ومن قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ، فكان من النداء ما بَعُدَ مئنة من تعظيم المنادِي ، وهو الرب ، جل وعلا ، فَإِنَّ نُطْقَ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك نطق البلاغ والبيان فهو يحكي ما تحمل عن روح القدس ، عليه السلام ، فالبلاغ أول وهو بلاغ اللفظ فهو أصوات تحكي معان تقوم بالنفوس ، فَبَلَّغَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم البلاغ الأول ، بلاغ الألفاظ وما تدل عليه من معان أولية ، فهي المعاني المعجمية المفردة ، وما انضم إليها من قرائن السياق وبساط الحال ، فالكلام مجموع من لفظ ومعنى ، من وجه ، ولفظ وسياق من آخر ، ولفظ وحال من ثالث ، لا جرم كان حد البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، فقرينة الحال قرينة رئيسة في تعيين مراد المتكلم ، فبلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الألفاظ وما تدل عليه من الظواهر المركبة من دلالات الألفاظ في سياقها ، وما احتف بها من قرائن الحال والكتاب يَتَنَزَّلُ من السماء ، لا جرم كان الأعلم من نَزَلَ الوحي وهم شهود ، فهم شهود الصدق في التنزيل والتأويل ، وهم من تحمل ألفاظ التنزيل فنقلوها ، ومن تحملوا معانيه فَفَقِهُوهَا ، فكان من تأولهم الأخبار أن صدقوها والأحكام أن امْتَثَلُوهَا وكان لهم من فقه المعنى وعقله ما رجح فقه غيرهم ممن لم يشهد التنزيل وإن كان صادقا في نقله فصيحا في لسانه ، فهو يدرك المعنى إذ تحمله التحمل الصحيح ، فهو عدل رشيد ، حافظ مُجِيدٌ ، وهو فصيح اللسان ، فعربيته يحتج بها ، ولكنه ، مع ذلك ، لم يشهد من الوحي ما شهده الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فشهودهم التَّنْزِيلَ قرينة تزيد تُرَجِّحُ فِقْهَهُمْ وذلك ما يُوَاطِئُ قياس العقل الصريح فإن الجيل الأول في أي دعوة أو مذهب هو الجيل الذي شهد ميلاد الدعوة وهو الذي آمن بها وبذل لأجلها ما بذل ، فأعظم من يدفع الثمن لأي دعوة ، ولو أرضية ، هو الجيل الأول ، فعنده من الإيمان بها ما يزيد ، وعنده من فقه معانيها ودرك أحكامها ومراميها ما لا يدركه الخلف ، فكان من البلاغ الأول ، بلاغ الرسالة فَنَزَلَ الوحي فَنَطَقَ به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيَانًا يُفْصِحُ ، فكان من نطق الألفاظ وَبَيَانِهَا ، ولو بالسكوت ، فإن ورود الألفاظ مجموعة في سياق واحد دليل يرجح العمل بالظاهر المتبادر من ائتلاف الكلام ، فالكلمات تأتلف في السياق فيحصل من صورتها المجموعة معنى لا يحصل من آحادها المفردة ، ويكون السكوت عن غيره مع احتماله ، ولو مرجوحا ، يكون هذا السكوت في موضع البيان بيانا فهو قرينة توجب حمل الكلام على سياقه الظاهر فلو كان ثم معنى آخر ما وسع الوحي أن يتأخر عن بيانه ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لا سيما في مواضع تعم بها البلوى كما قد حدث من مسائل بعد انقطاع الوحي ، فحدوث النوازل الحكمية والسياسية أمر لا يضر الشرع ، بل قد استوفاها إما بألفاظه أو بمعانيه أو بمقاصده فيحكم فيها بما يحفظ مقاصد الشرع ولا يخالف فيها عن أصل أو فرع ، فالنص لا يجوز العدول عنه ، فهو أصل لا يجاوزه اجتهاد أو نظر ، وإنما الإشكال في المحدَثات التي لا أصل لها والتي استجاز أصحابها العدول عن ظاهر النص بلا دليل يجوز ، بل وخالفوا في أحيان عن بدائه اللسان فأنكروا العلوم اللسانية الضرورية بما استقر في النفوس من الدلالات اللفظية ، فقطعوا النسبة الأولى إلى إرث اللسان وحكموا على تاريخٍ تَوَاتَرَ في النفوس من دلالات النصوص حكموا عليه بالنسخ والإبطال وأحدثوا من الدلالات ما لا شاهد له من نقل أو عقل ، فليس إلا التحكم