ومن قوله تعالى : (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) ، فذلك سؤال التَّقْرِيعِ والتَّبْكِيتِ ولا يخلو من إلزام صحيح يوجب الإيمان بالنبوة الخاتمة ، إذ أخبرتهم بغيب قد تواطئوا على كتمانه فلا يعلمه إلا نبي يُوحَى إليه أو مُطَّلِعٌ على كتابهم ، وذلك ما قد انْتَفَى في حق النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالقسمة لا تحتمل إلا الوجهين أن يكون نبيا يوحى إليه أو أن يكون عالما بالعبرية قد اطلع على الصحف التوارتية فعلم منها خبر أولئك فهو مما لا يدرك بالعقل حدسا أو تخمينا ومما لا يدرك بالحس فزمانه قد انقضى وآثاره قد درست ، وذلك ما لم يكن في حق النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يعلم اللسان العربي قراءة وخطا فانتفى علمه باللسان العبري من باب أولى ! ، فـ : (مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) ، فذلك ما يحسم شبهة التعلم من بشر وهو ، من وجه آخر ، ما يجري مجرى القياس الأولوي فدل الخبر على صدق الرسالة الخاتمة بما أخبرت به من الغيوب التي لا يطلع عليها إلا نبي يوحى إليه ، وثم استحضار للصورة ، فإن دلالة الظرف "إذ" دلالة الماضي فيضاف في اللسان المطرد إلى العامل الماضي ، فأضيف إلى المضارع "يعدون" استحضارا لصورة انقضت فذلك آكد في الزجر والتقريع ، وبعدها أبدل الماضي من المضارع في قوله تعالى : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) ، وهو جار مجرى الإطناب بالبيان بعد الإجمال ، فكان البيان على درجات ، فكان بيان أول إذ أبان عن حال القرية من العدوان ، وقد أرجع ضمير الجمع في "يعدون" إلى لفظ القرية المفرد ، فذلك ما يستوجب تقدير محذوف ، فتأويل السياق : واسألهم عن أهل القرية ، فذلك من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهو مما يجري مجرى الإيجاز حذفا عند من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، كما قد قيل في نحو قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) ، ومن ينكر المجاز فإنه يجعل هذا الحذف مما اطرد في لسان العرب فصار حقيقة يشهد بها عرف اللسان في الاستعمال فَلَهُ عرف أخص من مطلق الألفاظ التي يجرد الذهن معانيها ، فتلك قرينة من بساط حال اشتهر ، والحقيقة العرفية المشتهرة تقدم على الحقيقة اللغوية المطلقة ، كما قد قرر أهل الأصول والنظر ، وثم من ينكر المجاز ، من وجه آخر ، إذ لا يُسَلِّمُ أَنَّ اسم القرية مئنة من البنيان الجامد ، فمادة "قَرَى" مئنة من الجمع ، فَقَرَيْتُ الماء في الحوض إذا جمعته ، فذلك جنس عام وهو مطلق الجمع وتحته آحاد ، فثم جمع البنيان الجامد ، وثم جمع الناس وهم أهل القرية ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم إذ يقيد اللفظ بوجه من وجوهه فثم شاهد من خارج اللفظ ، فدلالة الوضع الأول في المعجم قد احتملت إذ الجنس عام مطلق ، فجاءت القرينة ترجح وجها دون غيره لا تحكما في الاستدلال وإنما السياق ، كما تقدم ، حكم بين الخصوم إذا اختلفوا في دلالة لفظ مشترك ، فلا يحسم مادة الاشتراك إلا قرينة من خارج اللفظ بها يتعين مراد المتكلم ، فذلك من جنس ما تقدم مرارا من الترجيح في باب الجائز ، فلا بد من قرينة ترجح من خارج ، وإلا كان التحكم في الاستدلال بالترجيح بلا مرجح ، فالسياق ، وهو قرينة لفظ ، قد أغنى عن قرينة المجاز وهي قرينة عقل ، فرجح في هذا الموضع أهل القرية ، كما قد رجح في آخر بُنْيَانَهَا ، كما في قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) ، ولكل سياق من القرائن ما يعين مراد المتكلم فيرجح حال الاحتمال ، وكان البلاء العظيم الذي أطنب السياق في بيانه ، فكان من طباق السلب ما استغرق أجزاء الحقيقة في "سبتهم" و "لا يسبتون" و : "تأتيهم" و "لا تأتيهم" ، وَثَمَّ ، من وجه آخر ، مقابلة بين الشطرين : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا) ، و : (وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) ، وَبَعْدَهَا كان النص على العلة ، فـ : (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الاستئناف فكان فصلا بلا وصل بعاطف أو رابط فثم من العلائق بين الشطرين ما وثق ، فَبَيْنَهُمَا من شبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ما أغنى عن العاطف المنطوق أو المسطور ، وكان من دلالة السببية ما يحمل على الحقيقة لا المجاز ، فهي تجاوز ما زعم أهل الجبر الخالص أو الغالب ، فالباءُ باءُ سببٍ يُؤَثِّرُ فصاحبه يباشره بقدرة مؤثرة في إيجاد المقدور بما تعالج من قوى ركزت في السبب وهي ، مع ذلك ، لا تخرج عن قدر الملك ، جل وعلا ، فهو السبب الكوني الأول الذي تَرْجِعُ إليه الأسباب جميعا ، وهو ، من وجه آخر ، تأويل به تظهر آثار الخلق ، وصف الرب ، جل وعلا ، الذي دل عليه الاسم والوصف والفعل ، فهو الخالق الذي يخلق ، فـ : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، ووصفه الخلق المحكم الذي تحدى به في التنزيل المحكم : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) ، وذلك فعل يناط بالمشيئة يحدث منه جل وعلا ما شاء كيف شاء متى شاء بقدرة نافذة وحكمة بالغة ، فالوصف كسائر أوصاف الأفعال مما قَدُمَ نوعه قدم الذات القدسية وحدثت آحاده فهي ، كما تقدم ، تناط بالمشيئة فلا زال الرب ، جل وعلا ، يحدث منها آحادا تترى ففعل الخلق إيجادا في الكون لما يزل يحصل خلقا بعد آخر ، وكان من العموم في الموصول في "بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" ما دل على استغراق به تقرر الجناية ، ويحتزر من نسبة الظلم إلى الرب ، جل وعلا ، فهو الخالق وهم الفاعلون الذين فسقوا ، وثم إطناب بكينونة ماضية ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير الجناية وتوكيدها من القول في غير التنزيل : بما فسقوا ، ولا يخلو الفعل المضارع "يفسقون" من دلالة استحضار أخرى ، وإطلاق الفعل إذ لم يقيد بعامل مئنة من عموم يستغرق ، وإن كان في السياق ما يشهد بقصره على الفسق الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب دون أصله الجامع فإنهم كانوا مؤمنين في الجملة ، فكانوا على دين اليهودية وإن خالفوا عن الشرعة التوراتية ، فتلك قرينة صرفت اللفظ عن المعنى الذي يتبادر من إطلاق الفعل وهو الفسق الأكبر الذي يستجمع وجوه المعنى ، فانصرف بالمعصية الناقضة لكمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، انصرف إلى الفسق الأصغر ، ولا يخلو الضمير المجموع ، واو الجماعة في "يفسقون" ، لا يخلو من دلالة عموم قد استغرق لا سيما ودلالة التغليب فيه أصل يطرد ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يجري مجرى العام الذي أريد به خاص فلم يخل الجمع من مُنْكِرِينَ لهذا العصيان قد برئت ذمتهم إذ أتوا بالواجب وعظا وإنكارا ، فضلا عن الجمع الذي لم يشارك وإن لَامَ الجمع المنكِر ، فقد ورد من الآثار ما يدل أنه قد نجا وإن قصر في شعيرة الإنكار فتوجه اللوم إليه ما لا يتوجه إلى الجمع الذي امتثل الأمر كله ، فلم يقارف العصيان ولم يخل مقاله من وعظ وإنكار فأتى بالحسنيين ، خلاف من امتثل النهي فلم يقارف المعصية ولكنه قصر في الإنكار فلئن نجا من المسخ فلم ينج من الإثم إذ قصر في الإنكار إلا إن كان ثم من المانع ما يسقط به التكليف الناجز ، فقد يكون من العجز ما يسقط الإنكار باليد ، كالخوف من بطش الظالم وذلك ما يكون في العادة في أمصار يفشو فيها العصيان حتى يصير أصلا فينشأ عليه الناس وقد ألفوه فصار من العوائد التي لا تنكر ، بل الإنكار والزجر يتوجه إلى من أنكر ! ، فتبدلت الحال بتقادم الأعصار ، وقد يكون من العجز ما يسقط الإنكار باللسان ، فأولئك لم يغيروا باليد ولم يعظوا باللسان , ولكنهم لم يقارفوا العصيان وتلك أمارة تشهد بأضعف الإيمان ، وهو ما يستأنس به من حكم بنجاتهم ، وإن قصروا في الإنكار فقد أنكر غيرهم ووعظ فدل ذلك أن ثم