القيم الحاكمة لأي جماعة إنسانية هي تاريخها الموثَّقُ ، وهي أدوات التحليل لأي حدث أو تصريح سياسي أو عسكري ، وبها يحسم النِّزَاعَ في مواضع الخصومات ، كما يرى الناظر في تصريح أخير ، أثيرت به ضجة ربما جاوزت الحد فاشتغل بها الناس عن الأهم ، وإن كانت مثالا قياسيا على دور التاريخ في صناعة الحاضر والمستقبل ، فكان ما تداوله الناس من تهجم تافه من توافه المجموعات الوظيفية السياسية التي أطلق عليها بعض الفضلاء من الإقليم نفسه الذي تَنْتَمِي إليه هذه المجموعة الوظيفية أنها شظايا جغرافية لا تَرْقَى أن تكون دولا ، وتاريخها في الدنيا يساوي تاريخ المتكلم فعمر الكيان الذي ينطق باسمه من عمره ! ، وذلك ما يدل على ضحالة فكر وتاريخ وإن رام نسبة إلى تاريخ وثقافة فَبَشَّرَ بقيم التسامح والوسطية وراح يسرق من تاريخ الأمم الأخرى ، وإن وثنيةً كالأمة الفرعونية ، راح يسرق من تاريخها ما يتجمل به فينتحل تاريخا ولو كان لقيطا لا نسبة له بعد أن تَنَكَّرَ لنسبة الرسالة التي جعلت أصحاب اللسان العربي سادة النوع البشري بما تحملوا من وظيفة البلاغ والبيان والفتح ، فكان من التطاول ما يدل على ملامح خريطة جديدة للشرق المسلم في إطار أحلاف ومحاور تَتَشَكَّلُ استنادا إلى معيار طائفي يخوض الحرب نيابة عن المركز ! ، فهو الذي يعيد رسم خريطته بنفسه على وجه يُفَتِّتُ الكيانات الصغيرة إلى أخرى أصغر ويسارع من انهيار حواضر الشرق المسلم تِبَاعًا فليس إلا كيان يهود رائدا وقائدا فوحده الذي يمتلك أسباب القوة وأدوات الدولة بعد نسخ الخريطة القديمة بأخرى جديدة ، وهي ، عند التدبر والنظر ، تجاوز حد الخريطة الجغرافية التي يعاد الآن رسمها بواسطة هذه الأدوات الوظيفية ، فثم خريطة أفكار وقيم يعاد رسمها بعد محو الذاكرة التاريخية كما يرى الناظر الآن في نازلة البيت المقدس فالرهان الرئيس فيها على تغييب الذاكرة الإسلامية أو العربية أو حتى الفلسطينية ، فلا بد من كتابة تاريخ جديد لهذه المنطقة التي تعد مهد الحضارات الرسالية والإنسانية ، فلا يتولى عبء ذلك إلا كائن بلا تاريخ ، فهو كالأنعام بل هو أضل ، ومن أهل الشأن من يَحُدُّ الإنسان أنه الكائن الوحيد ذو التاريخ ، إذ يملك ذاكرة مفصلة تمتد جذورها إلى أصوله ، فليس كما تَرُومُ الحداثة كَائِنًا بلا هوية ، ولا يصنعها إلا التاريخ فهو الذي يحكي قيم الدين ، أشرف ما ينتحله البشر ، فهو ، أيضا ، مما يصح حَدُّ الإنسان به حَدًّا جامعا مانعا ، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي له دين بما ركز فيه من العقل الكامل محل التكليف والسؤال والثواب والعقاب ، فلا يكلف الحيوان ولا يسأل عما يفعل ولا يثاب ولا يعاقب إذ لا عقل له ولا دين ولا تاريخ يجاوز حد النوع والسلالة فهو تاريخ يحكيه التصنيف الحيواني وعلم الأحافير ، فلا دين ولا ثقافة ، فالحضارة تجاوز حد الأبدان والبنيان ، فما يبقى منها ليس إلا رفاتا وأطلالا وهو ما لا يدركه السفهاء الذين سارعوا في مشروع الحداثة الفكرية والسياسية فسعوا في محو تاريخ الشرق ليلتحقوا بركاب المركز في إطار صفقات سياسة وجغرافيا جديدة تنسخ التاريخ الذي لا يقيم له الحيوان وزنا فهمه ما يطعم ويشرب في لحظة اللذة الآنية ، فلا يملك رصيد أديان أو أفكار ، وهو ما يجعل كل شيء محل تفاوض فالبيع والشراء للأديان والأفكار والأرض جائر بل بيع الأرض ، لو تدبر الناظر ، هو الأسهل ، فما استجاز البائع التفريط فيها إلا بعد أن فَرَّطَ في الأديان والقيم فلا رصيد له منها وإن تضخم رصيده السياسي والمالي فصار ذا دور فاعل وإن لم يجاوز دور المجموع الوظيفي التابع ، ولو تدبر أبناء الشرق لوجدوا أن في تاريخهم ذخيرة رسالية وإنسانية شكلت النواة الصلبة لتاريخ البشرية فهو تاريخ النبوات وما أضيف إليها من الحضارات على وجه استفادت منه الرسالة أدوات الحياة وفنون المعاش وجملا من الأخلاق النافعة ، فالنبوة معيار يحسن القبول والرد وَيَنْتَقِي من الحضارات الأخرى ما صح ، فالحكمة ضالته والحق غايته ، فذاكرة الإنسان ذي الدين والقيم ليست كذاكرة الحيوان التي تقتصر على صور اللذة والألم مع قصورها في التحليل والاستنباط ، فلا تختزن إلا صورة بسيطة ساذجة فكان من قصور منطقها الظاهر لسانا يحكي ما يقوم بالنفس من المعاني ، كان من قصوره ما يدل على قصور في منطق الباطن ، فلا رصيد من قيم أو حضارة فما أسهل أن يتلاعب إنسان هذا وصفه ، ما أسهل أن يتلاعب بهوية أمة فليس له من رصيد الأفكار ما يبكي عليه وإن كان له من رصيد الأموال ما يبعثر يمينا وشمالا ليفسد في الأرض وليقوض أي حضارة تجاوره ، فدناءة الأصل تُؤَرِّقُهُ فلا تسكن نفسه إلا إذا انحط الجميع وصاروا مثله فتفوق عليهم آنذاك بما يملك من مال وثروة ، وبما أنشأ من علائق مع المركز وإن كانت علائق التبعية الفكرية والسياسية ، فقد انخلع من حضارة الشرق وقطع الصلة بها واحتكر لقب الإصلاح والتجديد والترويج لقيم الوسطية والتسامح ، فصار حيوانا في مسلاخ بشر إذ صار كائنا بلا تاريخ ، وذلك هو مناط الإشكال في نازلة البيت المقدس ، فليست نازلة بقعة من الأرض أو مسجد يُصَلَّى فيه وإن كانت الصلاة خير أعمال البشر ومكانها أطهر البقاع ، فالنازلة ، عند التدبر والنظر ، هي الصراع المحتدم بين التاريخ والحداثة ، فَثَمَّ أمة ذات تاريخ يَتَّصِلُ إسناده إلى السماء فمنه كان المعراج ، وفي مقابلها حداثة يروم المركز فرضها على الشرق ، فلا يملك المركز من تاريخ القيم والحضارة ما يناجز به الشرق ، فلا يحكم السيطرة على أرض النبوات إلا بالمجموعات الوظيفية ورأسها كيان يهود فهو يمثل أصدق تمثيل الأمة الهجين التي لا تاريخ لها فتروم اصطناع أي تاريخ يصل نسبتها إلى البيت المقدس ، ولا ينمو هذا المسخ ويتضخم إلا إذا كان من حوله أقزاما ، فلا بد من اصطناع مجموعات وظيفية تقزم الشرق ذا الدين والتاريخ واللسان ، فتلك إبادة كإبادة أمريكا لسكان العالم الجديد ، فَقَبْلَ إبادة الأبدان لا بد من إبادة الحضارة التي تقاوم حضارة المحتل ، فإذا بادت الأديان فالسيطرة على الأبدان أيسر ، وهو ما يَرَاهُ الناظر في صنيع المركز الآن فقد تَغَوَّلَ حتى خاصم حلفاءه القدامى وهو ما بشر به بعض ساسة أوروبا ، وهو وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر ، وهو ممن اتسم أداءه بالرزانة كما اطرد في الدبلوماسية الألمانية وإن خضعت لابتزاز يهود فهي تبذل التعويض والتأييد لا عن رضى وإنما تَحْكُمُهَا معادلة سياسة دولية وإن بَدَأَ اليمين في ألمانيا يحقق مكاسب كما هي الحال في كَثِيرٍ من دول المركز في ظل ارتفاع أسهم الشعبوية السياسية التي تستعمل من خطاب الشعارات الديماجوجية ما يستفز مشاعر الناخب ويحرك فيه غرائز التعصب العرقي وهي غرائز أصيلة في الغرب ، وإن تفاوتت حدتها من شعب إلى آخر ، فدبلوماسية ألمانيا لا تخلو من هذا الرافد العنصري ، ولكنها الآن تبادل المركز فتورا في العلائق في ظل التنافس على مواضع النفوذ فالمأنيا هي القوة الأعظم في غرب أوروبا ، فتمثل أوروبا في مواجهة المركز الأمريكي ذي الخطاب السياسي المتهور الذي أشار إليه يوشكا فيشر في مقال مشهور عَنْوَنَ له بنهاية الغرب بعد ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أمريكا ، إذ رأى في انتخاب ذلك التاجر غير المهذب رئيسا للمنظومة الغربية رأى فيه نهاية هذا الغرب بِتَآكُلِ مؤسساته القديمة كالحلف الأطلنطي الذي يهدد رئيسه بقطع النفقة أو تقليلها فآن الآوان أن يدفع كل عضو تكلفة الدفاع عنه فليس الأمر تِكِيَّةً كما يقال في مصر ! ، وأوروبا مع عداوتها المستحكمة للوحي إلا أنها ذات تاريخ أعرق من تاريخ هذا الكيان السياسي الجامح الذي يعيد اكتشاف نفسه كراعي بقر جديد لا يعرف إلا لغة النار وإن في خطاب الدبلوماسية الذي يَتَّسِمُ في العادة ، بقدر من الأدب واللباقة فهو خطاب دولة لا عصابة ، فكان من