بالأهواء والأذواق إذ أعياهم النص أن يَرُدُّوهُ ، فلم يجدوا بدا أن يَتَأَوَّلُوهُ التَّأَوُّلَ المذموم إذ يصرفه عن وجهه الراجح إلى آخر مرجوح ، أو يصرف إلى آخر غير معقول فاللفظ لا يدل عليه ، ولو من طرف بعيد ، لا بالنظر في أصل الوضع أو استعمال الوحي والعرف ، فليس حقيقة لا في شرع ولا في عرف بل وليس له أصل نسبة في حقيقة اللسان المطلقة ، وذلك مما قد عمت به البلوى في طرائق من الدين والسياسة سلك أصحابها جادة الباطنية في تأويلاتهم الدينية والسياسية ، وهو أمر يفحش في أعصار الظلم والاستبداد إذ تعظم المخالفة عن أحكام الوحي ومقاصده فهو يأمر بالصدق والعدل والإحسان ومكارم الأخلاق ، فلا يجد الظالم بدا أن يطوع النصوص لتشهد لظلمه ، فهو يستدل بضعيف أو يضع الصحيح في غير موضعه ، وهو ما يظهر ، أيضا ، في أعصار الجهل فيسهل على أي متأول أن يذيع في الناس ما يستنبط من المعاني الباطلة فقد أَمِنَ من ينكر إذ الجميع يجهل وإن لم تخل الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة ، وإن في فرع ، وذلك من حفظ التنزيل فقد احتف به من قرائن الحفظ جملة وافرة ، فحفظ اللفظ تواترا ، وحفظ المعنى بإجرائه على ظاهره المتبادر إلا أن تَرِدَ قرينة صريحة معتبرة ، كتخصيص عام أو تقييد مطلق .... إلخ ، وحفظ من التأويلات الباطنية وحفظ أن يخفى وجه الحق فيه وإن عظم الجهل وفشا الظلم المانع من ظهور الحق الذي يقض مضجعه ، فذلك ما يحمل العامة أن تترخص ، وأما أهل العلم من الشهود العدول فشهادتهم شهادة أمة ، فلو سكتوا جميعا فلم يقم بالحق قائم بطلت شهادة الأمة الخاتمة إذ ضاع الحق فيها ، ولو في فرع يدق ، فإجماعها على الباطل يوردها المهالك ويبطل شهادتها على بقية الأمم ، بل ويبطل رسالتها إذ يفتح باب الاحتمال فضلا أنه تكذيب لنص الكتاب فحفظ الذكر لا يقتصر على حفظ ألفاظه وإنما يعم أحكامه ومعانيه ، وذلك ما يفتقر إلى العدل ، وهو أمر يعز ، فيكون العدل في النقل فلا يقتصر الناقل على ما يشهد له دون ما يخالف ، فكان من نداء الرسالة الذي بَعُدَ ، مطلع الآية "يا أيها الذين آمنوا" فلا يخلو من تعظيم للمنادِي ، جل وعلا ، واستحضار لذهن المنادَى فلا يغفل ، وكان النداء الذي عم بدلالة الموصول "الذين" فهو نص في العموم ، فضلا عن دلالة التغليب ، فإن الأصل في خطاب التشريع هو التعميم ، فيستغرق كل مخاطب يصح تكليفه ، ومناط التكليف وصف مؤثر وهو العقل الذي يدرك معنى الخطاب ، فليس وصفا طرديا لا يؤثر في أصل التكليف كالذكورة أو الأنوثة ، فهي في أصل التكليف بالتوحيد والتشريع ، وصف طردي لا يؤثر ، وإن أَثَّرَ في بعض الأحكام الفرعية ، فذلك استثناء يجري مجرى التأويل ، فهو مرجوح لا يعدل الناظر إليه إلا بدليل يرجح ، وإلا فالأصل العمل بالراجح وهو العموم في خطاب التكليف ، ولا يخلو الوصل من إجمال أبانت عنه الصلة ، إذ أنيط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه ، وإن كان ذلك خطابا يعم كل أحد ، فذكر المؤمنين هنا يجري مجرى الغالب فلا مفهوم له وإنما اختصوا بالخطاب مواجهة ، واختص منهم الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهم أول من تَوَجَّهَ إليه الخطاب خطاب المباشرة ، وبعدهم بقية المؤمنين من شهد التنزيل ومن لم يشهد ، سواء أكان موجودا أم معدوما زمنَ الخطاب ، فالخطاب يعم كل مكلف على وجه به تُقَامُ الحجة الرِّسَالِيَّةُ على عموم الْبَرِيَّةِ ، فالإيمان معنى تحصل به الأمنة فالقلب يطمئن بالتوحيد ، والحق يعم بالتشريع ، فَقِيَمُهُ الحاكمة هي ما يُفَسَّرُ به التاريخ تفسيرا صحيحا يسلم من الغلو والجفاء فهو مادة عدل وإنصاف في الخصومة ، ومادة رسالة معانيها تجاوز الحظ العاجل وإن لم