وصية النبي شَرْعٌ يوحى به من السماء ، فلا يوصي النبي في مقام التشريع إلا بوحي منزَّل ، فهو الرائد الذي يهدي ، وهو يد القدرة التي غيرت حركة التاريخ ، فعدلته بعد أن انحرف ومالت به الأهواء فلم يكن ثم ما يقومها إلا وحي السماء ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فهي أمة الرسالة ، فـ : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فالتوكيد بالناسخ "إِنَّ" يَزِيدُ في المعنى ، ولم يخل السياق من تقرير آخر ، فكان القصر بتعريف الجزأين "هذه" و "أمتكم" ، والإشارة إلى القريب مما يستحضر به المعنى ، فهي أمة اتصل إسنادها إلى المخاطَب ، فقصصها في الأذهان ماثل فهو تاريخ الحق المحكم الذي به أذهب الله ، جل وعلا ، ما تشابه من الأقوال والأعمال ، فَنَسَخَ الشرك وأزاله ، وكان من السنن الجاري في الكون أن فطر الناس على التوحيد فهو مما لا تجد النفوس حرجا في قبول آثاره ، فكانوا على دين التوحيد ، دين آدم ، عليه السلام ، فهو أول من عبد الله ، جل وعلا ، من البشر وإن عصى وَغَوَى فَبَادَرَ بالتوبة إذ غلبته الشهوة ، ثم كانت اليقظة بعد الغفلة ، وكانت الحكمة أن يكابد من مجاهدة الخصم الذي أبى واستكبر فلم يسجد ، فَافْتَرَقَ الناس على حزبين ، حزب الرسالة وحزب الغواية ، وكان أمر التكوين أن : (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) ، فالجمع في الضمير في "اهبطوا" إما أن يدل على أقل الجمع وهو الثلاثة في قول ، فهبط آدم وحواء ومعهما الخصم إبليس ، أو يُقَالُ إن أقل الجمع اثنين بالنظر في الحزبين : آدم وزوجه فهم حزب الرسالة ، وإبليس فهو حزب الغواية ، أو يقال إن دلالة الجمع بالنظر في آحاد القبيلين ، فجاء الاستفهام في موضع آخر من التنزيل : (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) ، فكان الاستفهام الذي قَرَّرَ الخصومة والمفاصلة ، وهو استفهام إنكار وتوبيخ ، ولا يخلو من إنشاء يحذر أن لا تتخذوا الشيطان وذريته أولياء ، فكان الجمع الذي دل عليه الضمير ، فهو مما دل بأصل الوضع على الجمع المذكر ، وزيد فيه بدلالة التغليب كل مكلف ، فكان الجمع بالنظر في الآحاد من الرجال والنساء ، وكان الخطاب الذي عَمَّ من آمن ومن كفر ، من حضر ومن غاب ، من وجد ومن لم يوجد بعد ، فهو مما يستغرق بمعناه أجيال البشر جميعا فيدخل في عمومه كثير لا يحصيهم إلا الرب العليم الحكيم ، تبارك وتعالى ، فذلك ، كما تقدم ، إسناد قد اتصل من آدم ، فالجميع على التوحيد قد جُبِلَ ، والناس كانوا أمة واحدة ، فكان على أمة التوحيد وطريقته في مقابل أمة من أحدث في الدين ، فهو ناقل عن الأصل بلا دليل إلا ما كان من تقليد يذم قد خالف عن خاصة العقل إذ ينظر ويفتش في الأدلة فهو طالب للحق مسترشد ، فَلَوْ فَتَّشَ في الأصل الذي يحتج به لوجده متشابها قد تَقَادَمَ حتى صار في اعتقاد الناس حقا وهو عين الباطل ، فهو مما يخالف عن بدائه النقل والعقل والفطرة ، فجاءت النبوات بصحيح العقد والشرعة ، فَرَدَّتِ الناس