خطابه الفج خطاب : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، كان منه ما يثير العجب من انحطاط اللغة الدبلوماسية فمندوبته في المنظمة الدولية قد انْتَعَلَتْ حذاءً ذا كعب عال لتضرب به كل من تحدثه نفسه أن يُهَدِّدَ كيان يهود أو يمس مصالحه بسوء ! ، وهي تنظر بعين الترقب من يُصَوِّتُ له ومن يُصَوِّتُ ضده ، وذلك ما يسجل من مواقف الدول فإذا طلبت الدعم الاقتصادي أو السياسي فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! بعد أن خالفت ولو في تصويت غير ملزم فهو موقف أدبي لا يقدم شيئا ولا يؤخر ، ولكن قسوة الراعي على قطيع البقر قد جاوزت الحد فلم يعد ثم مُتَنَفَّسُ معارضةٍ ، ولو دبلوماسية غير مؤثرة ، والحساب يجمع ، كما يقال في مصر ! ، وهو ما أبان عنه خطاب الرئيس في اليوم التالي فقد أنفقنا سبعة تريليونات من الدولارات وتلك حماقة عظمى فآن الأوان لبناء بلادنا ولو بانتهاب ثروات غيرنا فهو يجتر أدبيات النظرية الاستعمارية الإمبريالية القديمة التي مارست فيها دول المركز الأبوة السياسية والاقتصادية على الأطراف التي لا تدرك مصلحتها فهي طفل قاصر قد ورث أموالا طائلة فلا بد من وصي يدير الثروة ويدبر أمر هذا الطفل الذي لا يبلغ أبدا فلا يمتثل الولي الأمر أن : (ابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) ، فمتى تبلغ الأطراف النكاح ويأنس المركز منها رشدا ؟! ، فهي حتى الآن في انتظار عطايا المركز وأولها ما تَنْوِي مندوبة أمريكا إقامته من حفل عشاء جامع للدول التي اعترضت أو قاطعت التصويت فأول الغيث أكلة ! ، وربما بلغ الانحطاط والدناءة أن كان ذلك هو ثمن التصويت في مقابل العقاب الصارم الذي يتسم بالفجاجة وهو قطع الدعم الذي سرقه المركز من ثروات الأمم التي يمتن عليها أن أعطاها فُتَاتَهَا ! ، فهو ، كما تقدم ، راعي بقر يستعمل قوة النار في سوق القطيع ولا يمانع أن يمتن عليها بشيء من العلف مع شيء آخر من الخوف لئلا تحدثها نفسها الأمارة أن تستقل بِقَرَارِهَا وَمَوَارِدِهَا ، فلا دور لها في الحياة إلا أن تأكل وتسمن ليحلبها الراعي أو يحرث بها الأرض فغاية الأطراف أن تخدم المركز وذلك ما يستوجب إضعاف الأطراف فلا تَتَطَلَّعُ يوما أن تسود ، كما هي الحال مع الشعوب الآن في الشرق المسلم ، فرعاية الغنم فيها كرعاية البقر في المركز ! ، والشعوب هي القطعان التي انتهبت الحكومات ثَرَوَاتِهِم ثم وزعت فُتَاتًا مِنْهَا قَلَّ أو كَثُرَ ، ثم كانت المنة العظمى بعطايا ولي النعم الذي يَرُبُّ ويرزق ، وليته يصدق فلا يقطع عطاءه ، كما قد حدث في مصر ويحدث الآن في الخليج ، فالسنة واحدة ، فالدولة الاشتراكية الراعية التي تمارس الأبوة في توزيع العطاء وتعاقب بالحرمان من المصروف من يجاوز حد الأدب ، هذه الدولة قد نجحت في رعاية الأغنام فكان من مآثرها الاجتماعية أن قَلَّ التفاوت بين الأغنام فكل يأكل ويشبع ولكنه لا يفكر ! ، لأن الأغنام لا تطيق التفكير فلا تدرك من مصالحها ما يدرك الراعي فوحده الذي يمسك بالزمام في إطار نظرية الأكل مقابل الصمت ، ثم كان الانهيار الذي تحول فيه العطاء إلى دعم لا يخلو من يد المنة ، فضلا عن تحول الدولة من دولة راعية إلى دولة جابية تسرق الشعب بما تفرض من ضرائب ورسوم ، فلم تعد تملك من العلف ما تطعم به القطيع وهي مع ذلك لا زالت تحتكر وظيفة الرعاية الجبرية ! ، وهو ما ينذر بالثورة ولو بعد حين ، فمن رام الخروج عن وصف الغنم إلى وصف البشر فاستعمل عقله وَفَتَّشَ في تاريخه وهويته ولسانه عما يسترد به آدميته المغتصبة سوف يقاوم هذا الحكم الجائر ولو في نطاق الثقافة والفكر ليحفظ ما بقي من آدميته ، ومن رضي بوصف الغنم فإنه سيثور لا محالة فالعلف قد شح والجوع قد عضه ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يقع الآن في الخليج ، فالدول بعد سفه الإنفاق في مغامرات السياسة والحرب قد بدأت في التحول التدريجي من الدول الراعية إلى الدول الجابية ، مع تحول العطاء إلى دعم اجتماعي ، فيكاد التاريخ يعيد نفسه ! ، إذ لم تُعْنَ الأنظمة الحاكمة ، ملكية أو جمهورية ، أن تستثمر في الإنسان ، مادة الحضارة ، فاستثمرت في كل شيء إلا هو ، بل قد تقصدت إضعافه وتقزيمه لأنها إذ تغايره الغايات والمقاصد وإن تظاهرت أنها تشاطره الهوية ، إذ كانت تلك حالها فلا بد أن تسعى في تحويله من إنسان إلى حيوان ليسهل قِيَادُهُ ولا يكون ذلك إلا بِتَقْزِيمِ عقله وإن امْتَنَّتْ عليه بشيء فما يقيم البدن لا أكثر ولو علفا رديئا يمرضه ويقتله ! ، فلا عقل صانت ولا بدن حفظت ورعت ، وإنما تطعمه بقدر ما تستخدمه في قضاء مصالحها ، فهي تنظر إليه أنه مجموعة وظيفية خادمة لا يخرج عن وصف التابع ، وتلك نظرة المركز إليها ، فهي ، أيضا ، مجموعات وظيفية قد استخدمها لتقزيم الشعوب لئلا تفكر أو تقاوم بأدوات الرسالة ، مادة الحضارة في الشرق ، فهي الآن الخصم الرئيس الذي يقف عقبة أمام أي تطبيع تُبَاعُ فيه القيم والأفكار قبل الأرض والأوطان ، فما كان لصفقات التسوية السياسية التي تُمْحَى بها الذاكرة التاريخية ، ما كان لها أن تمرر لولا خيانة الأديان والقيم قبل خيانة الأوطان والدول ، ولو تدبر الناظر في حال المركز لَوَجَدَ أنه هو الآخر لا يغدو أن يكون مجموعة وظيفية فمؤسساته السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية تمارس ، أيضا ، نوعا من تَقْزِيمِ العقول وإن بشكل لطيف لا كما هي الحال في الشرق فقد نشأ المركز الجديد ليكون غرفة عمليات يُدَارُ منها العالم بما يحقق غايات نُخَبٍ بِعَيْنِهَا فليست عامة الشعب بل هي تُغَايِرُهُ فلا تخالطه فَتَرُومُ الاستقلال عنه بأفكارها وأنماط حياتها فهي تحرص على السكنى بعيدا عنه فَتَتَّخِذُ من أنماط البناء ما يعزلها وتتخذ من مجموعات الوظيفة المسلحة ما يحوطها فثم سياج عازل بينها وبين العامة وإن لم يكن الأمر فجا كما هي الحال في نخب الشرق من أصحاب العواصم الملكية ! ، فالنظرية النخبوية الحاكمة لا تقتصر على الشرق ، بل ثم نخب سياسة وحرب واقتصاد في الغرب تمارس ما يمارسه وكلاؤها في الشرق ، فالنخبة الحاكمة في المركز تنظر إلى الناس ، أيضا ، أنهم قطيع من الغنم ، وإن كان أرقى سلالة من الغنم في دول الشرق ! ، فلا يخرج أن يكون جنس الرعاية واحدا ولكن رعاية المركز ألطف وطرائقه في القيادة أنعم فهي تستعمل من القوى الناعمة ما يغنيها عن القوة الصلبة التي يستعملها الراعي الغشيم في الشرق فليس في خطابه إلا استخدام القوة الغاشمة ! ، فنظرية التقزيم للشعوب نظرية عامة في كل حكم أرضي لا يمت للسماء بصلة ، فالوحي وحده من جاء يحرر الإنسان من هذا الطغيان الذي جاوز الحد في نظريات استبدلت الإنسان بالله ، جل وعلا ، والعقل بالوحي ، وهو ما يجعل الناظر يَمِيزُ مستويين من الخطاب : خطاب العقد الاجتماعي العام الذي تُقَيِّدُ به النخبُ الحاكمةُ الشعوبَ ، فهو خطاب نخبة يضع القيم السياسية والأخلاقية ويحتكر معايير التشريع فَيُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ تَبَعًا لما يحقق مصالحه وغاياته ووحده من يملك معيار البراءة أو الإدانة ، فهو الذي يضع تعريف الخير وتعريف الشر ، وهو الذي يحتكر ألقاب الاعتدال والتشدد ... إلخ من أدوات الإرهاب السياسي والدعائي ، فهذا مستوى لا بد من مناجزته فمداهنته لا تجدي شيئا ، وهو خطأ وقعت فيه التيارات الإسلامية السياسية فإنها أفرطت في مداهنة النخب السياسية الحاكمة في المركز وأقسمت ما أقسمت من الأيمان المغلَّظة أنها معتدلة بل هي ، ولو بطريق غير مباشرة ، خير من يستعمله المركز في مكافحة الإرهاب والتطرف ! ، فهذا مستوى من الخطاب السياسي في المركز لا بد من مناجزته جدالا وجلادا فالمعركة معه معركة وجود كما يصرح بعض وكلائه في حرب الإرهاب الإسلامي المتشدد في الشرق ! ، فذلك مستوى من الخطاب لا بد من تأول نصوص الجلال في مناجزته ، فهو ممن يدخل في عموم قوله تعالى : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، ومن يناجزه فلا يصح في النقل أو العقل أن يتأول نصوص الجمال فيداهن ويجامل ، فليس له إن أراد الحفاظ على وجوده إلا أن يتأول نصوص الجلال ، فـ : (قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وذلك ما يعم قتال الجدال بالحجة والبرهان ، فـ : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، فالظالم لا يجادل بالتي هي أحسن وإنما يغلظ له في القول وإن لم يكن ذلك ذريعة أن يظلم حقه ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فالقتال يعم قتال الجدال بالحجة والبرهان ، وقتال الجلاد بالسيف والسنان ، فـ : (إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) ، فهو عدو الرسالة الصلب الذي فَقِهَ مَعَانِيهَا فأبى أن ينقاد لها ، فحمل من إرث أبي جهل ما أبان عن سبب الخصومة ، فالرسالة صادقة ولكنها حتما ستكون الحاكمة فمن لنا برسالة نحكم بها الأرض إذا كانت الرسالة في غيرنا ؟! ، وذلك لسان حال الغرب ، فإذا أقررنا بصحة الرسالة التي نزلت في الشرق فأنى لنا أن نحكم العالم برسالتنا الحضارية التي نُبَشِّرُ بها طوعا أو كرها ، سلما أو حربا ؟! ، فهو إقرار بحجة المخالف واستسلام له ، فأنى للغرب بِأَنْوِيَتِهِ الفكرية والسياسية والعسكرية الصلبة أن يقر للشرق بفضيلة ، فكيف إن كان في ذلك التنازل عن الحكم والنزول طوعا على حكم الوحي ، فلا يطيق ذلك طاغوت علا وتجبر في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم إذ جعلهم مجموعات وظيفية خادمة في بلاطه ، فتلك نظرة الفرعون الغربي إلى الأطراف فدورها يقتصر على الخدمة في بلاطه والرعاية لمصالحه ، وقد استرق من استرق من العبيد فجعلهم مجموعات وظيفية في مزارعه ، مبدأ أمره ، فهم قطيع يحرث الأرض كالأبقار ، وهو اليوم يقارف نفس الجناية وإن بطريقة دبلوماسية ، فالعالم كله تابع ، والحضارات كلها تحت مظلته فهو نهاية التاريخ كما بشر فلاسفته وإن تراجعوا بعد الفشل الذي بدأت آثاره تظهر ، فهو يسلك جادة النظرية الشيوعية فهي ، أيضا ، قد بشرت بنهاية التاريخ إذ تَبْلُغُ بالناس حد الفوضى فلا دولة ولا نظام ، ثم كان فشلها وانهيارها وإن بوتيرة أسرع فقد خالفت عن الوحي مخالفة أعظم فكان السقوط أسرع ، فأبو جهل في المركز أو في الأطراف لن يرضى أن يُحْكَمَ برسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وحيي بن أخطب قد أقسم على عداوته ما بقي وإن علم أنه الرسول الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، وكعب بن أسد قد علم يقينا أن الرسالة حق ولكن نفسه أَبَتْ أن تكون تابعة وهو السيد الحاكم في بني قريظة ، فَفَوَاتُ نفسه أهون فالوحي على رياسته وجاهه يُجْهِزُ ، فذلك مستوى من الخطاب ، وهو خطاب النواة الفكرية والسياسة الصلبة فليس إلا المناجزة وإن اقتضت المعركة في أحيان نوع مهادنة لا يكون ذريعة إلى التفريط والمداهنة كما قد وقع من التيارات الإسلامية آنفة الذكر .
وأما خطاب العامة في المركز فهو يغاير خطاب النخبة إذ هم ، في الجملة ، قطيع كقطعان الشرق ، وإن كان قائدهم ألطف في القياد ، ودعوة أولئك هي ما يُثْمِرُ ولو آحادا يهتدون إلى الحق ، فـ : "وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" ، فهم أكثر من يدفع ضريبة المعركة فكرا وسياسة وحربا واقتصادا فالحروب تمول من جيوبهم والضرائب تستقطع من أرزاقهم لتصب في أرباح النخب الصناعية العسكرية وهي من أعظم المجموعات الضاغطة التي تؤثر في صنع القرار السياسي ، قرار الحرب التي تخوضها الشعوب غالبا ! ، بالنيابة عن النخب الحاكمة ، فالعامة في الغرب هم أعظم من يخسر إذ تحجب عنهم نخب الفكر والسياسة نور الرسالة بفنون الشهوات التي تفسد الإرادات فتصرفهم عن النظر في قضايا المصير التي تؤرق الضمير الغربي بعد ذهاب سكرة النصر وإتيان فكرة العقل بما رُكِزَ في النفس من الفطرة الدينية الضرورية فلا تَزَالُ تسأل وَتُلِحُّ طلبا للسكينة النفسانية التي حرمت منها بِحُجُبِ الشبهات التي تُنَفِّرُهُمْ من الدين الحق فَلَوْ علموه مع ما في بلادهم من فسحة حرية ، وإن نسبية ، فهي من جملة العقد الاجتماعي التي اضطرت فيه النخب أن تمنح الشعب بعض الحرية ثم مارست تزييف الوعي لئلا يُسِيئَ الناس استعمال المنحة ! ، فهم كالأطفال القصر الذين يُعْطَوْنَ المال في العيد مع الإشراف والتدقيق لئلا يهدروه في غير ما ينفع ، فقد تكون الفاجعة أن يستعمل الشعب هامش الحرية فيهتدي إلى دين الحق ويعتنقه فلا يجد من ينكر استنادا إلى العقد السياسي فهو يخاصم السلطة بحجتها ، وهو ، من وجه آخر ، ينافح عن جملة مكاسب انتزعها بالحديد والنار فلم يكن التحول السياسي في بلاده ، من الحكم الملكي ذي الصبغة الدينية الكنسية إلى الحكم الجمهوري العلماني ، لم يكن بردا وسلاما ، وإن تحكمت فيه عناصر من خارج ، فانتهى به المطاف إلى ما أرادت من الإجهاز على النخب القديمة ، السياسية والدينية ، فمصالحها الآن في النخب العلمانية بعد انتقال المجتمعات من طور الزراعة إلى طور الصناعة ، وهو طور لا قيم له ولا أخلاق ، فليس فيه ما في طور الزراعة من قيم محافظة ، ولو في الجملة ، فلا بد له من ثورة أفكار تصدم الناس بمنظومة الأخلاق الجديدة كما يَرَى الناظر الآن من التحول الفكري والسياسي الحاد في الجزيرة ، وهو طور يؤمن بالبراجماتية دينا يُنْتَحَلُ ، فكل ما يُفْضِي إلى المصلحة فهو الحق ، فاختل معياره في الحسن والقبح ، فالحسن هو ما يحقق مصالحه التي اختزلت في الأرباح المادية ، السياسية والاقتصادية ، ولو جاوز صاحبها القيم الدينية والأخلاقية بل والأعراف الاجتماعية ، فذلك الطور الذي يُنْجَزُ فيه الآن ما يرى الناظر من صفقات السياسة بَيْعًا وشراء ، وما كان لها أن تُعْقَدَ إلا بِيَدِ أقزام لا تاريخ لهم ، فهم أسرع الناس انتحالا لأي قيم وافدة إذ لا حصانة لهم من أديان أو أفكار هي مادة التاريخ ، وحركة الإحلال والتجديد لرءوس السياسة والحرب في المنطقة قد هيأت الأرض ، كما يرى الناظر في الخليج ومصر التي تقزم دورها فصارت ، كما يتندر بعض الفضلاء ، تابع التابع ، فَتَبَعِيَّةُ دولة كمصر ذات التاريخ العريق الذي غَذَّتْهُ روافد عدة وإن اكتسى آخر أمره بلحاء الرسالة فهي الرافد الأبرز لشخصية مصر المعاصرة ، وإن زعم من زعم أنها شخصية لادينية حداثية فذلك تزييف آخر للتاريخ ، فتبعية أمة هذا وصفها ، فهي ربع اللسان العربي الذي تحمل قيم الرسالة ، تَبَعِيَّتُهَا للمركز مباشرة مصيبة عظمى إذ المركز لا تاريخ له يجاوز قرنين ونصف فكيف وقد صارت تابع التابع لكيانات وظيفية لا يجاوز عمرها أعمار رءوسها ؟! ، ولن يكون ذلك إلا بيد أصاغر نسخوا التاريخ القديم وصنعوا التاريخ الجديد ! ، تاريخ التقزيم لكيان الشرق المسلم ، فلا يتولاه إلا أقزام في دول وصفها ، كما يقول بعض المفكرين وهو يصف حال مصر ، وصفها أنها تَتَسَامَحُ مع أنصاف الموهوبين بل وعديمي الموهبة فتسبغ عليهم ألقاب البطولة العسكرية والحنكة السياسية والخبرة الاستراتيجية والعبقرية الفكرية والأدبية ، فهي تجامل أنصاف الموهوبين وَتَتَحَامَلُ في المقابل على كل ذي موهبة حتى تلجئه إلى الفرار منها أو الانزواء بعد أن يصيبه اليأس والإحباط ، فيضيق صدرها بالعمالقة فليس لهم فيها محل إلا السجن أو القبر أو البيت ! ، وَيَتَّسِعُ صدرها في المقابل لكل قزم لا ماضي له ولا مستقبل ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، حال كل الأمصار الشرقية ففلسفة الحكم فيها واحدة ، فلسفة المجموعة الوظيفية التابعة للمركز بعد أن قطعها دويلات بعد انهيار العقد السياسي الجامع وجعل على عروشها أقزاما ، ومنهم ، القزم ، محل الشاهد ، الذي أثار الضجة إذ اجْتَرَّ ما عَلَّقَ به غيره على واقعة تاريخية مشهورة حاصر فيها العرب أتباع الرسالة ! مهجرَ الوحي ، فانقلبوا بدعاية العصبية اللسانية أعرابا يصدق فيهم قول الرب جل وعلا : (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فهم مادة الرسالة وحملة الوحي إن اعتصموا بحبله فحصل لهم من خيرية الوصف ما به دان لهم الشرق والغرب ، وهم ، في المقابل ، همج رعاع إن فارقوا الوحي فصار لهم منه الاسم بلا مسمى ، فلا ينتظمهم سلك جامع فكلٌّ يصدر عن رأيه ، وكل يشتغل بخاصة نفسه ، فما أيسر إغواءهم كما قد صنع المحتل الوافد الذي نَثَرَ الذهب على نفوس قد غلب عليها الجهل والهوى فاستعملهم في حصار حواضر الإسلام في إطار حرب عالمية كان من أغراضها الرئيسة تفكيك الجوامع السياسية الأممية ومنها الجامعة الإسلامية مع ما أصابها من ضعف وانحلال ، فكان من مظالم السياسة في الأطراف ما لا ينكره ناظر يستقرئ مشاهد الحدث ، فهو كسائر مشاهد التاريخ ، مشهد مركب تتداخل فيه الأغراض وَكُلٌّ يكتب منه ما يشهد له ، فلا يستبين الناظر الحق إلا بجمع طرق الباب ، ولا يكون الاجتزاء في الدعوى أو الرد على دليل واحد ، بل لا بد من استقراء الحدث وما احتف به من القرائن ، فإهمال الخلافة العثمانية للأطراف مع ما نجم فيها من قرن العصبية الطورانية : نَقْصٌ في التصور والحكم قابله العرب في الأطراف بِنَقْصٍ آخر يستند إلى عصبية عربية هاشمية استخفها المحتل بخلافة جديدة تنسخ الخلافة العتيقة ، فهي كيان يجمع العرب من دوحة النبوة قد خرج ! ، فكان من خصومة العصبية ما أتى على البناء كله ، وقطع الأمة أمما تتناحر على قاعدة عرق ولسان ، بل أصحاب اللسان الواحد يتبادلون من الهجاء ما يضاهي حالهم قبل نزول الوحي من السماء ، وكانت أعمال التخريب لخط الحجاز الشام وسرقة قضبانه ، كانت لو تدبر الناظر ، قطعا لأواصر الجامعة الإسلامية فالمعنى أعمق من تفكيك قضبان وسرقتها ، كما أن ما يشاع الآن ، لو كان صحيحا ، أن ثم خطة لإنشاء خط جديد ينسخ الخط القديم ، فهو خط يروج لتطبيع سياسي واقتصادي مع الكيان اليهودي بإدخاله طرفا في منظومة سياسية جديدة تنسخ ذاكرة الشعوب بل وتنسخ نص الكتاب : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) ، فَثَمَّ رمزية فكرية وسياسية في تدمير الخط الأول فهو إيذان بتفكيك أواصر الكيان الجامع وتقطيعه دولا ودويلات كما هي الحال الآن فأي رمز للوحدة ، ولو خط سكك حديدية ، فلا بد من تدميره فالأمر يجاوز تدمير خط ينقل الجند والعتاد ، فقد أنشأه السلطان عبد الحميد رباط وحدة بين الشام والحجاز ودعا الناس إلى الاكتتاب فيه وكان من مسارعتهم ما يدل على يقظة الضمير الإسلامي وانتعاش ذاكرته وإن في دور ضعف وانحطاط ، فَدُمِّرَ الخط الأول الجامع للناس برباط الوحي وَثَمَّ الآن ، لو صح الخبر ، ثَمَّ إنشاء لخط ثان ينسخه فهو يجمع العرب واليهود بِرِبَاطِ حداثة قد جاوز الأفكار العتيقة ، ورسل الحداثة الجدد هم رءوس تلك الشظايا الجغرافية ، فويل لأمة قد تشظت وساد فيها أجهلها ! ، فآل الأمر إلى حال أشد نقصا فإن الخلافة آخر عمرها كانت صورة حكم ناقص قد خالف ما خالف من قيم الوحي وأحكام العدل ، فكان من الانحراف ما عَظُمَ ، وكان من الظلم وسوء الإدارة ما هيج الأطراف أن تَنْتَقِضَ إذ وجدت من يحرض وإن زعم أنه ينصح فقد غش في مشورته ، فآل الأمر إلى شر أعظم وخصومة سجلها تاريخ كل طرف بما يشهد له ، فسجل العرب اضطهاد المركز لهم في بلاد الشام ، فكان ما كان من صنيع جمال باشا الذي انتحل الطورانية وهو يحكم بلادا عربية ، وهو ما صب زيتا على نار قد اشتعلت بادي الرأي ، فكان من حراك الجمعيات العربية ما استند إلى العصبية ، والجميع قد تلبس بالحمية الجاهلية ، مع القدر الفارق ، وذلك أمر يجب فيه العدل ، ولو مع جاهل في القول قد خرج عن معيار الأدب والسياسة على وجه يدين القائل ويدين بعض صناع السياسة من حلفائه ، فإن استكمال الرواية يُبِينُ عن فعل فاضح ! ، فقد اجتمع العرب تحت لواء التاج البريطاني وقاد حصارهم لمهجر الرسالة أمير هاشمي هو جد أسرة تحكم إلى الآن مصرا من الأمصار الحليفة فهي من دول الطوق لكيان يهود الذي تخطب وده الجموع العربية ! ، فالبحث في أصل الخبر واستجماع طرقه يحرج قائله إذ أصاب حلفاءه بِنَارٍ صديقةٍ ، مع أن هذا الحليف الهاشمي الذي يخرج من دوحة النبوة ! قد صار الآن محل سخط بعد أن خرج عن النص فهو يروم الآن ، كما تذكر بعض التقارير ، نسخ علائق مع تركيا وإيران ، ولو على استحياء ، بعد أن شعر أن حلفاء الأمس قد اتفقوا على الصفقة على وجه يُظْلَمُ فيه وَيُبْخَسُ ، فالتسوية تخصم من نصيبه ودوره ، ولا يعدو الأمر ، عند التدبر والنظر ، أن يكون اختلاف لصوص على المسروق .

وكل ، كما تقدم ، يكتب التاريخ من وجهة نظره ! ، فالصورة العربية : قائد تركي يهجر العرب ويضطهدهم ويسرق مخطوطاتهم ! ، ولو سَلَّمَ الناظر بذلك فإن الإنكار على المحتل الأجنبي أولى ، فهو الذي نهب خزائن العلم في حواضر الشرق وحملها إلى جامعاته التي لا زالت إلى اليوم قِبْلَةَ الباحثين في الشرق فهم يفتشون عن تُرَاثِهِم في جامعات الغرب ومكتباته ومتاحفه ، فلو كان صادقا في حميته العلمية ! ، فالغرب أحق باللوم ، فهل يجترئ أن يسب المركز الذي انتهب من المخطوطات أضعاف ما حمل المحتل التركي ! من مكتبات المدينة ، وهجر من العرب وقتل أضعاف ما صنع الاحتلال التركي ؟! ، فهو ، على أسوأ تقدير ، خير من احتلال المركز ، لو كان ثم إنصاف في الخصومة ! ، والطرف المقابل يكتب من التاريخ ، أيضا ، ما يشهد لقوله فهو يشيد ببطولات قائد ذب عن مرقد النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم واجتهد ألا يقع في أيدي الفاتحين من البريطانيين ، وإن كان جند الفتح عربا ! فهم وقود معاركه ، فقد دخل حواضر الشام تحت حرابهم ، وسقط بيت المقدس في أيدي المحتل فتقاطروا يهنئونه على الفتح المجيد الذي أنهى حروب الصليب ، كما قال الجنرال ألنبي في القول المشهور المأثور ، فيشيد هذا الطرف ، في سياق الرد ، يشيد بهذه الحقائق ، وهي جزء من مشهد مركب ، فإن الخلافة في المركز لم تكن آخر أيامها خلافة رشد تحكم بالعدل وتسوي بين الرعية ، لا سيما مع بزوغ النظرية الطورانية التي عجلت من تفكيك الكيان السياسي الجامع ، فقومية العرب لعبت دورا ، وقومية الترك لعبت آخر ، وبيت المقدس سقط بخيانة عربية من الجنوب وأخرى تركية من الشمال ، بعد انسحاب أتاتورك بالحامية التي وكلت إليها حماية المدينة المقدسة ، وصورة المشهد ، كما تقدم مركبة ، فكتابة التاريخ وتفسيره أمر يختلف الناس فيه ، ولا بد له ، كما تقدم مرارا ، من معيار حاكم يتجرد صاحبه في طلب الحق ، فلا تميل به عصبية لسان أو عرق ، فتلك عصبية تفرق إذ لم تَعْتَصِمْ بالحبل المنزل فلم تمتثل الأمر المحكَم أَنِ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، فإذا حاد الناس عن جادة الرسالة فإنهم يفتشون عن أي رباط يجمعهم ، وهو ما ظهر في التلاسن محل الشاهد ، فنزوع إلى القوميات الجزئية ، وعدول عن الجامعة الكلية ، جامعة الرسالة ، فالعدول عنها قد سلك بأصحابها جادة الجاهلية الأولى ، ودعاية الإسلام السياسي لم تسلم ، كعادتها ! ، من المبالغة في المدح أو الذم ، فكان الانتصار المطلق للرأي التركي دون استكمال لأجزاء الصورة التاريخية ، فخلافة الترك وإن في أضعف أدوارها خير من هذه الحال التي استبدلت فيها الجامعة القطرية العلمانية بالجامعة الأممية الإسلامية ، ولكنها في المقابل ، لا سيما في آخر أدوارها ، ليست المنهاج الراشد الذي يرومه من يزعم الإصلاح الفكري والسياسي استنادا إلى الوحي ، فالنظر يجب أن يتوجه إلى المثال القياسي ، مثال الرسالة والخلافة الراشدة ، فهي التي أمر الناس باقتفاء آثارها ، فـ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَالرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" .

وقد أدت هذه الحال الجاهلية إلى انهيار المؤسسات العلمية الرسمية وغير الرسمية وانكشاف كثير منها لا سيما في الجزيرة العربية وذلك من أعظم الخسائر وهو ما أفضى إلى نوع من التساهل في الذم بَلَغَ حد السخرية والتهكم ، ولو بطريق لا يصرح حتى الآن ، من أحكام الهدي الظاهر ودقائق الفروع كما يظهر في جُمَلٍ من خطاب الإسلام السياسي الذي يخاصم الإسلام السلفي الرسمي في الخليج أن سكت عما نَالَهُ من مظالم بل وَأَيَّدَ بِالتَّصْرِيحِ أو التَّلْمِيحِ في إطار النظرية السياسية التي غلت في توقير الحكام فجعلت لهم من الطاعة المطلقة وإن قارفوا من الجرائم السياسية والأخلاقية والجنائية ما صار الآن عرفا عاما في جميع الأمصار ، فجعلت لهم من هذه الطاعة ما يثير الغضب والحنق عند كل ذي ديانة أو مروءة ، فما أعظم ما فَتَنَتْ تلك المؤسسات الناس في دينهم أن زهدتهم في أحكامه بل وحملتهم أن يلمزوا أحكامه فلا عناية له إلا بإطلاق اللحى وحف الشوارب وأحكام الحيض والنفاس وهو يسكت عما يقترفه الساسة من جرائم إبادة للأديان والأبدان ، بل تسارع تلك الهيئات الرسمية في التأييد التام لكل خطوة يخطوها ولي الأمر فهو يشن الحرب على الفساد ويسعى في تطوير البلاد وتحديثها فليس إلا السمع والطاعة ! ، فكان رد الفعل الذي غلا في الخصومة أن نال ، ولو ضمنا ، من أحكام الدين ، مع أن خصومته مع أولئك لا مع الرسالة وأحكامها ، وذلك خيط رفيع قل من يلتزمه فلا يجاوزه فيقع في السخرية والتهكم ليشفي غيظه من أولئك أن شهدوا بالزور فأيدوا الظلم والقمع بل وكسوه لحاء الشرع .

والحق في مواضع الاختلاف كلها : وسط بين طرفين وفضيلة بين رذيلتين واستخلاص مادته لا يكون بالاستقراء الناقص للحدث التاريخي ، فإذا لم تجمع طرقه كان الحكم سطحيا ساذجا يَتَّسِمُ بعاطفة وحمية دون إنصاف أو موضوعية تَنْفُذُ إلى لب الحقيقة فلا تقتصر على وجه واحد منها أن صادف هوى في نفس الناظر وإن حاد به عن معيار العدل الكامل .

وما يشهد الشرق الآن من انهيار لِبِنْيَتِهِ الفكرية الصلبة والذي تعبر عنه رمزية سقوط الحواضر الإسلامية الرئيسة ، كما ينوه بعض المعلقين ، ما يشهد الشرق الآن هو ، أيضا ، ظاهرة أخرى مركبة لا يجوز الحكم عليها ، بادي الرأي ، كما يرى الناظر في بعض الأحكام السطحية فالإسلام السياسي هو السبب في هذه الفوضى ونقطة وانتهى الكلام ، فالشعوب كانت آمنة مستقرة تحت حكامها وإن ساموها خطة الخسف دينا وسياسة واقتصادا وكل شيء ! ، فلا يعدل العاقل بالاستقرار شيئا وإن كان استقرار القطيع الذي يُقَرَّبُ إليه العلف الجيد أو الردئ فلم يخرج في كلتا الحالين عن وصف القطيع ! ، والرسالة لم تنزل لتحكم قطعانا وإنما نزلت لتحكم بشرا لهم عقول كاملة أنيط بها تكليف الصدق والعدل الذي نَزَلَ به الوحي ، وفي المقابل كان من الحراك الذي لم يحسن قادته الصنع ، ولم يكن لهم من صدق النصح للجموع التي تَبِعَتْهُمُ وهي تروم الحق ، ولو في الجملة ، فكان ما كان من حوادث السياسة البراجماتية وحظوظ النفس على وجه بلغ في مواضع حد المقامرة السياسية بأجيال ونخب كاملة أُلْقِيَتْ طُعْمَ سياسةٍ أو سوء إدارة لمعركة غير متكافئة مع طرف لا يقيم للدين أو الأخلاق وزنا ، فأقفرت الأرض بعد تغييب هذه النخب الرائدة في القبور والسجون ، فقل فيها الخير وعظم الشر حتى انزوى من انزوى فلا يغادر بَيْتَهُ ، فهو يتأول الأمر أن : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ" ، فـ : "إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْىٍ بِرَأْيِهِ ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لاَ يَدَانِ لَكَ بِهِ ، فَعَلَيْكَ خُوَيْصَّةَ نَفْسِكَ ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ" ، ولم يفصح أحد حتى الآن عن الحقيقة ، ولم يسطرها معاصر للحدث مقارب لدوائر صنع القرار فيه لِتَتَعَلَّمَ الأجيال من هذه النازلة فلا تَتَكَرَّرُ كما هي العادة ! ، وذلك وجه لطيف من وجوه التأريخ يشير إليه بعض الفضلاء وهو يشكو التيه في تحليل هذا المشهد المركب فالحقائق لم تكشف حتى الآن ، وحظوظ النفس السياسية وامتعاضها أن تُقِرَّ بالخطأ المفصل على وجه لا يخلو من مكابرة ، كل أولئك مما يحجب الحق فمتى تتعلم الأجيال فتحسن الحراك وتقف على حقيقة الصراع الذي يجاوز مشهد الصراع بين سلطة مستبدة وشعوب مُنْتَفِضَةٍ ، فذلك جزء من الحقيقة لا ينكر ، ولكنه ليس أصل الصراع ، فهو صراع بين حضارتين : حضارة الرسالة ورائدها الوحي ، وحضارة المركز العلمانية ورائدها العقل المتمرد على الوحي ، فهي تستعمل جميع أدواتها الناعمة والصلبة ، وهي لا تمانع أن تدك حواضر الشرق جميعا لا سيما ووكلاؤها يَنُوبُونَ عنها في ذلك ، كما يرى الناظر الآن في حال بغداد ودمشق وصنعاء والقاهرة ، وإن كانت القاهرة حتى الآن في حال الموت السريري فلم يدمر بُنْيَانُهَا كما دمرت الحواضر آنفة الذكر وإن دُمِّرَ بُنْيَانُهَا الفكري والسياسي والاجتماعي وهو ما يراه الناظر في شوارعها فالوجوه كئيبة تترقب ما هو أسوأ إلا أن ينجد الرب ، جل وعلا ، ويرحم ، وحال أهلها حال أي أمة ترزح تحت نير الظلم والاستبداد فقيم الأثرة والأنانية هي الحاكمة وكلٌّ قد اشتغل بخاصة نفسه فلا غاية له إلا تحقيق الكفاية المادية ، ولو في حدودها الدنيا التي تحول صاحبها إلى آلة لا تشعر بآلام غيرها فقد انكفأت على ذاتها بل وصارت تستجيز سحق الضعيف ، فالمجتمع إذا فسدت أخلاقه وطبائعه بما يكون من نوازل تضيق بها الحال وصدمات تفجأ الجميع ، فالضعيف أول من يدفع الثمن فلا أحد يلتفت إليه وهو يسحق تحت الأقدام التي تتصارع على فتات من العيش لا يكاد يجزئ ، فلا يُنَالُ إلا غِلَابًا وربما قِتَالًا في أحيان ! ، وقبضة السلطة قد حملت الجميع أن يسكت وينزوي فلم يعد أحد يأمن أحدا ، فحال المساجد والمعاهد والجامعات وكل منابر الوعي حال الخوف مع إحباط تظهر آثاره في قسمات الوجوه وترقب فلا يأمن أحدٌ أحدًا ولو رفيقه في العمل أو الدراسة أو المسجد ! ، فالمساجد في أعصار القمع والاستبداد محاضن تطرف وتعصب فلا بد من تكثيف العمل الاستخباراتي داخلها لتفكيك خلايا الإرهاب النائمة ! ، وما ظنك بدعاية إعلام يظهر فيه من ينتحل صفة الخبير الأمني وهو يطالب بمائة مليون مخبر في مصر لِتُسْتَنْقَذَ من بَرَاثِنِ الإرهاب والتطرف ، فالحل أن يتحول الشعب كله إلى جواسيس يَتَحَسَّسُونَ أخبار بعضهم فَهْمْ عيون السلطة إذ يحملون إليها الأنباء على وجه السرعة ! ، وهل ذلك إلا عين الإرهاب الذي يزعم أولئك أنهم يحاربونه وهل إفساد وتمزيق للجبهة الداخلية لأي مجتمع أعظم من ذلك ؟! ، وهو ما نجحت فيه السلطة بامتياز فأخطر ما في الأمر أن ينهار آخر خط دفاع في مصر وهو ما اشتهر به المصريون من تكافل ورثوه من أخلاق الريف قبل أن تغلب عليهم طبائع المدن الجافة ، فكان من بقايا هذا الخلق الشريف ما امتاز به المصريون مع عظم صبرهم وتحملهم وحسن معشرهم ولين طباعهم وإن بلغ في أحيان حد الخنوع والخضوع للظالم إلا أنه مما أفادهم في دوائرهم الخاصة بعيدا عن دائرة السلطة ، فانهيار هذا الخط هو أعظم ما يتهدد المجتمع الآن بعد انهيار خطوط المقاومة والدفاع كلها إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، مع ما تمارسه السلطة من تفريط في مقدرات البلاد التي تجاوز حد الانتفاع المباشر كما هي الحال في ملف المياه ، فإن نهر النيل ، لو تدبر الناظر ، ليس شريان حياة للأبدان ، وإنما دوره يجاوز حد الانتفاع رِيًّا وَرَيًّا ، فهو شريان رسخ في نفوس المصريين من قديم الأزل قيما اجتماعية وأخلاقية صارت من الإرث التي يتحمله جيل عن آخر فهو من الروافد المؤثرة في شخصية مصر الجغرافية والاجتماعية فما الصورة الاجتماعية إلا حكاية روافد منها الصورة الجغرافية فطبائع العمران تُؤَثِّرُ في طبائع النفوس ، فكان النيل ، كما يقول بعض الباحثين ، من أسباب الوحدة الجغرافية السياسية للإقليم المصري ، وكان من أسباب المركزية السياسية إذ التحكم في هذا المجرى يستوجب مركزية سياسية تَتَوَلَّى عملية التوزيع لحصص المياه في الري ، وكان ، وهو محل الشاهد ، كان رافد قيم أخلاقية كقيمة التعاون والتكافل التي يَتَّسِمُ بها المجتمع الزراعي إذ يجد الناظر في أخلاق الريف من ذلك ما لا يجد في أخلاق الحضر ، ففي الحضر يجد الناظر الناس جزرا منعزلة ، وهو ما يسهل على السلطة قمعها فلا أحد ينتصر لأحد إذ لا أحد يعرف أحدا إلا في إطار ضيق تحكمه في العادة المصالح المادية المباشرة ، من بيع أو شراء أو إيجار أو زمالة دراسة أو عمل ، فلا رابط يجمع الناس في الحضر ، إذ كلٌّ قد اشتغل بخاصة نفسه وليس ثم مهنة جامعة تنتظم الناس في سلكها كما هي الحال في الريف فالزراعة هي المهنة الرئيسة والنيل هو المصدر الرئيس فكان ذلك رباطا جامعا لأهل الريف يحصل به من التعاون والتعاضد ما لا يحصل في الحضر ، فكان خلق التكافل الذي توارثه المصريون ما دام النيل في أرضهم يجري فهو السبب الجغرافي في رسوخ هذا الخلق النفساني ، فإذا اختفى النيل من حياتهم فذلك مما يسرع بانحلال النسيج الاجتماعي لا سيما مع عموم البلوى في الريف بما يكون من التعطيش والتجفيف والإتلاف للأرض فلا تصلح للزراعة ، فيهجر أهل الريف مهنة الزراعة وهي ما رَسَّخَ فيهم قيمة التكافل فأخلاقهم في هذه الحال تقارب أخلاق الحضر سواء أهاجروا وَنَزَحُوا إلى الحضر طلبا لمورد رزق آخر بعد انهيار القطاع الزراعي ، وهو القطاع الرئيس في اقتصاد مصر ، فهي لا تصدر الآن شيئا إلا المحاصيل الزراعية على ما قد لحقها من نقص بافتقارها لمعايير الجودة وهو ما انحط بسمعتها فصارت مظنة التلوث ، والقطاع الزراعي ، مع ذلك ، رافد رئيس من روافد القيم الأخلاقية في مصر فتحول الريف بالتدريج إلى أخلاق الحضر طوعا أو كرها بعد جفاف النيل ! فهو يؤذن بكارثة اجتماعية وأخرى لا تقل عنها خطرا وهي الكارثة الأخلاقية ، فشح الموارد يفرز أخلاقا جديدة من الشح والأثرة إذ ضاقت الأرزاق وانعدمت الروابط الجامعة التي تحكم المجتمعات الزراعية المحافظة واعتبر بحال الريف إذا غلب عليه طابع الحضر في بنيانه واقتصاده فَعُرَاهُ تَنْحَلُّ شيئا فشيئا كلما قارب أخلاق الحضر والأمر ليس كما يظن الجاهل الذي ينظر في الأمر من زاوية مادية بحتة فما يعنيه هو إيجاد حل بديل ولو كان مياه الصرف الصحي ! فلا ينظر في أبعاد الأزمة الإنسانية والأخلاقية فنفسه الكثيفة لا تدرك هذه المعاني الشريفة وجهله بالتاريخ وطبائع المجتمع وعلائق الأرض بالأخلاق ..... إلخ يجعله غير كفء أن يتولى رياسة إقليم في البلاد فضلا أن يحكم البلاد كلها وَيَنْفَرِدَ بصدارة ليس لها بأهل فذلك ما يصدق فيه ما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من توسيد الأمر إلى غير أهله فلا يتصدر أمثاله إلا إذا أَفْسَدَ الأديان والأخلاق قبل أن يَقْمَعَ الأبدان ، فلا تَرَاهُ إلا مجتهدا في إفساد ذات الْبَيْنِ وتقسيم المجتمع شيعا وتأليب بعضها على بعض على خلفية فكرية أو سياسية إذ نجحت السلطة في تصدير أزماتها السياسية إلى المجتمع فضلا عن أزمات الاقتصاد وما جاوزته من الخطوط الحمراء لا سيما في الانتهاكات التي تَتَعَرَّضُ لها النساء ولهن مركزية في وجدان المجتمع المسلم عامة والمجتمع المصري خاصة ، مع ما اشتهرت به المصريات من شدة التَّعَلُّقِ بأولادهن على وجه يَضُرُّ في أحيان أكثر مِمَّا يَنْفَعُ ، فلم تسلم النساء من تصفية الحسابات السياسية على وجه يؤلم كل ذي مروءة فضلا أن يكون له حظ من دين ، فكل أولئك ما جعل القاهرة في حكم الموتى وإن بَقِيَ فيها عرق ينبض ، والعجب ممن يعيش فيها ولا يدرك هذه الآلام فَيَغُرُّهُ زخرف الحياة ، فمصر من أكثر عشر دول تقبل على شراء تذاكر مونديال روسيا 2018 ! والمراكز التجارية تكتظ بالزبائن والقوة الشرائية عظيمة والأموال كثيرة ووسائل الترف أكثر ... إلخ ، فأين هو الهم والحزن المزعوم الذي تروجه قوى الشر لتصيب المجتمع بالإحباط واليأس وتشيع في الناس مناخ التشاؤم وهي الآن تهمة يعاقب عليها القانون المصري ! ، فَتَتَبُّعُ الظواهرِ الاقتصادية في المجتمعات المترفة وقصر النظر عليها لترويج صورة خداعة لا حقيقة لها في الواقع هو دليل على فصام آخر نكد في القاهرة التي غدت قاهرتان ، قاهرة النخبة وفيها يسكن شعب يغاير شعب القاهرة الأخرى قاهرة العامة ، فالوطن عنده ما يشاهده كل يوم وهو ، بداهة ، لا يشاهد في أحيائه الراقية ما يشاهده غيره في بقية الأحياء من مظاهر الفقر المدقع والظلم المؤلم فلا يرى أحدا يأكل من القمامة ولا يرى نائما قد افترش الرصيف في هذا البرد القارس ، ولا يرى ضعيفا قد آذته السلطة وأضرت به فلا يجرؤ أحد على إيذاء النخبة لما لها من علائق ووسائط ، وليس له صديق أو قريب رهن الاعتقال وأهله لا يجدون ما يسد حاجتهم ، وليس له أم أو زوجة أو بنت تقف ساعات طويلة لتراه دقائق معدودة مع ما تَتَعَرَّضُ له من انتهاكات وإهانات تَبْلُغُ في أحيان حد التحرش والإذلال ، فشعب الخمسة ملايين غني لا يشاطر شعب الخمسة وتسعين مليونا نفس المشاعر وإن كان يشاطره الأرض ، بل ثَمَّ من العزلة الجغرافية ما يواطئ العزلة الشعورية ، فلكلٍّ مدنه وأحياؤه ولكم وطنكم ولي وطني وإن كان الحقيقة الجغرافية الرسمية على الخرائط أننا نَعِيشُ على أرض واحدة ! .

فتلك حال الحواضر السياسية المركزية في الشرق ، مع ما يُرَادُ للحواضر الروحية ، فبيت المقدس ضائعة ، ومكة والمدينة يراد لهما الآن ما اصطلح بَعْضُ المحللين أن يطلق عليه "الفتكنة" نسبة إلى الفاتيكان ، فدورها دور روحي لا يتطرق إلى الشأن الشرعي أو السياسي فهي تضفي القداسة على أي قرار في السياسة أو في الحرب وَرَأْيُهَا استشاري غير ملزم ! ، كما هي حال الفاتيكان اليوم فله توقير عظيم في الغرب قد أخرجه عن سلطة أي دولة وإن كان داخل حدود روما فهو يستقل عنها بأسوار خاصة ، وهو كيان سياسي مستقل استنادا إلى اتفاقية لاتران في 1929م ، فهو دولة ذات رئيس ديني وجيش ، ولو رمزيا من حرس الشرف ، وله مؤسسات دينية وثقافية وله تمثيل سياسي في دول كثيرة ، ورئيسه يحظى بمراسم استقبال رسمية تعدل مراسم استقبال الرؤساء ، ولكنه في معادلة السياسة ، ولو الإجرائية ، يساوي صفرا ! ، كما قد نصت المعاهدة فدولة الفاتيكان دولة محايدة لا تتدخل في أي صراع ولو بالوساطة السياسية ما لم تطلبها الأطراف جميعا حكما أو وسيطا ، وقد تم إرضاؤها بالديباجة المعتادة ! : النصرانية الكاثوليكية دين الدولة الإيطالية الرسمي ، وإن كانت إيطاليا دولة علمانية محضة ، وهو ما تم تعديله بعد ذلك فحذفت هذه المادة من الدستور سنة 1984م فكانت مادة مؤقتة تهدئ الخواطر ثم حذفت بعد ذلك تقريرا لمبدأ فصل الدين عن الدولة ، وتم إرضاء الكرسي الرسولي ببعض المخصصات المادية عوضا عن خسائر الدولة البابوية ذات الضياع والأملاك والتي انهارت قبل الاتفاقية بستين عاما في 1870م ، فباعت الكنيسة الدين ثانيا لموسوليني بعد أن باعته أولا لقسطنطين في مجمع نيقية ! ، وذلك دأب رجالاتها ، فهم رجال أعمال فضلا أنهم رجال دين ! ، وهو ما قد عمت به البلوى في هذه الآونة في بلاد الشرق لا سيما مع إعصار التجديد المدمر ! ، فكثير من رجالات الدين ومؤسساته الرسمية أخذوا عطاء السلطة ليشاركوا في هذا المشهد الْعَبَثِيِّ فكانوا شهود زور على التجديد العلماني للإسلام ! ، فغاية مكة في هذا الطرح أن تكون كالفاتيكان فليس إلا باعثا روحيا يشحذ همم الجند بعد اتخاذ قرار الحرب كما كانت حال الكنيسة في الحروب الصليبية وإن كان دورها آنذاك أعظم أثرا فقد كانت لاعبا من جملة اللاعبين السياسيين الأساسيين ، وكان لها من النفوذ ما أتاح لها التأثير في صناعة القرار خلافا للفاتيكان اليوم ، فهو قد ينشط حينا فيراوده حلم جميل أن يستعيد بعض ذكريات الماضي فيمارس دورا في السياسة والتشريع كما في بعض القوانين التي لا تحترم معاييره وهو ما كان في 2008 في جملة تشريعات على رأسها الإجهاض وهو من المسائل التشريعية التي تكتسب أبعادا سياسية في المعارك الانتخابية ، فالأحزاب الليبرالية كالحزب الديمقراطي في أمريكا تتبنى أجندة الحرية الشخصية المطلقة في ممارسة أي سلوك ولو خرج عن الدين والأخلاق كالإجهاض والشذوذ ومخاطبة الديمقراطيين للشواذ في أمريكا أمر قد اشتهر فالرئيس الديمقراطي أو المرشح الديمقراطي يحرص على مشاركتهم احتفالهم السنوي وَتَنَاوُلِ العشاء معهم مع مناداتهم بلقب الإخوة الشواذ ! ، فصوتهم الانتخابي صوت مؤثر ! ، والأحزاب المحافظة في المقابل تعارض الإجهاض والشذوذ وتستقطب الصوت الكنسي فلا يخلو الإنسان ، وإن علمانيا محضا ، لا يخلو من فطرة دين وأخلاق لا سيما والمؤسسة الكنسية لها مكانة روحية معتبرة يمكن استثمارها في المعارك الانتخابية ، فتلك حال الفاتيكان فلا تخلو ، في أحيان ، من نشاط سياسي ، ولكنه ، في الجملة ، قبلة روحية لا سلطة زمانية لها .
ومركزية مكة والمدينة في الرسالة الخاتمة تجاوز هذا الحد الروحي الباهت ، فَمَرْكَزِيَّتُهُمَا مركزية تشريع فهي قائدة الجماعة الإسلامية في السلم والحرب بما نَزَلَ فيها من الوحي المفصل الذي جاوز حد الرمزية الروحية الفاتيكانية ، فالقسمة الدولية الآن : مراكز روحية غير مُؤَثِّرَةٍ في السياسة والحرب والاقتصاد وأنماط الحياة وأخلاق الجماعة ، فبيت المقدس ليهود ، وإن زعموا أن كيانهم دولة يهودية فهي دولة علمانية في التشريعات والسياسات وإن كستها لحاء التوراة فذلك توظيف سياسي متقدم يجاوز التوظيف السياسي للفاتيكان ، فظروف النشأة للكيان اليهودي قد ألجأته إلى هذا الخيار ليحصل له من الشخصية السياسية الاعتبارية ما به يمتاز من بقية الأمم لا سيما وهو محاط بجوار غريب لا ينتمي إليه فكريا أو حضاريا فلا بد أن يرسخ في شَعْبِهِ القيمَ التي يمتازون بها عن الأجوار من العرب والمسلمين لئلا يذوب الشعب اليهودي في محيطه ، فالمناعة الحضارية تحمي الجسد السياسي والاجتماعي من أي وافد غريب من حضارة أخرى فهو عدوى لا بد من منع انتشارها في الجسد لئلا يضعف وينهار أمام غزو الحضارات المخالفة ، فكان العقد اليهودي عقد التأسيس وإن لدولة علمانية فهو يحفظها من الجوار المحيط فتبرز شخصيتها السياسية المستقلة عن غيرها ، بل محيط الجوار الآن هو الذي يذوب في قيم الدولة اليهودية وحضارتها بعد أن نجحت في تفتيته وضرب عواصمه الرئيسة ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما كان من عقد التأسيس للدولة الباكستانية الحديثة ، فهي وطن للمسلمين في مقابل ما تعرضوا له من اضطهاد على يد الأغلبية الهندوسية فكان الإسلام هو الهوية المغايرة للهوية الهندوسية فقد لعب الدين دورا رئيسا في تأسيس الدولة وإن كانت ، أيضا ، دولة علمانية ! ، فالدولة العلمانية تَتَّسِمُ بهامش أوسع من البراجماتية السياسية فتحسن توظيف أدواتها ، ومنها الأدوات الدينية وإن كانت روحية بلا تأثير مباشر فهي عقد جامع للشعب فيحسن استثماره ، كما يصنع الفرس في إيران ، على سبيل المثال ، فالمذهب عقد جامع للشعوب الإيرانية تحت حكم الشعب الفارسي ، فذلك من توظيف العرق للدين حتى يسود بقية الأعراق ، وقد نجحت طهران في التوغل في الحواضر الإسلامية السنية بهذه الدعاية المذهبية البراجماتية فلم يكن لها ، بداهة ، أن تتوغل بدعاية فارسية فجة ، وهو ما استعملته السلطة الحاكمة في الجزيرة في العصر الحديث ، فاستثمرت الذخيرة الفكرية والسياسة المتراكمة في العقل الجمعي المسلم أن من يسيطر على الحرمين فَلَهُ سيادة الشرق المسلم ، كما يذكر ابن خلدون رحمه الله في المقدمة ، سواء أكانت سيادة زمانية أم روحية فَلَهُ في كل حال سبقٌ على بقية الأجوار وهو ما يساعد في تحقيق مزيد من النفوذ والطموح السياسي ، وذلك ما يفسر إحجام الأمير الأموي عبد الرحمن الناصر لدين الله أن يَتَلَقَّبَ بلقب الإمارة العامة ، إمارة المؤمنين ، وهو في قرطبة بَعِيدٌ رغم مناجزته خلافة بني العباس في بغداد ، فلم يكن ذلك تورعا أن ينازعهم الملك فهو لا يقر بخلافتهم بل وَيَرَاهُمْ بُغَاةً على أجداده فقد خرجوا على الخلافة الشرعية في دمشق وقتلوا الخليفة مروان بن محمد فهم عنده خوارج بالمعنى السياسي فلا يقر ، بداهة ، بإمارتهم ، ولكنه يقر بأمر واقع وهو أن مكة والمدينة ، محل الشاهد ، تحت سلطانهم ، ولكنه تلقب بإمرة المؤمنين لما نجح الفاطميون الإسماعيلية في إقامة دولة لهم في المغرب وتلقبوا بألقاب الخلافة في ظل انهيار الخلافة العباسية التي صارت اسما بلا مسمى فآل أمرها أن تكون سلطة روحية بلا سلطان زماني ، وكان من صنيع الفاطميين في المغرب ما أحدث اضطرابا في النسيج الاجتماعي الرافض لهذا الحكم الباطل ، فلم ينجح الفاطميون في الاستقرار في المغرب ، وهي أرض تغلب عليها الطبيعة الصحراوية والجبلية فقيرةُ الموارد ، فضلا أنها بعيدة عن مراكز التأثير السياسي والروحي في الشرق ، فاحتاج الفاطميون إلى الزحف شرقا فرارا من المقاومة المغربية المتصاعدة فالمالكية بل والخوارج كان لهم من البأس ما أقض مضاجع الفاطميين ، وكان بحثهم عن أرض ذات موارد وثروات بها يحققون طموحهم السياسي ، فوقع الاختيار على مصر فهي مركز ثقل رئيس في الشرق ، إن في مشروع إصلاح كمشروع الأيوبيين أو في مشروع هدم كما هي الحال الآن فلم يكن الهدم يسير بهذه الوتيرة السريعة لولا أن مصر خارج معادلة التأثير بعد اتفاقية السلام وبعد ما كان من وأد لتجربة سياسية وليدة في يوليو 2013 ، على ما فيها من قصور أيديولوجي وسياسي ، فكان هذا الوأد السريع هو التأويل الصحيح الصريح لاتفاقية السلام فقد آتت أكلها بعد ثلاث عقود أو يزيد حتى ظهر الجيل الجديد الذي تشرب قيم المعاهدة وآمن بها إيمانا راسخا فأمريكا والكيان اليهودي هما المستقبل الواعد وما سواهما فوهم زائف وإن كان الوحي النازل فهو معدن الرجعية والتخلف ، فأخرجت مصر من المعادلة بل وصارت عامل هدم ، كما كانت الحال بعد استيلاء الفاطميين عليها ، فقد فَقَدَتْ دورها السياسي والعسكري وشهد حكم الفاطميين لها ، وإن في أدواره المتأخرة ، شهد حملات الصليب التي فَقَدَ فيها المسلمون بيت المقدس ، وهو ما أبان عن حال سياسية تضاهي الحال الآن ، فضعف وانقسام وتشرذم في إمارات ودويلات فلم يعد للخلافة إلا بغداد وأجوارها ، والعراق معها في أحسن أحوالها ! ، ونجم قرن البدعة فازدهرت الحركات الباطنية في الشام والبحرين وكان ما كان من هجومهم على البيت الحرام وقتلهم الحجيج وسرقتهم الحجر الأسود وحمله إلى بلادهم قبل أن يرجعوه تحت إلحاح الفاطميين ، وما الظن إذا كانت العواصم الدينية للشرق المسلم : مكة والمدينة وبيت المقدس تحت حكم الإسماعيلية الباطنية ؟! ، فقد استولوا على قلب العالم الإسلامي ، مصر والشام ، بل وكادوا يسقطون الخلافة في بغداد كما يحكي التاريخ من فتنة البساسيري المشهورة سنة 450هـ قبل تَدَخُّلِ السلاجقة كقوة سنية فَتِيَّةٍ وفدت من الشرق فأنقذت الخلافة في هذا الدور ، وإن أبقت عليها رمزا لا أكثر ، فكان خروج مصر من المعادلة السياسية والعسكرية إبان حكم الفاطميين ، فضلا عن تراجع ريادتها العلمية ، وهو ، أيضا ، مما يراه الناظر في هذه الآونة وقد تم تجريف الأرض المصرية من النخب الفكرية والعلمية ، فذلك أمر بدهي في أي حكم جبري لا يستند إلا إلى شرعية القوة الصلبة ، وفقدت الخلافة العباسية بفقدان مصر ولاية من أغنى ولاياتها وصارت ثروتها لخصم أيديولوجي عنيد ، وهو ، أيضا ، ما يراه الناظر اليوم فقد صودرت ثروات مصر وصارت حكرا على نخب تَنْتَهِبُهَا سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية وغطاء التشريع الذي يوسع دائرة النهب بذريعة الاستثمار الأجنبي ! ، هذا الغطاء يستر تحته ما يستر فهو يشرع جريمة السرقة المنظمة لثروات أمة مغلوبة منكوبة ، فكانت نكبة الخلافة العباسية بِفَقْدِ إقليم مركزي كمصر ، فقد استولى عليه الخصم الأيديولوجي ، وهو ما أمده بقوة كبيرة فسَارَعَ ، وهو محل الشاهد ، أن يزحف على الحجاز ليحوز مكة والمدينة ، فيحظى بأسبقية روحية على الخلافة العباسية السنية ، فمكة والمدينة مَرْكَزُ الوحي وقبلة الشرع ، فَمِنْ مكة انْبَثَقَ فجر الرسالة التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور ، وفي مسجد المدينة عقدت ألوية الحرب التي فتحت أمصار الشرق والغرب لِتُبَلِّغَ الناس رسالة التوحيد وَلِتَسُوسَ الدنيا بمحكم التنزيل ، فليست مكة والمدينة مساجد يصلي فيها الناس ومشاعر يؤدون فيها المناسك بلا تدبر في معانيها الجامعة ، معاني الأمة الواحدة ذات القبلة الروحية والسياسية الواحدة فكتابها واحد وشرعها واحد وصلاتها إلى قبلة واحدة وحجها إلى مكة واحدة لا نظير لها في المدائن وليست مزارات سياحية يفد عليها الناس طلبا للاستجمام ، ويستثمر فيها الأثرياء في الفنادق والمطاعم ، وإنما الأمر يجاوز ذلك بكثير فهي أم القرى الجامعة لأتباع الرسالة المحفوظة من سائر أرجاء المعمورة ، وهي عنوان لمركزية الأمة الواحدة ، أمة الرسالة التي اتصل إسنادها من آدم إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والمراد الآن انْتِزَاعُ مكة والمدينة من العالم الإسلامي السني وتدويلهما كما هي حال الفاتيكان فلا يكون لدولة سلطان عليهما ، مع تقليص دورهما في العالم الإسلامي فهي قبلة صلاة وحج فقط بعد قصره على المناسك دون تدبر في معناه السياسي الجامع ، فاشتغال مكة والمدينة بالتشريع والسياسة محرم ! ، فليست قبلة تشريع بوحي ، وليست قبلة سياسة أو حرب ، فقد أخرجت من معادلة الصراع فلم يعد الوحي رقما فاعلا في المعادلة ، فالمعادلة الجديدة التي يروم المركز فرضها الآن على الشرق المسلم هي المعادلة العلمانية ضد الدينية ، وضد الإسلامية حصرا ! ، وهو ما يستوجب إخراج مكة والمدينة من دائرة التأثير في صنع القرار ، فبيت المقدس ليهود ، والفاتيكان للنصارى الكاثوليك ، والإسكندرية للنصارى الأرثوذكس ، ومكة والمدينة للسنة ، وقم والنجف للشيعة ، وإن كان دورهما في نظرية ولاية الفقيه أكبر ، فمدينة قم ، كما يقول بعض المنظرين السياسيين في طهران ، هي أم قرى جديدة تنسخ أم القرى القديمة فينتقل الثقل السياسي في الشرق إليها ، وذلك ما يعد خروجا عن المثال العلماني الذي يريد المركز فرضه على الشرق كله ، فلا يروم أي تأثير ديني في السياسة ، فلكل دين ومذهب حاضرة روحية لا دور لها في السياسة إلا بقدر ما يخدم مصالح المركز فتأثير الدين مرتهن بقراره كما كانت الحال في الجهاد الأفغاني مع ما كان فيه من مآثر وبطولات فلم يخرج توظيف الدين فيه عن أهداف المركز الذي أوعز لوكلائه في الشرق برفع السقف وتأجيج المشاعر الدينية لمحاربة المحتل السوفييتي حصرا ! فجهاده آنذاك جهاد مشروع خلاف ما لو حارب الحلف الأطلسي فهو في هذه الحال إرهابي ، وذلك جار على ما تقدم من نسبية النظرية السياسية الغربية فهي التي تمسك بمعيار القيم والأحكام الذي توزن به مصالحها فمن وافقها فهو المعتدل ومن خالف عنها فهو المتطرف .

فأم القرى في نظرية عبد الرحمن الكواكبي السياسية رمز لخلافة عربية هاشمية تملك ولا تحكم ، فالخلافة فيها منصب شرفي لا تأثير له في اتخذا القرار السياسي ، وذلك ما كان تمهيدا لعلمنة الإسلام علمنة متدرجة لا تصدم المشاعر ، فكانت العلمنة الناعمة بِنَزْعِ أدوات السلطان منه مع إضفاء الصبغة الروحية عليه ، والأمر الآن قد جاوز هذا الحد ، فلم تعد الخلافة تذكر إلا وهي قرينة الإرهاب والتطرف مع ما كان من أخطاء جسيمة أسهمت في ترسيخ هذه الفكرة الباطلة في الشرق فضلا عن ترسيخ كراهية الإسلام في الغرب فهو الذي ينتج الإرهاب والقتل ، فليس له دور في صناعة الحياة فهو يصنع الموت فقط كما تروج بعض منابر الدعاية التي تنطق بالعربية ففيها فقرة رئيسة تحمل عنوان "صناعة الموت" ، وذلك مكر كبار في لغة الإعلام إذ يقترن الموت بالإسلام والجهاد ، فلئن استثمر الأخطاء التي وقعت من التيارات الجهادية وأحسن توظيفها فهو لا يَرُدُّ ذلك إلى سوء الفهم بما يكون من الغلو فضلا عن الاختراقات الاستخباراتية التي توظف الكيان أو التنظيم ، فلا تقول ، ولو ذرا للرماد في العيون ، إن ذلك خطأ في التأويل فالإسلام منه بريء فهو دين التسامح والتعايش فتترك المشهد معلقا في ذهن المشاهد ليحكم بنفسه على الإسلام أنه دين القتل والإرهاب ! ، فذلك ، أيضا ، تكتيك قديم قد ولى زمانه ، فالإشكال الرئيس في نصوص الإسلام التي تحرض على القتل والعنف فلا بد من التجديد الذي يبشر به الجميع الآن ، فتقام لأجله مراكز البحث ، ودور الحديث التي تمارس التنقيح لما قد علق بالسنة من أوضار الإرهاب والتطرف ، مع التبشير بأنموذج جديد يتبنى القيم الصوفية الروحية ويحتضن رموزها ويفسح لهم فضاء الإعلام وينشئ لهم هيئات الحكماء والعلماء فهم نخبة العلم الجديدة التي تواطئ هذا المثال الإسلامي العلماني ! ، وذلك ما أشارت إليه بعض مراكز البحث في المركز فلن تنجح هذه النظرية إلا باستعمال الطرق الإسلامية المعتدلة وعلى رأسها ، بداهة ، الطرق الصوفية ، والشرق الآن تعاد هيكلته فكرا وتاريخا وجغرافيا وسياسة وتلك عملية مركبة تشارك فيها أطراف كثيرة ، بل منها من يشارك بحسن نية فقد استغفله الخصم واستدرجه فكان أداة من جملة أدواته الوظيفية ، وذلك ما تعظم فيه الشبهات على وجه يوجب صدق الدعاء أن : "اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" .

ولا بد من إذاعة الوعي بحقيقة هذا الصراع فإن مرجعية الوحي هي آخر خطوط الدفاع ضد هذه الهجمة التي تريد الآن الإجهاز على أي منبر أو كيان يحمل دعاية الوحي ، ولو فكرا ، فلا بد من تشويه الذاكرة التاريخية للشرق المسلم فذلك ما يسهل انسلاخه من دينه ، فتاريخه ، لو تدبر الناظر ، يخالف بقية التواريخ ، فهو تاريخ دين ورسالة كلما استمسك بها الشرق فَرَجَعَ إليها واستمسك بأصولها الأولى المحكمة كان ظهوره على بقية الأمم ، كما ظهر في دورات تاريخية كثيرة فذلك أمر يطرد ، فأي مشروع فتح أو استرداد لأرض احتلها الخصم كمشروع الأيوبيين في مصر كان جوهره الرئيس الرجوع إلى الدين الحنيف ، ولو في الجملة ، فكلما كان الرجوع أكمل كان الظهور أعظم ، وكلما كان البعد والمفارقة فضلا عن تقصد الطعن والمخالفة ، كما هي الحال في هذا العصر ، كلما كان البعد عن جوهر الدين الحنيف كان ظهور الخصم وفقدان الهوية والأرض وكلِّ أسباب القوة من مقدرات الأمة المادية والمعنوية ، فالقياس يطرد وينعكس ، وهو قياس محكم يفيد القطع بما تَوَاتَرَ من أحداثه التي حفظتها ذاكرة التاريخ ، وهو ما يرغم أنوف المجموعات الوظيفية العلمانية والحداثية التي نجح الغرب في زرعها كرها في جسد الشرق المسلم ، فدعواهم أن هذه الأمة لا تمت للوحي بصلة فلها حضارات أخرى تخالف عن حضارته ، فهي إلى العلمانية أقرب ، بل هي علمانية بالفطرة كما يتبجح بعضهم ، هذه الدعوى الباطلة يكذبها تاريخ هذه الأمة ، فإن نجح الخصم في تَزْيِيفِهِ وتحريفه فقد نجح في تطويع الأمة لتقبل مشاريع التطبيع مع الحضارة الغربية تطبيعَ التابع لسيده لا علاقة الند بالند ، فالأمر يجاوز حد التطبيع مع كيان يهود ، فليس ، كما يُنَوِّهُ بعض المفكرين ، ليس إلا مجموعا وظيفيا يؤدي دوره في إضعاف الشرق المسلم ليذل للغرب ويخضع والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

والله أعلى وأعلم .