تسلم منه نفس فالحكم للغالب ، فَثَمَّ من جعل الرسالة غايته ولم يَخْلُ سلمه وحربه من أغراض سياسة ، فيكون ثم طموح خاص قد يخالف به عن الحق في مواضع ، وذلك ما يحتمل التأويل في أحيان لا سيما في مواضع تدق الغايات فيها وَتَتَدَاخَلُ ، وهي ، مع ذلك ، تَتَغَالَبُ ، فالنفس أشد غليانا من القدر ، فَتَتَدَافَعُهَا الإرادات وهي علامة الحياة والحس والحركة ، فلا تكون إلا بإرادة ترجح ، بها يمتاز الحي من الميت ، والإرادة التامة لا تكون إلا من تصور تام ، فالعلم مبدأ الإرادة ، وبينهما من التلازم ما يرجح مقال الحق في حد الإيمان الذي صدرت به الآية فهو العقد والقول والعمل ، فالعقد صورة العلم التي لا تُنَالُ إلا من مشكاة الوحي ، فوحده الذي أبان عن الغايات العظمى التي خلق الكون لأجلها ، فإن أسبابه وسائل بها تُنَالُ الغاية ، فأرشد الفاعل أن يُبَاشِرَ السبب ، وأرشده قبل ذلك أن يعين الغاية فَبِهَا امتاز الإنسان من الحيوان ، فالإنسان له عَقْلٌ يستجمع مادة المنطق الباطن فهو مما استقر في الجنان وهو ما تَلَقَّاهُ من الوحي من مادة اليقين المفصل الذي واطأ اليقين المجمل ، فهو يصدقه ، من وجه ، وَيُبَيِّنُهُ من آخر ، ويرشده إذا ضَلَّ من ثالث ، فكان من الإيمان مجموع مركب من متلازمات في العقد والقول والعمل ، وهو مجموع يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَيَتَدَاخَلُ فيه الرسالي بالسياسي ، فالنفس ذات روافد ، ولا تبلغ السلامة إلا إن كان الوحي رائدها فمعاني الرسالة معظَّمة ونصوصها محكمة إلا في هنات تغلب فيها حظوظ النفس ، أو يكون من التمازج ما يختلط به الرسالي والسياسي ، فإن كان الأصل هو الرسالة وكان من أغراض السياسة ما يتبع ، فذلك حظ زائد وهو من عاجل الأجر ، وقد يزيد حظ النفس فيقدح في المعنى الرسالي ، ولكنه لا يبطل الأصل ، وإنما نقص الأجر ، وذلك ما يخالف حال البادئ حظ نفس يكسوه لحاء الوحي ، فالنية بادي الرأي فاسدة ، والطريقة جائرة وإن زعم صاحبها الإيمان والعدل فشاهد الفعل يكذب ، فشتان من ابتدأ طريقةَ حق وإن دخلها حظ نفس ، أو كان من إجراء السياسة ما لا يسلك جادة الحق فلا يوافق معياره ، فهو يأثم من هذا الوجه ، وإن أثيب في الجملة فالأصل والمبدأ خير ، والغالب من حاله موافقة الحق إلا في مواضع يغلب فيها الحظ العاجل ، فهي استثناء لا ينقض الأصل وإن نقص من قدره ، فالعبرة بالغالب وما ندر فلا حكم له ، ومن رجحت حسناته سيئاته فهو ناج ، وإن خالف في مواضع فليس براج عصمة ، فضلا أن يحتمل فعله تأويلا يقبل ، خلاف ما يتكلف في أحيان من تأويلات بعيدة فلا يصير الخطأ بها صوابا ، وإنما يثبت الخطأ فَيُنْقَلُ كما وقع ، فتلك يد تأريخ صادقة تكتب الخير والشر جميعا ، فلا يحملها الحب أن تكتم النواقص ، ولا يحملها البغض أن تكتم الفضائل ، وإنما تكتب الجميع وتشفع الصدق بالعدل في الحكومة ، فالحكم للغالب والنادر لا حكم له ، وإن ثبت فما وَقَعَ لا يُرْفَعُ ، وما حدث لا يُنْكَرُ ، والعدل في التحليل لا يكون إلا بجمع طرق الباب ، فالحدث التاريخي ، سياسة أو حربا ، يرويه كثير ، ولا يسلم الراوي من أغراض ، فلا بد من معيار محكم في الجمع يقبل الحق ويرد ما سواه فلا يتحكم في القبول والرد تَبَعًا لما يهوى ، فيجعل معيار الحكم حظَّ نفس في مدح أو ذم ، في إثبات أو نفي ، في إباحة أو حظر .... إلخ من الأحكام الوجدانية ، ولا بد من منهاج تحليل واستنباط يتحرى العدل والإنصاف ، فتكون مادة الصدق هي المستمد الخبري ، وتكون مادة العدل هي المعيار الحكمي ، فلا يتحكم الناظر فَيَخْتَارُ من الأخبار ما يوافق حكمه الذي ابتدأ به البحث ! ، ولا يتحكم في التأويل فيخالف عن منهاج العقل الصريح فَيُحَمِّلَ الألفاظ ما لا تحتمل من المعاني ويستقطع من السياق كلمات مبتورة تشهد لما يعتقد ، فذلك ما يخالف عن جادة العدل في الاستدلال ، فيكون من إيمان الحاكم ما يحمله على الصدق والعدل ، فالإيمان مناط التكليف على وجه يستغرق كل مؤمن ، وكل مكلف إذ يؤمر ، وهو من وجه آخر ، مناط تعليل ، فالإيمان باعث العدل والقسط ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ، فبعد النداء كان الأمر فكان أمر التكوين "كونوا" ، وهو أمر شرعي ، إذ التكوين منه الشرعي ومنه الكوني ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، فكان الأمر أن : "كونوا قوامين بالقسط" ، ولا يكون الأمر إلا بما يطاق ، على تفصيل في جواز ذلك في العقل وفي الشرع ، والجواز حكم عقلي لا تَثْبُتُ به حقيقة ولا تَنْتَفِي ، فلا بد من مرجِّح من خارج ، فالوحي قد رجح التكليف بما يطاق ، وَمَنَعَ التكليف بما لا يطاق ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فجاء الخبر الذي ضمن معنى النهي عن الغلو والتنطع ، فإن الرب ، جل وعلا ، لا يفتقر إلى عبادة عابد ليجهد نفسه ويجاوز حده فيغلو في الخدمة فذلك مما يخالف عن مقاصد الشرعة إذ جاءت ترفع الحرج ، كما في قول رب البشر جل وعلا : (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ، فإرادة التشريع لا تكون إلا بالمقدور الذي لا يجد جنس المخاطب به حرجا ، وإن حصل الحرج لآحاد فهم نادر لا حكم له في التأصيل العام وإن كان لهم من الاستثناء ما يرفع الحرج عنهم رخصا في حق من لا يطيق ، فيكون من العدل في القول والعمل ما يسلك جادة المقسطين ، ويجافي عن جادة القاسطين ، فالعدل يسلب وصف القاسط بألف الإزالة فهو مقسط يعدل لا قاسط يظلم ، فجاء الأمر بكينونة يقوم صاحبها بالقسط ، ولا تخلو من دلالة المبالغة ، فمثال "فَعَّال" من مُثُلِ المبالغة في اللسان ، وذلك آكد في تقرير المعنى من القول في غير التنزيل : كونوا قائمين ، وهو ، أيضا ، آكد من القول في غير التنزيل : قوموا بالقسط ، فمادة "قَوَّام" آكد في الدلالة من مادة "قائم" ومادة الأمر أن "قوموا" ، وزيادة الكينونة أمر لا يخلو من زيادة معنى تكافئ زيادة المبنى ، فالكينونة لا تخلو من ديمومة الوصف ، فجاء الأمر الذي لا يخلو من دلالة التوطئة بالخبر إذ مناط التكليف ليس الأمر بالقيام فهو مطلق يحتمل ، فجاء القيد بالقسط ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مثال يُبِينُ ما يصنع القيد فهو الذي يحسم الاحتمال فكان التقييد بالحال على تقدير : كونوا قوامين مقسطين ، فإما أن يكون المنصوب الثاني خبرا ثانيا وإما أن يكون حالا ، وهو ما عم إذ دلالة "أل"مئنة من الاستغراق ، فثم قسط في التصور وآخر في القول والعمل وهو ما يواطئ دلالة الإيمان صدر الآية ، فالإيمان : اعتقاد وقول وعمل ، والقسط : اعتقاد وقول وعمل ، والعدل جنس يستغرق الحكومات العلمية ونظائرها العملية ، فحكومة السياسة لا تفلح إلا إن عدلت ، بل بقاء الحكم بالعدل قد ارْتُهِنَ ، بل الدنيا لا بقاء لها إلا بالعدل ، ولو قول توحيد يلفظ فهو آخر ما يعلق بالأذهان من كلام النبوات ، فـ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" ، فذلك إخبار بما يستقبل ، والخبر المستقبل جنس يعم الخير والشر ، فمن الأشراط ما هو خير ، كما في أخبار الظهور لدين التوحيد بِعِزِّ عزيز أو ذل ذليل ، وهو تأويل لسنن يطرد ، سنن النصرة لمن آمن وَاتَّبَعَ الوحي فَهُوَ من حِزْبِ الرسالات السماوية ، فـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، فثم من مؤكدات اللفظ الناسخ الحرفي "إِنَّ" وهو نص في الباب ، فحقه الصدارة ، فهو من أُمَّهَاتِ الباب ، بل هو أمها الرئيس ، فكان