إلى الجادة ، وذلك سنن قد اطرد فكلما حاد الناس عن جادة الوحي تداركهم الرب ، جل وعلا ، بما يُقَوِّمُهُم فهو يَرُدُّهُم إلى جادة التوحيد والعدل ، حتى أذن ، جل وعلا ، في خير الختام برسالة قد عمت الأنام ، فالأمة واحدة والمنهاج واحد ، فهو سنن يطرد فلا تختلف أحكامه ولا تضطرب ، وهو منهاج نَزَلَ من السماء فلا تَعْتَرِيهِ عوارض النقص الأرضي الذي يحيد بصاحبه فلا يسلك جادة العدل لحظ نفس يظهر أو يخفى ، فهو يتأول أغراضه فيكسوها لحاء الحق والعدل ويضع لها من الشرع ما به يحكم وإن خالف عن الوحي المنزَّل ، فَانْتَقَلَ مركز الأمة الجامع من السماء إلى الأرض ، وأحدث من أحدث من الأمم الخارجة عن سنن الوحي ولم يكن لها مستند إلا التقليد ، فكانوا على وضع محدَث زعموا أنه الأصل المحكم ، ولم يكن ثَمَّ دليل ، كما تقدم ، إلا الدعوى التي تفتقر إلى دليل فتحكموا في الاستدلال ، فكان الخروج عن الأمة الواحدة ، أمة الرسالة الجامعة ، فكان الخروج عن الأصل الأول ، إن توحيدا بالفعل ، توحيد آدم ، عليه السلام ، ومن جاء بعده من القرون ، فلم يكن ثَمَّ رُسُلُ توحيدٍ بَيْنَ آدم ونوح ، عليهما السلام ، وإن كان ثم أنبياء كشيث ، عليه السلام ، وكان ثَمَّ صحف نَزَلَ منها على شيث جملة وافرة ، فهي تُبَيِّنُ وَتَزِيدُ ، وإن لم تخرج عن الأصل الأول ، أصل آدم عليه السلام فهو نبي مكلم قد نَزَلَ برسالة استجمعت التوحيد والتشريع فكان له من الحكم ما به تَنْتَظِمُ الحياة ، وَعُلِّمَ ما به كُرِّمَ وَفُضِّلَ ، فعلمه الرب ، جل وعلا ، من أسماء كل شيء ، فكان عالما بالوحي حاكما بالشرع فَسَاسَ الأرض والجمع بما سن الرب الحاكم ، جل وعلا ، فكان مرجع الأمة الواحدة شرعة الوحي النازلة ، وكان لها من القيم الحاكمة ما أرسى بُنْيَانَ حضارةٍ كاملة قد أغنت أصحابها أن يَنْتَحِلُوا قيما أخرى تخالفها ، فهي المحكم وما دونها فمتشابه ، وذلك ما يُحْكَى واقعا يشهد لا تحكما في الاستدلال يتعصب بلا دليل ، بل اطراد سنن الأمة الرسالية وإن كان ثَمَّ اختلاف في الشرائع الحكمية ، هذا الاطراد يقابل ما تناقض من طرائق الأمم الأرضية ، فكل أمة حادت عن الوحي فَلَهَا كتاب شرع أحدثته ضاهت به كتاب الأمة الواحدة ، فلما كانت الحيدة عن جادة الوحي والشرعة ، وهو ما حذف اقتضاء في آية البقرة : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، فكانوا على جادة التوحيد وإن كان ثم عصيان وخروج عن جادة التشريع ، فلم يكن ثم ما ينقض الأصل وإن كان ثم نقصان في الفرع ، فَنَقُصَ الدين ولم يُنْقَضْ حتى كان الاختلاف الذي طال الأصل فكان الشرك بالغلو في الصالحين ، وهو مما نهت عنه الرسالة سدا لذريعة الانحراف ، فكان من تماثيل الحس ما نقض الأصل ، وهو ما صار بعد ذلك تماثيل معنى قام بالنفس فاستجاز أصحابه أن يضاهوا الوحي النازل بالشرع الحادث فكان الاختلاف الذي قُدِّرَ ، وهو ، من وجه آخر ، مما أطلق ، فإن الاختلاف في التوحيد نذير شؤم يستغرق فلا تَزَالُ دائرة الخلاف تَتَّسِعُ فلم يقتصر على الأصل وإنما عم الفروع ، وكان ما كان من الجدال المذموم ، فكلٌّ يتكلف من الأدلة والتأويلات ما يحرف به الآيات النازلات ، ويصحح في مقابل ذلك ما تشابه من أهواءه وأذواقه فهو يكسوها لحاء الحق والعدل ويجتهد في تخريجها على قيم حاكمة يزعم أنها الكاملة فهي المحكم وما سواها فمتشابه لا يزول الاختلاف في حرفه وحده إلا برده إلى شريعة الوضع التي استحسنها العقل الأرضي بعد طغيانه وبغيه على الوحي السماوي فَرَامَ انْتِزَاعَ المرجع والمنصب ، فَزَعَمَ أنه الحاكم المشرِّع وصار الوحي له خاضعا وبتأويله مصروفا إلى ما يهوى المتأول ، وإن خالف عن منهاج العقل واللسان ، فالاختلاف إذ عُدِمَ المرجع الأعلى فأبت العقول أن تَنْقَادَ له وتخضع ، فهي تأبى المرجع المجاوز من خارج ، مرجع النبوات النازلة بقيم حاكمة وشريعة فاصلة ، فهي تحسم مادة التَّنَازُعِ والتَّجَادُلِ ، فلا بد من الرجوع إلى أصل محكم ، هو من علم الضرورة الذي يسلم به الخصوم ، فَتَفْسِيرُ أي نص واستنباط أي حكم لا بد أن يحصل له مبدأ الأمر صحة في النقل بها يطمئن الناظر فلا يضيع الجهد في بناء والأساس وَاهٍ ، فإذا رسخ الأصل فصح النقل ، فإن العقول قد أجمعت على كلمة سواء في مرجع الحكومة فإليها تَرُدُّ كل خصومة ، وبعدها يكون النظر بما رُكِزَ في العقل من ضرورات المنطق وهو ما تظهر آثاره في اللسان نطقا بالحجة ، فيكون من الاستنباط الصريح ما يَنْتَفِعُ صاحبه بالنص الصحيح فلا يَنْتَفِعُ به كل أحد ، إذ ثَمَّ مَنْ يجحده فلا يحصل له أي نفع بل قد صار حجة عليه إذ بَلَغَهُ على وجه لا اشتباه فيه ولا اعتذار ، وثم من يؤمن به إيمان الجملة فَيَتْلُوهُ تِلاوة الأماني فلا يحسن يفقه حدوده وإن أقام ما أقام من حروفه ، وثم من حصل له نظر فإما أن يسلك الجادة المحكمة فيكون نظره صريحا قد تجرد من الأهواء فهو سائل مسترشد لا غاية له إلا درك الحق المحكم الذي تطمئن به النفس وتسكن فَتَرُدُّ إليه ما تشابه من أهوائها وأذواقها ، فتسلك أمة واحدة لا اختلاف فيها ولا تغاير ، فهي أمة الوحي في مقابل ما سلك غيرها من أمة الآباء فلا مستند لها من دليل إلا ما كان من التقليد ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، فذلك جهل قد قارنه التعصب والغلو فكانت الحجة الفاسدة ذات الأجزاء العاطلة من الحق فلا علم ولا عدل ، ولا عقل يلجم الأهواء والأذواق أن تضل ، فأمة الوحي المحكمة تَقْضِي في أمة الوضع المحدثة التي يتحملها السلف عن السلف فدرجوا في مهادها حتى أُشْرِبَتْهَا القلوب فهي كالدم في العروق وإن خالفت عن المنقول والمعقول ، فلو كان ثَمَّ برهان يَصِحُّ لَحَسُنَ التقليد فلا يُذَمُّ إن كان اتباعا للحق بدليله فلا يخلو من اتباع وانقياد وذلك حتم لازم بما جبلت عليه النفوس من التأسي والاقتداء ، فإن لم يكن ثم رائد حق تَقَلَّدُهُ ولا يكون ذلك إلا أن تسبر أغواره وتجتهد في مطالعة دلائله ، فإن عدمت رائد الحق فَرُوَّادُ الباطل كثير ، ولكلٍّ من الشبهات ما يوزن بالقناطير ، فلا يحسم مادتها إلا أن تُرَدَّ إلى معيار محكم في لفظه فهو صحيح ، ومعناه فهو صريح ، فكان من بعث الرسل ما حسم مادة الشبهة في التصور والحكم ، فجاء التوحيد يُبْطِلُ مادة الشرك وجاء التشريع يُبْطِلُ مادة الظلم ، فاتصل إسناد الأمة من آدم إلى محمد ، عليهما الصلاة والسلام ، فـ : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فهي أمة واحدة في توحيدها وهو الغاية العظمى ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فقسمة الآية قد استغرقت أمة الرسالة في حد ، وَرَبَّهَا الذي تعبد في آخر ، فـ : (أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فلا يخلو الشطر الأول من دلالة إنشاء أن استمسكوا بالوحي فكونوا على جادته ولا تخالفوا عن جادة الأمة الواحد فليس وراء ذلك إلا الانشعاب في سبل كثيرة لا تبلغ بصاحبها غاية تحمد ، فليس إلا الضلال الذي لا منتهى له ، فرجالاته في كل جيل يُحْدِثُونَ من الشبهات ما يُعَارِضُونَ به المحكمات ، فيحدثون من القيم الحاكمة والشرائع الحاسمة ما يكون أصل حضارة كاملة تحتكر الحق فهي السقف والغاية وما دونها فَتَحْتَ سقفها يتحرك فلا يجاوزها في القيم والأحكام فهي إله تشريع يضاهي إله الرسل ، جل وعلا ، فالقسمة في هذه الحال على شطرين فلا ثالث ، فإما جادة الأمة الواحدة ، وإما جادة أخرى حادثة ، فما سوى الوحي فهو وضع ، فذلك جنس عام يستغرق كل ما أحدث الكهان من الديانات الأرضية سواء أجهروا أنها دين فَوَضَعُوا لها من الرسوم والطقوس ما هو تَعَبُّدٌ محض أم كتموا فَوَضَعُوا من الأديان الحاكمة ما يَقْضِي في خصومات الأفكار والسياسات ، فهي أديان تَحْكُمُ لا مذاهب تُصْلِحُ ، فحقيقتها تجاوز ما يكون في الصنائع والمعايش ، فهي دين ذو تصور وَقِيَمٍ تحكم حركة الحياة ، وهي دين ذُو حكم نافذ فَيُفَرَّعُ على أصوله من الفروع ما يسطر في كتابه الذي يضاهي كتاب الأنبياء ، عليهم السلام ، فلكلِّ أمةٍ كتاب ، فأمة الوحي لها كتاب جامع هو كتاب الرسالة ، فذلك جنس عام تندرج فيه آحاد من الشرائع قد تَتَنَاسَخُ في فروعها ، ولكنها محكمة في أصولها في مقابل ما يجد الناظر من اختلاف وتناقض في كتاب الوضع الذي يضاهي به كهنة الأرض رسالة الرب ، جل وعلا ، فهو على أنحاء شتى ، فلئن جمعها أصل واحد وهو طغيان العقل إذ جاوز مرجع الوحي فعطله أو تأوله ونازعه منصب الحكم ، بل وأزاحه في الأصول والفروع جميعا ، فَلَئِنْ جَمَعَهَا هذا الأصل فهي ، عند التدبر والنظر ، كتب تَتَعَارَضُ فالاختلاف فيها كثير لا يحصى ، وتلك قسمة أخرى في التنزيل قد ورد الاستفهام ينكر فيها وَيُوَبِّخُ في قول الرب المحكِم جل وعلا : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، فالقسمة هنا ، أيضا ، على حدين ، فثم قرآن من عند الرب ، جل وعلا ، ودلالة "أل" في "القرآن" ، من وجه ، دلالة العهد الخاص فهو قرآن الرسالة الخاتمة ، ولو تدبر الناظر في معنى القرآن الأعم لاستغرقت "أل" جنس الكتاب المنزَّل