اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: وبَشِّرِ الصَّابِرينَ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17852

    الكنية أو اللقب : كريم أمين

    الجنس : ذكر

    البلد
    إسطنبول

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية وآدابها والدّراسات الإسلامية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 5

    التقويم : 42

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل23/7/2008

    آخر نشاط:14-03-2018
    الساعة:12:33 PM

    المشاركات
    2,861

    السيرة والإنجازات

    Arrow وبَشِّرِ الصَّابِرينَ

    قِصّة قصيرة: وبَشِّرِ الصَّابِرين

    أضرمَ في نفسهِ النار بعدما استحم من قنينة "الكاز" الذي يضاء به ليلهم، تارة بالحطب أمام الكوخ، أو بالداخل في الزجاجية العتيقة.
    مات ميتة بشعة، تحاكت فيها كل عشيرة الصيادين، وقد ظلت أيامًا وأيامًا، والألسنة لا تكف عنها ليل نهار، وأصحابها بين ضارب لأخماس وأسداس والبعض متمتمًا بأحاديث عن كفر وضلال المقبور، أما المنصف منهم يترحم عليه ويودّ زوجته وابنه ذو العشرة أعوام.
    الجميع لم يحمّلها وصغيرها شيئًا إنما وضعوا اللوم عليه لأنه أقدم على فعلته لنفاذ صبره وعدم استطاعته على مواصلة الحياة هكذا في الجوع والفقر وضيق العيش.

    غير أن هناك فئة ترى أن تلك الحادثة بداية النهاية للنظام السائد في البلد وأنها تُبشر بثورة قريبة ضد الظلم، وإلا فإنّ صيادًا وراء الآخر سيكون مصيره ونهايته الانتحار أيضًا.
    لكن ذلك سرعان ما انتهى ولم يستجد شيئًا في حياة هؤلاء المهمّشين، وقد عادت الأمور إلى طبيعتها شكلًا ومضمونًا وآل كل شيء إلى طيّ النسيان.

    مَـرَّ شهرٌ على الواقعة عادت الزوجة وولدها بعد أن طوت أحزانها إلى الكوخ الذي اشتعل على آخره، وكأنه هو الآخر حزن على صاحبه فودعه بطريقة كلاسيكية فريدة من نوعها.
    جاء نيابة عن شيخ الصيادين ابنه الأكبر، عارضًا عليها الزواج من أبيه، كي لا تظل طوال عمرها وحيدة دون رجل، خاصة أنها مازالت شابة متنعمة بجمال غير عادي.
    رفضت العرض لعلمها أنه كلام ظاهره الرحمه وباطنه العذاب، وأسمعت ابنه كلامًا مؤلمًا عن القيم والمبادئ، وحق الجيرة والحماية، بعد أن وجه لها في معرض حديثه نوعًا من التهديد إن لم توافق.

    في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى شاطئ البحر الذي يبعد عن كوخها المتهالك المحروق أمتارًا معدودات حيث ذلك القارب الصغير الذي يسمى مجازًا في عرفهم "مركب"، الشيء الوحيد الذي قد خلفه الزوج وراءه. اتخذت القرار في لحظة، صعدت على متنه، أمسكت بالمجدافين، وراحت تبحرُ.. سألت ربها رزقًا حلالًا واسعًا، وإلى حين ذلك طلبت الصبر على الفقر والفاقة، وأن تكون أمًّا صالحة لابنها الوحيد.
    رجعت مساءً غير قادرة على حمل الشِّباك من كثرة كما جاد به البحرُ عليها بفضل الله. نزلت إلى الشادر كي تبيع ما معها من أسماك للتجار، رحب بها البعضُ وترحّم على زوجِها، والآخر تعجب من كيفية حصولها على كل ذلك الخير وشباكها مرقعة، لا تكاد سمكة واحدة كبيرة أو صغيرة أن تقع فيها، غير أن لله له في ذلك حكم.

    باعته كله ثم راحت راكضة نحو نجَّار الصيادين، أعطته مالًا، جزءًا من الربح الذي حصلته اليوم كي يُعيد بناء الكوخ على مساحة أكبر وهيئة أجمل، وبعد ذلك ذهبت لسوق الخضار وأحضرت طعامًا يكفيها والصغير لعدة أيام.
    كان جالسًا على البحر يبني بيتًا من الرمال ثم يهدمه بطريقة أزعجتها وأرعبتها كثيرًا!، اقتربت منه أكثر، كانت تراقبه وهي مُبتسمة لكن بسمتها تلاشت وتبدلت ملامحُهَا إلى الحزن. شعُرَتْ بغصةٍ في قلبها توفت عند أبواب أحداقها عبرة تكاد تخنقها؛ رآها وأعارها اهتمامًا بعد حين من وقوفها بجانبه وأول ما نطق به: أمي أريد أن أعبر البحر.

