اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: التحالفات

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:19-07-2018
    الساعة:06:24 AM

    المشاركات
    4,760
    العمر
    40

    التحالفات

    مشهد السياسة المعاصر يشهد الآن ، مع نهاية هذا العام ، يشهد تَشَكُّلَ تحالفاتٍ جديدة ، مع استمرار النظام الدولي في الانهيار المتدرج الذي لَمَّا يصل بَعْدُ إلى حال الانهيار المتسارع ، وهو تَدُلُّ عليه أحداث 2017 الذي شهد حالا من الاستقطاب الفكري والسياسي ، فكان الاستقطاب الفكري الذي اشتدت خصومته مع تاريخ الشرق المسلم ، وهو أمر فَشَا في كثير من الأمصار وصار بضاعة رائجة في الإعلام والسياسة يُعَنْوَنُ له بالتجديد تارة ، ومكافحة التطرف أخرى ، وهو اسم صارت محاربة الإرهاب الإسلامي تُذَيَّلُ به في اصطلاح جديد صَكَّتْهُ دوائر سياسية إقليمية ودولية ، فكان نَقْلَةً نوعية في الاستقطاب الفكري بين الإسلام والعلمانية على وجه جاوز العمل السياسي إلى التأصيل الفكري ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، بِنَاءٌ صحيح في القياس والمنطق ، فإن الفعل الأخلاقي والسياسي تأويل صحيح للباعث الفكري ، فهو مَنْشَأُ أي إرادة أو قول أو عمل ، فكان من الاستقطاب الذي وضع يده على موضع الداء ! ، وهو الفكر والثقافة ، وجاوز الأمر حد التَّنْوِيهِ المجمل إلى البيان المفصَّل ، فَثَمَّ طموح سياسي جارف لكثير من ساسة المنطقة استعجلوا رياسة لا تُنَالُ في يوم وليلة ، فهي مجموع متراكم من الخبرات والإنجازات وإن جزئية فالسيل اجتماع نُقَطٍ ، ولكن العجلة وقلة الصبر واستعجال الثمرة ، ولو ثمرة سياسة انتهازية تفتقر إلى الباعث الأخلاقي ، هذه العجلة تحمل صاحبها أن يقدم من التنازل رجاء الرياسة ما كان خاصة رئيسة لفعل السياسة والحرب في 2017 ، فَثَمَّ سياسة تبديل وتجريف للذاكرة الفكرية والتاريخية على وجه يصير به الشرق هملا بلا جذر فقد انقطعت نسبته إلى أصوله إن نصوصا ومدونات ، أو أخلاقا وسياسات ، وثم حرب تحريف للأديان تحمل عنوان التجديد الذي يأتي على الأصول المجدَّدة بالإزالة والمحو ! ، وهو ما جاوز القول إلى الفعل فكان إنشاء المجامع العالمية لمحاربة الأفكار المتطرفة ، وإنشاء الهيئات العلمية ! زعم أصحابها لِتَتَوَلَّى تَنْقِيحَ التراث لا سيما السنة التي يغص بها كل خصم للوحي ، فهي التي أبانت عن مجمل التنزيل فحسمت مادة التأويل الباطل الذي يروم حمل الكتاب على وجوه تشهد لقول المتأوِّل ، فَيَجِدُ من فسحة التأويل لنص الكتاب ما لا يجد في السنة فكثير من نصوصها قطعي الدلالة فضلا أنه جاء بوجوه من البيان لِمَا أُجْمِلَ من التَّنْزِيلِ فكان من القول والفعل ، في العقد والشرع ، في السياسة والحرب ، كان من ذلك ما أبان عن مواضع الظن المحتمل في دلالة الكتاب العزيز ، وتحجيم دور السنة حتم لازم في أي تجديد فكري عَلْمَانِيٍّ لَادِينِيٍّ يوافق معيار الحداثة فَثَابِتُهَا الرئيس قطع الصلة المعرفية مع التراث كله بذريعة التنقيح وإعادة القراءة لا على معيار ، فقد أهدرت معايير النقد للأخبار رواية ودراية واستحدث معيار جديد يحكم في النصوص بلا رائد صادق ، فليس إلا هوى الناظر الذي يُزَيِّفُ كل ما يخالف عن هواه ، سواء أكان هوى فكر ومذهب أم هوى سياسة ومنصب ، فإذا قطعت الجذور وصار التراث تَرِكَةً مقبوحة فَنَقْلُهُ باطل وعقله عاطل ، فلا ينتفع به لا لفظا ولا معنى فغايته أن يكون دورا تاريخيا من أدوار العقل البشري الذي ينظر في المستقبل دون التفات إلى ماض ، فكأنه إنسان بلا تاريخ ، وذلك يكافئ في الدلالة أنه إنسان بلا دين ولا لسان ، فالتاريخ هو ما تَرَاكَمَ من دلالات اللسان فهو مجموع المعاني التي تشكل المنطق الباطن وعنه يصدر المنطق الظاهر ، فظاهر اللسان يحكي باطن الجنان ، والتاريخ هو ما تراكم من القيم الدينية والأخلاقية ، من حلال وحرام ، من حسن وقبيح ، من صواب وخطأ على وجه يستجمع من الشرائع والأعراف ما به تصاغ هوية الإنسان فيمتاز من غيره بما له من إرث حضارة يخصه ، فلا يقبل وافدا من خارج يروم اقتلاع جذوره والسطو على نصوصه بما يمارس الآن من تنقيح للأخبار وتطوير للأفكار ! ، فتقحم قيم الحداثة الوافدة من حضارة بلا أصول راسخة فهي حضارة خاصمت تاريخها إذ لم يكن ثَمَّ من الإرث ما صح ونصح ، فتقحم هذه القيم في حضارة مصدرها الوحي ورائدها الإرث الفكري المسطور الذي جاوز النصوص إلى مدونات علوم تفسر فهي خادمة للنص المنزَّل كتابا يستغرق كتاب التشريع كله ، قرآنا وأخبارا ، وهي علوم ظهر فيها من إحكام الصنعة ما لا يوجب لأصحابها عصمة فالتفاسير والمدونات العلمية لم تخل من أقوال ضعيفة وآراء مرجوحة تستوجب التنقيح العلمي الذي يستند إلى معيار هذه الثقافة فيكون تجديدها بمعيارها لا بمعيار التنقيح الحداثي الذي يخاصم هذه الثقافة ابتداء فكيف يستعان به في تجديد أصولها ولا غاية له إلا هدمها واجتثاث أصولها ؟! ، وهل تقبل الحداثة أن يجدد الوحي أصولها فيكون معيارا يحكم نصوصها ؟! ، فهي تأنف من أي غزو ثقافي رسالي وإن في زي أو هيئة ، فضلا أن يكون ثم من الفكرة الرسالية ما ينقض أصولها العلمانية اللادينية ، فعندها من الأنفة والممانعة ما تحشد لأجله كل قُوَّةٍ ، إن فكرا أو سياسة أو حربا ، فهي تواجه أي وافد وإن سِلْمًا ، تواجهه بصرامة لا تعرف لينا أو تسامحا ، وإن أعطت فضاء حرية في القول فسقفه هو ما تنتحل من القيم والأفكار والتي توافق قيم الوحي في أحيان ، لا عن قصد وإنما لا يَعْدَمُ طريقان في الفكر مَوَاضِعَ اتِّفَاقٍ في الفروع وإن اختلفا في الأصول على وجه يستحيل معه الجمع إلا تلفيقا كالتلفيق الذي يحمل عنوان التجديد ، وهو الظاهرة الفكرية الأبرز في الشرق المسلم الذي نكب في هذه الحقبة من تاريخه بآحاد من طلاب الزعامة السياسية استعجلوا الرياسة ، فطموحهم الزائد قد جاوز قدراتهم الفكرية المتواضعة ، وهو ما جعلهم يلجئون إلى القوة الرئيسة في المركز التي تشكو ، أيضا ، من قيادة متواضعة الفكر والإدارة ، فكان من التعارف ما صدق الخبر : "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" ، وذلك ما ترجمته صفقات الفكر حربا على الإرهاب الإسلامي ، وصفات السياسة بَيْعًا للأرض وتطبيعا مع الخصم ، وتحويلا حادا لبوصلة المجتمع تجاه الحداثة استثمارا لرغبات جامحة يقتصر أكثرها على النخبة الحاكمة وما أحاط بها من نخب منتفِعة وأخرى مترَفة لسان حالها : (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) ، فهي مع ما يوافق أهواءها ويحقق لذاتها ، فثم الآن إغواء بطرائق التجديد الفكري وعمادها الرئيس الشبهات ، وثم ، أيضا ، إغراء بطرائق من التجديد الأخلاقي تَتَذَرَّعُ بالترفيه ولا تخلو من التأصيل ! ، فـ : "روحوا عن أنفسكم ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت" ، وهو حديث ضعيف فَلَعَلَّهُ يدخل أيضا في مشروع تَنْقِيَةِ السنة من الشوائب فلا يقتصر ذلك على شوائب الإرهاب والتطرف ! .