على الأنبياء عليهم السلام ، وهو قرآن التوحيد والتشريع ، وإن اختلف في التفريع ، فدين النبوات واحد محكم والشرائع قد تَتَشَابَهُ لا أنها تُخَالِفُ عن الحق ، فما نَزَلَ من عند الرب ، جل وعلا ، فهو حق محكم ، إن في الأصل أو في الفرع ، وإن اندثر كل قرآن سوى القرآن الخاتم ، فلا يمنع الرب ، جل وعلا ، عبادَه رحماتِه ، رحمات الرسالات إذ جمع في القرآن الخاتم زبدة ما تقدم ، فكان فيه من الأصول ما صدق الأصل الأول ، أصل التوحيد الذي أجمعت عليه الرسالات ، فَكُلُّهَا قد افْتَتَحَ المقال أَنْ : (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، وكان فيه من أصول أخرى لا تخالف عنها جبلة البشر ، فثم أخلاق ضرورة قد ركزت في النفس فلا تجهد في دَرَكِهَا فهي ذخائر عدنها الرب ، جل وعلا ، في كل نفس : مقدماتٍ لا يخالف عنها إلا جاحد أو مسفسط ، فهي أصول الاستدلال ، فالنفس لها خاصة تحسين وتقبيح مجمل لا ينفك يفتقر إلى بَيَانِ الوحي المنزَّل ، وكان في القرآن الخاتم ما زاد عن غيره فهو الذي صدقها بل ما كان ثم سبيل أن يثبت القرآن الأول إلا أن صدقه القرآن الخاتم فوحده ما سلم من التبديل فهو وثيقة استدلال محكمة يُسَلِّمُ بِهَا الخصوم بما تَوَافَرَ لهم من أدوات النقد ومعاييره ، وإن لم يؤمنوا به وحيا فلا يجحدون أنه محفوظ قد سلم من التبديل ، فَلَوْ رَامَ أحدٌ أن يُغَيِّرَ في لفظه حرفا فصغارُ المكتَبِ ، كما يقول بعض المحققين ، يفضحونه ، فما حفظوه من لوح الشيخ قد تواتر به النقل فلا يطيق أحد خلافه بزيادة أو نقص في الحرف ، ومن خالف فيه فإنما خالف في الحد بما كان من التأويل الذي لا يسلم من ناقد ناقض يُبِينُ عن فساده ، فذلك حفظ الذكر المنزَّل فلا يقتصر على حفظ الحروف ، بل الحدود قد حفظت بما كان من منطق اللسان المبيِّن الذي حكى منطق الجنان بما رُكِزَ فيه من قوة العقل والفقه ، فالمعنى محكم بالنظر في الأصول الجامعة والقواطع الجازمة نصوصا لا تقبل تأويلا ، وما كان من خلاف في ظواهر قد تَتَشَابَهُ فذلك إنما يكون في الفروع التي يسوغ فيها الخلاف ، والنظر فيها يكون بإرجاعها إلى الأصول ، فيزول ما تشابه منها ، وإن لم ينطق به إلا واحد ، فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة الوحي النازل ، فتلك آية العصمة التي استحقت بها الأمة الخاتمة منصب الشهادة على غيرها فيكون الخلاف فيها في الفروع دون الأصول فهي محل إجماع ، ولا تخرج الأقوال في الفروع عن الصواب ، ولو واحدا ، فثم إجماع آخر هو إجماع على عدم الإجماع على باطل ! ، فكان من القرآن ما أُحْكِمَ فلا خلاف فيه يضر ، فكل قرآن نَزَلَ فهو محكم في قَرْنِهِ ، فإذا اقتضت حكمة التشريع أن ينسخ ، فَثَمَّ كتاب آخر يرفعه أو يرفع بعض أحكامه فهو ينسخ منه ما قد صار من المتشابه ، فالناسخ محكم يقضي فيه فاتصل إسناد التشريع وبقي من الكتاب الأول آثار ، وإن باهتة ، فـ : "إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" ، حتى جاء القرآن الخاتم فأحيا ما اندثر من الحق ، وجاء بقول فصل يصدق ما تقدم في الأصول ، وإن نسخ منه ما نسخ من الفروع ، فهو المحكم الذي يقضي في متشابه الكتب الأولى ، وهو المحكم الذي يقضي في متشابه الأهواء والأذواق ، فحكمه نافذ في جميع الشرائع ، سماوية كانت أو أرضية ، على وجه قامت به الحجة الرسالية العامة فَلَمْ تَقُمْ خاصة كما قد أقامها ما تَقَدَّمَهُ من قرآن نَزَلَ على قَرْنٍ مخصوص من البشر ، فكانت رحمة القرآن الخاتم عامة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فوجب التدبر فيه فهو في حد ، وما سواه في آخر فتدبر القدر الفارق بين محكم الوحي ومتشابه الوضع الذي يعظم فيه الاختلاف في لفظه ومعناه ، هذا التدبر مما يدل على الأصل ، فالقرآن من الله ، جل وعلا ، فهو المحكم ، وما سواه فمن عند غيره فلا يسلم من الاختلاف والتناقض ، فـ : (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، فَوَرَدَ الاستفهام في قوله تعالى : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) يُنْكِرُ وَيُوَبِّخُ ، ولا يخلو من دلالة إنشاء فهو يأمر الناظر أن يتدبر في هذا القدر الفارق بين الوحي والوضع ، فيستعمل ما قد ركز فيه من قياس الضرورة إذ يقضي بإيجاب التفريق بين المختلفين ، فلا يسوي العقل الصريح بَيْنَهُمَا ، فأين ما أحكم فهو من واحد يَعْلَمُ ، مما تشابه فهو من كثير يَجْهَلُ ، فلا يَزَالُ الاختلاف والتناقض في الأصول والفروع على وجه يخالف عن جادة المنقول والمعقول وإن زَعَمَ صاحبه أنه العاقل المسدَّد الذي يستقل بالتشريع فليس إلى مرجع آخر يجاوزه بفقير ، وذلك من الطغيان الذي ينقض الإيمان ، فليس بعده إلا الكفران ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، ولا يخلو الاستفهام في الآية من أمر آخر أن يتدبر الناظر في هذا القرآن فيجتهد في درك معانيه واستنباط أحكامه بما ركز فيه من خاصة المنطق الباطن والظاهر ، فيحكم به سائر الشأن ، ما عم وما خص ، فالاستفهام قد دل على أمر بالتدبر لازمه في القياس ، أيضا ، نَهْيٌ عن الهجران والإعراض ، ولا يخلو من إخبار يُبِينُ عن القدر الفارق بين قرآن الوحي وشرائع الوضع ، فلا يأل العاقل جهدا أن يستمسك بالوحي حرفا وحدا ، فتلك آية دعواه أنه من أمة التوحيد التي زَكَّاهَا الوحي في قوله تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فهي أمة أديان وإن افترقت الأبدان ، فكان من أجيالها ما تَعَاقَبَ وكان من أصولها ما تَوَافَقَ وإن تَنَاسَخَتْ فُرُوعُهَا ، فهي أمهات شتى ، ولكل جيل أم ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فذلك جعل تشريع لا يخلو من ثناء عظيم بالحكمة أن نَزَلَ لكل جيل ما يلائمه من الشرائع التي تصدق التوحيد الواحد ، دين الأنبياء الجامع ، فتلك أمة واحدة في حد ، وربها ، جل وعلا ، في آخَرَ من الآية ، فـ : (أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، وتلك قسمة أخرى في العقل صريحة فلا يخلو الوجود من رب يخلق ويرزق ويدبر