قدرا من الواجب قد تَرَكُوهُ فاستحقوا الذم لا المسخ كحال من قارف المعصية فتحايل وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما قد يشهد أن الفسق كان الفسق الأكبر ، إذ لا يخلو التحايل من استخفاف واستهزاء وذلك ما قد يأتي على الأصل بالإبطال ، فلو استحلوا الحيلة بلا شبهة تأويل ترفع الحكم وإن لم ترفع الإثم ، أو استحلوها استخفافا واستهزاء فذلك ما يرجع اللفظ إلى الأصل الأول ، وهو ما يتبادر من إطلاقه فيكون مئنة من فسق أكبر ينقض أصل الدين ، وكلا الوجهين ، لو تدبر الناظر ، مما يجوز فلكلٍّ حظ من النظر ، وذلك ما قد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، ولا يخلو الفعل وقد حُدَّ حَدَّ الجمع في الضمير الذي استتر في عامله إيجابا في "نبلوهم" ، لا يخلو من دلالة تعظيم فذلك مما يحسن في مواضع الجلال ابتلاء بالتضييق بما اقترفوا من الفسق ، فكان الجلال في شريعة التوراة ما به تستصلح النفوس المستذلة ، وما به تكسر الرقاب الصلبة التي أبت الانقياد طوعا ، فهي أشد الناس جدالا ولجاجا ، وأكثر الناس سؤالا واختلافا على الأنبياء عليهم السلام وذلك سبب هلاك رئيس كما في قول البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ" ، فكان من اختلافهم ثم عصيانهم ما انقطع به العذر فالحجة قد قامت أن أُجِيبُوا بما سألوا وإن تحكموا في السؤال وَتَعَنَّتُوا كما في قصة البقرة المشهورة ، وكما في خبر المائدة ، فـ : (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) ، فكان من الضمير الذي اسْتَتَرَ إيجابا في "نبلوهم" ، وذلك من مواضع قد وَرَدَ النص عليها في كلام النحاة أن الضمير يستتر فيها إيجابا ، ولا يخلو اللفظ من دليل على المقدر المستتر ، فالنون صدر الفعل نونُ الجمع التي يصدر بها المضارع إن كان الفاعل جماعة ، فدلت على المحذوف المقدر فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى دلالة المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف أو المستتر المقدر ، والجمع ، من وجه آخر ، لا يدل على تعدد الذوات أو القدماء في الخارج كما قد توهم من لا علم له باللسان العربي فذلك مما اطرد في تعظيم الواحد أن يجمع ضميره ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى المجاز ، إذ أطلق الجمع وأراد واحدا ، ومن ينكر المجاز في اللسان والوحي فإنه يجري ذلك مجرى ما تقدم من استعمال اللسان المطرد الذي صار عرفا وحقيقة ، فلا مجاز إذ اشتهر استعماله باستقراء نصوص الوحي ومأثور النظم والنثر فَجَمَعَ من الأدلة الشاهدة عليه ما جاوز حد الآحاد فهو مما تَوَاتَرَ في دلالات اللسان ، فَنُزِّلَ منزلة الحقيقة من هذا الوجه ، وقد يجري الجمع ، من وجه آخر ، مجرى الحقيقة بالنظر في صفات رب الخليقة ، جل وعلا ، فله من الأوصاف جلالا وجمالا ما يظهر تأويله في فعل الابتلاء فهو تأويل يحكي آثار أوصاف كثيرة من الجلال في الابتلاء ولا يخلو من جلال الحكمة أن وضعت الشدة في الموضع الذي يلائمها فكانت الشريعة التوراتية الجليلة التي تهذب النفوس الذليلة وتلجم الأهواء فهي تكسر ما صلب من الأعناق ، وكان من حكمة تالية ما جاء من جمال الإنجيل فلم يأت بشرع جديد ينسخ الأول وإن نسخ جملة من أحكامه تخفيفا ، فكانت الحكمة في اللين بعد الشدة ، وكان كلاهما مئنة من وصف كامل يُثْنَى به على الرب الخالق ، جل وعلا ، فجلال في التوراة وجمال في الإنجيل ، وبعدهما كان الكمال في الوحي الخاتم الذي استجمع مادة الجلال والجمال جميعا فثبت به من موجبات الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، ما لم يثبت فيما تقدم ، فقد صدقه وزاد عليه إحكام ما قد نسخه وَبَيَانَ ما قد أُجْمِلَ في الكتاب الأول فجاء الكتاب الخاتم جامعا وحصل فيه من الثناء بالجمال والجلال ما استغرق الكمال فذلك وصف التنزيل الخاتم ففيه جلال الموسوية وجمال العيسوية ، وفيه زبدة ما تقدم من كلمات الصدق أخبارا والعدل أحكاما .