    فثم الآن مجموع مركب من إغواء وإغراء يستفز النخبة المترَفة التي تَمْلِكُ من أدوات القوة المادية والمعنوية ما يجعل كلمتها نافذة وإن كانت أقلية في العدد فَهِيَ أَغْلَبِيَّةٌ في مجالس التشريع والسياسة والحرب ، في أنظمة حكم نجح الاحتلال في صناعتها على قاعدة نخبوية تميل ، كما يقول بعض الباحثين ، أن تَتَعَامَلَ مع سلطة مركزية واحدة تَسْتَأْثِرُ بالقرار والثروة فذلك خير أن تَتَعَامَلَ مع مجتمع كامل بكل ما فيه من وجوه اختلاف في أطياف الفكر والسياسة ، وإن خالف ذلك عن قيم المركز العلمانية ، فو يَنْتَحِلُ الطرح الديمقراطي الذي يُشْرِكُ العامة في الاختيار وصناعة القرار ، ولو في الظاهر ، فلا يخلو من توجيهِ نخبةِ ثروةٍ وإعلامٍ تملك أدوات فاعلة لصناعة عقول جامعة توافق ما تهوى النخبة فتختارها العامة طوعا ، فكان في الشرق من معادلة السياسة ما خالف عنها في المركز ، فهي في المركز لا مركزية تفسح فضاء الحريات العامة ولو بقدر ما يحقق مصالح النخبة الماكرة التي اختارت طرق التفاوض السلمية مع الشعب ! ، وفي الشرق مركزية شديدة المركزية تُضَيِّقُ فضاء الحريات ما استطاعت فقد اختارت طريق الحرب مع الشعب الذي تخاصمه الهوية والثقافة وإن نسبت إليه نسبة العرق لا أكثر ، فكان من ريح التجديد الحداثي ريح عقيم اجتاحت عواصم العلم والفكر في الشرق بما فيها العواصم المحافظة التي ينظر إليها أتباع الرسالة أنها آخر القلاع الفكرية بما تحملته من التركة الإصلاحية التجديدية في الجزيرة العربية ولها ما لها وعليها ما عليها لا سيما في التأويل الذي لم يسلم من تجاوز في الأسماء والأحكام الشرعية والسياسية ، ولكن التأصيل في الجملة تأصيل صحيح نافع ، حفظ بَيْضَةَ الدينِ ، لا سيما مسائل الاعتقاد ، فحرر مناط الولاء والبراء وأعطى الإيمان حقه من الحد وأبان عن نواقضه من القول والعمل فكان ذلك نفس تأصيل جديد في محيط غلب عليه الإرجاء والتصوف ، ولم يخل كأي رد فعل لانحراف ، لم يخل من تجاوز للحد في مواضع لم تبلغ به ما يزعم خصومه من جناية الخروج ، لا سيما وأكثر أخطائه في التأويل لا التأصيل ، فتلك دعوة شكلت جزءا رئيسا من الترسانة الفكرية المعاصرة أمام التيارات الفكرية الوافدة ، والجديد في التجديد أنه نجح هذه المرة أن يخترق هذه الترسانة جهرا فقد كان الاختراق سابقا سرا ينفذ على استحياء ، حتى آنس فرصة الظهور مع ما كان في السياسة والحرب من طموح بلغ حد التهور وانعدام الخبرة السياسية ، ولو براجماتية ، لا تقيم للمبادئ والأخلاق وزنا ، فهو أمر جاوز كل معيار سواء أكان معيار دين أم دنيا ، ولكنه ساهم في تسارع وتيرة التجديد على وجه يَنْتَزِعُ مادة الغيرة الدينية من القلوب ، فهو يحسم ملف الولاء والبراء إلى الأبد ، وهو أمر يخالف عن دعوة الإصلاح التي شكلت مرجعية فكر لنظام حكم ، ولو نحلة براجماتية أحسنت استثمار هذا الإرث الفكري في تحقيق مآرب سياسية ، فهي قوة ناعمة أكسبت نظام الحكم أسبقية روحية ولها دور فاعل في أي نظام ، ولو علمانيا لادينيا ، فلا بد من تأصيل أخلاقي للفعل السياسي فكيف إن كان التأصيل دينيا ينتسب إلى الوحي ، ولو اسما ، فذلك ما يكسبه شرعية أرسخ في النفوس ، فالاختراق الأبرز في هذا المشهد هو نجاح المعسكر العلماني الحداثي في ضم هذا اللاعب الرئيس في صياغة العقل الجمعي الفكري لهذه البقعة من الأرض التي اخْتَصَّتْهَا السماء برسالة الوحي ، وفي المقابل ظهر استقطاب آخر في فارس فدعاية المذهب قد بلغت الغاية في السنوات الأخيرة ، فتخلت فارس عن قدر كبير من تَقِيَّتِهَا السياسية ، وفتحت جبهات حرب عدة على وجه أثقل الدولة بأعباء طموح جارف قد يجاوز في أحيان قدرات المجتمع ، كما ظهر في الاحتجاجات الأخيرة وهي مشهد آخر من المشاهد السياسية المركبة التي ترجع لروافد عدة فلا يمكن اختزالها في حكم واحد فلا يقال إنها احتقان شعبي جراء السياسات الاقتصادية الفاشلة استغل فرصة إقرار الميزانية الجديدة المثقلة بالضرائب وزيادات الأسعار ، استغل هذه الفرصة ليحتج على سوء الأوضاع وهو ما تجاوز الشأن الاقتصادي إلى الشأن السياسي احتجاجا على مغامرات الولي الفقيه في الإقليم ، فذلك وجه ، ولكنه لا يفسر التظاهر والتضاهر المضاد ، فهو يحكي انقساما آخر في النخبة السياسية الإيرانية فأجنحة السلطة تَتَبَادَلُ الرسائل السياسة والشارع كالعادة هو ساعي البريد ! ، مع تحفز الأجهزة الأمنية فهي أداة القمع الرئيسة في هذا المشهد الديمقراطي ! ، ودعاية تشبه الدعاية المصرية ! فالمخابرات البريطانية والأمريكية والموساد وقوى الشر في الداخل وقوى الرجعية في الإقليم والعالم كله يتآمر على نظرية الولي الفقيه ! ، كما أنه يتآمر على نظرية الولي السفيه في مصر ، فهي حروب الجيل السابع والثامن والتاسع وإصداراتها الجديدة لا تكاد تنتهي ! .