وعبد يؤمن ويصدق ، وآية تصديقه أن يعبد الإله الحق بما شرع من الأحكام ، فوصى به الأنبياء عليهم السلام ، وأعظم الوصية لخير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكتاب خاتم قد جمع ما تقدم فلا يجد الناظر فيه حاجة إلى غيره : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) ، فجاء قصر أول في قوله تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، القصر بتعريف الجزأين : "هذه" و "أمتكم" ، وكانت إشارة القريب استحضارا يرسخ به المعنى في ذهن المخاطب ، وكان التقييد بالحال "أمة واحدة" ، وهو ما قد خصه العقل ، كما تقدم ، فهي واحدة في دِينِهَا وإن اختلفت شرائعها ، فَرَبُّهَا الخالق واحد ، وَإِلَهُهَا الشارع واحد وإن تغايرت الشرائع وتناسخت فتلك حكمة العليم الخبير ، تبارك وتعالى ، إذ علم من حال كل أمة ما لا يصلحها إلا ما أَنْزَلَ عليها من الشرعة ، فجلال الموسوية واجب وقته ، وجمال العيسوية واجب وقته ، وكمال الرسالة الخاتمة واجب وقته الذي أحكم فلا ناسخ بعده ، وبعد هذا الخبر ، جاء الشق الثاني يستكمل قسمة العقل ، فـ : (أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فليس إلا عبد ورب ، وذلك مما يستأنس به من أبطل مقال الاتحاد والحلول ، فالقسمة في النقل الصحيح والعقل الصريح ليست إلا الرب الأول والعبد المحدث الكائن بعد عدم ، فجاء القصر في هذا الشق ، أيضا بتعريف الجزأين "أنا" و "ربكم" ، وقد عم بالربوبية التي أضيف عنوانها إلى ضمير الجمع المخاطب ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة تغليب يستغرق جميع المكلفين ، ودلالة الخطاب ، من وجه آخر ، تجاوز الجمع المخاطب إلى الغائب بل والمعدوم الذي لَمَّا يُوجَدْ بَعْدُ ، فهو ، جل وعلا ، رب الجميع ، بالخلق والرزق والتدبير ، ولازم ذلك في القياس الصريح أن يوحد في العبودية فرعا عن توحيده في الربوبية ، فجاء الأمر الذي عطف بالفاء فورا وتعقيبا فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا تخلو من دلالة السببية ، فما بعدها مسبَّب عما قبلها ، فعلة الأمر بعبادته أنه الرب الذي عمت ربوبيته ، فكذا الأمر بعبادته قد أطلق ، فعم ما يحب ويرضى من القول والعمل ، ما ظهر منه وما بطن ، ما خص وما عم ، فاسم العبادة عنوان يستغرق حركات الاختيار جميعا فلا تخلو من تكليف ، وإن مباحا ، فهو ، في أحيان كثيرة ، ذريعة إلى غيره فيلحق به في الحكم ، فالذرائع تلحق بالمقاصد حسنا أو قبحا ، ثوابا أو إثما ، فهي تَتَقَدَّمُهَا في الوجود فالذريعة تحصل قبل المقصد ، وهي تَتْبَعُهَا في الحكم من وجه ، وإن لم تُبَرِّرِ الغايةُ الوسيلةَ فَلَئِنْ كانت الغاية صالحة فلا يجزئ ذلك في إلحاق الوسيلة بها حتى تكون صالحة أو مباحة في نفسها ، فإن كانت محرمة فلا تلحق بالغاية وإن صالحة ، فذلك ، من وجه آخر ، مئنة من إحكام الشريعة النازلة التي تستغرق العلل الغائية والعلل الفاعلية ، فتنظر في الغايات والوسائل جميعا .

والله أعلى وأعلم .