ومن قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، فكان الظرف الذي يكون فيه الحشر الخاتم وهو ما قد عم بالنظر في الحال "جميعا" ولا يخلو من دلالة المفعول ، فإنهم يحشرون مجموعين ففعل الحشر والجمع يقع عليهم ، فاستعير "فعيل" نِيَابَةً عن "مفعول" ، وثم دلالة عموم بالنظر في دلالة الضمير ، فهاء الغائب في "يحشرهم" قد عمت الجمع المذكر فجاءت الميم حرف جمع ألحق بلفظ الهاء فهي الضمير والميم زائدة فهي حرف مبنى إذ لا تستقل بإعراب فليست كلمة وإنما هي بعض كلمة ، فحكايتها حكاية حرف المعجم المنقطع الذي لا يفيد الوقوف عليه معنى يفهم ، إلا إن كان كلمة استوجب إعرابها الحذف ، فحذف بعض حروفها لِعِلَلٍ في الصرف تدرك بالسمع ، كالفعل "قِ" فهو أمر بالوقاية ، حذف أول مادته وآخرها من وقى ، فصورته في النطق والكتب صورة حرف مفرد ودلالته دلالة كلمة تُفْهِمُ ، بل وكلام مركب مجموع يحسن عليه الوقوف فَفِيهِ استكن الضمير على حد الوجوب فَتَوَجَّهَ الخطاب الذي اسْتَتَرَ ضميره في العامل الاستتار الواجب ، فتقديره قِ أنت ، فاستكن ضمير المخاطب في عامل الأمر وذلك موضع استتار قياسي في اللسان العربي ، فحصلت الفائدة بحرف في النطق وإن كان كلمة في المعنى ، بل وكلاما يحسن الوقوف عليه ، إذ حذفت حروف العلة في الصرف ، واستكن ضمير المخاطب في العامل ، وقد دل السياق ضرورة على المحذوف فإن الأمر لا بد له من فاعل فهو يمتثل المأمور فيفعله ، وإن كان مفعولا بالنظر أنه المأمور لا الآمر ، فاجتمع فيه معنى المفعول إذ توجه إليه الخطاب فهو المخاطَب لا المخاطِب ، ومعنى الفاعل فهو الذي يمتثل الأمر فيفعله ، فالحرف قد يدل على معنى ، فيجاوز حد المعجم ، صوتا مفردا ينطق ، فيدل على معنى كالفاء إن دلت على سببية أو فور أو تعقيب ، فهي حرف معنى لا محل له من الإعراب فلا يدل على معنى في نفسه وإن دل على معنى في غيره ، فهو يدل على المعنى بدلالة اللازم لا النص ، فدلالته لا تظهر إلا باقترانه بغيره ، فالفاء إن أفردت بالنطق فهي محل اشتراك ، فلا تخلو من إجمال يفتقر إلى قرينة تُبَيِّنُ ، فالسياق قَيْدٌ يفرق بين دلالات الفاء ، فهي تحتمل وجوها من الدلالة تعقيبا أو فورا أو سببية أو رَبْطًا بين الشرط والجواب ، والسياق قرينة ترجح معنى دون آخر ، أو تجوز اجتماع أكثر من معنى في فاء واحدة ، كما في الفاء في "فَتَمَسَّكُمُ" قوله تعالى : (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، فهي نص في السببية ، فثم قرينة من السياق قد رجحت وجه السببية ، إذ سُبِقَتْ بِنَهْيٍ وَنُصِبَ المضارعُ بعدها ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فيكون الوعيد عقيب الفعل ويكون الاقتران على حد التلازم بالنظر في الدلالة المطلقة وهي دلالة تجب إن كان الركون ناقضا لأصل الدين ، فتكون النار هي نار الخلد فَثَمَّ عهد خاص ، وقد يكون وعيد من يَرْكَنُ إلى الظالم وعيدا تحت المشيئة ، فلا يَرْكَنُ إليه رُكُونًا ينقض أصل الدين فدلالة "أل" في "النار" ، من هذا الوجه ، دلالة العهد الخاص فهي نار العصاة التي تطهرهم ، فالفاء ، من هذا الوجه ، حرف معنى وإن كان في نطقه كحرف المعجم ، فثم حرف معجم خالص ، وثم حرف معنى خالص ، وَبَيْنَهُمَا حرف معجم لا يخلو من دلالة المعنى ، كتاء المخاطب في قولك "تقرأ" ، فهي تحتمل المخاطب المذكر ، وقد تصرف القرينة التاء إلى المخاطبة إن أُتْبِعَ العامل بفاعل مؤنث ، وقد يكون الحرف حرفا في لفظه فهو كحرف المعجم المفرد ، ولكنه يدل على فعل أو عامل قد حذف بعضه لعلة في الصرف ، كما تقدم في العامل "قِ" ، فالحرف محل الشاهد في قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) ، وهو الميم ، حرف زائد في اللفظ يدل على معنى الجمع المذكر ، وهو حرف لا وظيفة له في الإعراب فلا يدخل في حد الحرف في اصطلاح النحاة وإن أفاد دلالة تزيد ، فكان معنى العموم الذي رفد ضمير الغائب المفرد ، وهاء الغائب ، من وجه آخر ، حرف لا محل له من الإعراب إذ معناه يظهر ، بادي الرأي ، فلا يفتقر إلى إعراب يظهر معناه ، فما ظهر معناه فلا حاجة إلى إعرابه فالإعراب إظهار ، وما ظهر ابتداء فلا يفتقر إلى إظهار زائد ، فكان العموم الذي استغرق بدلالة التغليب ، فهو مئنة من الجمع المذكر فَزِيدَ في الدلالة إذ الحشر يكون لجماعة الإناث كما جماعة الذكور ، بل ويعم كل مخلوق ، فالجميع محشور ، حتى الجنس الأعجم ، وهو موقف حساب وجزاء لا يغادر فيه رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، صغيرة ولا كبيرة ، فيكون الحشر الجامع ، وبعده النداء أن : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) ، فثم عامل قول قد حذف ، فالسياق قد دل عليه ضرورة ، على تقدير : ويوم يحشرهم فيقول : يا معشر الجن .... ، وكان الاستغراق الذي عم بدلالة الطباق إيجابا ، فكان استكثار الجن ، وهو ما يرشح ما تقدم من دلالة العموم في الضمير ، فلا يقتصر على الإنس وإنما يعم الجن ، فجاء الخطاب الذي أكد ، فدلالة "قد" مئنة من التحقيق إذ دخلت على العامل الماضي "استكثرتم" ، ولا تخلو الزيادة في "استكثر" ، زيادة الألف والسين والتاء ، لا تخلو من زيادة معنى فهي مَئِنَّةٌ من القصد وذلك آكد في تَقْرِيرِ الجناية ، فكان الاستكثار أن استغوى الجن الإنس بوسواس وزخرف من القول ، وذلك ما أبان عنه الوحي في مواضع من التنزيل ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، فذلك من التقييد بالحال "يوحي" ، فالمضارعة تَسْتَحْضِرُ المعنى في الذهن ، فكان وحي الوسواس ، وهو مما يُلْقَى في الروع خفية في سرعة ، فالوحي مظنة اشتراك ، فهو يحتمل وجوها ذَكَرَهَا أهل اللسان ، فيطلق على الوحي الشرعي ، ووحي الوسواس ، ووحي الإلهام الذي يستغرق سائر الأجناس ، فكان من إجمال المشترك ما يفتقر إلى قرينة من خارج اللفظ ، فالمادة حال إطلاقها في الذهن تحتمل أنواعا ، وإن انصرف الذهن ، من وجه آخر ، إلى وحي النبوات ، وذلك مِمَّا أُحْكِمَ معناه وإن أحدث الفلاسفة من معاني النبوة ما خرج بها عن جادة الحق ، فصار الوحي من الأرض لا من السماء ، فهو وحي العقل الذي يتجسد في خيالات تخاطب صاحبها وهي منه وإليه فلا مرجع من خارج يجاوز ، فكل أولئك من وسواس الشيطان الذي يكتسي في كل عصر بلحاء يلائمه ، فمرجع الأمر إلى أصل واحد ، وهو طغيان العقل ومجاوزته الحد فهو ينازع الوحي منصب التصور والحكم ، فكان من المحدثات الدينية والسياسية ، العلمية والعملية ، ما استغرق الباطن والظاهر ، وكلها ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في استكثار الجن من الإنس ، فهم يستكثرون منهم بالوسواس تارة ، والسحر أخرى ، فاستمتع الجني بخضوع الإنسي فلا يدعه حتى يكفر ، كما قد أبان الوحي المنزَّل ، فـ : (مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ) ، فكانت الفتنة التي أطلق لفظها ونكر فهي فتنة عظمى ، ودلالتها تحتمل ، فإما فتنة تَنْقُضُ أصل الدين الجامع ، وإما أخرى تنقض كماله الواجب ، والسياق هو الذي يعين مراد القائل ، ففي نحو قوله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، يرجح معنى الفتنة الكبرى إذ اقترنت بالعذاب الأليم وهو ما يظهر اختصاصه بالكافرين ، وقد يقال إِنَّ مِنْهُ ما يكون في حَقِّ العصاة من الموحدين ، فتكون الفتنة العظمى أن يخالف المكلَّف عن أمر الرسالة في أصل الدين أو في شرط من شروط الصحة أو تكون المخالفة باقتراف ما ينقض الأصل من نواقض الإيمان علما أو عملا ، فذلك ما يستوجب العذاب الأليم في نار الخلد ، وتكون الفتنة الصغرى أن يخالف المكلَّف عن أمر الرسالة في كمال الدين الواجب فذلك ما توعد صاحبه بالعذاب الأليم في نار العصاة من الموحدين ، فالفتنة تحتمل ، والمخالفة عن أمر الرسالة نقص عظيم في الدين وإن تفاوت في القدر فالمخالفة عن أصل الدين أعظم ، والفتنة فيها أعظم وعذابها العذاب الأليم عذاب مؤبد ، وكذلك الشأن في الفتنة في قوله تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) ، فقتال الكفار على قاعدة المدافعة بين قبيل المؤمنين وقبيل الكافرين ، هذا القتال الذي أمر به الوحي في هذا الموضع سنة شرعية ، وقد حُكِيَ في موضع آخر سنة كونية في قول رب البرية جل وعلا : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، هذا القتال يرجح وجه الفتنة الكبرى التي تنقض أصل الدين الأول ، وقد يرجح السياق ، من وجه آخر ، الفتنة الصغرى كما يكون من القتال بَيْنَ طائفتين دعواهما واحدة ، فـ : "سَتَكُونُ فِتَنٌ ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي ، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ" ، فهي مما ينصرف إلى فتنة القتال بين الطائفتين والتي أمر الوحي فيها بالإصلاح وقتال من يَبْغِي ويجاوز الحد حتى يراجع أمر الوحي ، فـ : (إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ، فَثَمَّ تخصيص بالغاية ، وَثَمَّ إِثْبَاتٌ للحكم إيمانا ، وذلك ما يجعل فتنة القتال في هذه الحال فتنة صغرى إذ لم يكن القتال على قاعدة إيمان وكفر ، وإنما غايته أن يكون من قتال البغي مع ما اكْتَنَفَهُ من الوقيعة في الجمل ، وإن لم تخل الحال من بَغْيٍ كان في صفين أظهر ، ولم تكن دعوى الكفر آنذاك تظهر ، بل بعد ظهورها في مقال الفئة الخارجة التي جاوزت الحد فغلت في الأسماء والأحكام ، فبعد ظهورها في مقال هذه الفئة لم يخل ذلك من تأويل ، وإن بعيدا ، فلم يكن قتالها لأهل القبلة أنها تقاتل أهل إسلام بل تأولت فيهم الكفر فهي تقاتلهم انتصارا للوحي ، فذلك معنى في النظر فاسد ولكنه رفع الحكم فليسوا من الجنس الكافر ، فالفتنة ، وهو محل شاهد تقدم ، مما انشعبت معانيه في الخارج ، فمنها الكبرى ومنها الصغرى ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم كسائر المشتركات المجملات التي تفتقر إلى قرينة تبين فهي مناط التأويل الصحيح الذي لا يتحكم صاحبه في صرف اللفظ المشترك إلى وجه في المعنى دون آخر ، بل ثم من القرينة ما يشهد لدعواه ، لا سيما إن كان قوله مرجوحا لا يتبادر فهو يفتقر إلى القرينة ما لا يفتقر الراجح من دلالة اللفظ الظاهرة ، فالظاهر لا يفتقر إلى القرينة فرجحانه يجزئ في الاستدلال إلا أن يقيم الخصم قرينة تعتبر ترجح المرجوح فتجعله راجحا ، وقد تَتَسَاوَى الدلالات ، فيكون الاشتراك والإجمال أعظم فلا بد من قرينة تحسم النِّزَاعَ بين المعاني التي ازدحمت في المجمل ، فالقرينة في آية السحر قد رجحت معنى الفتنة العظمى ، فجاء النهي أن : (لَا تَكْفُرْ) ، وإطلاق الفعل لا سيما وقد ورد في سياق نهي تسلط على المصدر الكامن في الفعل فذلك ما يرجح حمله على المعنى الأكبر الذي يستغرق معاني الكفر ، وذلك الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فتلك فتنة عظمى ، وهي مما يدخل في عموم الاستكثار في قوله تعالى : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى المجمل في سياق ، فقد أُبِينَ عنه في آخر ، فجاء سياق السحر يبين عن استكثار به ، وهو من نواقض الإيمان ، وجاء سياق الوسواس يبين عن استكثار به ، وهو مما يحتمل فثم وسواس عارض لا يسلم منه إنسان فإن دُفِعَ فلا إشكال ، وإن استرسل صاحبه فقد يكون من جنس المعصية الناقضة لكمال الإيمان الواجب وقد يزيد ، كما لو كان عداوة للرسالات ، فيكون من زخرف القول في آي الوحي ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، فأصل الإيمان به ينتقض ، كما السحر ، والاستكثار ، أيضا ، مما يحتمل ، وإن رجح معنى النقض للأصل الجامع لا النقص للكمال الواجب ، وسياق الآية يشهد بذلك ، فـ : (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ، فإن التقييد بالحال "خالدين" ، يُرَجِّحُ معنى الكفر الناقض لأصل الدين ، فالخلود وإن احتمل المكث الطويل كما في قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ، فالقرينة إذ شرع القصاص في القتل مع ثُبُوتِ الأخوة الدينية في قول رب البرية جل وعلا : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) ، فلو كان القتل كفرا ما كان القاتل أخا لولي الدم ، فهو كافر ولا أخوة تجمع مؤمنا بكافر ، فدل ذلك أن القتل لا ينقض أصل الدين إلا إن كان على قاعدة إيمان وكفر يبغض فيها القاتل المقتول لأجل دينه ، فهو يبغض النبوة فلولا أن المقتول من أتباعها ما تقصده بالإيذاء والقتل ، أو هو ذو حظ وجاه لا بقاء له إلا أن يستأصل من ينكر عليه إنكار الرسالة فهو أشد إنكار على نفس من طغى وجاوز الحد في رياسة دنيا تعم بها البلوى ، فلا ينفك صاحبها يعطل من الوحي ما يعطل ، ويستبيح من الدم والمال وسائر الحرمات ما يستبيح وهو في ذلك لا يَتَقَصَّدُ المقتول أو المغدور لذاته وإنما يَتَقَصَّدُ ما انتحل ، ولو في الجملة ، فعنوان الرسالة يقض مضجعه ، إذ لا بقاء لجاهه إن ظهر من الوحي ما يستأصل مادته ، فَفِيهِ من الإلزام ما ليس في غيره من شرائع الوضع المحدَثة ، فذلك قيد زائد يوجب حمل الخلد في الآية على الخلد الدائم خلافا للأصل فهو يحمل على التغليظ إذ ليس القتل مجردا ، كما تقدم ، مما ينقض أصل الدين الأول ، بل هو كبيرة تنقض الكمال الواجب وتوجب القصاص العاجل إلا أن يكون ثم عفو من أولياء الدم إلا ما كان من أحوال لا يعفو فيها الإمام وإن عفا أولياء الدم ، على تفصيل في كتب الفروع في باب التعازير والحدود ، فَحُمِلَ الخلد في آية القتل : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ، على المكث الطويل ، وَحُمِلَ في آية الأنعام : (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ، حُمِلَ على الخلد الدائم إن كان استكثار الجن من الإنس بما ينقض أصل الدين كالسحر أو عداوة النبوات فيكون زخرف القول الذي يعارضها فهو يعطلها ويجردها من منصب التشريع والولاية ، وقد يجوز في هذا السياق ، أيضا ، حمل الاستكثار بوسواس العصيان الذي ينقض كمال الإيمان دون أصله ، فيكون الخلد في العذاب مئنة من مكث طويل فهو مناط وعيد لا يدوم فيكون الاستثناء على الحقيقة ، فالوعيد قد لا ينفذ ابتداء فصاحبه تحت المشيئة ، فهو بَيْنَ العدل إنفاذا والفضل إنقاذا ، وإذا نفذ فلا يدوم ، فلا يكون الخلد على الأصل الذي يتبادر من المكث الدائم ، وإن كان الاستكثار ناقضا للأصل فالاستثناء يجري مجرى الاحتراز فهو يُبِينُ عن طلاقة القدرة الربانية النافذة ، ومن ثم كان الختام على حد الاستئناف بالناسخ المؤكد في قول الرب المعظَّم جل وعلا : (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، وهو ، من وجه ، يجري مجرى التعليل لسؤال دل عليه السياق اقتضاء : فما علة ما تقدم من إيجاب العذاب في حق أولئك ؟ ، فكان الجواب الذي لا يخلو من احتراز من الظلم فلم يكن الأمر مشيئة نافذة بلا حكمة بالغة بها يكون العدل إذ يضع الرب ، جل وعلا ، العذاب في المحل الذي يستحق ، وذلك ما لا يكون إلا بالعلم المحيط ، وهو ما أُتْبِعَ الثَّنَاءَ بالحكمة التي أطلق لفظها مئنة من التعظيم والإحاطة ، فكذلك الثناء بالعلم الذي أطلق اسمه فهو العلم المحيط الذي به تظهر آثار الحكمة فيوضع جلال العقاب في المحل القابل لآثاره ، ويوضع جمال الثواب في المحل القابل لآثاره ، فيكون الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، إن في مواضع الجلال رهبة أو في مواضع الجمال رغبة ، ولا يخلو السياق بعد العذاب ، وهو من جنس الجلال ، لا يخلو من ثناء بجنس الجمال حكمة وعلما ، فالاحتراز بالاسمين آخر الآية مما يستغرق معاني الثناء التام فقدرة وحكمة ، وبهما ينفذ الرب ، جل وعلا ، قدره ، وذلك موضع تدبير نافذ فهو من جنس الربوبية فعلا في الكون ، فحسن ، من هذا الوجه ، إيراد اسم الربوبية "ربك" ، وقد أقر أولياؤهم من الإنس بما اقترفوا من الجرم ، فـ : (قَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) ، وتلك ولاية المحبة والاتباع فكانوا لهم خاضعين ولأمرهم طائعين وإن أمروهم بالكفر ، فكان الاستمتاع الذي تَبَادَلَهُ القبيلان ، فاستمتع الجني بالإنسي إذ أمره ولو بالكفر ، فأطاع الإنسي فحصل للجني من لذة السلطان والرياسة فهو يأمر فيطاع فصار كالإله الذي لا يملك العبد ردا لأمره ونهيه ! ، فتلك من وجه ، ألوهية تضاهي ألوهية الطواغيت من البشر إذ يجاوزون الحد في الأمر والنهي فيحدثون من الشرائع الأرضية ما يعارضون به الرسالات السماوية ، وهم يستمتعون بجندهم إذ يتأولون ما يأمرون إنفاذا ويستمع الجند ، في المقابل ، بما يُلْقَى إليهم من فتات ، فاستمتع الجني بالإنسي إذ أطاعه ، واستمتع الإنسي بالجني إذ غَرَّهُ بقدرة ليست إلا فتنة أن ينفع ويضر ولا يكون ذلك إلا بإذن الرب ، جل وعلا ، إذن التكوين النافذ ، فحصل من الطغيان للإنسي أن نَازَعَ الرب ، جل وعلا ، ربوبية التدبير نفعا وضرا ، فكان الأجل الذي مده الرب ، جل وعلا ، استدراجا فذلك من المكر الرباني الكامل ، ثم كان الأخذ بالعذاب على وجه لا يخرج عن سنن الحكمة أن وضع في المحل القابل له بما كان من فساد طارئ فزين الشيطان للإنسان أن يكفر وغره بما يكون من استمتاع عاجل ، وحصل بينهما من التلاؤم ما أوجب ولاية الظالمين بعضهم لبعض ، كما في الآية التالية ، فـ : (كَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فذلك من فعل الرب ، جل وعلا ، تدبيرا يواطئ سنن الحكمة أن تكون الولاية بين الأجناس المتماثلة ، طردا وعكسا ، فـ : (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) ، و : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) ، فجاء النهي عن ولاية المؤمن الكافر ، فـ : (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فكان النهي الذي عم بإطلاق الفعل فضلا عما تقدم من تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل "يتخذ" فهو يعم سائر وجوه الاتخاذ إن في الباطن أو في الظاهر ، وثم طباق إيجاب بين الاسمين ، اسم المؤمن واسم الكافر ، وهو ما يواطئ ما تقدم من معنى الحكمة إذ توجب التفريق بين المختلفين فلا تكون بينهما ولاية ، وتوجب ، في المقابل ، التسوية بين المتماثلين ، إن إيمانا أو كفرا ، كما في الآية محل الشاهد : (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، وذلك من فعل الجلال قدرة والجمال حكمة أن كانت الولاية بين قبيلين قد تماثلا في الوصف فقياس الحكمة أن يتماثلا في الحكم ، إن طردا أو عكسا ، فذلك قانون يستغرق أهل الإيمان ولاية تَنْفَعُ وأهل الكفران ولاية تضر ، فحسن من هذا الوجه الجامع لأجناس الثناء الكامل بالقدرة جلالا والحكمة جمالا ، حسن إسناد الفعل إلى ضمير الجمع ، فتقديره إذ استتر في عامله "نُوَلِّي" ، تقديره "نحن" ، وهو من المحذوف الذي دل عليه المذكور من نون تدل على معنى الجمع المخاطب ، فهي حرف معجم استفتح به العامل المضارع ، ولا يخلو من دلالة معنى ، فهو كالميم آنفة الذكر في عامل الحشر صدر الكلام في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) ، فلا تخلو النون في "نُوَلِّي" ، من دلالة معنى فهي القرينة التي أبانت عن الضمير المستتر ، فاستتاره في هذه الحال واجب فلا يظهر في الكلام وإنما يدل عليه السياق ، والنون من جملة القرائن ، فذلك يجري مجرى التأويل بقرينة صحيحة تعتبر فضلا أنه يجري على سنن الكلام المشهور المطرد ، فقد دل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر ، فدلت النون وقد صدر بها العامل "نُوَلِّي" ، على المحذوف المتأخر وهو ضمير الجمع الذي استتر إيجابا في عامله "نُوَلِّي" ، ولا تخلو المضارعة من استحضار للصورة وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده فضلا أنه سنة جارية لَمَّا تَزَلْ آحادها تقع في الخارج على وجه يواطئ العلم الأول المحيط ، فهي تستغرق الحال والاستقبال وتلك دلالة المضارعة في اللسان ، ولا يخلو الالتفات من الغيبة إلى الحضور في مقام التكلم لا تخلو من استحضار لذهن المخاطب ، وذلك مما يجري مجرى وصف الفعل ، فالنوع قديم والآحاد لما يَزَلْ تأويلها يقع في الخارج على وجه يجمع القدرة والحكمة ، فكان معنى الظلم هو مناط الولاية ، فَيُوَالِي الظالمُ الظالمَ ، وإطلاق الاسم في هذا السياق مما ينصرف كسائر الأسماء والأحكام إلى النوع الأكبر الذي يستغرق وجوه المعنى جميعا فهو الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، كما في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فكان من ولاية الظالمين بعضهم بعضا ما يواطئ دلالة الحكمة إذ حصل التماثل في الوصف ظلما فكان التماثل في الحكم ولاية ، وقد يصح حمل الظلم على الظلم الأصغر الذي ينقص الإيمان ولا ينقضه ، فتكون ولاية الظالمين في أمر لا ينقض أصل الدين كما يكون من ولاية الظالمين في رياسة أو سياسة على وجه لا يبلغ بهم القدح في أصل الدين باقتراف ناقض من نواقض الإيمان كتعطيل الوحي أو ولاية أعدائه ، كما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، فكان من ولاية ظالمين عطلوا الوحي وَنَابَزُوا أتباعه وناجزوهم فهم ساعون في إيذائهم بالقول والعمل بغضا لدينهم أن عارض بعض حظوظهم في الجاه والرياسة ، فكان من ولاية أولئك لأعداء الدين من الكفار الأصليين ، وهو مما نهى عنه الوحي ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فذلك نهي عام استغرق الكافرين جميعا ، ثم كان تخصيص اليهود والنصارى بالذكر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وذلك ما يجري مجرى التمثيل لعام وهو جنس الكافرين فلا يخصص المثال العام وإنما يحمل على البيان لمعنى العام ، فذكر بعض أفراده لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول ، فضلا أن غالب ما يكون من الولاية إنما يكون لليهود والنصارى كما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة فذكرهما ذكر المثال الغالب فحسن التنويه به وإن استغرق المعنى غيره ، فكان من نداء المؤمنين ما قد عم بدلالة الموصول ولا يخلو من دلالة تعليل ، فقد أنيط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وهو الإيمان ، ومن ثم كان النهي عن الاتخاذ أن : (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وهو ، أيضا ، مما عم بما تقدم مرارا من إطلاق الفعل فعم جميع أجناس الاتخاذ إن ولاية باطن أو ولاية ظاهر أو هما جميعا وذلك ما يكون في العادة فولاية الباطن حبا لا تنفك آثارها تظهر في الخارج فيكون من ولاية الظاهر نصرة ومشابهة ولو في الصورة ، يكون من ولاية الظاهر ما يصدقها ، فتلك دلالة تلازم صريح في العقل ، وهو مما يواطئ قياس الحكمة فذلك مما يطرد في التكوين والتشريع جميعا ، وبعده كان قياس آخر يواطئ الحكمة في التسوية بين المتماثلين ، فمن تَوَلاهم فقد واطأهم في الوصف فكان التواطؤ في الحكم فَرْعًا عليه فهو منهم ، كما هي الحال في ولاية الظالمين في آية الأنعام ، فهي ولاية في الأولى إذ يتناصرون وفي الآخرة إذ يتخاصمون ، فـ : (إِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) ، ولا يخلو ذلك من عدل في الجزاء فما حصل ما حصل أن وُلِّيَ بعضهم بعضا ، ما حصل إلا : (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، ودلالة الباء مئنة من السببية ، وهي سببية حقيقية بقدرة تأثيرية وإن لم تخرج عن المشيئة الربانية فليست جبرا خالصا أو آخر غالبا في نظرية الكسب فليس الكسب آخر الآية هو ما اطرد ذكره من الكسب المحدث في تقريرات بعض المتكلمين إذ يجعلون القدرة قدرة اقتران لا تؤثر ، والصحيح أنها تؤثر في إيجاد المقدور على وجه لا يخرج عن مشيئة الرب المعبود ، جل وعلا ، ولا يخلو السياق من زيادة في المبنى تدل على أخرى في المعنى فكانت زيادة الكينونة الماضية في : (كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، كانت مئنة من اتصاف قد اتصل زمانه وذلك آكد في تقرير الجناية ، فهو آكد من القول في غير التنزيل : بما كسبوا ، ولا يخلو العموم في "ما" من استغراق لأجناس ما كسبوا ، فضلا عن إطلاق الفعل آخر الآية وحده حد المضارعة استحضارا للمعنى ، وكل أولئك مما يزيد في الدلالة ، فاستغرق الفعل إذ أطلق جميع ما كسبوا من الشر سواء أكان كسب ناقض من نواقض الإيمان ، أم كسب قادح في كماله الواجب فالولاية ، أيضا ، على دركات ، فلا تستوي ولاية ظلم سياسي وولاية ظلم ديني يبلغ حد الأصل ، وذلك ما قد يكون في سحر أو نحوه ، كما في الآية ، أو في سياسة وحكم فليس كل الظلم السياسي أصغر بل منه الأكبر الناقض لأصل الدين كما تقدم من تعطيل الوحي أو ولاية الكافرين .

ولا يخلو السياق إذ يخبر : (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، من دلالة مفهوم فالمؤمنون يَتَوَلَّوْنَ بعضهم كما الظالمون يَتَوَلَّوْنَ بعضهم على وجه يمتاز به الفريقان فتكون المفاصلة في الأولى وفي الآخرة ، ولا يخلو الخبر من دلالة نهي أن لا تظلموا في قول أو عمل فيكون جزاؤكم أن يُصَيِّرَكُم الرب ، جل وعلا ، أولياء لمن ظلم فتهلكوا كما قد هلك لجامع الوصف المشترك ، ولا يخلو النهي هنا ، أيضا ، من مفهوم يلازمه وهو الأمر بولاية المؤمنين وإن ولاية جنان باطن إن عجز البدن واللسان عن النصرة فلا يخرج أحد من العهدة إلا بقدر به يَبْرَأُ ، ولو بأضعف إيمان يُوَالِي به المؤمن وينكر على من أذاه ولو بالقلب ، مع عقد العزم أن يأخذ على يده إن استطاع ، فيكون القصاص حسما لشره على وجه لا يخالف فيه عن سنن العدل الذي يجب لمن أحب ومن كره ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .

والله أعلى وأعلم .