    فكان من الاستقطاب الفكري المذهبي ما زاد المشهد إثارة ، فتجديد في الفكر السني لقمع الإرهاب والتطرف الإسلامي ، وجرعة مذهب زائدة في فارس تسهم بشكل رئيس في استقطاب آخر ينشأ ضرورة من استقطاب العقول ، فثم استقطاب سياسة وحرب في تحالفات جديدة تنشأ ، فالتحالف السني العلماني الحداثي الذي يحركه المركز وهو تحالف أزرى بعاصمة رئيسة من عواصم الحضارة في الشرق وهي القاهرة ذات الأداء السياسي المتواضع فهي الآن في كل حلف تابع ، ولو حلف شر آثم ! ، بل قد انتهت بها الحال أن صارت تابع التابع فلا تملك من أوراق السياسة ما يجعلها تابعا ! ، فضلا أن تكون رائدا ! ، وهو تحالف أهوج وذلك ما يريد المركز ، فإن التحكم في أي منطقة متوترة طبقا لنظرية هنري كسينجر ، نظرية الصراعات منخفضة الحدة التي يديرها المركز فلا يسعى في إنهائها ، بل يديرها إدارة المستثمر الذي يروم أكبر قدر من الأرباح بأقل قدر من الخسائر فلا يغامر بالاقتحام لا سيما بعد خسائره في صفقة العراق وبلاد الأفغان ، فإعادة تشكيل المنطقة لا بد أن تَتِمَّ بأيد محلية ، فأهل المنطقة أدرى بشعابها ! ، فالتحكم في أي منطقة متوترة طبقا للنظرية آنفة الذكر يجعل الاستقطاب الفكري حتما لازما وبعده ينشأ الاستقطاب السياسي الذي يفتقر إلى مُغَامِرِينَ أو مُقَامِرِينَ سياسيين لهم من طموح الرياسة ما يجاوز قدراتهم المتواضعة فأولئك خير من يُوَظِّفُ المركز في هذه الصراعات ، فجرعة التحديث العلماني في الحلف السني جرعة مكثفة تَرُومُ استئصال الداء الإسلامي ، وهو ، في نفس الآن ! ، يشكو من تعصب مذهبي على أساس ديني ! ، فهو السني في مقابل الشيعي ، مع أنه علماني ، فثم توظيف ماكر يستدعي الهوية الدينية في الصراع السياسي والعسكري ، ويستدعي الهوية العلمانية في الصراع الفكري مع الإرهاب الإسلامي ! ، ولكل ميدانٍ سلاحه الفاعل .
    وإيران دولة تجيد الانتقال من موضع إلى آخر طبقا لمصالحها ، فحلفها الآن في الجملة حلف غير مستقر ، فسيطرتها على العراق غير مكتملة لا سيما مع تحفز الأكراد ضد حكومة بغداد ولهم قوة فاعلة على الأرض فضلا عن التنظيمات الجهادية التي أجهدت الحكومة المركزية ، مع ما يكتنف نشأتها وظهورها المفاجئ ثم اختفاءها من أسرار فلا تخلو من اختراقات نوعية من أطراف كثيرة تختلف أهدافها بل وتتناقض وإن كانت في أحيان تتقاطع فيكون التنظيم نقطة الالتقاء ، فالتنظيمات السنية المسلحة قد أجهدت حكومة بغداد ذات النفس الطائفي ، وهو ما قد يفسر ، بادي الرأي ، أنه خصم من رصيد إيران ، إذ أُنْهِكَتْ حليفتُها بغداد ، وقد يفسره آخر أنه تركيع لحكومة بغداد وإن كانت شيعية فليس ولاؤها كاملا للولي الفقيه فلا بد من تأديبها بالتعاون مع التنظيمات الجهادية السنية ! ، والمشهد في الشام ، أيضا ، يشهد باختراق ظهر في التنسيق بين النظام ومن وراءه إيران والتنظيمات الجهادية لا سيما في الشرق المحاذي لحدود العراق ، مع دخول أطراف أخرى تسعى في اقتسام البلاد فنصفها الآن ، كما يقول بعض المحللين ، لروسيا ومن ورائها إيران التي حذت حذو موسكو في إنشاء قاعدة عسكرية في أجوار دمشق فذلك وجه آخر من وجوه الاحتلال طويل الأجل مع ما تقدمه من احتلال ديموجرافي وغزو ثقافي إيراني يروم التلاعب بالتركيبة السكانية في قلب البلاد ، دمشق وأجوارها ، وربعها في الشمال لتركيا ، وربع ثان في الشرق والشمال الشرقي لأمريكا وحلفائها من الأكراد ، والأمر مركب يحتمل وجوها كثيرة ، فظاهرة كظاهرة التنظيمات الجهادية لا يمكن اختزالها ، أيضا ، في حكم واحد بسيط يَتَّسِمُ بالسطحية فإما خير كله وإما شر كله ، دون إنصاف في الخصومة مع عدل في الحكومة يفند أجزاء الصورة المركبة وهو أمر لا يجيده من يحتكر النجاح فوحده صاحب الحق المطلق في أمر ذي وجوه عدة ، فليس أمر مفاصلة لا يقبل الاجتهاد ، فيجد الناظر ، على سبيل المثال ، من تعاطي بعض العقول التركية مع الظواهر الإسلامية التي تخالف عنها ، وهي ظاهرة حققت نجاحا لا يمكن إنكاره لا سيما في الجانب السياسي والاقتصادي فهي الآن رأس تحالف ثالث ! ، بين التحالف الإيراني والتحالف السني الأهوج ، فهي تحتكر ، ولو لسانَ حالٍ ، تحتكر وصف التحالف السني المعتدل الذي يروم اجتذاب العناصر المتذمرة في التحالف الأهوج الذي بدأ يفقد أعضاءه بما يمارسه من صلف ، فقيادته الشابة ! تضغط على بقية الأعضاء بالمال تارة وبالعمل الاستخباراتي أخرى ، كما نقلت بعض الصحف الغربية عن ضربة استباقية لمحاولة انقلابية في الأردن خططت لها داوئر قريبة الصلة بالقصر لها مناصب رفيعة في الجيش بعد تذمر القيادة الأردنية من تحييدها في مشهد التسوية النهائية الذي يرفع سقف التنازل على وجه لا تطيقه القيادات الكلاسيكية القديمة ، كالقيادة الأردنية والفلسطينية ، فلا تطيقه إلا قيادات ثورية كالقيادات الجديدة في الخليج ومصر ! ، فسقف التنازل لا حد له ، وهو ما تحسن تركيا استثماره إذ لا تنساق في الدعاية السياسة الطائفية التي يروجها الحلف السني الأهوج ، فلا تريد أنقرة حربا طائفية مع طهران ، مع ما بينهما من عداء تاريخي مستحكم ، وحذر وترقب سياسي حالي وإن لم يَحُلْ دون علائق اقتصادية وثيقة ، فهي ثابت رئيس من ثوابت التجربة التركية فنجاحها الأبرز كان ابتداء في ملف الاقتصاد ، كما يظهر على سبيل المثال في علائقها الاقتصادية المزدهرة مع مصر الآن فهي خامس دولة أوروبية تستثمر في مصر على وجه تصرح به الدولة المصرية الحالية فذلك أمر يتم بإشراف مباشر من جهات سيادية تذلل الصعاب لأي تبادل تجاري بين البلدين مع ما بينهما من خلاف سياسي حاد ، وهو ما نجحت تركيا في تجاوزه مع خصوم كثر ، سواء أكانوا دونها في القوة كالنظام الحاكم الآن في مصر ، أم كانوا في رُتْبَتِهَا كنظام الولي الفقيه في طهران أم كانوا أقوى منها كما في تعاطيها مع روسيا فلا زالت روسيا حتى الآن اللاعب الإقليمي الأبرز في المنطقة وقد نجحت تركيا في إقامة علاقات متوازنة معها لا سيما بعد اجتيازها أزمة الطائرة الروسية وهو ما تُوِّجَ في الصفقة الأخيرة ، صفقة منظومة الصواريخ إس 400 والتي خرجت بها تركيا عن معيار التسليح في الحلف الأطلنطي مع احتفاظها بحق التصنيع والتطوير لا مجرد الشراء والتخزين أو الاستخدام الأهوج كما هي الحال في اليمن أو شراء الدعم السياسي كما هي الحال في مصر ، فتلك الصفقة تدل على سعي تركيا في تحييد الخصم الروسي وإن كان الصراع بينهما حتما لازما ففي لحظة معينة لا بد من تعارض المصالح بين المحور الروسي الذي يجمع لاعبين كثير منهم الرئيسي كتركيا وإيران والهامشي كالأنظمة في الخليج والقاهرة ودمشق والخرطوم مع سعي دمشق في تواجد عسكري روسي دائم كالتواجد الإيراني وإن كان التواجد الروسي أقوى ، وسعي القاهرة إلى تواجد آخر في الساحل الشمالي والشمالي الغربي فهو قاعدة انطلاق للتدخل في الشأن الليبي ، وذلك ما أثار قلق أمريكا ومن ورائها الحلف الأطلنطي على ما بين أمريكا وأعضاء الحلف الآن من خلاف ولكن الشدائد تذهب الأحقاد ومن ثوابت الحلف الأطلنطي ألا يكون لروسيا مَوْطِئُ قدم في البحر الأبيض المتوسط ، الحد الجنوبي لأوروبا فضلا عن تواجد قيادة الأسطول الأمريكي السادس في نفس المنطقة ، فكان سعي النظام في مصر إلى التقارب مع موسكو باتفاقيات تسمح للطيران الروسي أن يستعمل المطارات المصرية وإن احتفظ بهامش يَرْعَى خاطر أمريكا فلا يشمل عمليات الإنذار المبكر أو التجسس ولا يشمل حمل مواد خطرة وكأن الطائرات الروسية ستحمل ألعابا نارية ! ، وكان سعي الخرطوم أخيرا إلى التقارب العسكري مع روسيا في ظل توجس الجميع من القيادة الأمريكية الحالية فلا يَأْمَنُ جانبَها إلا سفيه يُلْقِي بَيْضَهُ كله في سلتها أو ضعيف لا يملك من أوراق التفاوض والمناورة ما يجعله خصما وإن لم يكن ندا كما هي حال روسيا وإيران وتركيا فهم خصوم لأمريكا وإن لم يبلغوا أن يكونوا أندادا لها وقد يحصل بمجموعهم إذا اتحدوا ما لا يحصل بأفرادهم لا سيما إن نجحوا في استقطاب الصين وباكستان والهند وإن كانت الهند الآن أقرب إلى أمريكا ، وهو أمر لا يخلو من تضارب في المصالح والغايات فلكلٍّ مشروعه وهو ما يجعل الهدنة المؤقتة ذات الطابع الاقتصادي ، بين أنقرة وموسكو من وجه ، وأنقرة وطهران من آخر ، مما يجعلها محل نظر وإن اقتضت الحكمة الآن الاجتماع ضد الحلف السني العلماني الذي تقوده أمريكا ، مجددة الإسلام في هذا العصر وواضعة المعيار الجديد لعملية التحديث والتنقيح لنصوص الوحي ! ، فالحكمة تقضي أن تخفف أنقرة من عداواتها ما استطاعت لا سيما وهي لاعب اقتصادي قوي في المنطقة فالاقتصاد يصنع في أحيان ما لا تصنعه السياسة كما هي الحال في علائقها بمصر الآن ، فلم تقحم تركيا نفسها في مغامرات سياسية إقليمية كما هي حال الدولة الإيرانية ، وإنما تَوَافَرَ لها من الزمن ما أثمر نجاحَ اقتصادٍ مع تغيير طفيف في المزاج العلماني الذي لا زال يهيمن على المجتمع وقطاعات فاعلة في الدولة كالجيش الذي لم يُخْفِ تَذَمُّرَهُ من جذور التجربة السياسية الإسلامية وإن باهتة وهو ما ترجمه في محاولة الانقلاب في يوليو 2016 ، وإن كانت تلك ، أيضا ، صورة مركبة لا يمكن اختزالها في هذا السبب ، فهو السبب المعلن الذي صدر به الانقلاب بَيَانَهُ فحركته حركة تصحيح للمسار الديمقراطي ذي الطابع العلماني ، فلم يخل الأمر من تدخل خارجي دولي وإقليمي لتحييد تركيا آخر قوة سنية في المنطقة بعد القضاء على بغداد ودمشق والقاهرة ، فكان من حسن السياسة أن نأت القيادة التركية الحالية بنفسها عن أي صراع في دول الجوار إلا ما اضطرت إليه كما هي الحال في بلاد الشام وإن لم تَتَهَوَّرْ تَهَوُّرَ إيران التي رأت في انهيار النظام في دمشق انهيارا لضلع رئيس من مشروعها السياسي ، وكان من حسن التقدير أن وجدت القيادة التركية فسحة زمن ، فإن أي مشروع إصلاح ، سواء أكان فكريا أم ماديا ، لا بد له من زمن ، فالزمن ، كما يقول بعض المفكرين ، هو العنصر الثالث من عناصر الحضارة بعد الإنسان والتراب ، فالإنسان هو الفاعل المباشر والتراب هو الثروات والموارد التي يحسن إدارتها ولا بد له من زمن حتى تظهر ثمرتها ، وهو أمر يراه الناظر ، أيضا ، في تجربة أخرى بعيدة عن بؤرة الصراع في الشرق الأوسط ، ولعل ذلك ما أعطاها الفرصة أن تَكْبُرَ وَتُزْهِرَ ثُمَّ تُثْمِرَ ، وهي التجربة الماليزية في الشرق الأقصى فإن بعدها عن بؤرة الصراع قد حجب عنها الأنظار ، ولو جزئيا فلم تسلم من التآمر كما كان في انهيار اقتصادها واقتصاد النمور الآسيوية في 1997 ، وإن نجحت في استعادة عافيتها بعد ذلك بفترة وجيزة ، فثم زمن طويل من 1981 وإلى الآن فعنصر الزمان قد توافر لها حتى حققت من الإنجاز ما لا يجحد ، وهو ما يراه الناظر الآن من رخاء العيش في ماليزيا وهو ما ينعكس على الحال الاجتماعية الأخلاقية والدينية ، فاستقرار النظام السياسي والاقتصادي يؤثر في أخلاق الناس وطبائعهم ، فهو عامل مؤثر وإن لم يكن العامل الأول ، وذلك محل خلاف رئيس مع التجارب التي عنيت بالجانب الاقتصادي كالتجربة الماليزية والتجربة التركية فإنها ، كما تقدم ، ولو لسان حال لا يخلو من تصريح يبلغ في أحيان حد التمجيد والثناء على النفس بما يزيد عن الحد أو الغلو في المدح من قوى إسلامية سياسية ترى في أنقرة وكوالالمبور سقف الحضارة والتاريخ ! ، فهي المثال القياسي للدين الإسلامي ، وذلك ، بداهة ، غلو قد اعتاده الناظر في خطاب هذه التيارات الذي يَتَّسِمُ في أحيان كثيرة بِقَدْرٍ كبير من المراهقة والسذاجة فغلو في المدح وآخر في الذم ، فهي الآن تمارس هذه الوظيفة الإعلامية على وجه جعلها تَتَحَوَّلُ شعرت أو لم تشعر إلى ذراع إعلامي للحلف التركي وإن كانت في الجملة أصدق وأحسن أداء من الذراع الإعلامي للتحالف السني الأهوج فلا وجه للمقارنة وإن كان كلاهما ذراعا أو مجموعا وظيفيا لا يملك مشروعا مستقلا ولا يطيق الخروج عن سياسة تحرير تلائم أهداف الحلف الذي تَنْتَمِي إليه ، فالمدح في أحيان يجاوز الحد ، حتى يظن الظان أن تُرْكِيَا العلمانية ، باعتراف الرئيس مع كونه ذا فضل وسبق وهو رجل ذكي يدرك حجم قدراته فلا يغامر بتحميل المجتمع ما لا يطيق ولعله في ذلك ، مع القدر الفارق بداهة ، لعله يَتَأَوَّلُ قول الأشج العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه لا يريد حمل الناس على الحق جملة لئلا يتركوه جملة ، فطموحه قد يزيد على قدرات المجتمع وذلك ما يجعله يُبَطِّئُ من خطواته لئلا يسبق المجتمع الذي لا يطيق ما يريد الزعيم فيكون الصدام حتما لازما بين الدولة والقيادة إذ لا تطيق الدولة العميقة أي مشروع يفوق قدراتها التي يغلب عليها التواضع وقصر النظر وانعدام الطموح إلا حفظ مصالحها الخاصة فلا تتحرك إلا في دائرتها الضيقة فإذا جاء زعيم أو رئيس طموحه أكبر منها فإما أن يحملها كرها كما هي الحال في إيران فمعه قوة النار التي ترغم الناس على السير في طريقه ولو تحت تهديد السلاح ، وإما أن تحمله هي كرها وإن عزلته أو سجنته أو قتلته كما هي الحال في مصر فالرئيس السابق مع التحفظ الكبير أنه كان رئيسا ولو اسما فلم يكن له من الرياسة ولو حشمتها إلا أنه يمثل حالة فكرية وأخلاقية متقدمة لم تطق الدولة في مصر مع إرثها المتراكم من الضعف والتبعية وضآلة الطموح وتقزم القيادة ، لم تطق احتمال هذه الحال الفكرية والأخلاقية المتقدمة فإما أن يقهرها إن امتلك قوة ولم يكن له منها شيء ، وإما أن تقهره كما صنعت ، وإما أن يكون الحل الثالث الذي اختاره رئيس تركيا مع التحفظ حال النظر في التفاصيل إلا أنه كسياسي بارع أدرك أنه يجب أن يسير بالمجتمع بخطى هادئة لا تُثِيرُ الاستفزاز ولا تُحَمِّلُ المجتمع ما لا يطيق فالضعيف أمير الركب ، وهو ما أثار إعجاب كثير من المتحمسين للتجربة التركية على وجه وقع فيه من المبالغة ما لا يخفى حتى ظَنَّ الظان أن هذا الكيان العلماني هو الكيان الإسلامي القياسي وذلك وجه آخر دقيق تَزِلُّ فيه أقدام كثيرة لا سيما مع غياب مشروع إسلامي سني قياسي فإذا قارن بين الحلف التركي والحلف السني الأهوج لم يجد بداهة خيارا إلا ترجيح الحلف التركي مع أنه حتى الآن ! ، علماني فإذا كُسِيَتْ هذه العلمانية لحاء إسلاميا فَتَرَسَّخَ في الأذهان أن هذا هو الإسلام الذي نَزَلَ على قلب الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتلك مصيبة عظمى ! ، فغاية التجربة أن يشيد المنصف بنجاحها في الاقتصاد والانفتاح السياسي وإطلاق الحريات السياسية وتحقيق توازن اجتماعي ينعكس ضرورة على أخلاق المجتمع فذلك ، كما تقدم ، أمر يطرد وينعكس ، كما يرى الناظر الآن ، على سبيل المثال في مصر ، فسوء الأخلاق وانهيار القيم وانحطاط الألفاظ أمر غالب مع انهيار المنظومة الاجتماعية والاقتصادية فضلا عن المنظومة الدينية لا سيما مع غياب السلطة التنفيذية التي تقاعست عن أداء دورها في حماية المجتمع وصار شغلها الشاغل الآن تجديد الإسلام بحذف نصوصه وتحريف معانيه في إطار علماني ضد ديني شديد التطرف ، ومكافحة الإرهاب بكل قوة غاشمة وأبرز أمثلته ما وقع يوم الجمعة في حادث حلوان فظهر من