وبعده كان الإطناب في القصة ، فـ : (إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ، فقالت أمة وهي جمع من البشر ، ودلالة "من" ، بيان للجنس ، من وجه ، فهم من نفس القبيل فلم يكن القائل خارجا عنهم ، ولا تخلو من دلالة التبعيض على ما تقدم من القسمة الثلاثية : عاص يقارف ، ومنكر يزجر ، ومفارق يسكت ، فقال هذا الجمع للجمع المنكر : لم تعظون قوما الله مهلكهم ؟! ، فلا يخلو الاستفهام من استعلام قد أُشْرِبَ معنى الإنكار ، وثم إطناب بالوصف جملة قد حُدَّت حَدَّ القصر "الله مهلِكهم" ، فكان من الاسم المقيد ، اسم الفاعل ودلالته دلالة المضارع ، فتقدير الكلام : الله يهلكهم ، بالنظر في زمن التكلم فلم يكن الهلاك قد وقع بَعْدُ وإن وقع بالنظر في زمن النزول ، فنزلت الآية تحكي ماضيا قد انقضى ، فالمضارعة قد استحضرت هذه الصورة المنقضية ، فأضيف الاسم "مهلِك" إلى معموله ، فهو اسم مقيد دلالته دلالة الفعل ، فيجري مجرى وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، فنوعه قديم وآحاده تحدث في الخارج إذا شاء الرب الخالق ، جل وعلا ، حدوثها ، وذلك ما يكون في مواضع الجزاء ، ما يكون فيها بسبب ، فإن الإهلاك عقوبة تكون على سبب ، وذلك العدل في قضاء الملك ، جل وعلا ، ولا يخلو الفعل من دلالة الجلال ، فالإهلاك عقوبة وهي أثر من آثار الجلال في وصف الرب ، جل وعلا ، وقد حكوا المضارعة بالنظر في زمن الخطاب فلم يكن الهلاك قد وقع آنذاك ، فدلالة اسم الفاعل ، كما تقدم ، دلالة المضارع ، وهو مما يدل على الاستقبال ، وثم استيفاء لشطري العقوبة على حد الاحتمال ، فالإهلاك أو التعذيب ، فالله جل وعلا : (مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) ، أو ذلك مما يجري مجرى العطف فهو من عطف البيان فالإهلاك قد أجمل فَأُبِينَ عنه بالعذاب فهو ما كان به الإهلاك ، أو تجري "أو" مجرى التقسيم فهلاك في الأولى وعذاب شديد في الآخرة ، ولا يخلو التقييد بالمصدر "عذابا شديدا" ، لا يخلو من دلالة توكيد فضلا أنها مئنة من النوعية فقد وطأت للوصف بعدها وهو الذي أبان عن وصف الشدة ، فقال الجمع المنكر : (قَالُوا مَعْذِرَةً) ، والضمير ، عند التدبر والنظر ، بلا مرجع فلا يرجع إلى أقرب مذكور كما اطرد في أحكام اللسان ، وإنما دل عليه السياق اقتضاء ، فالكلام بين فريقين ، سائل وآخر يجيب ، فالضمير ضمير الطائفة المنكِرة إذ تجيب على سؤال الطائفة الساكتة ، فجاء الجواب : (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ، فذلك ما حُدَّ حَدَّ المصدر لعامل محذوف أو هو ، كما يقول بعض المعربين ، مما يجري مجرى المفعول لأجله فلا حذف ، أو يجري مجرى المعمول لعامل مقدر ، على تقدير : نطلب معذرة ، وقد يرجح الوجه الثاني إذ لا تقدير وهو الأصل ، فالكلام إذا تراوح بين التقدير وعدمه ، فالعدم أولى ، إذ هو الأصل ، كما تقدم ، في لسان اطرد فيه الإيجاز إلا في مواضع يحسن فيها الإطناب بل وقد يجب احترازا من معنى فاسد قد يتبادر إلى ذهن السامع ، وقد نكرت المعذرة مئنة من النوعية فيعتذرون ولو بأدنى عذر ، فالسياق يشهد لمعنى التقليل ، وثم استيفاء آخر لشطري القسمة بدلالة العطف ، فمعذرة ، من وجه ، و : (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ، فتلك علة أخرى قد نص عليها السياق فدلالة "لعل" مئنة من التعليل ولا تخلو من رجاء الناصح الذي يصدق في نصحه ، وقد ختم بالتقوى التي تطابق الفسق آخر الآية المتقدمة ، فكان من الحكم ما اطرد وانعكس ، فالفسق سبب في العقاب والتضييق والتقوى سبب في النجاة والتفريج ، فتلك سنة كونية اطردت ، وهي مما حكاه الوحي خبر يقين جازم ، فواطأ خبر الشرع قدر الكون وذلك مئنة من إحكام يستغرق كلم الرب ، جل وعلا ، وأفعاله ، فمنزل الشرع هو مجري القدر ، فكل من عند الله ، جل وعلا ، إن بكلمات تكوين نافذ أو كلمات تشريع حاكم .

والله أعلى وأعلم .