من التَّصْدِيرِ ما سَلَكَ الجادة فهو على قياس اللِّسَانِ ، وكان من اسمية الجملة ما يزيد المعنى ، فتقدير الكلام : نحن ننصر رسلنا ، وكان من تَوْكِيدٍ ثان باللام الذي دخلت على الخبر "لَنَنْصُرُ" ، وكان من التعظيم ما حَسُنَ في موضع البشرى بالنصر فلا يكون إلا من عظيم يقدر فهو لخصومه يقهر ولأوليائه ينصر ، فاطرد القياس وانعكس ، فإذا كان ثم إيمان كان النصر ، وإن حصل انكسار فهو ابْتِلَاءٌ تُمَحَّصُ به النفوس ، وإذا كان ثم كفران كان الهزم ، وإن حصل ظهور فهو استدراج يغتر به الغافل الذي لا يحسن يستقرئ عِبَرَ التاريخ بما قد نَزَلَ بالظالمين من الأخذِ الأليم فضلا عن الوعيد الشديد ، فكان من العقاب ما عُجِّلَ بعضه في الأولى ، سواء أوجد الناس آثاره بالحس أم كان عذاب الضنك الذي يكتوي بناره الظالم ولا يفطن إليه الناظر إلا من دَقَّقَ ، فَرَأَى بعين البصيرة ما لا يَرَى بعين البصر ، فَثَمَّ ذِلَّةٌ تكسو الوجه وإن سترها بأبهة الملك ، وثم خوف يلازم فلا يهنأ به عيش ، فالحرس المحيط لا ينجي صاحبه من القدر ، بل به يعذب المحَاط الذي يُقَيِّدُهُ الحارس ، فالنفس تأنف من القيد إذ يُنَغِّصُ عيشها ، ولا يخلو الأمر أن يحكم الحارس في سيده ، بل قد يتلاعب به فهو يسخر ويتهكم بما يذيع من كذب به يَفْرَقُ السيدُ فهو عبد في صورة سيد ، فلا سيد يفتقر إلى أسباب تحرسه ، فالسيادة التامة لا تفتقر إلى الأسباب ، فصار السيد الذي يحوط نفسه بالحرس ، صار مملوكا في يد حرسه فهو يخافهم ما يخاف عدوه فقد يغدرون فلا زال الوسواس به يتلاعب ، لا سيما إن كان من الجنس الخائن ، فهو في عذاب قد اتصل وإن ضحك وتبجح ، فالعذاب قد نَالَهُ ، ولو عذاب النفس إذ غفلت فَطُمِسَ القلب ، فلا يطمس البصر فلا يَرَى الحق إلا إذا طمس الجنان فلا يسلك جادة الإيمان ، وهي السبب الذي به يقسط الإنسان ، وهي السبب الذي بِهِ يَنْصُرُ الرحمن ، جل وعلا ، جنده وأولياءه ، فكان من الطرد والعكس في الخبر أن النصر مناطه الإيمان ، والهزم مناطه الخذلان ، وكان من الاستغراق الذي عَمَّ الظرف ، في الأولى وفي الآخرة ، فجند الرسالة منصور في الأولى وإن كانت الجولة لخصمه في مواضع فابتلاء يمحص وعقاب لقبيل الحق إذا قصر ، كما كانت الحال في أحد فجاء الوحي يعتب ويبين في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) ، فتلك عندية تكليف بها يبطل مقال الجبر ومقال الكسب الاصطلاحي الذي انتحله بعض المتكلمين فهو من عند النفس كسبا بإرادة تؤثر وإن لم تخرج عن إِرَادَةِ الرَّبِّ المهيمن ، جل وعلا ، فليست إرادة اقتران لا تؤثر وإلا ما صح توجيه العتاب إذ لا تأثير لفعلهم في حصول المقدور على وجه يصح به سؤال المخلوق سؤال الحساب فلا يكون إلا بما اكتسب ، لا بما أُكْرِهَ عليه فلا إرادة لمكرَه ، فإرادته كلا إرادة ، واختياره فاسد وإن اختار فقد ثبت من القرينة ما يدل على فساد اختياره فلم يختر ما به يرضى وإن اختار فصورة الظاهر أنه قد رجح ما اختار ، والحقيقة أنه ما اختار إلا ما اختاره المكرِه فهو كالآلة في يده ، والآلة المقهورة التي سلبت إرادتها لا تكلف بأمر أو نهي ، فيكون من عقاب التأديب لقبيل الموحدين أن يظهر عدوهم فتكون جولة له ، ولا تكون الجولة له فهي لأهل الحق ما استمسكوا بالوحي الذي جاء بمادة الإيمان صدقا في الكلمات وعدلا في الحكومات ، فذلك منطوقُ الآية طردا : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، ومفهومها عكسا أن لا نصر لمن لم يؤمن فيصدق بالرسالات ويمتثل أحكامها فيعدل في الباطن وفي الظاهر ، فإذا ذهب العدل والقسط ذهب الملك بل وذهبت الدنيا بفوات العدل في المقال ، فإن شهادة التوحيد مناط العدل الرئيس الذي لا صلاح للكون إلا به ، فهو يطرد دلالة التلازم بين السبب والمسبَّب ، فمن له ربوبية التكوين فَلَهُ ألوهية التشريع ، فهو الذي يأمر وينهى ، فجاء الخبر يفصح عن المآل الآخر ، فـ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" ، فهو خبر استقبال لا يخلو من دلالة إنشاء أن يصدق المخاطب بالخبر فإذا صح فهو المذهب ، لا سيما في أمور الغيب التي لا يستقل العقل بدركها وإن لم يحلها فهي من الجائز في العقل الصريح فجاء الخبر الصادق يرجح الإثبات ، ولا يخلو من إنشاء آخر أن يكثر الذاكر من قول : لا إله إلا الله ، فبها يحفظ الكون إذ لا قيام له إلا بالعدل ، والقول ، لو تدبر الناظر ، لا يقتصر على اعتقاد ولفظ ، بل إن لها من الشروط والحدود ما يزيد على لفظ مجرد ، فَبِهَا يستبين الصادق من الكاذب ، فإن القول المجرد مما يطيقه كل أحد إذ لا ابتلاء فيه يجاوز تحريك اللسان ، فلا يكون التمحيص إلا بما يكون من عمل الأركان وحكومة البلدان فهي التي بِهَا يظهر تأويل العدل أن تُحْكَمَ الأرض بالوحي ، فهو معدن الصدق والعدل ، في كلماته وحكوماته ، ولا يخلو الأمر بالتوحيد من لازم آخر أن يكون الحكم بالتشريع فيكون من تَأَلُّهِ الأركان ما يصدق تَأَلُّهَ الجنان واللسان فيستجمع صاحبه مادة الإيمان إذ لا تقتصر على العقد والقول كما قد زعم الجفاة في هذا الباب على وجه أُهْدِرَ به العمل فصار شرط كمال أو لازما لا يدخل في حد الحقيقة والماهية ، أو ثمرة عملية لا تشاطر البذرة العلمية حد الإيمان ، ولا يخلو الأمر بالتوحيد من نهي عن ضده أن لا تشركوا بالله ، جل وعلا ، فيكون الظلم الذي به ذهاب الملك بل وذهاب الكون كله ، فاطرد الحكم وانعكس في الأخبار العلمية ، خبر النصرة في قول رب العزة : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، وخبر الساعة أن : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" ، فالنصرة قد أنيطت باسم الإيمان ، فهو مناط التعليل في هذا الباب ، وهو ما ترشحه مادة الوصل في "الذين آمنوا" ، فلا يخلو الوصل من دلالة تعليل إذ يناط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الإيمان ، وقد أطلق في هذا الموضع كما قد أطلق في آي النساء أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) ، والإطلاق مئنة من الاستغراق كما قد اطرد في باب الأسماء والأحكام ، فإن إطلاق اللقب مدحا أو ذما ينصرف إلى المعنى الأكبر ما لم تصرفه قرينة إلى المعنى الأصغر ، فلا يحصل الإيمان الكامل إلا بتحري القسط في الحكومة ، ولا يحصل النصر التام إلا لمن تحلى بالإيمان التام ، وإلا كان من النصر بقدر ما يثبت في حقه من إيمان ، ما لم يقترف ناقضا يلحقه بالقبيل المارق ، وكلما حصل له من الإيمان حظ حصل له من النصر بقدره وإن لم يخل ، كما تقدم ، من ابتلاء به النفوس تمحص ، وفساد الكون وتخريب عمرانه وتقويض بنيانه لا يكون إلا بانقطاع مادة صلاحه ، مادة التوحيد الذي استجمعته الشهادة إذ توافق الطريقة العقلية الصريحة فإنها تسلب وصف الألوهية من كل معبود باطل ، فتجرده للإله الحق ، جل وعلا ، فلا معبود بحق إلا هو ، فكان الطرد في الخبر وكان العكس الذي يدل عليه دلالة التلازم ، فهو يَنْهَى عن الكفر فلا ينصر صاحبه ، وهو يَنْهَى عن الشرك فلا يوحد صاحبه فيكون من شؤمه ما يضر الملك بل والكون كله فيظهر الفساد ثم يكون الزوال آخر الزمان كما قد أخبر الأثر ، وكان من الأمر بالإيمان ما به يكون النصر ، ولا يخلو من إنشاء ينهى عن ضده من الكفران فهو سبب الخذلان ، وكذلك الشأن في الأثر فهو يأمر بالتوحيد وينهى عن ضده من التشريك ، وهو ما تطرد دلالته في الآية ، أَنْ : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) ، فهو يدل دلالة التلازم على نهي عن ضده من الظلم والجور أو شهادة لا يُرَادُ بها الله ، جل وعلا ، فكان من التقييد بالحال الثانية : "شهداء لله" ، أو هي حال أولى ، فما قبلها من الظرف "بالقسط" قد تعلق بالخبر "قوامين" ، فهو يقيد معناه ، فلا تخلو الباء من دلالة الاستصحاب مع الاستعانة التي تجاوز حد الاقتران ، فقوموا مستعينين بالقسط متحرين لأحكامه فهي خير عون على سلوك الجادة المنجية من الخطة المخزية ، فلفظ "شهداء" ، إما أن يكون حالا تقيد فهي تحرر النية التي عنها يكون القيام بالقسط ، وإما أن يكون خبرا ثانيا يطنب في الدلالة ، إذ يبين عن الباعث وهو شهادة لله ، جل وعلا ، تُجَرِّدُ القصد من حظوظ النفس ، فهي شهادة الحق ، و : (لَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ، فكان من إيجاز الحذف ما اطرد في هذه المواضع من حذف كان واسمها على تقدير : ولو كانت الشهادة على أنفسكم ، وثم من المعربين من قدر عاملا محذوفا يغاير عامل الكينونة فتقدير الكلام : ولو شهدتم على أنفسكم ، ولا يخلو هذا التقدير أن يرجح من وجه إذ الحذف فيه أقل ، فإذا تراوح الكلام بين الحذف وعدمه ، فالأصل عدمه ، وإذا تراوح الحذف بين قليل وكثير ، فالقليل أولى إذ الحذف خلاف الأصل فيجري مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، وقد يقال إن تقدير الكينونة يَزِيدُ المعنى تقريرا وتوكيدا بما تقدم من دلالتها على ديمومة الاتصاف فضلا أن حذفها واسمها مما اطرد في اللسان واشتهر ، فليس فيه من التكلف ما يلجئ الناظر أن يختار الوجه الآخر وإن كان حذفه أقل ، واشتهار أمره ، من وجه آخر ، يجيب عمن جعل ذلك من المجاز ، مجاز الحذف ، فلا يستقيم ذلك إذ اطرد الحذف في اللسان واشتهر فصار حقيقة في الاستعمال فهو جار في عرف اللسان ، والحقيقة العرفية تقدم على الحقيقة اللغوية ، فالكلام جار على ما اشتهر في لسان العرب واطرد ، ولا تخلو "لو" من دلالة احتراز إذ التهمة بالنفس والوالدين والأقربين أعظم ، فجاء الاحتراز في آية النساء : (وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) ، وأطنب على وجه يستغرق النفس والوالدين والأقربين ، وبعده كان الشرط الذي يحترز به من القياس الفاسد الذي يحمل صاحب الشهادة ألا يقسط انتصارا لولي غني أو فقير فهو يظن في شهادته لهما ، ولو ظلما ، يظن فيها نفعا فيعلم من صالحهم ما لا يعلم رب العزة ، جل وعلا ! ، فجاء الشرط يستغرق الغنى والفقر في قول الرب جل وعلا : (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا) ، وجاء الجواب : (فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) ، ولا يخلو من دلالة الفور والتعقيب مسارعة في تقرير المعنى وتوكيده ونفيا لذلك اللازم العقلي الباطل الذي يتوهم صاحبه من الصلاح ما هو عين الفساد ! ، وذلك ما اطرد في كل قياس يخالف عن حكومة الوحي ، إن في أصل أو في فرع ، إن في سلم أو في حرب ، إن في حكومة عامة أو أخرى خاصة ، ولا تخلو الفاء من دلالة السببية ، فضلا عن دلالة الرباط الواجب ، فجواب الشرط قد صدر بالاسم "الله" ، ولا تخلو الاسمية من تقرير للمعنى وتوكيد ، فضلا عن إطلاق الولاية ، فالله ، جل وعلا ، أولى بهما وأعلم بصالحهما ، وبعده كان اللازم من الإنشاء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) ، والفاء لا تخلو ، أيضا ، من دلالة السببية والفور والتعقيب ، فإذ كان الرب ، جل وعلا ، أعلم بهم فلا تتبعوا الهوى في شهادتكم فذلك الباعث على التقصير لَيًّا أو إعراضا ، فجاء النهي الذي عم فهو يستغرق جميع الأهواء فتلك دلالة "أل" في "الهوى" ، وجاء التعليل على تقدير : مخافة أن تعدلوا عن الحق ، كما قد قدره بعض المحققين ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن تقدير الكلام : ولا تَتَّبِعُوا الهوى لئلا تعدلوا ، فهم يَتَّبِعُونَ الهوى لكي لا يعدلوا ، فالعدل يضرهم إذ يُنْقِصُ حظوظهم ، فالظالم الذي حصل له من الظلم حظ لا يطيق العدل فهو يذهب بحظه ، وإن صلحت به الحال ، فلا يسعد إلا إن فسدت واختل الميزان فاستأثر بالخير كله أو جُلِّهِ ، فظلم غيره ، وَظَلَمَ الظلم الديني الذي يخالف عن الميزان العقلي فالظالم يقدم الأدنى من المصلحة الخاصة على الأعلى من المصلحة العامة ، فَيَضُرُّ بالجمع الكثير لكي يحفظ حظه ورياسته ، فَثَمَّ شُحٌّ وَأَثَرَةٌ يستقبحها كل ذي عقل ، وَثَمَّ جهل من التابع مع دناء نفس تحمله أن يعضد الظالم الحائد عن جادة العدل بل وَيَتَأَوَّلَ له من الأسباب ما به تَنْقَلِبُ الحقائق ، فيصير الظلم عدلا ، والشر خيرا ، وتكسى الحقائق الناقصة لحاء الكمال فهي تصدر عن قيم ومبادئ ! ، والعجب ممن يَتَّبِعُهُ ولا يَنَالُهُ حظ ولكنه يَتَذَرَّعُ للظالم ما لا يَتَذَرَّعُ الظالم وهو ممن طَالَهُ ظلمه ولكنه استحسن الذل إذ استبدل الذي هو أدنى من حكم الوضع المحدث بالذي هو خير من حكم الوحي المنزَّل الذي يخلع أتباعه رداء الذل فلا يرضون بالضيم إذ قد انْتَحَلُوا دينا يَضِيقُ به الظالم فهو يحسم مادة الأثرة والطغيان التي جبلت عليها النفوس فلا يلجمها إلا حكمة الرسالة ، فالعدل إما أن يحمل في هذا التأويل على العدل المتبادر ، خلافا للتأويل الأول ، فهو العدول عن الحق ، وكلا الوجهين يصح وذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، بل هو في هذه الحال يجري مجرى الأضداد ، فالعدل يدل على معنى العدل المتبادر وهو سلوك جادة الوحي ويدل على ضده من معنى الظلم والعدول عن جادة الوحي ، فعدل إذا تحرى العدل ، وعدل عن الحق إذا ظلم .

ولا يخلو العطف من عطف تلازم فأمر بالقسط صدر الآية ثم نهى عن ضده من اتباع الهوى إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ، وبعده جاء الشرط على حد الوعيد الزاجر ، فـ : (إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ، فاستغرق الشرط الإتيان بالشهادة لا على وجهها فيلوي صاحبها عن الحق ، واستغرق الإعراض عنها رأسا ، كما يقول بعض المحققين ، فاستغرق وجوه النقص في الشهادة ، وبعد الشرط جاء الجواب المؤكد بالناسخ ، ودخول الفاء عليه من جنس ما تقدم من دخول الفاء في جواب الشرط الأول في قول الرب الأعز الأكرم : (فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) ، فجاء التوكيد بالناسخ واسمية الجملة فضلا عن تقديم ما حقه التأخير من متعلق الاسم الكريم اسم "الخبير" فَقُدِّمَ المتعلَّق "بما تعملون" حصرا وتوكيدا ولا يخلو من دلالة استغراق سواء أحمل الوصل على الوصل الاسمي فكان في الكلام من تقدير المحذوف وهو عائد الصلة المفعول ما يَؤُولُ به الكلام إلى : فإن الله كان بما تعملونه خبيرا ، أم حمل على الوصل الحرفي فيعم ، أيضا ، بدلالة المضاف إلى الضمير على تقدير : فإن الله كان بعملكم خبيرا ، فاستغرق العمل كله ، ودلالة الكينونة الماضية ، كما تقدم ، آكد في الإثبات فهي مئنة من ديمومة وصف قد سُلِبَ زمانه في هذا الموضع فهو لا يقتصر على الماضي وإنما رَفَدَتْ قَرِينَةُ السياق دلالته الزمانية فهو يعم الحاضر والمستقبل ، وحسن في هذا الموضع إيراد اسم الخبير فهو أخص من العليم فيعلم ما يحصل من قصد ونية في نفس الشاهد ، وذلك ما يزجره أن يخالف فيكذب ، فلا يخلو الخبر من دلالة الإنشاء أن لا تلووا ولا تعرضوا في الشهادة إذ قد اطلع الرب ، جل وعلا ، على ما استكن في النفوس والضمائر اطلاع الخبير الذي يعلم الدقائق .

والله أعلى وأعلم .