كفاءة هذه القوة الغاشمة ما استحق رجالاته التكريم أَنْ فَرُّوا وَاخْتَبَئُوا ! ، وترسيخ أقدام النظام الحاكم ، فهذا دور الدولة الآن باختصار في مصر ، فغاية الأمر أن يشيد المنصِف بوجوه النجاح في التجربة التركية ، الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع نجاحها في التعاطي مع ملف شائك كملف الحرب الدائرة الآن في بلاد الشام ، فلم تغص قدمها في هذا المستنقع كما غاصت قدم طهران فقد كان حماسها أعظم فكانت خسائرها أكبر لا سيما مع تعدد جبهاتها الخارجية على وجه لا تحتمله جَبْهَتُهَا الداخلية ، وذلك فارق رئيس بين تجربة إيران وتجربة تركيا ، فتجربة إيران الخارجية لا تحتملها الجبهة الداخلية ولولا وجود نخبة تؤمن بنظرية الولي الفقيه قد احتكرت القوة المسلحة ولها من النفوذ ما يجاوز كل مؤسسات الدولة والمجتمع ، من مؤسسة الرياسة نفسها إلى أصغر بلدية ، فلولا هذه القبضة الحديدية ما استطاعت حمل المجتمع على مشروعها السياسي الخارجي ذي البعد الأيديولوجي ، فليس كل الشعب الإيراني شيعة ، وليس كل الشعب الإيراني فارسيا يوظف المذهب في طلب الثأر التاريخي من الجنس العربي الفاتح ، بل وليس كل الشيعة والفرس يؤمنون بنظرية ولاية الفقيه ابتداء ، وأما تجربة تركيا فلا تخلو من انقسام سياسي يظهر في الانتخابات وآخرها الاستفتاء على انتقال الدولة من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي ، وهو انقسام يأرز ، أيضا ، إلى انقسام أيديولوجي ، إسلامي علماني ، ومع ذلك فالتجربة قد نجحت في جمع المختلفين على قواسم مشتركة هي الاقتصاد والحريات العامة على وجه يَنْتَفِعُ به أهل الحق انتفاعا لا يجحده الناظر ، ولكنه ، كما تقدم ، ليس صورة الدين المثلى ، فما تمارسه بعض المنابر الإعلامية التي تنتسب إلى الإسلام السياسي من تمجيد للتجربة التركية على وجه يبلغ في أحيان حد التكلف وعدم الموضوعية مع انتقاد للتجارب الأخرى ، لا سيما التجربة الجهادية ، مع التسليم بكل ما وقعت فيه من أخطاء ولا تزال ، لا سيما مع سيولتها الفكرية والميدانية وهو ما جعلها هدفا رخوا لأي اختراق فكري أو استخباراتي مع قابليتها في أحيان كثيرة أن تنتحل مذاهب غالية في الأسماء والأحكام وإن لم تبلغ بها أن تلحق بالخوارج كما يردد خصومها سواء أكانوا من العلمانيين فهم قد يجاوزون ذلك إلى تكفيرها مع زعمهم أنهم يحاربون فكر التكفير ! ، أم كانوا من الإسلاميين لا سيما أتباع الإسلام السياسي فبينهم وبين التيار الجهادي عداوة لا تخطئها العين ، ولو في الْأَسْرِ فضلا عن الخارج في الساحات المفتوحة ، الإعلامية أو السياسية أو القتالية ، فَثَمَّ خصومة كبيرة تَفْتَقِرُ إلى التجرد والإنصاف من كلا الفريقين ، فيرى الناظر ، كما تقدم ، تحكما في تعاطي هذه المنابر الإعلامية الإسلامية السياسية مع الظاهرة الجهادية في إطار ما تقدم من نظرية احتكار الحق في مشهد مركب ، فالظاهرة الإسلامية المعاصرة ليست طيفا واحدا على وجه يمكن اختزال الحكم عليه في كلمة واحدة صواب مطلق أو خطأ مطلق فتلك سطحية تدل على نقص شديد في استقراء الأحداث ، فلا يحصل به صورة استدلال كاملة تفضي بصاحبها إلى حكم عادل فلا يكون التجاوز وعدم الإنصاف إلا بالاستقراء الناقص مع أحكام مسبَّقَةٍ على الخصم ، لا سيما إن دخلها حظ النفس في صراع على رياسة فكرية أو سياسية ، وهو ، ما يلمحه الناظر في خطاب هذه المنابر فهي ، في أحيان كثيرة ، تُرْكِيَّةٌ أكثر من تركيا ! ، فتكيل المدح والثناء على وجه قد يفضي إلى نفور المشاهد فلا يقبل مع معها من حق إن لم ينصف هو الآخر في الحكم فَيُقَلِّبَ النظر في الكلام كله ولا يتحكم في قبول ما يرضيه ورد ما يسخطه وذلك أمر عزيز المنال وإن سهل النطق به لفظا أو سطرا ، ويكون من التحكم في احتكار الحق ما يدل على ضيق الأفق وسوء الفهم ، فمثلهم كمثل من أنشأ تجارة ناجحة فلا يرى النجاح إلا فيها مع أن النجاح قد يحصل من تجارات أخرى بل وحرف أخرى غير التجارة ، وأقل الناس رحمة وأشدهم تحكما وإنكارا على من لا يوافقهم هم أقل الناس علما بوجوه الخلاف ، لا سيما في مسائل من الفروع تقبل الاجتهاد فيكون تحجير الواسع أن يحتكر ناظرٌ الحقَّ كله ثم يرمي الخصم ، تصريحا أو تلميحا ، فليس ثم معتدل إلا هو ومن سواه فمتشدد ، وليس ثم ناجح إلا هو ومن سواه ففاشل في هضم صريح للخصم فقد يكون له من الفضل أو السبق ما يستحق الإشادة دون أن يكون ذلك باعثا على غلو في الطرف الآخر مدحا مطلقا في مقابل ذم مطلق ، والحق ، كما تقدم مرارا ، فضيلة بين رذيلتين ، بين الغلو والجفاء ، وذلك ما يلمسه الناظر ، أيضا ، في خطاب هذه المنابر مدحا آخر يكال كيلا لِقُطْرٍ خليجي حقق هو الآخر نجاحا اقتصاديا وسياسيا لا سيما في أزمة الحصار الأخيرة ، مع أنه كيان وظيفي كبقية الكيانات فضلا عن دوره التابع إن في الحلف الأمريكي ضد الإرهاب وهو لا يخفي ذلك بل يفخر به في كل محفل فأرضه محل لأكبر قاعدة أمريكية خارج أمريكا ! ، في إطار النظرية الأمريكية العسكرية التي وضعت استراتيجية القواعد العسكرية المحيطة بالشرق الأوسط مع تحقيق أكبر نفوذ ممكن في المحيط الهندي ، وتلك جناية لم تسلم دولة في المنطقة أن تشارك فيها ، فمن قاعدة دييغو جارسيا جنوب المحيط الهندي إلى قواعد في الخليج في الجفير والعديد وجبل علي والظفرة ومصيرة وصلالة والسيب وتومرت وعريجان وسائر القواعد العسكرية شرق الخليج العربي وشماله وأخرى في الجزيرة العربية بل تمتد شمالا حتى تركيا نفسها ، ففيها القاعدة الأشهر قاعدة إنجرليك التي شاركت في محاولة الانقلاب الأخيرة ! ، مع تخطيط أمريكي لإنشاء قواعد بديلة في مناطق نفوذ الأكراد ، حلفاء أمريكا ، في شمال شرقي سورية ، فذلك الحد الشرقي ، وأما الغربي فثم قواعد أمريكية في البحر الأحمر بعضها معلن والآخر سري ، كما هي الحال في مصر ، فثم قواعد معلنة كقاعدة القاهرة الغربية وثم أخرى سرية كقاعدة سفاجا ، وثم قاعدة أخرى في جيبوتي ، فذلك الحد الغربي الذي يتصل بالبحر الأبيض ، فَثَمَّ الأسطول السادس في نابولي في إيطاليا طبقا للنظرية الأطلنطية آنفة الذكر والتي تقضي ، كما ينوه بعض المحللين ، بِمَنْعِ أي تمدد روسي في هذا الحد الجنوبي لأوروبا ، وبذا أحكمت أمريكا ، كما يقول بعض المحققين ، أحكمت السيطرة على المجاري المائية في المنطقة حدودا كالبحر الأبيض والمحيط الهندي أو أحشاء كالخليج العربي والبحر الأحمر ، فالجميع لا ينكر ذلك على وجه يجعل السيادة المطلقة دعوى باطلة ، فلا يحسن في مقام كهذا الإفراط في الثناء على وجه لا يسلم من النقد ، بل إن خطاب هذه المنابر الإعلامية آنفة الذكر ينبز المجموعات الوظيفية في الخليج أنها بلا تاريخ وأنها شطايا جغرافية وديموجرافية مع أن الكيان الآخر ، وهو المحاصَر الآن ، لا يخلو من نفس الوصف مع افتقاره إلى معيار سياسي محكم فلم يخل ، أيضا ، من انقلابات وصراعات على إمارة مطلقة الصلاحيات تظهر فيها آثار الاستبداد وإن كان عادلا نافعا في أحيان ، مع افتقاره إلى أدوات الدولة المستقلة فلولا الدعم التركي في أزمة الحصار الأخيرة مع التقارب الإيراني الذي يجيد الاصطياد في الماء العكر والمسارعة في خطب ود الدوائر السياسية الأمريكية والتوكيد على دور البلاد في مكافحة التطرف والإرهاب والاستثمارات الكبيرة في عواصم عديدة من عواصم صنع القرار ، لولا ذلك ما صمدت في مواجهة الحصار الجائر ، فلا بد من اقتصاد في المدح والذم لا سيما والمشهد مركب مُعَقَّدٌ لا يخلو فيه طَرَفٌ من نَقْدِ جَلَّ أو دَقَّ .

    والأمر كما تقدم يمكن اختزاله في أربعة محاور :

    المحور الإيراني وتحالفاته الآن غير مستقرة ، ففي العراق لا تخضع الحكومة الحالية وهي طائفية بامتياز بل هي من حزب تابع لإيران ، وهو حزب الدعوة ، لا تخضع مع ذلك لنفوذ طهران الكامل فَثَمَّ مكوِّنَاتٌ في البيت الشيعي العراقي هي أقرب إلى طهران وأعظم ولاء ، وحليفها في دمشق ضعيف لا سيما مع سيطرة موسكو عليه فهي أقوى لاعب في بلاد الشام الآن في إطار سياسة تقاسم النفوذ فهي رأس حلف تدخل فيه طهران ، وإن كانت هي ، أيضا ، رأس حلف دونه يضم العراق ونظام دمشق وضاحية بيروت الجنوبية وما دونها وشمال اليمن مع تواجد مجموعات وظيفية نائمة في الخليج ، وقاعدة عسكرية في البحر الأحمر في ميناء عصب في إريتريا وهو الآن محل تنافس كبير بين قوى كثيرة إن في الإقليم أو في العالم ، مع تقارب طفيف بين طهران والخرطوم مع أن الخرطوم الآن أقرب بكثير إلى أنقرة ، فهي ، أيضا ، من العناصر التي نجحت تركيا في استمالتها فلا يخفى ما بَيْنَهَا وَبَيْنَ الحلف الخليجي المصري من فتور شديد مع تسرب أنباء عن محاولة انقلاب على النظام دبرها الخليج كالعادة ! ، فهي الآن تسعى في سحب قواتها من التحالف الذي يقاتل في اليمن ، مع ما تَكَشَّفَ من دور هذه القوات في تحجيم مكوِّنٍ بعينه في القوات التابعة للتحالف ! على خلفية الصراع الأيديولوجي بين أنظمة الحكم الخليجية وتيارات الإسلام السياسية ، وهو أمر لو صح فهو يُثِيرُ الاستغراب لا سيما مع التقارب الأيديولوجي بين نظام الخرطوم وذلك المكوِّن الذي حاصره في اليمن فهما من مدرسة فكرية واحدة ، على تفاوت وإجمال ، ولا تفسير لذلك إلا براجماتية السياسة التي تجاوز في أحيان كثيرة سقف المبادئ فسقف المصالح أعلى ، وهو ، أيضا ، أمر لم يسلم منه المكون الإسلامي السياسي في اليمن فجلس مع خصوم الإسلام السياسي في المنطقة كلها لا سيما في مصر ، فجلس معهم في مناورة جديدة ليست بِغَرِيبَةٍ فذلك مسلك الإسلام السياسي في أحيان كثيرة ، فسارع بالاجتماع معهم في إطار صفقة جديدة بعد مقتل الرئيس الراحل ، فالإسلام السياسي طرف قوي على الأرض فلا مانع من الجلوس معه ثم توظيفه بعيدا عن بقية المكوِّنات ثم التخلص منه بعد أداء المهمة ! ، ويكاد ذلك يكون نفس السيناريو الذي حدث في مصر بعد استقطاب الإسلام السياسي وإبعاده عن بقية المكونات بل واستعماله ، ولو بطريق غير مباشر ، في القضاء على البقية أو تحجيم دورهم وهو ابتداء ضئيل ! ، فاختير الفصيل الأقوى واستدرج إلى نفس الفخ ، اختار أو أُكْرِهَ ، وفي التاريخ معتبر لمن أحسن قراءة أحداثه فاستنبط منها ما به يَنْتَفِعُ ولا يكون ذلك إلا بتوفيق وسداد من رب العباد ، جل وعلا ، وذلك ما يفتقر إلى مادة إخلاص بها يتمحض الحق ، وإلا فشوب الباطل وحظ النفس يفسده وهو ما يؤخر النصر ، كما يقول بعض المحققين ، فالمعركة بين حق وباطل تحسم سريعا ، وأما المعركة بين باطلين أو بين باطل وحق قد شابه باطل فهي تطول حتى يزهق أحدهما الآخر بما عنده من أسباب القوة أو يَنْفِيَ الحق ما علق به من الخبث فيتمحض فيكون النصر له كما قد وعد الرب ، جل وعلا ، فلا يشرك به شيئا من حظ النفس فذلك الشرط في قول الرب جل وعلا : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) .

