد إهانته بمثلها أو أكثر قوة: نحن وصلنا إلى هذا الحال أيها السيد العربي لأن كروشكم لا تشبع ونفوسكم نفوس مرضى، وضمائركم جفَّت كما يجف نبع الماء، لو أنكم متصلون بالسماء وترعون تعاليم الله لما جئت أنت إلى هُنا الآن مُتأففًا إنما لجئتنا سائحًا متمتعًا بطبيعة الله وقدرته في أرضه، لقد حرمتمونا حتى الذهاب إلى البيت المعمور وأداء فريضة الحج بدعوى عدم الاستطاعة، والعمل في بلادكم باحثين على الرزق بدعوى الكفالة، لقد أعدتم الجاهلية للعالم.. لكنها أكثر بشاعة وجورًا من جاهلية ما قبل الإسلام.

    وضعت يدها على فمه محاولة إخماد بركان الموقف الذي ثار. بدأ كل المُعسكر في الالتفات إلى تلك المُشاجرة ذات الطابع العنصري، التي يتخللها النقاش.. حاول منعها ناطقًا باسمها مُشيرًا عليها بالابتعاد.
    ضحك الثري العربيُّ ساخرًا قائلًا: فُلَّة.. إنِّي لا أرى أمامي فلًا ولا وردًا، لا أرى إلا قالبًا واحدًا لبشر من سلالة غريبة، لا يُمكن أن يُفرِّق فيها المرأ بين رجل أو انثى، شابٍ أو عجوز.. ثُمَّ، إنَّ فُلة هذا من المتعارف أنه لفتاة وأنت رجل، فشعرك أجعد قصير، لا يُحركه الهواء ولا يطير.
    تبكي فُلة وتنزوي جانبًا حيث عامود خشبي لخيمة في مُعسكر اللاجئين وتستند عليه حزينة. يُسارع عليٌّ في لكمه لكمة أسقطت سِنَّة فكِّه الأمامية، يتدخل السيد خان الذي كان مُنشغلًا في عمله ليُعيد الأمور إلى طبيعتها وينصرف الكُل إلى عمله.
    يأخذه إلى مكتبه، يظن العربي أنه سيقدم اعتذارًا له بالنيابة عنهما، لم يفعل.. ينطق بكلمات تُخيطها العنجهية: أطالبك أيها السيد بفصل هاذين الأرعنين لما قد ارتكبا في حقي!.

    السيد خان: وأنا أطالبك بالهدوء والتريث، فما تفعل لا يليق بمكانتك الرفيعة ومهمتك السامية التي جئتنا لأجلها.
    العربي وقد بدا عليه الغضب: ألا تعرف من أكون!، حتى تقابل رغبتي وليس طلبي بتلك المراوغة اللئيمة.
    السيد خان يهب من مكانه فيقول: من فضلك احترم ذاتك، اعرفك جيدًا، ما أنت إلا عربيٌّ شهواني عنصري، هل أزيدك في إمعان الإساءة.. وجاهل لا تُفكر، قد علمت كل التفاصيل، أنت المُخطىء، أمثالك محلهم المصحَّات النفسية أو في الصحراء للصيد، باحثين عن فريسة يأكلونها مشوية على الفحم وهي غارقة في صحن أرز كبير يكفي الأرض.

    صُدم للمرة الثانية ووقف عاجرًا عن فعل أي شيء حتى الانتقام مما يسمعه، ثم أردف خان قائلًا: ماذا فعلا لك حتى تؤذيهما هكذا، بل وماذا تتوقع من تلك الشابة البريئة وهذا الشاب اليافع بعدما عاملتهم بسوء، أن يقبّلوا يديك ويطلبوا منك حسنة؟.. هُم ليسوا طامعين في أموالكم ولا حتى في طعامكم، وتلك القافلة التي تمنون بها عليهم في السنة مرة واحدة، تأتيهم مثلها آلالف المرَّات من الدول الغربية، إني حزينٌ لما آل إليه حالكم إخوتي المُسلمين، بئس ما تفعلون بنا وبإسلامكم المُقدَّس البريء من أفعالكم.
    يطوي معطفه الأسود فوق جلبابه الأبيض بيمينه، ينظر له نظرات كره وحقد كشيطان يتوعَّد إنسانًا بالإغواء حتى يكون رفيقًا له في قاع جهنم، فيخرج ضاربًا باب مكتب السيد خان بقدمه، فيصيح فيه بصوتٍ عالٍ قائلًا: همجي لا أتوقع منك غير ذلك.
    بعد قليل يُراضيهما السيد خان ويأمرهما بالذهاب للتنزه قليلًا سامحًا لهما بقضاء بقية اليوم خارج المُعسكر، إلا أنهما يرفضان وبشدة، قائلان: بعد قليل سيتم توزيع الأطعمة على فقراء قومنا ولا يُمكن إلا أن نكون حاضرين في تلك اللحظة التي تغرمنا فيها السعادة حين نُشارك في مثل هذا العمل العظيم.

    بدأ في العمل.. بذلا مجهودًا خرافيًا في إطعام الكل تقريبًا، بعد ساعات وبعدما أنهيا إطعام أُمٍّ تحملُ رضيعها، لم يتبق لهما إلا علبة من سمك التونة وقطعة خبز مثلثة لا تكفي إلا طفلًا، همَّ أن يضعها على فمه.. فأعطاها إياها.. همَّت أن تضعها على فمها.. فأعطته إيَّاها.. من صغرهما يفعلان هذا دائمًا لا يأكل أحدهما دون الآخر، ويُؤْثر أحدهما الآخر عليه دائمًا وإن كان بكليهما غضاضة. ظلا يفعلان هذا وهما يضحكان ويمرحان مستريحان أمام بحيرة صغيرة تقع على حدود المُعسكر، كلٌّ منهما يريد أن يُطعم الآخر مُفضله على نفسه، حتى جاءهما من أقصى المُعسكر طفلًا جائعًا كان يلعب ولم يحظ بحصته في الأكل أثناء التوزيع، فقاما بإعطائه العلبة وقطعة الخبز فانصرف من فوره. ظلَّلا يضحكان بهيستريا من ذلك الموقف، وقلبهما الطيب يرقص من الفرح، وروحهما النبيلة تحلق عاليًا، حتى هدأ قليلًا.. فأخرج من جيبه الأيمن لبنطاله المُرقَّع حبة طماطم وقد تعفَّست من احتكاكه بالناس والأواني التي كان يحملها لهم، فأعطاها إياها مُقسمًا بالله أنه ما من أحدٍ سيأكلها سواها، ممُازحًا بأن عليها الإسراع قبل أن يأتِ أحدٌ ويأكلها، فتضحك وتمسك بها وتقتسمها معه، ثم تقول له على حين غِرَّة لأول مرة منذ أن ولدا في الحياة: أحبُّكَ أيُّها الجائعُ، يَضمُها إليه فرحًا غير مُصدّق ثم يُعيدُ على مسامعها ذات الجُملة لكن بصيغة مؤنثة: وأنا أحبُّكِ أيتها الجائِعةُ.

    قِصَّةٌ..
    أحِبُّكَ أيُّها الجائع
    لـ كريم أمين
    مِن مجموعتي القصَصيّة بذات الاسم..

    التعديل الأخير من قِبَل نـُورُ الـدِّيـن ِ مَحْـمُـود ; 12-12-2017 في 06:39 PM
    ذاهبة لتُصلّي في القُدس، فقابلتها صهيونية شمطاء مُجنزرة وقالت لها.. ممنوع..
    أصبحنا نرقص هُنا، ونشعل الشموع.. فخُذي بَخوركِ وارحلي

    أعمالي المطبوعة/الياسمين الأحمر/مايا/الموناليزا الهاربة

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •