كتابة التشريع ضرورة دينية وعقلية في أي أمة ، ولو لم يكن لها من إرث الرسالة حظ ، فلا بد لها من نصوص حاكمة تجاوز حد الكليات المجملة إلى الجزئيات المفصلة ، فلا تكون هذه الكتابة في أمة ذات رسالة سماوية ، لا تكون إلا من الرب العليم الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهو الشارع الذي يحكم بما أَنْزَلَ على رسله ، عليهم السلام ، فيحكم بالوحي ، وهو الحق المطلق الذي أبان عن مجمل الفطرة وحسم النِّزَاعَ بَيْنَ العقول فيما اختلفت فيه ، فالوحي قد أعطى العقل من مادة البحث النافع ، وَالْخَلْقُ قد ركز في العقل أدوات بها يستدل ويستنبط ، فكانت نعمة الخلق والشرع جميعا ، فمن خلق العقل هو الذي أنزل النقل ، فأنزل من الخبر ما يواطئ الدلالات العقلية الصريحة ، فلم يَبْتَلِ العقل أن يؤمن بمحال يخالف عن علومه الضرورية ، فلا يكلفه ما لا يطيق ، ولا يوجب عليه أن يؤمن بمحال لا يتصوره ، فضلا أن يجوز حصوله في الخارج ، فالوحي قد يأتي بمحار لا يطيق العقل حده في الخارج ، إذ لم يره ولم ير له نظيرا ولم يأته خبر عمن رآه فيحده له ولو تقريبا في الذهن ، فباب الماهيات في الإلهيات من المحار ، وباب المعاني في الذهن يدور بين الواجب الذي تدل عليه الفطرة ضرورة ، والجائز الذي لا تُحِلُيهُ وإن لم تستقل فيه بإثبات أو نفي ، فأدوات العقل في الفقه مما ركز في الذهن من تراكم معرفي لغوي ، فجاء الوحي بلسان يفهم ، وكان له من الدلالات ما به يستنبط الناظر بطرائق محكمة لا تقصره على دلالات الألفاظ المباشرة فتجمد على منطوقها دون تدبر المفهوم وما سواه من الدلالات التي عرفت باستقراء تراث العرب فهو ذخيرة من يريد النظر في التنزيل ، فلا يطيق يفسر ويستنبط ويقيس إلا من كانت قدمه في لسان العرب راسخة ، سواء أكان من جيل الاحتجاج فقد كُفِيَ مؤنة البحث ، فمعاني الألفاظ وطرائق العرب في البيان قد حصلت له بلا كلفة ، فعقل المعاني بداهة دون نظر في علوم أو مسائل فلم تَكُ بعد قد نُظِمَتْ وَدُوِّنَتْ ، فما التدوين إلا جمع مادة وجدت ابتداء فالمسائل تسبق التدوين إن في علوم التشريع أو في علوم التجريب ، فالعقل يتصورها قبل أن يسطرها ، فتحصل المسألة في الذهن ثم يحكيها اللسان بما ركز فيه من قوى النطق الظاهر فحركته ، لو تدبر الناظر ، ليست اهتزاز أحبال ، فذلك سبب في حدوث الصوت ، واللفظ صوت يخرج من العاقل وغيره ، فليس مناط الإفهام ، وإنما مناطه خروج الأصوات باهتزاز الأحبال على وتيرة خاصة تنتج ألفاظا ذات دلالات خاصة هي ، كما تقدم ، الإرث المتراكم في الذاكرة ، فلا يخلو النطق أن يكون حكاية لتاريخ جامع لثقافة أمة ، فهو الذي يخبر عن الحضارة بما يحكي من أخبار ، فالخبر ، كما يقول بعض المحققين ، مفتاح الحضارة فلا بد من قيم حاكمة لكل حضارة ، ولا بد من نصوص ومستندات هي قاعدة البناء ، فلا بد من خبر هو مجموع ألفاظ في سياق ، ونقد الخبر أول ما يجب قبل النظر في دلالته ، فلا يقام بنيان استدلال على شفا جرف هار من ضعيف أو مكذوب ! ، وبعد ذلك يكون الاستنباط فيظهر في المعنى قيمة حاكمة ، عليها يقام بنيان الحضارة ، فالخبر ليس قَصَصًا يَتَفَكَّهُ بها الناس في المجالس وإنما هو مادة الأحكام والشرائع التي لا تستقيم حال أمة إلا بها ، فلا أمة تستغني عن قيمة العدل وإلا زال وجودها من البسيطة ، ولا بد لها من نص حاكم يبين عن ماهية هذا العدل ، وهذا النص هو إرث تراكم من الرسالات أو التجارب الإنسانية عند الأمم التي لا رسالة لها ، فلا بد لها من ماض هو ذاكرة الجمع التي تضع أساس الحضارة ، فاللغة ليست ألفاظا تستقبل فيحدث فيها من شاء ما شاء ويخترع من الدلالات ما يوافق أهواءه بذريعة التجديد أو التحديث فذلك طور قد جاوز حد العقل والمنطق فلا يرضاه منهاج سماء ولا منهاج أرض ، فهو يؤذن بهدم القيم الحاكمة للجماعة الإنسانية ، إذ يضطرب معيار الاستدلال ، فقد صار لكلٍّ قاموس يخصه ، فهو كائن مبدع يَتَطَوَّرُ ، كما قال دارون في نظريته ! ، فلا تتطور الأبدان وحدها وإنما تتطور الألسن واللغات على وجه يخالف به المبدِع ضرورات المعجم الذي ينتسب إليه ، فلا يكون معنى اللفظ ما قَصَدَ الجمع المتواتر ، فقد أخطئوا أو قصروا حتى جاء فلان أو فلان من الفلاسفة أو النظار فأتى بما لم تأت به الأوائل ، فلم يكن استنباطه محمودا ، لا أنه اشتغل في البحث ، فذلك أمر يحمد ، بل لا حياة للعقل إن خمد وخمل فلم تكن فيه جذوة بحث ونظر يشتاق إلى درك المعارف النافعة إن في الدين أو في الدنيا فسكونه موت للأفكار والقيم التي يقوم عليها بُنْيَانُ الحضارة ، فاشتغاله بالبحث أمر نافع ، وأنفته من التقليد دليل على شرفه فهو يستنكف أن يقلد فيجمد ولا يستنبط جديدا ، بل قد كان ذلك مما أعاق حضارة الوحي أن تحتفظ بالريادة ، فعندها من نصوص الحضارة وقيمها الحاكمة ما ليس عند غيرها ، فعندها كتاب قد عُصِمَ من التبديل ، وهو كتاب تشريع لا يقتصر على آي التنزيل ، بل يعم الأخبار والآثار ، بل ويعم الموقوفات والمقطوعات ومدونات الفقه والسيرة والتاريخ وسائر المعارف الإسلامية التي حفظت ذاكرة الجماعة المسلمة أن تَزُولَ أو تُزَيَّفَ ، وذلك ما أقر به خصوم الرسالة فأقروا لهذه الحضارة بريادة في النقل ، وبذاكرة رائدة حفظت النصوص وسطرت التراجم فلم تكن نصوصها مواد جامدة بلا أمثلة فاعلة في حركة التاريخ ، بل كان من سير أعلامها ونبلائها ما أشاد به الخصوم لا أنهم يعظمون رجالات هذه الحضارة ، وإنما عظموا عنايتها بِمُثُلِهَا العليا الحاكمة ورجالاتها الذين حملوا هذه الْمُثَلَ وأخرجوها من القوة إلى الفعل ، فكان تأويلها في الخارج حركة فتح وبحث عدلت مسار التاريخ فسلكت به جادة الوحي الذي لا صلاح للأرض إلا أن يحكم بقيمه وشرائعه ، فهو الذي يحسم النزاع بين العقول الأرضية فكلِّ ناظر عقل ، بل ومعجم يخصه فقد أعلن العصيان على ركائز الضرورة اللسانية فاخترع معجما جديدا يخالف عن الإرث المتواتر فهو يقطع صلة المعرفة بالأصول ، وينسخ القيم الحاكمة لحركة الحضارة التي ينتسب إليها ، فيعلن ثورة في الفكر تخالف عن بدائه العقل فهي تَثُورُ على علائق معرفية ضرورية لا يمكن لأمة أن تصنع حضارة إلا بها ، فالذاكرة الجمعية لأي أمة هي صانعة الحاضر والمستقبل بما اطرد من السنن الكوني النافذ ، فالظرف السياسي والاجتماعي وسط يُنْتِجُ من ظواهر الفكر والسياسة ما يصدقه ، فهو كالفعل الذي يصدق التصور والقول ، وهو جار على قانون عقلي محكم أن الأحكام تدور مع العلل وجودا وعدما وذلك أمر يطرد في الأحكام العقلية والتجريبية ، وإن كانت الظواهر الإنسانية أشد مرونة فليس فيها ما في أحكام التجريب من الصرامة ، إلا أنها لا تخرج عن قانون عام ولو باستقراء غالب فقد يكون ثم خلاف في واقعة أو واقعتين فلا يقدح في الأصل ، فالنادر لا حكم له ، فطبائع النفوس واحدة من لدن خلق آدم عليه السلام وإلى اليوم ، فدوافع النفوس وَنَوَازِعُهَا ركائز في الجبلة كما العقل واللسان الذي يُبِينُ عنها ، وإنما اختلفت أدوات الفعل ، فكان التطور في الصنائع وفنون المعاش وهو ما لا تجحده النبوات ، بل قد أعطت فيه من هامش الإبداع ما اتسع ، فـ : "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ" ، وإن لم تخرج بذلك عن القيم الرسالية الحاكمة فإنها إرث حضارة يُوَجِّهُ فَيُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ، فآلة الصناعة أو الزراعة واحدة وإنما اختلفت اليد ، واختلاف اليد ، كما يقول أهل الفقه ، يغير الحكم ، فتكون الآلة في يد زيد نافعة وتكون في يد عمرو ضارة ، فالاختلاف ليس في الماهية أو الفعل ، وإنما الاختلاف في اليد الفاعلة فلكلِّ يَدٍ قيم حاكمة ، وهي ما استقر في وجدانها من المشاعر والدوافع ، وذلك مجموع تاريخي متراكم لا ينكره إلا جاحد أو مسفسط بل من رام الخروج عن قانون اللسان والمعرفة فإنه لا يخلو من سلف تقدم قد استمد منه الأصل فَزَادَ فيه وَفَرَّعَ ، فنظرية الحداثة النسبية التي تُفْضِي إلى إبطال المعارف الضرورية إذ تجحد المطلقات ، ولو كلياتٍ في الذهن ، وَتَرُومُ صناعة أنموج جديد في المعرفة يجعل الناظر في حِلٍّ من أي قيمة حاكمة مستمدها الإرث ، ذخيرة الأمم الحية التي بها تدفع الصائل على حضارتها ، فتحوط بها حِمَاهَا أن يُنْتَهَكَ ، وذلك محل إجماع بين جميع الحضارات التي تروم الريادة ، فإن تخليها عن ماضيها إيذان بفنائها ، فزوال الأصل يقوض البنيان ، وذلك علم ضرورة قد ركز في الجنان وصدقه الحس في الخارج فهو قانون يعم الأديان والعمران ، فلو سُلِّمَ لنظرية الحداثة أنها جادةُ تَقَدُّمٍ وَتَطَوُّرٍ ، فصاحبها لم يأت بهذه النظرية من بَنَاتِ أفكاره ، فثم قيم حاكمة لمذهبه قد تَلَقَّاهَا عن سلف تَقَدَّمَ ، فَلَهُ سلف في مقاله ولازم طريقته إبطال مذهبه ، فلو فَتَّشَ الناظر في المقالات جميعا لوجد لها من السلف ما يشهد وإن لم يبلغ ما بلغت من إتقان الحدود ، فلا يخلو قول من سلف حول معانيه يحوم ، إذ الدوافع ، كما تقدم واحدة ، وما يكون من الزينة والخزف في المقالات قد يَتَغَيَّرُ فلكلِّ زمان زخرفه واصطلاحه ولكن المعنى في الجملة واحد فإن تَغَيَّرَ بعضه فَحَوَاشٍ تُضَافُ وأما جوهر الفكرة فهو واحد ، وإن افتقر إلى تَنْظِيرٍ زائد ، فالاضطراب في منهاج الحداثة لم يخل من سلف وإن في نقض البدائه ! ، وانخلاع الناظر من منطلقات الاعتقاد هو في نفسه اعتقاد ينتحله الفيلسوف فهو يعظمه ويجعله المنهاج الحاكم فعلام ينكر على من اعتقد ما يخالف اعتقاده ؟! ، فلا بد في كل قراءة من نقظة ينطلق منها الإنسان فهي محل اعتقاد وجزم وإلا آل الأمر إلى استدلال بلا مقدمات فلا يقين ولو في البدهيات فكيف يستنبط العقل نظريات وليس ثم مقدمات ضرورية خبرية وعقلية بها يعالج النصوص نقدا وفقها ؟! ، فمنهاج لا يُسَلِّمُ بِقِيَمٍ حاكمة تَقَدَّمُهُ ويحدث من القيم ما يوافق هواه ، وينكر الحقائق فلا مطلقات ، وذلك ما لا يرضاه أصحاب الحضارات ، وإن أرضية ، فهم يزعمون أنهم سقف حضارة عال فيحتكرون الحقيقة والغاية فهم نهاية التاريخ ، والحداثة لا تخرج عن هذا القانون ، فمن ذا يسلك جادة وهو لا يعتقد أنها الحق المطلق ، ولو زعم أن طريقته أَنْ لا مطلق ! ، فذلك في نفسه مطلق أول ينطلق منه في بحثه ، فهو يعتقد لا محالة وإن اعتقد أنه لا يعتقد ! ، فذلك في نفسه اعتقاد تظهر آثاره في الفكر والسياسة ، فالشيوعية قد أنكرت الإله فاعتقدت السلب ، فلا تخلو عن اعتقاد أسس لقيم حاكمة نسخت قيم القيصرية الأرثوذكسية ، وهي قيم لم تقتصر على العقائد والأفكار وإنما ظهرت آثارها في الفعل السياسي والاجتماعي والاقتصادي بل قد رام صاحبها تصدير فكره ولو بقوة السلاح والانقلاب على أنظمة الحكم الرجعية ، فكان غزو الشيوعية للأمصار القريبة ودعمها للأنظمة البعيدة التي سلكت جادتها فأنفقت عليها ما لم تنفق على رعيتها ! ، فالأيديولوجية أولا قبل كل شيء ، فعلام يُنْكَرُ على أتباع الوحي إن جعلوا الرسالة أولا قبل كل شيء ؟! ، فهي دين منزل قد ضاهاه أصحاب المذاهب بآخر محدث ، فأحسنوا فقه الأديان فليست مشاعر جافة باردة لا حرارة فيها تسري إلى الأركان فهي حرارة غريزية كحرارة الدم الدافق في العروق بما يكون من سلطان الروح اللطيف الذي يحل في البدن فَيَبُثُّ في أركانه الحياةَ فكذلك الأديان فهي روح الجنان التي تظهر آثارها في القول والعمل ، فهي قيم حاكمة للأخلاق الفردية والجماعية فيحصل منها أصل تقوم عليه الحضارة ، فمن كان دينه وحيا فَبُنْيَانُهُ شَرْعٌ مفصل يأرز إلى نصوص ، وهي ، كما تقدم ، مادة الحضارة ، فالخبر مادة البحث التي يجتهد العقل في تدبرها ليستنبط منها أحكاما يُسَيِّرُ بها حياته فذلك مناط إِنْسَانِيَّتِهِ التي امتاز بها عن الحيوان الأعجم ، فهو كائن عاقل ذو منطق باطن وآخر ظاهر يحكيه ألفاظا في جمل ذات سياق يفهم فهو قرينة تعين مراد المتكلم ، وذلك ، كما تقدم ، أمر لا بد له من ضرورة أولى ، فالمقدمات الضرورية ، اللسانية والخبرية ، هي منشأ العلوم النظرية كافة ، فإن أنكر الناظر القيم المطلقة فعظم النظرية النسبية في المعاني فَاسْتَجَازَ بِهَا نقض البدائه اللسانية ، وهي مبنى أي استدلال علمي ، فعلام يقيم مذهبه وبم يستنبط أحكامه وقد خالف عن جادة الاستدلال الذي أجمع عليها العقلاء ، فإن إنكار الحقائق الضرورية في مذاهب الفكر كإنكار حاصل جمع واحد وآخر فهو اثنين فتلك مسلمَّة رياضية لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط فَأَنَّى له أن ينظر في الحساب وهو ينكر أصوله وهل يقبل عاقل القول : إن التجديد في الحساب يستوجب الخروج عن قواعده الضرورية فما المانع أن يكون حاصل الجمع ثلاثة ؟! ، فيضيع العقل ويصير الأمر عبثا فكلٌّ يضع من قانون النظر ما يوافق هواه وإن جاوز مبادئ الاستدلال الضرورية فازدرى العلوم الدينية والإنسانية فلا يقبل حكما إلا من عقله فهو الحاكم في النص قبولا وردا ، فليس ثم معيار نظر محكم ، وليس ثم طريقة في نقد الألفاظ صحة وضعفا إلا أن توافق ما يهوى وذلك يفضي إلى اضطراب عظيم في الاستدلال فإن ما يهوى زيد يخالف عما يهوى عمرو فلكلٍّ معيار في الصحة والضعف ! ، فمن يحسم النزاع بين هذه المعايير إلا معيار أعلى يحكم فهو من خارجها جميعا ، فلا بد من قيم حاكمة تحسم النزاع بين الأهواء والأذواق إذ تَتَعَارَضُ فتتدافع في ساحات الجدال وذلك ما يُفْضِي إلى قانون آخر يطرد في الكون أن يكون التدافع في ساحات الجلاد ، فيظهر كلٌّ من مخزون القيم والأفكار ما يكشف عن أصول حضارته ، وذلك أمر ، لو تدبر الناظر ، لا يعلم إلا باستقراء التاريخ ، فالحضارات سياق يتصل إسناده ، وإن اختلفت رجالاته ، فلكلِّ جيلٍ منهم حملة أفكار ومبادئ وجند ينافح عنها فدونها روحه فهي الحق المطلق ، ولو وفي اعتقاده ، فالحضارات الأرضية قد تختلف صورها المادية ولكنها جميعا ذات أصل واحد ، فهي أفكار خرجت من الأرض ولم يكن لها في الجملة حظ من رسالة السماء فاتخذت العقل رائدا ، فجعلته معيار الحكم الأول مع ما يعتريه من نقص وضعف وما يعرض له من هوى وحظ ، فهو يجتهد في التأويل وإن شئت الدقة فقل التبرير لما يقترف من جنايات فلا بد له آخر أمره من قيم حاكمة ، وإن انْتَحَلَهَا رياء ، فَيُخَرِّجُ الظلم على أصول العدل ! ، ويخرج الاحتلال والانتهاب أنه تحديث واستثمار للمقدرات ولو رجع العائد على المحتل فلا ينال صاحب الأرض والثروة إلا الفتات ، فتعقد صفقات الاستخراج لمعادن الأرض من الثروات والاستثمار في الصنائع والعمائر ، ولا يكون حظ المالك إلا ثمنا بخسا ، فالمحتل إذ احتكر أدوات الصناعة فهو الذي يفرض سلطانه ويضع أسعاره التي تلائمه إن في شراء المعادن أو في بَيْعِهَا بعد تدويرها في آلة الصناعة التي احتكرها ، فهو ساع ، أبدا ، في تجهيل صاحب الثروة ، فلا يزعمَنَّ أنه رسول تحديث فما جاء إلا بالإفقار والتجهيل ، فلا يحكم الأمم المغلوبة وقد افتقر إلى قيم حاكمة تجاوز قيم المنفعة والأثرة ، لا يحكمها إلا أن يُضْعِفَهَا وَيُمْرِضَهَا وَيُجَهِّلَهَا وَيُفْقِرَهَا فهو أبدا يسعى في انْتِزَاعِ أسباب القوة من يدها وتلك طريقة الحكم الجائر وإن زعم أنه العادل الفاضل الذي يصدر عن قيم ومبادئ ، فالجائر في حكمه لا يطيق من يخالف أو ينكر ، ولا ينكر عليه ، في المقابل ، إلا من يطيق الإنكار فعنده من بيان اللسان وقوة السنان ما به يزجر ، فلا بد من انتزاعها فيفسد البيان بما يكون من التجهيل ، فلا يحسن العقل ينطق بمعان تصح ، تَأْوِيلُهَا ما يجري على اللسان ، فلا يكون إلا الهجر والفحش وفضول من تافه القول الذي يحكي سفه القائل فقد انحطت الهمة فلا تشتغل إلا بالدنايا ، وذلك وصف رئيس في أي أمة تحكم بالجور ، فهو يفسد ذاكرتها التاريخية ويهدم ركائزها الأخلاقية ، ولا بد ، مع ذلك ، من انتزاع أي قوة من يدها فلا تطيق دفع الصائل من السلطان الجائر ، فوقعت الأديان في أسر دعايته بالصوت ووقعت الأبدان في أسر بطشه بالسيف ، وهو ، مع ذلك ، يرى ما يصنع خيرا فهو يحسم مادة الفساد والفوضى فلا بد له ، كما تقدم ، من قيم حاكمة يبرر بها جرائمه ، وهي القيم التي تُبْنَى عليها الحضارة ، وهي ، لو تدبر الناظر ، محل خلاف تَبَعًا لمرجع الحضارة ودوافعها ، فالثورة الجزائرية ، على سبيل المثال ، تمرد مسلح في أَدَبِيَّاتِ المحتل الفرنسي فهو يرفض الاعتذار وإن تلطف فأبدى الأسف كما في زيارة الرئيس الفرنسي الأخيرة إلى الجزائر وقد شغلت الرأي العام ولم يكن لها غرض ، كما يرصد بعض المتابعين للشأن الجزائري ، لم يكن لها غرض إلا توثيق التعاون الاستخباراتي في إطار ما اصطلح أنه الحرب على الإرهاب الإسلامي فله جبهة في دول الساحل ، لا سيما مالي والنيجر ، وهي مما يتاخم الجزائر جنوبا فتلك جبهة من جبهات الحرب على الإرهاب وهي مما تسهم فيه بعض الدول العربية بسخاء كما في زيارة بعض ساساتها لباريس في نفس التوقيت الذي عقد فيه اجتماع القمة الإسلامية لمعالجة النازلة المقدسية ولا يخلو التوقيت من دلالة رمزية على تبدل الولاءات الفكرية والسياسية وهو ما يُحَوِّلُ دول المنطقة جميعا ، ما يُحَوِّلُهَا بامتياز إلى مجموعات وظيفية خادمة لمشروع المركز في القضاء على البؤر المسلحة فهي من جملة ما يهدد هيمنته على المنطقة في إطار ما يرسم الآن من جغرافيا سياسية جديدة للمنطقة بعد 100 عام من جغرافية التقسيم الأول ، فبعض الدول مجموع وظيفي أمني فدوره استخباراتي وبعضها مجموع وظيفي عسكري فدوره قتالي وبعضها مجموع وظيفي يمول كما في تبرع أولئك القادة بمائة وثلاثين مليون دولار مشاركة منهم في المجهود الحربي الفرنسي في دول الساحل ولم تخل زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر من استثمارات تَصُبُّ بشكل رئيس في قناة الاقتصاد الفرنسي ، لا سيما ورئيس الدولة الشاب يفتقر إلى الخبرة السياسية التي يجاوز بها دور الوسيط أو السمسار في صفقات السلاح واستثمارات الاقتصاد مع دول جنوب المتوسط كمصر والجزائر في إطار تبادل مصالح لا يخلو من انتهازية سياسية تخالف عما تَزْعُمُ فرنسا من قيم حاكمة لجمهوريتها استمدت مما اصطلح أنه ثورة الحرية والإخاء والمساواة ! ، وهو أمر يُبْقِي البلاد تحت وصاية المحتل وإن غادرها بجيوشه فلا زالت تحت وصايته إذ لَمَّا تَبْلُغْ بَعْدُ سن الرشد فهو الْقَيِّمُ وولي الأمر كما يذكر بعض المعارضين الجزائريين ، فدول العالم تستأذن فرنسا قبل الاستثمار في الجزائر فهي من جملة تَرِكَتِهَا السياسية في القارة الإفريقية فلا بد من الاستعلام عن أحوال الجزائر من أجهزة الاستخبارات الفرنسية لا من أجهزة الدولة الجزائرية المنوط بها عقد الصفقات وإبرام الاتفاقيات فقد صارت صورةَ حكمٍ حَقِيقَتُهُ لما تَزَلْ في باريس ، وذلك أمر ، لو تدبره الناظر ، لوجده يَتَكَرَّرُ في أمصار الشرق جميعا في هذه الحقبة ، فدول الشرق لم تعد تملك من قرارها السياسي أو الاقتصادي ما يجعلها تستقل بقرار يخالف عن مصالح المركز فهو الذي يجيز ويمنع ، وما أثار الاستفزاز أن رئيس فرنسا يفتش عن حقوق المواطنين الذين احتلوا البلاد أو ما اصطلح أنهم "الكولون" فقد رحلوا مع رحيل جيوش المحتل فجاء الرئيس يطالب بحقوقهم في بلادهم الجزائر ! ، وصارت المقايضة ، كما يقول بعض الفضلاء ، بين حقوق الجزائريين ، حقوق ما ناهز مليونا ونصف مليون من الشهداء ، وحقوق الكولون الذين احتلوا بلادهم وقتلوا رجالهم وَاسْتَنْزَفُوا خيراتهم ، فالمعادلة الآن : تَنَازَلْ أَتَنَازَلْ وَلْنَنْسَ الماضي جميعا ونفتح صفحة جديدة من التعاون دون حديث عن أسف أو تعويض ، فالقيم الحاكمة ، وهي محل الشاهد ، عائق أمام هذا التطبيع مع المحتل وإن طَبَّعَ النظام الحاكم ، فأهل البلاد لهم قيم حاكمة هي رصيد من الأفكار والمبادئ فضلا عن المخالفة في الأديان وهي مناط الصراع الرئيس وإن كانت فرنسا علمانية ضد دينية إلا أنها في مفارقة عجيبة تجرم من يشكك في هولوكست اليهود فلهم امتياز على أساس ديني ولا تَنْفَكُّ تَفْزَعُ إلى جذورها الكاثوليكية ولو من باب الرياء السياسي في مواجهة الزحف الإسلامي فوحده من يحظى بالقدر الأوفر من عداوة علمانيتها ضد الدينية ! ، فأهل البلاد لهم قيم حاكمة هي مخزون الحضارة والتاريخ وهي التي تأرز آخر أمرها إلى الدين ، وإن أنكر ذلك من أنكر فَرَامَ قصر الخلاف على أمور السياسة ، سواء أكان علمانيا محضا أم إسلاميا يتماهي مع العلمانية في استبعاد العامل الديني الفاعل في أي صراع فكري أو سياسي لا سيما إن كان مع دولة كفرنسا لها دور رائد في حروب الصليب فهي عدو تاريخي للرسالة الخاتمة ، فلا يَغْفَلُ عن ذلك إلا جاهل أو مداهن أو خائن يجاوز هذه العقبة الدينية التي تحول دون التطبيع مع جميع الأديان والثقافات فلا يكون ذلك إلا بالانخلاع من الهوية الرسالية فقد صارت عائقا يحول دون إتمام الصفقات السياسية فهي الآن صفقات تجارية تُبَاعُ فيها القيم والمبادئ الشرعية بَيْعَ السلع الاستهلاكية ، فَثَمَّ معيار حاكم من القيم الفكرية والتاريخية يجعل الشعب الجزائري يمانع في إتمام صفقة كهذه مع الدولة الفرنسية ، فمعيارُ قِيَمِهِ يَرَى الفاتح من نوفمبر 54 انطلاقة ثورة لم تخل من مستمد ديني ، ولو تأخر تَرْتِيبُهُ في عنوان الحراك السياسي والعسكري ، وأما المحتل فمعيار قِيَمِهِ ، في المقابل ، يَرَى الفاتح من نوفمبر انطلاقة تمرد مسلح فهو إرهاب يهدد سلامة المواطنين الفرنسيين المحتلِّين ! ، فَلَهُ معيار يخالف عن معيار الثائر ، وكلاهما ، مع ذلك ، يأرز إلى قيم حاكمة ، فلم يخرج أحدهما عن جادة التاريخ ، فحكى كلٌّ ما يعتقد في أقواله وأفعاله فهي ترجمان حضارته وأفكاره ، فكانت الثورة جزءا من ذاكرة تاريخية متصلة فأي انقطاع في إسنادها يوجب الحكم بضعفها فلا تصلح مستندا يركن إليه الناظر في مستقبله ، فلا أصل يبني عليه ، فكيف بالحداثة وهي لا تروم قطع الإسناد فقط بل تروم إلغاء النص الحاكم ونسخ التاريخ بالحاضر ! ، فَتَنْقُضُ الأصلَ بالفرع فتصير الجماعة الإنسانية ريشة في مهب رياح حضارية شرقية وغربية تَتَقَاذَفُهَا إذ لا أصل لها في الأرض ، والناظر في الحداثة وما بعدها ، فهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، دليل اضطرابها وفشلها أن تجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل فلا تقدم إلا نظريات نسبية لا تطمئن بها النفوس التي تسعى في طلب الحقائق القطعية لتشبع رغبتها الفطرية في المعارف العلمية لا الظنون والأوهام التي تَتَقَاذَفُهَا فلا تبلغ المأمن ، وذلك باستقراء المناهج ما لا ينال إلا من مشكاة الوحي المنزل الذي خالف عن مناهج الأرض فهو قيمة حاكمة من خارج وإلا فالعقول لما تَزَلْ تَتَصَارَعُ بما تحدث من قيم ومبادئ فكل يهوى ويجد ويضع من معيار النظر ما به يحسن ويقبح لا طلبا لحق محكم وإن زعم انتحاله وإنما كسا حظوظه وأهواءه لحاء الصدق والعدل لتروج سوقها فلا تكسد ، فلا يحسم النزاع بينها إلا كتاب من خارجها ، فنسبيتها الأخلاقية وهو ما تظهر آثاره في نطقها وبيانها فلا تجد من الكلام القاطع ما يحسم مادة الشك ، ولا تجد من الأخلاق والفعل ما يتأول قيمة العدل التي صارت هي ، أيضا ، نسبية تَتَفَاوَتُ ، والمثال الأنجلوساكسوني البروتستانتي على ذلك خير شاهد ، فهو يقارف جناياته في خارج حدوده ، فداخلها عدل يخالف عن العدل خارجها ! ، مع أن العدل قيمة مطلقة ثابتة ، فَتَرَاهَا في الداخل ودودة عطوفة وفي الخارج ظالمة غاشمة ، فالعدل ، وإن مجملا ، يفتقر إلى حد شارح يُبِينُ وقاض نَزِيهٍ يحكم ، العدل حكر على الأمة الأنجلوساكسونية البروتستانتية ومن دخل في حكمها فهو من رعاياها وإن لم يظفر بجميع مزاياها فهي حكر على السلالة الأصلية لا الأخرى الهجينة ، وهو ما قد جاء الوحي يبطله إذ جاء بمعيار آخر أعدل ، فجعل التقوى مناط المفاضلة وهي معنى يجاوز الأعراق والأجناس ، فـ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، وكل إناء بما فيه ينضح ، وبه استبان قدر فارق بين فتوحات الرسالة الأولى وفتوحات خصومها ، وليس ثم حكم يفصل في هذه الخصومة إلا التاريخ ، فإن لم يكن ثم معيار في نقد الأخبار واستنباط المعاني فمن يحكم بين الحضارات وقد اختلفت ؟! ، والجميع لم يزعم أنه بلا تاريخ وأصل ولم يحدث له فجأة من القيم الحاكمة ما لا إسناد له ، بل كل يزعم أنه ذو حضارة وجذور ، فالأمم العاقلة تفخر بذلك فلا يمدح كائن أنه بلا ذاكرة ! أو أن ذاكرته ذاكرة الذباب أو السمك ! ، وإنما يمدح بجذوره الحضارية الراسخة ، وقدرتها على الصمود والمقاومة لأي وافد غريب فلا تطيق الغريب ولا الهجين وإنما تحرص على نقاء سلالتها الحضارية ، ولا يكون ذلك إلا أن تملك أدوات بها تقرأ التاريخ فلا بد من نص حاكم ، ولا بد قبل الحكم من صحة النقل ، فلا يقبل خبر إلا بمعيار نقد محكم يحرر مادة الاستدلال لئلا يكون البنيان وليس ثم أصل يقوم عليه ! ، فلا يجزئ في التأصيل مجملات وكليات تفتقر إلى البيان فهي خطوط باهتة لا تجزئ في الحكم على النوازل الحادثة فلا بد من أحكام مفصلة ، فلا عجب أن لم تقتصر المناهج الأرضية على الكليات وإنما وضعت من المذاهب والأحكام والسياسات ما جعلته دينا يخضع له الناس طوعا أو كَرْهًا بل وحملته رسالة تفتح بها العالم ولم يقل أحد إنها غازية محتلة تُكْرِهُ غيرها على الدخول في دينها وَتُفْسِدُ الأرض وَتَنْتَهِبُ الثروات والمقدرات فهي حركة جياع حملتهم الحاجة أن يزحفوا على أجوارهم زحف الجراد على الزروع ..... إلخ من دعايات القدح التي اختصت بها فتوحات الرسالة وحدها ! في تحكم عجيب مع أن التاريخ يشهد لها بضد ذلك ويشهد على خصومها بما قد نَبَزُوهَا به ، فالتاريخ هنا ، أيضا ، حكم في هذه الخصومة المستحكمة ، فاستبان لكل عاقل ، كما يقول بعض الفضلاء ، استبان دور الاستبداد ودور الاستعمار في كتابة التاريخ ، فهو يُزَيِّفُ الحقائق وَيَرْمِي الرسالة بِدَائِهِ وَيَنْسَلُّ ، وهو يحرض أتباع الرسالة أن ينخلعوا منها بما يروج من قيم التحديث ليصيروا في يده كتلة لينة لا تقاوم غزوه الفكري والسياسي والعسكري والاقتصادي ، والتحلل من التاريخ ، كما يقول بعض الفضلاء ، منشأ انحراف أو تَنَازُلٍ فلا يكون ذلك إلا بالتخفف من قيود القيم والمبادئ التي لا تحصل إلا بمطالعة التاريخ واستنباط أحكامه اعتبارا واتعاظا ، وتاريخ الرسالات يجاوز بقية التواريخ فليس قصصا يرسل وإنما هو دين يحكم ، فيتحلل أصحاب الطرح الحداثي منه إما بإنكاره جملة وتفصيلا ، أو التشكيك في مصادره فلا مطلق يصح مبدأ استدلال محكم ، أو التحكم في استقراء مشاهده على طريقة الذباب الذي لا يقع إلا على القيح والصديد فيكون التحكم في انْتِقَاءِ مشاهد وإهمال غيرها ولو كانت أضعافها ، فإن سَلَّمَ بالنص الحاكم فهو يتحايل لنقضه بما يقارف من التأويل ولو خرج عن قانون اللسان فهو يخترع معجما جديدا يلحقه ، لو تدبر ، بأهل الباطن الذين أهدروا دلالة الظاهر ليتلاعبوا بالنصوص كيف شاءوا ولو أصولا في العلم والعمل فلم يسلم من تأويلهم لفظ من ألفاظ الشريعة التي صارت فضاء مفتوحا يتقحمه كل مغامر بما يعرض له من هوى وذوق ، وليس ثم مرجع فالمؤلف قد مات وانقطعت علائقه بالنص فترك مادة ألفاظ قد أفرغت من المضمون ، فلكلٍّ أن يملأ الفراغ بما شاء من المعاني فالمؤلف قد مات ولم يبن عن مراده ! ، وتلك نظرية حاكمة في مناهج الحداثة الأدبية التي لا تفرق بين وحي ووضع ، فالجميع كلام يخضع لقانون التأويل بلا قيد ، وخلاصة القول في هذا الباب : إن الخبر مفتاح الحضارة ، فهو ذاكرة الأمم الجمعية ، وهو نص ينقل فلا بد من صحة الدليل المنقول ولا بد ، مع ذلك ، من صحة الاستدلال المعقول .

والله أعلى وأعلم .