    وثم التحالف الأمريكي بمكوناته الخليجية المصرية الأردنية الفلسطينية في رام الله الكردية في شمال شرق سورية فالسيد الأمريكي يأمر والأتباع يجتهدون إن بالتمويل أو بالتنفيذ ، مع نجاح روسيا أن تستقطب بعض أعضائه ، ولو جزئيا كما هي الحال مع مصر التي بدأت تَتَوَجَّسُ خيفة من القيادة الأمريكية التي عولت عليها كثيرا ولم تجد حتى الآن ثمرة إلا السخرية في قالب المدح من قبيل : حذاؤك جيد يا ولد ! ، وكما هي الحال مع الأردن التي ترغب في توسيع دائرة تحالفاتها فهي تَتَرَبَّصُ وَتَتَوَجَّسُ خيفة من الطموح الخليجي الشاب الذي يروم استبعادها من صفقة التسوية مع الدولة اليهودية ، فتكون هي من يتحمل أعباء هذه الصفقة لا سيما ملف البيت المقدس الذي يخضع لإشرافها الإداري فَالسُّبَّةُ سوف تلحقها وحدها لا سيما إن اجتهد الإعلام أن يحملها وحدها التبعة ! ، وكما هي الحال مع السودان وإن كان تحالفه ابتداء مع القوى العربية التي تقاتل في اليمن ، فهو ينسحب شيئا فشيئا بعد جس نبض واشنطن الذي لم يحدث حتى الآن نتيجة ظاهرة الأثر ولو على المدى القريب ففضلت الخرطوم التقارب الجزئي مع موسكو ، والتقارب الشديد مع تركيا كما في الزيارة التاريخية الأخيرة والتي تضمنت رسائل سياسية من السودان إلى مصر لا سيما مع الجفاء الشديد الحادث الآن مع النظام في مصر ، فضلا عن رسائل تركية إلى الخليج فالقاعدة الجديدة تواجه شاطئه الغربي على البحر الأحمر ، وإلى مصر التي تلاعبت في حدها المائي الشمالي مداهنة لليونان وقبرص وكيان يهود ونكاية في تركيا فجاءها الرد من أسفل منها ! ، فتركيا الآن ترسخ أقدامها في عمقها الاستراتيجي في السودان وتشاد ، فضلا عن ترسيخ نفوذها في إفريقيا ، قارة المستقبل التي فشلت مصر في مد الجسور معها مع ما لها من ماض سياسي وثقافي في العمق الإفريقي ولكنها فرطت فيه كما قد فرطت في كل شيء تقريبا ! ، فَانْزَوَتْ على نفسها وتحولت إلى جهة تَتَلَقَّى المعونات وتعيش على الصدقات والقروض الإقليمية والدولية وهي ، لو تدبر الناظر ، الخاسر الأعظم في هذه الصفقة السياسية ، فإذا ذكر الشرق : ذكرت حواضره السياسية الأبرز القاهرة ودمشق وبغداد وتركيا وإيران ، وإن كانت فارس قوة تخاصم المنطقة في المذهب إلا أن الناظر لا يجحد ماضيها العريق ، واليوم لا قاهرة ولا دمشق ولا بغداد ، فلم يبق إلا تركيا وإيران وانضم إليهما كيان يهود ! القائد الجديد للشرق الأوسط الجديد فتلك أبرز ثلاث قوى الآن في المنطقة ، ولا تملك مصر الآن من أدوات الفعل السياسي إلا النياحة في وسائل إعلامها وكيل السباب لتركيا والسودان فهي عاجزة عن أي فعل سياسي ناضج يجاوز حد الصراخ أو كيد النساء السياسي ! .

    وثم التحالف الروسي فيكاد يجمع الأطراف كلها تقريبا فهو يحتفظ بعلائق مع جميعها وإن لم تكن راسخة ، كما هي الحال في الحلف الأمريكي أو الحلف التركي ، باستثناء علائقه مع دمشق التي بلغت من التبعية لموسكو حدا يضحك ! ، فرئيسها يقف حلف الرئيس الروسي في قاعدة عسكرية روسية في بلاده في مشهد مشهور متداول ، واليوم يتعهد الأب الحنون فلاديمير بوتين يتعهد لابنه بِالتَّبَنِّي ، رأس النظام في دمشق ، أنه لن يخذله أبدا فسوف يدافع عنه حتى النهاية ! .

    وثم التحالف التركي الذي نجح في مهادنة بعض القوى لا سيما إيران وروسيا واحتفاظه بعلائق مع الكيان الكردي شمالي العراق وإن ضعفت بعد الاستفتاء الأخير ، ونجح ، كما تقدم ، استمالة بعض مكونات الحلف الخليجي ، كالسودان والأردن ، مع احتفاظه بقدم في الخليج بعد تحالفه مع الطرف المحاصَر الذي يتحرك الآن بالتنسيق معه في زيارات سياسية إلى إفريقية في إطار سياسة أنقرة في تطويق مصر من الجنوب ، مع مد النفوذ في القارة الواعدة ، فضلا عن زيارات عسكرية لا تخلو من علامات استفهام كزيارة رئيس أركان الجيش إلى السودان تَزَامُنًا مع زيارة الرئيس التركي وقائد أركان جيشه ثم زيارته إلى أثيوبيا ، وهو أمر لا يخلو من دلالة سياسية تُوَجِّهُ بها الدولة المحاصَرة في الخليج رسالة إلى مصر باعتبارها جزءا من الحصار ، ولو تابعا ، فضلا عما تسرب من أبناء عن تمويل جهات كثيرة لسد النهضة منها جهات خليجية تُوَالِي القاهرةُ بعضَها وَتُعَادِي بَعْضًا ، بل ثم جهات مصرية قد شاركت في هذا الأمر ، فَثَمَّ بنوك مصرية قد شاركت في هذا التمويل ، ولو من طريق غير مباشر ، فمصر الآن من جملة من يتآمر عليها ! ، وهي الآن أصدق شاهد على قول أبي الطيب النابه :
    وكم ذا بمصر من المضحكات ******* ولكنه ضحك كالبكاء .

    فكانت هذه الزيارة لرئيس أركان الجيش إلى أديس أبابا ولقائه برئيس الوزراء ، مع التحفظ ، على أن ثم جيشا ابتداء ، فإن مقومات الدولة نفسها لا تكاد تكتمل له وإن كانت حالها السياسية والأخلاقية خيرا بكثير من نظائرها في الخليج وفي المنطقة ، ولكن تصدر هذه الكيانات الصغيرة لمشهد السياسة والحرب ولو أتباعا لقوة إقليمية كتركيا ، ذلك ، أيضا ، مما يثير العجب من تراجع الحواضر السياسية التاريخية : بغداد ودمشق والقاهرة ، وليس ثَمَّ الآن إلا بكاء على اللبن المسكوب إلى أن يشاء الرب المعبود ، جل وعلا ، بانفراجة طال الزمن أو قصر فَتِلْكَ سُنَّتُهُ في الكون ، فـ : (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) .
    وإذا تدبر الناظر الكيانات السياسة في المنطقة وجدها جميعا تنهار تباعا من الجامعة العربية إلى مجلس التعاون الخليجي إلى رابطة العالم الإسلامي وقد ظهر مدى هشاشتها في الاجتماع الأخير في تركيا فلم تلق الدعوة تجاوبا يكفي ، بل تَقَصَّدَ من تَقَصَّدَ الغياب لإضعاف المؤتمر وإفشاله مع أنه حضورهم لم يكن ليزيد البيان إلا كلمات شجب وإدانة جديدة ! .

    وعلى المستوى الدولي يرى الناظر الآن ضعف الأمم المتحدة وتفكك الحلف الأطلنطي مع ما تمارسه أمريكا الآن من بلطجة على بقية دول الحلف ، فثم حال من السيولة السياسية بدأت مع قدوم الإدارة الأمريكية الحالية مطلع هذا العام الذي يوشك على الانقضاء ، ولعل ذلك من تدبير الرب ، جل وعلا ، أن ينهار النظام الدولي العتيق إيذانا ببدء صفحة جديدة من تاريخ هذا العالم الذي يفتقر إلى رسالة تقوده بعد فشل الحضارات الأرضية أن تُسَيِّرَ الدفة ، واحتجاب الرسالة أو إخفائها قسرا في القرن الماضي ، قرن العلمانية فَلَعَلَّ ذلك إيذان بأفولها وتصدر الرسالة من جديد ولو بعد حين فالسنة الكونية لا تجامل أحدا ، فلا بد لها من بذل أسباب وصبر على قطف الثمار فلا يعجل الرب ، جل وعلا ، لعجلة أحد .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 20367

    الجنس : أنثى

    البلد
    أرض الله الواسعة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : دراسات أدبية ونقدية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 102

    الوسام: ★★★
    تاريخ التسجيل5/12/2008

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات
    3,345

    وهو اسم صارت محاربة الإرهاب الإسلامي تُذَيَّلُ به في اصطلاح جديد صَكَّتْهُ دوائر سياسية إقليمية ودولية
    وهل هناك إرهاب إسلامي أستاذي ؟
    أم على سبيل السخرية .........................!

    في الزحام نبحث عن الصفو

  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:19-07-2018
    الساعة:06:24 AM

    المشاركات
    4,760
    العمر
    40

    جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق والاهتمام بتحرير الكلام ، لفظا ومعنى ، ونفعكم ونفع بكم .

    هو الاصطلاح الجديد الذي صكه المركز لضرب مرجعية الرسالة في الشرق ، لتأكيد النسبة بين الإسلام والإرهاب فهي تطور نوعي في خطاب الفكر والسياسة يواطئ التطور النوعي في هجمة المركز على الشرق في هذه الآونة ، فإن سقف الطموح إذا زاد ازدادت معه الخطابات صراحة وقوة .

    فقد يكون سخرية في كلامنا نحن أبناء الشرق ولكنه جد أي جد في كلام الغرب ووكلائه الوظيفيين في بلادنا إذ يستعملون نفس الاصطلاح تأكيدا لولاءهم الكامل للمركز فهم رجاله الأوفياء في مكافحة الأصولية والإرهاب ، فالإرهاب ليس فهما خاطئا لنص أصولي قديم ولكن العيب كما يقال الآن في النص نفسه ، فلا بد من وسمه بالإرهاب قبل الشرع في تجديده استنادا إلى معيار المركز ، وهو ما يعني بداهة تبديله أو تحريفه بتأويل يتذرع بإعادة القراءة لنص الوحي قراءة جديدة تواطئ العصر تحت عناوين لطيفة من قبيل "الأصالة والمعاصرة" ، كما يسخر بعض المحققين ، فهو اصطلاح يرضي جميع الأطراف فيطمئن الناظر فهو أصيل خارج من رحم الرسالة فثقافته في أمان فلا سبب يستوجب الخوف عليها ، وهو في نفس الآن معاصر يعيد قراءتها ولو أفضت القراءة إلى تحريف معانيها وإبطال أحكامها بذريعة التجديد الذي كثر رجاله في هذه الآونة ، إن في السياسة أو في الفكر .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •