من صور التاريخ المركبة التي استمدت أسبابها من روافد عدة ، وذلك الغالب في تفسير أي ظاهرة تاريخية فلا يُرَدُّ سببها إلى عامل واحد يُؤَثِّرُ وإنما يحكمها في الغالب أسباب كثيرة يحصل بينها من التدافع ما يجري على سنن التكوين النافذ فيظهر من حكمة التدبير ما يوجب الثناء على الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، من هذه الصور : صورة دخول المصريين في الإسلام ، فذلك ما لم يكن دفعة ، وإن كان ثم قَبِيلٌ كبير دخل في الإسلام مطلع الفتح ، فإن مصر آنذاك كانت خليطا وإن بالنظر في العنصر النصراني ، كما ينقل بعض المحققين عن المقريزي رحمه الله ، وقد سماهم أهل الدولة ، فَلَمْ يكونوا جميعا من أصل واحد بل كان ثَمَّ من العنصر الْوَافِدِ كَثِيرٌ لا سيما ومصر وعاء قد اسْتَغْرَقَ أجناسا شتى فكانت أرضا جاذبة للبشر خلاف ما هي عليه الآن فقد آلت حالها أن تكون طاردة للبشر وطاردة للمال ، فالاستثمار فيها غير آمن إذ معيار الحوكمة فيها فاسد ، فَالسُّرَّاقُ هم الذين يرقبون ، وليس ثم أعظم أن يُؤْتَمَنَ الخائن ، فذلك من أشراط الساعة ، كما يرى الناظر الآن في حال البيت المقدس فما ضاع إلا بالخيانة ، ولو تُرِكَ أهله بلا وافد يزعم أنه جاء ينصر وما جاء إلا ليخذل ، لو تُرِكُوا ما آل البيت المقدس إلى هذه الحال التي تخالف عن حقائق الدين بل وحقائق التاريخ والجغرافيا فمن يزعم مصلحة وطنية علمانية يروم صيانتها فمصر أولا قبل كل شيء ، فلا يستقيم ذلك إلا أن يكون البيت المقدس وأكنافه في سلطانه أو في سلطان أهله فلا يكون ثم غاصب لأرضه فذلك ما يصنع بؤرة اضطراب لا يهدأ ، وذلك أمر يعلم باستقراء التاريخ والحاضر ، فالأيوبيون وإن كان في دولتهم من المعنى الرسالي ما لا يجحده الناظر إلا المغرِض المبغِض ، الأيوبيون لم يكن لسلطانهم أن يَرْسَخَ إلا أن يُحَرِّرُوا البيت المقدس من الوافد الغريب ، وهو آنذاك حملات الصليب ، فكذلك الشأن الآن ، فلا يمكن أن يستقر ملك في مصر إلا أن يرجع البيت المقدس إلى حوزة أهله ، ولو في الظاهر ، فيستعمل عليه خائن من أبناء الجلدة يُسَكِّنُ الحدة ! ، كما اطرد من صنيع المحتل إذ يستعمل من وكلائه حال عجز أن يحكم بنفسه أو كانت الكلفة عظيمة ، فالمعيار الوطني العلماني لا يبرر هذا الصنيع ، فضلا عن معيار الوحي الذي لا يرى ليهود حقا في شبر واحد من أرض الشام فهي جميعا من أرض النبوة الخاتمة .

فمصر ، وهي محل الشاهد ، مصر باستقراء تاريخها أرض جاذبة للبشر ، وفيها من مقدرات الجغرافيا والموارد ما يجعل العيش فيها أطيب ، إن كان ثم عدل في اقتسام ثَرَوَاتِهَا ، وحكم راشد يرقب أي فساد ليحسمه ، فكان من وفود النصارى على أرضها ما اتسعت به دائرة الجنس ، فلم يكن النصارى في مصر على مذهب واحد ، فكان منهم الآريوسيون وكان منهم الأرثوذكس وهم أغلب نصارى مصر لا أغلب أهلها فذلك قيد يجب اعتباره ، وكان منهم الكاثوليك وهم الرومان حكام البلاد وإن كانوا محتلين وافدين من الخارج ، وكان من المصريين وَثَنِيُّونَ دخل كثير منهم في الإسلام بعد الفتح ، فهم ، في الجملة ، أقرب إلى التوحيد فسذاجة دينهم لا تخلو من آثار الفطرة الأولى ، فحاسة الدين فيهم حاسة ضرورة تلجئهم أن يعظموا غائبا وإن جهلوا وصفه ، فما عرض عليهم دين ، كما يقول بعض المحققين ، إلا كانوا أقرب إلى التوحيد إن خلوا من التأثير بإغواء أو إغراء ، فحجة التوحيد أظهر والنفس تسارع في قبولها ما لا تسارع في غيرها إذ تُوَاطِئ الفطرة الأولى وَتُصَدِّقُهَا ، فكان من تفسير الظاهرة الإسلامية والعربية في مصر ما لا يمكن اختزاله في عامل واحد ، فلا يمكن أن يكون الأمر كله إقناعا وإن كان في حجج الوحي ما يقنع كل ذي عقل صريح إن أنصف وتجرد ، ولا يمكن في المقابل أن يكون إكراها فذلك ما لم يؤثر في تاريخ الفتوحات إلا نادرا لا حكم له وهو ما أقر به أساطين استشراق لهم من المصداقية في دوائر البحث الغربية والشرقية ما لا ينكر ، فهو شاهد من المركز وإن كان في شهادة الإرث الرسالي غنية بل هي الأصل فما كانت شهادة المركز إلا نافلة تُصَدِّقُ وهي رد على من يشكك أو لا يصدق من خبره ما يصدق من خبر الخصم ! ، فثم انهزام وانكسار أمام حضارة الغالب فهو الآمر الحاكم وهو الذي يضع معيار القيم الحضارية فصار قوله محكما وصار بحثه محققا فلا يصدق إلا ما خرج من مشكاته ! ، فدعوى الإكراه قد ردها الخصم فكفى أتباع الرسالة المؤنة ، وإن كان ثم منه شيء فهو نادر لا حكم له ، فقد يكون من الإكراه ما يخفى لا سيما الإكراه المعنوي بالتضييق في الوظائف أو سبل الكسب ، وإن كان ذلك ، أيضا ، مما تراكبت صورته فليست على حكم واحد ، فثم من إجراءات الإصلاح ما كان من تعريب الدواوين وهو ما حمل الأقباط أن يتعلموا العربية ، وثم ما كان من تأويل النهي في قول الرب جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ، فكان من أمر ابن عبد العزيز ، الأشج العادل ، كان من أمره ألا يَلِيَ أمر الديوان إلا مسلم ، فأمر الجباية مما تَعُمُّ به البلوى ، وَتَوَلِّي المسلم له إن كان ذا كفاية أولى وآكد ، فوظائف المال من وظائف السيادة فلا بد أن يَتَوَلَّاهَا عدل بمعيار الشرع ، وهي عدالة المسلم القوي الأمين فَلَهُ أهلية نظر وله دين وورع ، فلا يلجأ إلى الكافر إلا إذا لم يوجد مسلم يسد مسده كما في سائر الصناعات التي تعم بها البلوى كصناعة الطب ، وإن كان الأمر فيها أهون من أمر الجباية ، فلا تعم بها البلوى ما تعم بالجباية ، فلم يكن عمر يروم إكراه النصارى على الدخول في الإسلام ، وإنما وقع ذلك عرضا فهو رجل مؤتمن على سياسة المسلمين وأموالهم ، فيدبرها بما يصلح شأنهم فإن عارض ذلك شأنَ غيرهم فالأمانة تَقْضِي أن يُقَدِّمَ عمر مصلحة مَنْ يحكم مِنَ المسلمين ، فهم أصحاب الدار ، على مصلحة غيرهم وإن كان لهم من الحقوق ما لأهل الذمة والعهد ، فذلك ميثاق دون ميثاق الإسلام وهو العقد السياسي الجامع في حكم الرسالة وبه فارق الحكم المحدَث الذي استبدل عقد القوم أو الجنس أو الأرض بعقد الرسالة ، فكان من اختلاف المرجع الفكري ما ظهرت آثاره ضرورة في العقد السياسي على وجه يمتاز به كُلُّ قَبِيلٍ من غيره ، فذلك مناط مفاصلة به يكون التَّمَايُزُ بين العقائد والشرائع والسياسات وكل ينتحل ما يعتقد صحته ويسعى في نصرته ويحفظ أمانته فلا يلام عمر إذ رام حفظ الأمانة الرسالية كما يحتج من يَرَى الوطنية عقدا سياسيا جامعا فهو ينافح عنه وينكر على من يلومه بل وينعت من لم ينتحله أنه خائن للوطن الذي اختزل في تُرَابٍ ذي حدود محدثة ، فضلا أن يختزل في شخص حاكم أو زعيم ، وإن كان من الجنس الخائن اللئيم ، فالإنكار عليه أولى وجنايته من خيانة الأمانة الرسالية أعظم .

والشاهد أنه قد كان من تعريب الدواوين واشتراط الإسلام في موظفيها ما ألجأ بعض النصارى أن يدخلوا في الإسلام حفظا لوظائفهم فيصدق في هذه الصورة لو جردت من القرائن أن فيها نوع إكراه معنوي ، ولكن ذلك لا يصح إطلاقه إلا إن كان عمر يروم التعسف فهو يضيق عليهم ويحرمهم من حق واجب من حقوقهم ليدخلوا في السلم كرها ! ، فلم يمنعهم حقا وجب لهم ، بل استرد من حقوق السيادة ما به يحفظ الأمانة التي حملها ، بل إن ذلك ، من وجه آخر ، قد أضر بميزانية الدولة إذ تقلصت الجزية وهي من مصادر الدخل ، فلو كان الأمر حكم سياسة أرضية فهي سياسة تعظم المصالح ولو خالفت عن المبادئ ، فلو كان الأمر كذلك لكان من حسن السياسة ألا يدخل النصارى في الإسلام فَتُحْرَمَ الدولة هذا المصدر المالِيِّ ، ودخول النصارى في الإسلام من هذا الباب لا يجعلهم أهل ثقة ، فإن من يغير دينه لأجل وظيفته لا يؤمن أن يرتد إذا كانت طعمته لا تنال إلا بذلك ، فيكون دينه هو معيار ولائه وبرائه ، فلا يُرَدُّ إسلامه إن أسلم فَلَعَلَّ إسلامَه يَحْسُنُ ، والحكم لما ظهر ، والله ، جل وعلا ، يَتَوَلَّى السرائر ، فَيَجْرِي ، من وجه ، مجرى من تُؤَلَّفُ قلوبهم ، فليس دخوله ابتداء دخولا يَرْكَنُ إليه عاقل ، بل ذلك ، لو تدبر العاقل ، يجعل السلطة تَتَوَجَّسُ خيفة من ولاء من يُغَيِّرُ دينه رجاء الكسب ، وإن عظمت الفتنة به ، فكم بِيعَ من الأديان والأخلاق والمبادئ رجاء مصلحة ، فشبكة المصالح شبكة تَتَرَاكَبُ ومن يحتل منها جزءا فلا خيار له أن يرجع فرجوعه يُخَلِّ بِتَوَازِنِ القوى ويؤذن بِتَمَزُّقِ الشبكة فهي وإن بدت محكمة إلا أن وهاء العقد الجامع ، عقد المصلحة العاجل ، يجعل تمزق جزء يؤثر في بَقِيَّتِهَا فلا بد من علاجه علاجا سريعا يحسم مادة الفساد من يقظة ضمير ! أو اختلاف مصلحة فعقد المصلحة لا يخلو من التناقضات التي تصير الحلفاء أعداء إذ لا قيمة عظمى تجمعهم إلا قيمة المصلحة وهي في نفسها لا تَنْضَبِطُ لا سيما والمعيار مادي بحت وحظوظ النفوس لا تخلو من تعارض يفضي في أحيان إلى التصارع والتقاتل ، فضلا أن ثَمَّ شبكة فضائح تواكب شبكة المصالح ، فالأمر ، كما يقول بعض المحققين ، لا يعدو أن يكون شبكة مصالح وشبكة فساد وكلاهما لا يقيم للقيم والمبادئ وزنا فلا يُعَوِّلُ عليها إلا خائن يستعجل غنيمة ، فلا تَرْسَخُ الحكومات إن كان مبدأ أمرها خيانة ، فذلك فساد لا يصلحه الرب القدير الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وإن ظهر أمرها وعظم شأنها فهو عارض يطرأ إذا لم يكن من الحق ما يَدْحَضُ ، فالباطل لا يظهر إلا إذا خفي الحق سواء أقصر الناس في إظهاره أم غُلِبُوا عليه أم كان الاثنان معا ، فكان التقصير وكان التنكيل ، فدخول إنسان في دين الإسلام أن يضيق عليه في معاشه حتى يسلم أمر لا يضيف إلى الدين رصيدا ذا بال ، فليس الأمر كثرة لا تغني شيئا ، فكثرة الأبدان لا تغني شيئا إن لم يكن ثَمَّ رسوخ في الأديان ، وإنما يقبل ظاهر الإسلام ممن أسلم طمعا في عطاء ، فَقَلْبُهُ قد يصلح بما يكون من التأليف وذلك أمر تظهر فيه رحمة الوحي على وجه يستوجب الحذر ، فالمرتد إذا رجع ، والمؤَلَّفُ قلبُه إذا دخل ، ليسا محل الثقة وإن قُبِلَ ظاهرهما فلا يُوَلَّيَانِ أمرا حتى تصلح حالهما ، فإصلاح الجهاز الوظيفي للدولة سياسة عامة قد تحدث آثارا جانبية ، فلم يكن قرار عمر نكاية في النصارى ، أو جبرا لهم على انتحال دين لا يؤمنون به ، فثم معيار جديد في التوظيف يحرر مؤسسات الدولة من أي تأثير خارجي فعقدها عقد الرسالة ، فلا تلام إن وَكَلَتْ أمرها إلى أتباعها ، فذلك أمر يدل عليه العقل ضرورةً يُجْمِعُ عليها الناس كافة ، فإن أي دولة لا تُوَلِّي وظائف السيادة إلا لأهل الثقة الذين ينتحلون قيمها الفكرية والسياسية ، وَلَا يَتَّهِمُهَا أحد أنها متعصبة تَنْحَازُ ، فالحزب الفائز بمقعد الرياسة فِي دولة المركز يغير طاقم الوظيفة في البيت الأبيض ، فكل إدارة لها طاقم ولا تُتَّهَمُ أنها تُكْرِهُ الطاقمَ القديم أن ينتحل قيمها السياسية ! ، فدولة الوحي طاقمها من أبنائها فلا يستعان بغيرهم إلا في أضيق حد فإذا لم يوجد من يسد مسد الكفاية فالاستعانة بغير المسلم إن في السلم أو في الحرب تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، وفي العصر الحاضر يرى الناظر في الحكومات العلمانية اللادينية من يلاحق خصوم الدولة ممن يعظمون الوحي ! ، وإن كانوا أهل كفاية وأمانة تصديقا لخبر الرسالة : "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خُدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ , وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ , وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ , وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" ، فَيُخَوَّنُ الأمين وَيُنْبَزُ أنه سبب يفسد ويخرب فلا بد من تحسس أمره والوشاية به حسما لمادة الفساد ، فذلك شعار فرعون في الإصلاح ومكافحة الفساد ، فـ : (قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ، وليس أحد ينكر على هذه الدولة الجائرة أنها تضطهد الموظفين وأنها تحملهم على الاستتار بما يؤمنون ، فهم كمؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه خشية البطش ، فالوحي ، وحده ، محل التهمة ! ، فلو سلم أنه متهم بالإكراه والاضطهاد على أساس الدين ، فلم لا يتوجه الاتهام إلى الدولة العلمانية اللادينية بالإكراه والاضطهاد على أساس اللادين ؟! ، والناظر في طريقة الوحي مع مخالفيه والأشج العادل من خير من تأولها ، الناظر فيها لا يجد من الاضطهاد ما يزعم الخصوم ، فإن عمر بن عبد العزيز كان يحسن إلى أهل الذمة ، فكان يقرضهم من مال الزكاة بلا ربا إذ استوفت الزكوات حاجة الفقراء من المسلمين ، فكيف يقرضهم وهو يكرههم على دخول الإسلام ، فالأولى أن يتوجه إلى الفقراء فيستغويهم بهذا العطاء ليفتنهم في دينهم لا سيما وعنده من فائض الزكاة ما به يغري الفقير ، ولم يثبت ذلك إلا في إطار التأليف وبينه بين الإكراه خيط رفيع ، فالإكراه يكون بمنع الحق وزيادة الواجب من جزية أو خراج بلا وجه حق ، وأما التأليف فيكون بالعطية لمن يرجى إسلامه فيوعد بالعطاء إذا أسلم لا أن يُتَوَعَّدَ بقطعه وإثقال كاهله إن لم يسلم فذلك القدر الفارق بين الإكراه والتأليف ، ومع ذلك لا يمكن إنكار تأثير هذا القرار في دخول جملة من موظفي الدولة في الإسلام ، رغبة في الاحتفاظ بوظائفهم ، وعددهم وإن كان كبيرا إلا أنه لا يحدث تغييرا ديموجرافيا في شعب كامل ، فالجهاز الوظيفي مهما تضخم فلا يشكل نسبة غالبة في أي شعب ، وإن كان ثم تأثير لهذا الجهاز بما له من دوائر اتصال بالعامة ، سواء أكان اتصالا مباشرا في قضاء الحوائج أم غير مباشر فلا يخلو هذا الجهاز من دوائر أسرية واجتماعية تجاوز حد الفرد ، فذلك عامل لا يمكن إهداره في دراسة الظاهرة الإسلامية في مصر ولكنه ، من وجه آخر ، عامل من جملة عوامل فلا يصح بالنظر في معيار الموضوعية ! ، أن تهدر بقية العوامل لا سيما وهي تملك نفس القدر من التأثير بل ومنها ما يزيد .
ومن جملة العوامل التي رصدها بعض الباحثين في هذه الظاهرة المركبة ، ما كان من هجرات عربية إلى مصر ، وإن كانت مبدأ أمرها هجرة نخبة عربية احترفت الوظيفة القتالية فلم يكن احتكاكها بالشعب المصري كبيرا وإن كان ثَمَّ مواسم تجمع الناس كموسم الربيع فكان العرب يَنْسَاحُونَ في الأرض طلبا للرعي ، فَتَرْعَى دَوَابُّهم من الزرع ، فهي مركب الحرب الذي يسوسه صاحبه ويصلحه ، فكان اشتغالهم بالحرب واشتغال عامة المصريين بالزرع يحول دون الاحتكاك الدائم لا سيما في الريف وقد كان انتشار الإسلام فيه أبطأ لما يتميز به الريف من قيم محافظة تتوجس خيفة من اي ثقافة وافدة ، فهي تتسمك بخصوصياتها الثقافية والأخلاقية ما لا تتمسك المدن والحواضر ، فذيوع الفكرة ، خيرا أو شرا ، يكون في الحواضر أسرع وأعظم أثرا إذ الحواضر مقام النخب الفاعلة التي تصنع القرار السياسي وتسهم بشكل فاعل في صياغة العقد الاجتماعي السياسي ، والثروة تَتَرَكَّزُ فيها لنشاط التجارة والصناعة الذي يزدهر في الحواضر ما لا يزدهر في الأرياف والبوادي ، فعوامل القوة الفاعلة تكون في المدن ، فقيادة الجيوش المركزية ومراكز صناعة القرار السياسي ونشاط التجارة والصناعة ومعاهد العلم والفكر ...... إلخ ، كل أولئك يكون في المدن ، فلئن كان عددها أقل فتأثيرها أعظم ، وتلك حال النخبة في أي عصر ، سواء أكانت نخبة خير أم نخبة شر ! ، فهي تملك أسباب القوة الصلبة والقوة الناعمة فيظهر تأثيرها في العامة بما تملك من الأسباب ، فمصر ظلت نصرانيةً قَرْنَيْنِ أو يَزِيدُ بالنظر في التركيبة الديموجرافية ، فكان انتشار الإسلام فيها بطيئا لا سيما في الريف ، مع أنها كانت إسلامية بالنظر في السلطة الحاكمة وذلك دليل آخر يَنْفِي شبهة الإكراه فالنخبة التي امتلكت أسباب القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لم تمارس ضغوطا على العامة ليدخلوا في دينها كرها ، فلم تصنع ما صنع الرومان ، فثم قدر فارق يقر به كل منصف ، فضلا أن المصريين قد صمدوا أمام القمع الكاثوليكي وهو الأشد ضراوة فما منعهم أن يصمدوا أمام القمع الإسلامي وقد كان دون القمع الكاثوليكي بمراحل ، لو صح أن ثم حركة قمع عام أجبرت المصريين أن يبدلوا دينهم ، فظلم الرومان كان أعظم وأطول زمانا ومع ذلك لم يفلح إلا في استقطاب نخب من المصريين دخلوا في دين الغالب ، وهو الروماني الحاكم ، فتعاونوا معهم ، أيا كان مبررهم ، فنظرة المجتمع إليهم أنهم خَائِنُونَ ، ولكنهم كانوا قلة بالنظر في عموم الشعب ، وهو شعب قد جُبِلَ على الصبر فتلك خاصته الرئيسة فلا يقاوم القهر إلا بالصبر ! ، وَقَلَّ أن يقاوم السلطة الجائرة بثورة سلمية أو مسلحة وإن لم يخل تاريخه من نقاط ساخنة إلا أنها كانت نقاطا محدودة فلم تكن طابعا عاما ، فالثورات المسلحة لم تكتسب وصف العموم وهو ما جعل السلطة تجهز عليها ولو بعد حين ، فقوة الدولة أرجح ، لا سيما في أعصار عظم فيها الاستبداد ، وتجارب الحركات الإصلاحية التي استدرجت إلى هذا الفخ بذلك تشهد شهادة صدق يعتبر بها من أحسن النظر والتدبر في التاريخ القديم والوسيط والحديث ، فكان من ثورات المصريين في عهد محمد علي احتجاجا على التجنيد الإجباري ما أرهق السلطة فالمجتمع قريب العهد بالسلاح فكانت بؤر ثورة مسلحة ولكنها لم تكتسب طابع العموم فنجحت السلطة ، ولو بعد حين ، أن تخمد هذه الثورات التي لم تبلغ حد الثورة العامة ، وكذلك الشأن في العصر الحديث إذ استدرجت السلطةُ المستبدة بعض حركات الإصلاح أن تحمل السلاح فكانت بؤرة عنف محدودة لم تنتشر الانتشار الأفقي في المجتمع فهي حركة رأسية يسهل ضربها بضرب رءوسها فالقواعد جسد لا حراك فيه إذا استهدفت الرأس ، ويسهل التحكم فيها إذا اخترقت الرأس فَتُوَظَّفَ لتحقيق مآرب السلطة ، ولو بإلجائها أن تسلك طريقا بعينه تَرْسُمُهُ السلطة على مكث ! ، وإن كان الظاهر من الحال خصومة على الأرض فهي بَيْنَ العناصر الدنيا التي تضحي بها السلطة لتحقيق مكاسب دعائية ، فيحشد المجتمع ضد هذه الحركة التي تدفع وحدها ثمن الإنكار على الظالم ، أصابت أو أخطأت ، سالمت أو حاربت ، فالسلطة بما تملك من أدوات التخطيط والتنفيذ تستنزف الحركات الإصلاحية في مغامرات سياسية أو عسكرية غير متكافئة ، تحقق بها من المآرب ما تريد وإن دفعت ثمنا باهظا من دماء الجند الأدنى فهو من يباشر الأمر على الأرض ! ، والسلطة هي التي تحصد المكاسب إذ تحسن الاتجار بهذه الصورة المأساوية في استجلاب الدعم في الداخل وفي الخارج فهي تخوض الحرب العادلة لقمع الشرذمة الغائظة ، ولا يدفع الثمن إلا طرف واحد ، فهو ، دوما ، من يتبرع بدفع الثمن من دمائه بلا مقابل يعتبر في نظر الشرع الذي يراجح بين المصالح والمفاسد وإن استفاد الأفراد من رجالات المبادئ الذين صدقوا النية والقصد فعظم فيهم العزم والبأس فلا يَتَوَلَّونَ من كبر الريادة ما يَتَوَلَّاهُ الرءوس ولا حساب لهم تَعُمُّ به البلوى كحساب من يَتَصَدَّرُ ، فعليه من التبعة ما هو أعظم ، فالفرد الواحد لا يحمل تبعة تجاوز ذاته ، وعاقبته خير إن أحسن القصد فبذل من التضحية ما قد يجاوز الحد فَيُهْدَرُ رأس مال الحق ، كما يسميه بعض الفضلاء ، يُهْدَرُ بلا مقابل راجح ، ولكن آحاده قد أحسنوا القصد فبذلوا نفوسهم وأموالهم راضين وأحسنوا الظن بمن يتصدر فهم له تبع ، وإن لم يخل ذلك من معنى يذم ، فالتقليد في مسائل الاجتهاد وإن جاز ، إلا أن إعمال العقل أولى لا سيما وصاحبه يملك منه قدرا يحسن به النظر في الأمور ، فكان من عبء المتصدر في هذه الحال ما يَعْظُمُ عبء التابع ، وكان من الفقه ما يوجب تدبر العواقب لئلا تفضي الحال إلى نتيجة مفجعة يتحملها في الغالب ! طرف واحد في الخصومة ، وهو خطأ تكرر على وجه لا يخلو من غفلة توجب الذم وإن وجب العدل في الحكم فلا يحمل كلٌّ من الوزر كفلا يَتَسَاوَى ، مع اختلاف القصد وتفاوت الجرم وذلك أمر يدق فيه الحكم ، فهو ، أيضا ، مما تراكبت أجزاؤه فوجب التفصيل في السبر والتقسيم فلا يكون إطلاق الحكم بمدح أو ذم ، وعند الله ، جل وعلا ، يكون الجمع إذ الخصومات العامة قَلَّ أن تُسْتَوْفَى كاملة في هذه الدار ، فعند الله ، جل وعلا ، في الدار الآخرة تجتمع الخصوم .

ولم يخل مشهد السياسة في مصر من ثورات نصرانية جراء ما يكون من عسف الولاة في جباية الجزية والخراج بزيادات تُثْقِلُ الكواهل ، فتعاملت معها الدولة الأموية والعباسية بصرامة بلغت في أحيان كثيرة حد العنف المفرط ، وذلك ، كما يرصد بعض الباحثين ، أمر تأخر حتى مطلع القرن الثاني الهجري ، سنة 105هـ ، فذلك تاريخ أول ثورة نصرانية في مصر وهو ما يَنْفِي شبهة الاضطهاد المبكر مطلع الفتح فقد كانت تلك الحقبة من أشرف ما يُدَوَّنُ من تاريخ مصر ، وإن لم تخل من نقص ، فليس الأمر صناعة خيال لا حقيقة له في الأرض ولكنه استقراء يُجْرِي الناظر فيه السبر والتقسيم ، فيستقرئ ثورات النصارى أو ثوارت العامة فلم تخل الثورات ذات الطابع الاقتصادي من طابع العموم فعسف الولاة يضر بالجميع ، وذلك ، أيضا ، أمر يستوجب النظر في حال الأقلية النصرانية المعاصرة فإنها قد خالفت عن هذا المعيار العام ، فَجُلُّهَا ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، يشكو الفقر وإن كانت حالهم في الجملة خيرا من حال الأكثرية الإسلامية المغلوبة فقهر السلطة لها أعظم إذ الخطر ينشأ منها ما لا ينشأ من الأقلية التي لا تملك من شرعية التغيير ما تملكه الأغلبية ، فقوتها تؤثر في صناعة القرار أيما تأثير ، فالأقلية إن امتلكت أسباب القوة صارت ذا دور فاعل في صناعة القرار السياسي فكيف إذا امتلكتها الأكثرية ؟! ، فالسلطة قد ترضى بتملك الأقلية بعض أسباب القوة الناعمة والصلبة ولكنها ترقب ذلك في حذر ومع ذلك تعطي الأقلية من الفسحة ما لا تعطي الأكثرية المقهورة ، فتعطي الأقلية فسحة أسباب ، لا سيما الأسباب الاقتصادية التي يسيطر فيها رجالات المال والأعمال على حصة تجاوز وزنهم النسبي في المجتمع ولا يكون ذلك ، بداهة ، بمنأى عن السلطة ، فهي إما أن تكون شريكا مباشرا في الأرباح ولو بفرض الإتاوات ! ، وإما أن تدعم هذا التوجه لمصالح مشتركة أو لضغط من قوة أكبر من الخارج تلجئ السلطة التابعة أن تخضع فتقدم من التنازلات ما يخفف ضغط الخارج وهي مع ذلك تُنَاوِرُ فَتُجِيدُ توظيف هذه الورقة الفاعلة في أي نظام فاسد ، فلا بد أن يُغْرِيَ العداوة والبغضاء بين الطوائف ، لا سيما إن كانت القسمة دينية أو مذهبية ، فذلك ما يجعله يستنزف المجتمع بالخصومات الدينية والفكرية فيحسن يضرب خصومه بعضهم بِبَعْضٍ ، لا سيما الخصم الأكبر ، الذي يملك الأغلبية الديموجرافية ويملك الأهلية الفكرية بما له من مرجع سماوي يجاوز النظام والأرض كلها ، فالوحي أعظم ما يهدد النظام الفاسد إذ يفضح زيف الدعاية ، دعاية العدالة والإصلاح ، فوحده الذي ينهى الفاسدين وإن زعموا أنهم المصلحون للدنيا بل والمجددون للدين ! ، فـ : (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) ، فخصومة السلطة الفاسدة للأغلبية تعظم إذا كانت مرجعية الأغلبية هي المرجعية الرسالية فلا بد من مكافحتها فهي مرجعية الإرهاب والتطرف ، فَيُنَفَّرُ الناس منها ويستأصل من يَنْتَسِبُ إليها نسبة تجاوز الحد الآمن ! ، والأقلية في هذه الحال أداة من أدوات السلطة في إضعاف الأغلبية ، فمثلها في هذه الحال كمثل المجموعة الوظيفية القامعة التي تكبح جماح أي معارض بالقوة النارية القاتلة ، فكذلك الأقلية الدينية أو المذهبية أو الفكرية فهي تخالف الأغلبية في المرجعية فتمارس من الحرب الناعمة ما يعضد الحرب الصلبة ، فَيَتَوَجَّهُ الطعن إلى الأديان والأبدان جميعا ، والتحريش بين المجموعات الوظيفية في شق ، والأغلبية في آخر ، وتسعير الحرب على قاعدة : أكون أو لا أكون ، فهو صراع الوجود ، والتذرع بحماية الأقلية من بطش الأغلبية المتطرفة ، وتوجيه الرسائل السياسية الدموية إلى الأقلية إن جاوزت هي الأخرى الحد الآمن ! ، فارتفع سقف طموحها لا سيما مع الدعم القوي من الخارج وهو خارج لا يصدقها النصح وإنما يَرُومُ بها ، أيضا ، الكسبَ فهي من أوراقه التي بها يضغط ليحقق بعض مآرب السياسة ، فَحَدُّ الأقلية الآمن أعلى بكثير من الحد الآمن للأغلبية ، ولكنها مع ذلك لا تملك فضاء مطلقا تتحرك فيه بل ثم خط أحمر لا تجاوزه وإلا كانت الرسائل السياسية القامعة مع إبداء الأسف واستثمار الحدث تباكيا ومزايدة في سوق الدعاوى وذريعة إلى قمع الأغلبية المتطرفة ، كُلُّ أولئك من سنن السلطة الظالمة في أي مصر ، والناظر في هذه الجملة المركبة من الأسباب قد يَزُولُ عجبه من حال الأقلية النصرانية المعاصرة فإنها تختار السلطة وإن ظالمة مستبدة قد طالها عسف السلطة ، فَنَارُهَا خير من جنة الأغلبية ، وذلك اختيار لا يقتصر على الأقلية الدينية وإنما يعم الأقلية الفكرية ، فهي تخاصم مرجع الأغلبية الرسالية ما لا تخاصم مرجع أي دين آخر ، فنخب الفكر في بلاد الشرق بما ارتضعت من لبان الحقد الذي سالت به أثداء المركز ، هذه النخب بهذا اللبان الفاسد قد جاوزت في خصومتها الوحي خصومةَ أعدائه التاريخيين في المركز ، فهي مركزية أكثر من المركز ! ، وعلمانيتها من النوع المتطرف شديد التطرف فهي من النوع ضد الإسلامي حصرا ، فلا ينكر الناظر في حالها أنها تبغض السلطة المركزية المستبدة ، لا سيما السلطة العسكرية ، فقيم الحرية المطلقة التي تنتحلها ، صدقا أو كذبا ! ، فكثير منهم كاذب في نحلته وتاريخه إذ يكثر التنقل بين المذاهب الفكرية والمرجعيات السياسية ، تاريخه على ذلك شاهد ، فهو يؤجر عقله لمن يعطي أكثر ! ، فإذا انقطع العطاء أو قل ، أو كان ثم عطاء أعظم ، فهو يسارع في الانتقال إذ لا قيمة مطلقة في تصوره إلا قيمة المصلحة المادية وهي في نفسها نسبية لا تنضبط ، لا سيما والدول تتعاقب ، فيرث بعضها بعضا ، ويغلب بعضها بعضا ، فينتقل المغلوب إلى دين الغالب إذ يسارع بالقفز من المركب الغارق ! ، وذلك ، أيضا ، من جملة الأسباب التي أثرت في الظاهرة الإسلامية المركبة في مصر بعد الفتح ، فكان من أسباب دخول المصريين في الإسلام ما جبلت عليه نفس المغلوب فهو ، كما قرر ابن خلدون رحمه الله ، مُولَعٌ بِتَقْلِيدِ الغالب ، وذلك سبب قد يَتَضَاءَلُ بالنظر في أصل الاعتقاد ، فَالْوَلَعُ بِتَقْلِيدِ الغالب في دين الحضارة والسلوك أظهر ، وأما دين الاعتقاد فأمره أعظم ، فلا يكون التقليد فيه ما يكون في الحضارة والسلوك .
فكان من انتقال نخب الفكر والسياسة من المركب الغارق إلى مركب الدولة الغالبة ما يدل على كذب دعواها فلا تُؤْمِنُ بما تَنْتَحِلُ إلا بقدر ما تُنْحَلُ من العطايا ، وهي كالأقلية الدينية تخاصم الدولة المركزية المستبدة ، بل ما تَزْعُمُ انتحاله من قيم الحرية المطلقة يجعل خصومتها أشد ، ولكنها إذ لا تملك من قوة التأثير في العامة فلا تجد بدا إلا أن تخضع لسلطة المستبد فهو أقرب إليها من الأغلبية ، فكلاهما ، السلطة العلمانية المسلحة والنخبة الفكرية اللادينية ، كلاهما من صناعة مركز واحد فوشائج القربى بينهم أقوى وإن كان بينهم من الخلاف ما يعظم ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) ، فهما ينتسبان إلى جنس العلمانية الأعلى ولكن نوع العلمانية السلطوية الصلب يخالف عن نوع العلمانية الفكرية الناعم ، ونعومته ، لو تدبر الناظر ، نعومة من لا حيلة له فشراسته تظهر في القدح في مرجع الأغلبية وتحريض أي قوة صلبة أن تستأصلها فلو امتلكت أدوات القوة لأعملت فيها سيف الاستئصال ما لا تُعْمِلُهُ السلطة المستبدة فخصومتها الفكرية مع الأغلبية وإن عظمت إلا أنها أخف وطأة من خصومة الأقلية اللادينية مع قيم الوحي ومبادئه ، والمركز الذي صنعهما يفاضل بينهما فلو علم في هذه النخبة الفكرية تأثيرا فاعلا في العامة يعطيها قوة تقمع بها المرجعية الرسالية ، لو علم فيها هذه القوة لسلمها مقاليد الحكم وفق نظرية المركز السياسية ، ولكنه لم يَرَ فيها من قوة الطرح ما يجتذب الجمع ، فالعامة على مرجع آخر ، وإن في الجملة ، فلا يستقيم الأمر إلا أن يكون المجموع الوظيفي الحاكم صلبا ليقمع طموح الأغلبية ، وإن انخفض سقفه فيكاد يصير علمانيا كطرح المركز إلا أن نسبته إلى الوحي ، ولو في الجملة ، يؤذن بالمفاصلة ولو بعد حين ، فكان اختيار النخبة الصلبة اختيارَ الضرورة ، وهو ما تدركه هذه النخبة فلا تصفو لنخبة الفكر العلمانية وإن أظهرت لها من الولاية بقدر ما توظفها هي ، أيضا ، في طعن الأغلبية ، فلا تأمن لها كما لا تأمن للأقلية الدينية ، وإنما تحسن توظيف الأقليتين في طعن الأغلبية مع الحرص على إضعافهما فلا يجاوز طموحهما الحد الآمن ، فذلك قانون يطرد في سلوك النظام المستبد ، فلا يطيق طرفا من أطراف الخصومة يجاوز الحد الآمن سواء أكان إسلاميا أم نصرانيا أم علمانيا ، فلا بد أن يكونوا جميعا تحت السيطرة ولا بد من استنزافهم بالتحريش بينهم واستمالة بعضٍ لحربِ بعضٍ ، فهو تكتيك مؤقت لا استراتيجية مؤبدة فقاعدته في الحكم : لا تحالفات دائمة وإنما مصالح دائمة ، فمعيار المصلحة إذ يضطرب يوجب على صاحبه إجادة المناورة بعقد التحالفات الْبَيْنِيَّةِ المؤقتة مع أي طرف يحقق المصلحة العاجلة ثم التخلص منه أو تحجيم دوره أو التحريش بينه وبين غيره أو تسليط غيره عليه لتأديبه نيابة عن السلطة فتخرج من العهدة فالتأديب بِيَدِ غيرها لا بِيَدِهَا ! ، فتحرص هذه السلطة على إضعاف الجميع ، وإن كان منهم مجموع وظيفي قريب النسبة ، وهو المجموع الوظيفي الفكري ذي المرجع العلماني اللاديني ، أو ضد الديني ، فالسلطة تشاطره هذه النسبة الفكرية إذ كلاهما من رحم المركز قد خرج ، فهي ، أيضا علمانية لادينية أو ضد دينية ، ولكنها بما جبلت عليه النفوس من الشح والأثرة لا تروم في حجر المركز وليدا غيرها ، فتسعى في إضعاف هذه النخبة لئلا تحظى بثقة المركز أن تَنُوبَ عنها في حكم البلاد فَدُونَهُ الرقاب ، وإن علمانية لادينية ، فكيف بمن دونها من الرقاب الرسالية ، فقطعها أيسر إذ لا بواكي لها في المركز إلا دموعا يذر بها الرماد في العيون ، لا سيما إن أعطت دنية فرضيت ، ولو تأولت ، أن تكون في أحيان أداة تؤدب بها السلطة خصومها ، من الأقليات الدينية والفكرية ، فضلا أنها تغازل الأغلبية التي لها نسبة إلى الرسالة فَتَظْهَرُ السلطة أمامها أنها حامية الدين والقيم ! .

والشاهد أن انتشار الإسلام كان بطيئا في الريف المحافظ لا سيما واختلاط العرب بأهل البلاد لم يكن عاما حتى أصدر الخليفة المعتصم أمره بإسقاط الجند العربي من الديوان بعد أن استكثر من الجند التُّرْكِيِّ ، فصاروا هم أهل الحلقة ، فاضطر العرب أن يخالطوا المصريين في أسباب الكسب من التجارة والزراعة والحرث ، فكثر بَيْنَهُمُ التَّبَادُلُ وَالتَّنَاكُحُ وذلك ما زاد انتشار الإسلام والعربية في مصر ، فقرار المعتصم ومن قبله قَمْعُ المأمون لثورة القبط الكبرى مطلع القرن الثالث الهجري ، وهي ، كما يقول المقريزي رحمه الله ، قد أضعفت النصارى فاستسلموا واستكانوا ولجئوا إلى المداهنة ولم يكن ثم قوة ضاربة في الفكر أو الحرب تطيق مناجزة السلطة التي جاوزت الحد في العنف لا سيما وقد أقرت بخطإ الوالي فكان عقابه أولى قبل قمع الثورة ، فإبطال المظالم يُبِينُ عن طالب الحق من صاحب الدعوى الذي يُوَظِّفُ الحق في خدمة الباطل ، فيظهر الانتصار لمظلمة وَيُبْطِنُ من قصد الإفساد ما يناقضه ، فَقَبْلَ الشروع في العقوبة لا بد من العدل في الحكومة سدا لذرائع الشر ، فلا أعظم ذريعة إليه من الظلم ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما يبطل حجة الظالم إذ يعيب ما يكون من فوضى إذا ثار الناس إنكار لظلمه ، فينظر في النتيجة وهو السبب بما صنع من متناقضات وبما ظلم في الحكومات فجعل الناس شيعا وأغرى بينهم العداوة والبغضاء واستعمل بعضهم في استضعاف بعض فلا يرسخ ملكه إلا والناس على أنحاء فمنهم جنده وحاشيته ومنهم طوائف من المستضعفين لا سِلْكَ يَنْتَظِمُهُمْ ليدفعوا بطشه وجوره ، فَلَوْ عدل ابتداء ما اضطر الناس أن يَثُورُوا مع ما يكون في حراكهم من فوضى فلا أحد يطيق عقالها إذا انفلتت فليست زرا يُضْغَطُ وَيُبْطَلُ وإنما هي تأويل السنن الكوني المحكم .

فكل أولئك مجموع مركب في الظاهرة الإسلامية في مصر ، فلم يكن السبب واحدا ، ولو تدبر الناظر ما أهدر السبب الرئيس وهو اقتناع المصريين بدين الوافدين ، فلم يكن دينهم يُكْرِهُ المخالف بل رأوا من عدله في الحكم وحصل لهم من حرية الاعتقاد ما ظهر به القدر الفارق بَيْنَ حكومة الرومان الكاثوليك وحكومة الفاتحين المحررين ، فضلا عما أصاب العقل المصري من ضجر وحيرة من تفسير العقد اللاهوتي الميتافيزيقي الذي يحيل العقل تصوره ، فهو يناقض بدائه العلم الضروري فلا يُتَجَرَّعُ إلا كرها بذريعة الإيمان فهو تسليم مطلق ولو بما يخالف الفطرة والعقل ، وذلك ما لم يجده المصريون في عقيدة تَتَلَخَّصُ في وحدانية الله ، جل وعلا ، البسيطة الواضحة ورسالة نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما ينقل بعض الباحثين عن المستشرق البريطاني توماس أرنولد في كتابه الأشهر "الدعوة إلى الإسلام" ، وهي ، أيضا ، من جملة النوافل في الشهادة لدين الرسالة ، فيفحم بها المخالف ما لا يكون في حق الموافق الذي آمن وَاطْمَئَنَّ قلبُه فَفِي أدلة الرسالة كفاية لمن تدبر معانيها الجامعة فلا تخالف عن الطريقة العقلية الناصحة .

وذلك ما يعظم من دور الفتح الذي أزال الحكومة الجائرة فصحح الله ، جل وعلا ، به حركة التاريخ ، فهو تاريخ الرسالات العادلة لا تاريخ الحكومات الجائرة ، فحكومة الرسالة حكومة العدل وهي ما يصح معياره ويطرد فلا يصير الناس به شيعا ، وذلك أمر ، لو تدبر الناظر ، يبطل حجة يهود في بَيْتِ المقدس بالنظر في تاريخ الحكومات ، فَلَوْ سَلَّمَ لهم الناظر بهذا المعيار لكان لهم من الشبهة ما تعظم به البلوى ، فقد أقام داود البيت وَأَتَمَّهُ سليمان ، عليهما السلام ، فتلك محطة تاريخية تثبت أحقية يهود في دعواهم ! ، فهي صحيحة بالنظر في تاريخ الحكومات السياسية ، دون نظر في الحكومات الرسالية ، فإن الرسالة هي التي حكمت بيت المقدس فإذا درست آثارها في الأرض كان العقاب أن تُنْزَعَ من يد أصحابها ، فسلط الآشوريون على مملكة يهوذا ثم سلط عليها الفراعنة المصريون ثم سلط عليها البابليون في السبي الأول ثم رَدَّ الفرس يهود إلى البيت المقدس فأعادوا بنائه ثُمَّ أفسدوا وبدلوا فَبُعِثَ إليهم المسيح عليه السلام فكان من عداوتهم لرسالته ما قد عُلِمَ وَسُطِرَ في الكتب الرسالية ، ثم كان العقاب أن سلط عليهم الرومان الوثنيون فطردوهم من البيت المقدس ، ثم كان فتح عمر ، فتح الرسالة ، ثم كان عدوان الحملات الصليبية ثم كان تحرير صلاح الدين ، ثم كان احتلال الإنجليز في 1917 فقيام كيان يهود في 1948 ، ففي هذه السلسلة من الأحداث يطرد معيار الرسالة ما لا يطرد معيار الحكومة فالبيت المقدس في أيدي المؤمنين من لدن داود ، عليه السلام ، بل وقبله من لدن إبراهيم ، عليه السلام ، الذي وضع الأساس الأول أو آدم في رواية أخرى ، فإذا نَكَلُوا وحادوا عن جادة الرسالة سُلِّطَ عليهم من الأعداء من تقدم ذكره ، فإذا دخلوا باسم الرسالة كما دخل عمر ، وهو من أتباع الرسالة الخاتمة الناسخة التي تشهد لملك داود وسليمان شهادة الحق ، فـ : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) ، فلم تكن خلافته خلافة ملك على وجه يجعل جنس يهود أصحاب الحق وإنما حكومته حكومة الرسالة فأتباعها في كل جيل أولى بإرثه ، ولم يكن إرث سليمان منه إرث الملك العضوض ، بل ورث منه النبوة والحكمة ، فلو كان ذلك الإرث المعهود من المال والعقار والملك لكان قول الرب جل وعلا : (وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ) ، عَبَثًا فذلك من البدائه ، كما يقول بعض المحققين ، فهو يضاهي القول إن فلانا قد مات وورثه ابنه فلا يفيد ذلك السامعَ شيئا ! ، فهو يعلم ذلك بداهة ! ، ولو سُلِّمَ أن الإرث إرث مُلْكٍ وسياسة فذلك ما قد نسخه الشرع الخاتم ، فـ : "إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة" ، فغايته أن يكون مِنْ شرع مَنْ تقدم وهو ليس شرعا لنا إن جاء في شرعنا ما يخالف عنه ، مع أن النص ، لو تدبر الناظر ، قد عم الأنبياء جميعا فذلك قانون يطرد وهو يبطل نسبة الإرث ملكًا ، فهو الإرث رسالةً ، وقد فَتَحَ عمر البيت المقدس بهذه النسبة الرسالية ، ولم تداهن السنة الربانية المؤمنين ، وإن كانوا أتباع الرسالة الخاتمة فَلَمَّا ضعف استمساكهم بها وفشت فيهم المحدثات فكان سلطان الباطنية على البيت المقدس ومصر والحجاز وأنحاء من الشام ، كان من حملات الصليب ما عظمت نكايته في الشرق حتى جاء صلاح الدين ليحرره باسم الرسالة ، فلم يكن الفتح فتح سياسة أرضية وإنما كان فتح سياسة رسالية ، فمناط الحكم ليس إرث الحكومة فلو سلم الخصم ليهود بذلك فهم أصحاب البيت إذ بناه داود الذين ينتسبون إليه نسبة الولادة ولو زورا ! ، وإنما المناط المحكم في هذا الباب هو إرث الرسالة ، فأتباع النبوة هم أصحاب البيت وحكام الأرض بما تحملوا من شريعة الوحي ، فوجب تحرير هذا المناط في الفتوحات ، وإلا فشبهات الغزو وإكراه الناس على الدخول في دين الحق كما تقدم من شبهة إكراه المصريين فضلا عن الطعن في قادة الفتح كعمر ، أو قادة التحرير كصلاح الدين كما قد فشا في هذه الآونة فهو من جملة ما عمت به البلوى في حكومات الجور والخيانة التي خالفت عن منهاج الرسالة فخاصمت الشرق المسلم فكره وثقافته واجترأت على ثَوَابِتِهِ وأعلامه ما قد يدهش الناظر فيه ، بادي الرأي ، ولكنه إن نظر في تاريخ هذه الحكومات ومبدأ أمرها ونظرية حكمها فدهشته تَزُولُ فهي حكومات أَجْنَبِيَّةُ السلطة في المركز مَحَلِيَّةُ الأدوات في الأطراف ، فليست إلا مجموعات وظيفية بها يحكم المركز أرض الوحي المنزل ، فما تقدم من شبهات تطعن في الرسالة وحملتها وَتُزَيِّفُ تاريخها فتجعله بحورا من الدماء والأشلاء ، وإن كان فيه من ذلك شيء بل وأشياء ، إلا أن فيه من الخير ضعف بل وأضعاف ! ، والعدل في الحكومة يوجب استقراء التاريخ كله لا استقطاع مشاهد يتحكم صاحبها في اختيار ما يوافق هواه الذي انتحله دينا ، فصار نظره في التاريخ نظر من يَنْتَقِي لا من يطلب الحق فَيَتَّقِي ، فما تقدم من هذه الشبهات يرجح كفة يهود فحجتهم في البيت المقدس أقوى ! ، فهم نسل داود وسليمان الذين ورثوا الأرض ملكا وإن خالفوا عن الرسالات السماوية بل ورسالة التوراة التي يزعمون انتحالها ، فلكلِّ حضارة معيار به تحكم ، فإن حاد المسلم عن جادة حضارته الرسالية فلا بد أن يسلم بأحقية يهود في البيت المقدس فقد بناه جدهم الأعلى ، وإن سلك الجادة الرسالية فبيت المقدس لمن آمن من هذه الأمة فداود من أجداده الرساليين فيجمعهم رباط التوحيد ، رباط الأمة الرسالة الواحدة ، فـ : (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) .

والناظر في تاريخ الرسالات يجد أن الكتاب الهادي والحديد الناصر صنوان لا يفترقان ، فالنبي موسى الكليم ، عليه السلام ، كان نبيا مقاتلا ، ومن بعده كان يوشع الذي دخل الأرض المقدسة بسيف الرسالة فَقَمَعَ الجبارين أن كان على دين النَّبِيِّينَ وهو يهودي ، فَلَوْ طرد الناظر معيار التاريخ المجرد من الوحي فهو ، أيضا ، شاهد أن الأرض والبيت ليهود ، وأما الرسالة الخاتمة فهي شاهدة أنها ليوشع ومن آمن بعده ، وأنها لمن سلك جادتها ، جادة الكتاب الذي جاء من به من قال في وصفه : "بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بالسَّيْفِ، حتى يُعبدَ اللهُ وحدَه لا شريك له، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي" ، وذلك ، بداهة ، مما يخالف عن طرائق السياسة الأرضية التي ترى القتال لنصرة الشرع وتحرير الأرض ضربا من العبث ، وإن جُرِّدَ من الاصطلاح الشرعي فاستعير له اصطلاح من قبيل الانتفاضة والمقاومة ، فلا تصلح هذه الاصطلاحات في عالم السياسة المعاصرة ! التي لا ترى خصما إلا الوحي فوحده من يفضحها فلا بد من سد الطرق التي تمهد له ، فإن أي اصطلاح شرعي كالجهاد أو حتى إنساني كالمقاومة أو الانتفاضة قد يعزز فرص الوحي أن يحكم وتصير له شوكة فتذهب دولة الخصم الذي ما أسس ملكه إلا على خلاف الوحي ، فكيف يرضى به سيدا يحكم أو شريكا يؤثر ، وذلك مناط الصراع الذي يجعل البيت ليهود إذا اقتصر الناظر على تاريخ السلالات مع ما دخلها من كذب وافتراء ، ويجعله لأهل الحق بالنظر في تاريخ الرسالات فهم أحفاد كل نبوة تقدمت ، وهم أحفاد من قاتل أهل الباطل بالحجة والبرهان والسيف والسنان ، فلهم نسبة صحيحة إلى الوحي والشريعة ، ولهم سبب وثيق بأولي العزم محمد الأمين وموسى الكليم ، وكلاهما مقاتل قد جاء بالكتاب والسيف ، وكلاهما قد أبان عن العاقبة وهي للمتقين إذا استعانوا وصبروا ، فـ : (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .

والله أعلى وأعلم .