    مرَّت عشرة أعوام ودار الزمان دورته، كبر ابنها، وبعدما كان يخرج معها إلى الصيد معاونًا إيَّاها بإمساك أحد المجدافين تارة أو الاثنين معًا تارة أخرى، لكنه لم يعد يبالي بها ولا بالمركب ولم تعد تشهده معها أو عليها.
    بعد قليل من استبيان الأمر اكتشفت أن شيخ الصيادين الذي لم ينس لها كل تلك السنوات تمنعها عنه ورفضها.. بأنه خرَّب أفكار ابنها اليافع عبر إيعازه في نفس الشاب الغرّ بالتمرد على عيشته نكاية في أمه؛
    وقد اتحدت في ذلك عوامل وموروثات كُثر في داخله منها عدم المقدرة على الصبر مثل أبيه، تحمل الفقر والتمرد على الأوضاع.

    ذات يوم استيقظت الأم مع نسائم الفجر العليلة كالعادة لتوقظ ابنها فلم تجده في أحد مطارحه. لا في الكوخ على الأريكة ولا في الخارج عند البحر كعادته منذ كان صغيرًا.. يبني بيتًا ويهدمُ آخر. وقفت مُتحسرة أمام البحر تبكي، مُنهارة حد الضياع. فقد دلّها قلبها على ذلك الرحيل منذ زمن طويل، ولم تفلح في إبقائه رغم كل تلك الرعاية، رغم حنوها عليه، وبذل جهدٍ في تعليمه المبادىء السامية والحثّ على الصبر والثقة في الله، وكانت دائمًا ما تسأل الله أن يهديه لأجلها.. أدعية دائمًا لكنها من طرف واحد.. هي فحسب.
    جاءت اللحظة التي كان ينتظرها شيخُ الصيادين منذ وقت بعيد؛

    حضر واقفٌ وراءها بالقرب من أذنها اليسرى كشيطان يريد الانتقام، ضاحكًا هامسًا، معطيًا إياها ورقة قائلًا لها ببرودة أعصاب: هذا آخر ما تركه لك ابنك وخلَّفه وراءه لك!، وأنا قد حققت له أمنيته التي فيها سعادته وجعلته يعبر البحر في منتصف الليل إلى الجهة الأخرى حيث كان يحلم وأحلامه من المؤكد أنها أصبحت واقعا الآن وبعثت به إلى السعادة.
    قالت بكل قوة متجلدة بعدما استدارت له ومسحت بطرف كمّها الأيمن دمعاتها المجروحة، ناظرة إليه محملقة: بل أرسلته للمجهول يا هذا، حسبنا الله ونعم الوكيل فيك وفي أمثالك.
    يضحك شيخ الصيادين ساخرًا منها ويرد عليها قائلًا: دعك من ذلك يا امرأة، لقد أصبحتِ وحيدة، الكل يذهب ويتركك، أنظري إليّ ولو لمرة من زاوية أخرى فالبحر ليس دائمًا عاصف وأنا دائمًا أنتظر صفاء وهدأة أمواجك وإراحة شراعك.. ولن أدعك وحدك.
    غيرت نظرتها لتجعلها نظرة استحقار قائلة له: ما كنت وحدي يومًا ولن أكون، فالله معي، أما أنت.. "صمتت قليلًا لوهلة ثم واصلت حديثها": أما أنت فالشيطان معك؛

    اسمع يا هذا، فلذة كبدي يومًا ما إن شاء المولى سيعود أو أذهب إليه أينما كان، حتمًا سأجده. سيدلني قلبي عليه ولو كان وسط الملايين من البشرأو ربما نلتقي في عالم أجمل من ذلك، عالم الراحة الأبدية وموعد الصابرين؛
    أما أنت فدائمًا وأبدًا ستلتقي بمن يشبهك كأفعالك أو أكثر، بيني وبين ابني الصبرُ مهما بعدت بيننا المسافات، أما أنت فبيني وبينك القبر مهما أحدثت من مؤامرات.
    ثم رفعت يديها للسماء داعية ربها: اللهم وعدك الذي وعدتنيه وأنا من عبادك.. "وبشر الصابرين"، اللهم فاهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.

    قصّة وبشر الصّابرين
    من مجموعتي القصصية بعنوان
    كمشكاة فيها مِصباح
    لـ كريم أمين

    التعديل الأخير من قِبَل نـُورُ الـدِّيـن ِ مَحْـمُـود ; 24-12-2017 في 06:50 PM
    ذاهبة لتُصلّي في القُدس، فقابلتها صهيونية شمطاء مُجنزرة وقالت لها.. ممنوع..
    أصبحنا نرقص هُنا، ونشعل الشموع.. فخُذي بَخوركِ وارحلي

    أعمالي المطبوعة/الياسمين الأحمر/مايا/الموناليزا الهاربة

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •