من أعظم أجناس العصيان : جنسُ الإلحاد في الوحي المنزَّل ، فالإلحاد جنس عام تندرج تحته آحاد ، فهو مئنة من الميل ، ومنه ميل الحس ، كما في لحد القبور ، ومنه ميل المعنى ، وهو الانحراف به عن وجهه الصحيح سواء أكان نصا أم ظاهرا أم مؤولا تأويلا يصح قد استند إلى قرينة تعتبر في هذا الباب ، فلا يوصف من تأول لفظا فرجع به إلى معنى يصح وكان معه من الدليل ما يعضد دعواه ، فهو إذ يُخَالِفُ عن ظاهر متبادر ، وإن بالنظر في الدلالة المعجمية المفردة ، فلا يخلو التأويل أن يخالف صاحبه عن المعنى الذي يَتَبَادَرُ فإذا أقام الدليل على تَأْوِيلِهِ فهو صحيح لا إلحاد فيه ، إلا بالنظر في معنى الإلحاد المجرد ، فهو ، كما تقدم مئنة من الميل ، فالمتأوِّل ، وإن صح تأويله ، إلا أنه لا يخلو من ميل في الدلالة المعجمية المطلقة ، فيصدق فيه أنه ملحد ! ، لا أنه محرِّف وإنما ألحد بصرف اللفظ عن معناه القريب إلى آخر بعيد ، فذلك قدر يصح في كل متأوِّل ، سواء أكان تأويله تفسيرا صحيحا أم تحريفا فاسدا ، فالمعيار الفارق هو القرينة ، فإذا صحت فذلك تفسير ، وإن فسدت فذلك تحريف قد يبلغ حد التلاعب بالدلالات على وجه يخالف عن صريح المعقولات وصحيح الديانات ، فكان من الإلحاد إلحاد يذم ، فهو الخروج بالوحي عن الجادة ، فيدخل فيه الكفر ، والاستهزاء ، والتأويل الباطل أو الباطن ، والتعطيل الذي يستغرق تعطيل الأخبار والأحكام ، فتعطيل الخبر رد لدلالته إن بالجحد والتكذيب أو بالتحريف فيخالف به عن المعنى الصحيح إلى آخر باطل ، فحرف الشيء حده ، فإذا حرفه من وجه إلى آخر فقد خالف به عن مراد القائل ، وتعطيل الأحكام إبطال لحدودها على وجه يجاوز حدود الجناية ، فالتعطيل جنس عام يستغرق كل حكم ، إن حكما في الجناية أو آخر في السياسة أو ثَالِثًا في الحرب أو رَابِعًا في التجارة ..... إلخ ، فضلا عن أصول الفكر والنظر ، فإن الوحي أصلٌ له رَوِافِدُ في كل باب من أبواب الدين سواء أكان من الأصول أم من الفروع ، فهو مستمد التصور ومعدن الاستنباط ، فثم أصل التوحيد الذي يصدر منه كل حكم في الوحي ، وثم أصل تصدر عنه الأضداد من المحدثات العلمية والعملية ، فكلها ، لو تدبر الناظر ، تأرز إلى شبهة تقدح في التصور ، أو شهوة تقدح في الإرادة ، وهما ، في أحيان كثيرة ، مما يجتمع في الشخص الواحد ، فيكون من شبهة الفكرة ما يقدح في أصل التوحيد الجامع أو في كماله الواجب ، ويكون من سكرة الشهوة ما يميل بصاحبه فَيُقَارِفُ من لذات الحس ما حرم فذلك يفسد الإرادة ويضعف المحل فيقبل آثار الشبهة ، فإن الجنان مستقر الفكرة التي تصدر عنها الإرادات والأقوال والأعمال ، فهي جائزة عظمى يَسْتَبِقُهَا وحي الرحمن ووحي الشيطان ، والمحل يقبل ما يواطئه وهو ما يجعل الناظر يجتهد أن يقارب الحق فلا يخوض مع الخائضين في باطل قول أو عمل ، فذلك ما يضعف المحل فيخالف عن جادة الحق فيصير إلى الباطل أقرب ، وذلك من شؤم الخوض في الباطل أو استماعه أو القعود مع أهله اختيارا بلا إلجاء يكره ، فكان من جناية الكافرين إذ سُلِكُوا في سقر ، أن : (كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) ، فدلالة الكينونة الماضية لا تخلو من ديمومة اتصاف فلم يكن ذلك عارضا يطرأ ، بل كان وصفا يَكْثُرُ فاطرد من حالهم الخوض في الباطل ، فخاضوا مع الخائضين ، وهو ما أُطْلِقَ فَعَمَّ أنواعا كثيرة كما الإلحاد ، فكان الخوض في الشبهات وهي جنس تحته أنواع ، فشبهات في الأخبار وأخرى في الأحكام ، وشبهات في الإلهيات وأخرى في النبوات ، ومنها ، أيضا ، ما يقدح في أصل الدين ومنها ما يقدح في كماله ، فتلك قسمة تطرد في كل إلحاد وخوض ومعصية ، فمنها جنس أكبر يَنْقُضُ ، ومنها آخر أصغر يُنْقِصُ ، وكان الخوض في الشهوات وهو مما يفسد الإرادات ويضعف المحل فيكون إلى قبول الشبهة أقرب إذ ليس من مادة الخير ما يدفع ، فمادة الخير علما وعملا تحصن الجنان من وسواس الشيطان وزخرف العصيان إذ يُحَسِّنُ ما قَبُحَ من فاحش القول والعمل ، فلا يصح في النظر حقيقة إن لم يكن المستمد هو الشريعة ، فلا تعارض الحقيقة ، كما يزعم غلاة في الإرادة زَيَّنَ لهم الشيطان أن يخالفوا عن جادة الوحي ، فجعلوه ظاهرا ساذجا ، وباطنا مؤولا ، فلا يلزم من بَلَغَ الباطن أن يسلك جادة الظاهر فهي تجري مجرى الوسائل التي يُتَذَرَّعُ بِهَا إلى الغايات فلم تصر الغاية هي العبادة تأويلا للآي المنزَّل أَنْ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وإنما الغاية درجة من العلم ، زعم صاحبها ، هي باطن يخالف عن ظاهر الشريعة فلا يبلغه الناظر إلا أن يعطل الوحي فيلحد في ألفاظه ومعانيه ، ويخالف عن أخباره وأحكامه ، فالتعارض المتوهَّم بين ظواهر الشريعة وبواطن الحقيقة هي من جملة ما ألحد فيه الملحدون ، فخاضوا في دلالات الوحي تعطيلا كسوه لحاء التأويل ، فهو جنس عام كالإلحاد ، فمنه بعيد يخالف عن الظاهر ، ومنه باطل يخالف عن دلالة العقل ! ، فهو تلاعب محض بدلالات الألفاظ على وجه يبطل الاحتجاج باللسان فليس حجة في التفسير والاستنباط ، وإنما زَيَّنَ الوسواس من زخرف الدلالات ما كان التأويل عنوانه فهو ذريعة كل مبطِل أن يتلاعب ما شاء بالوحي المنزَّل أو أي نص ، فلا يعدم حجة أن يحرف دلالته بل قد يقلبها فيصيرها على ضدها ، فَيُصَيِّرُ الحق باطلا والباطل حقا ، وذلك ما أَنْذَرَ صاحبُ الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاعلَه ، فـ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّكُمْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ بِهِ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" ، وفي الاختصام مفاعلة ، كما في الجدال وسائر أجناس التَّنَازُعِ ، وفيها تعظم حظوظ النفس أن تنتصر من الخصم ، ولو تكلفت من شهادة الكذب وتذرعت بالتأويل فرارا من جناية الكذب والتحريف ، فليس التأويل الباطل ، لو تدبر الناظر ، إلا كذبا في الاستدلال إذ يحرف صاحبه دلالة اللفظ فيحيد بها عن جادة الحق لِتُوَافِقَ ما يهوى أو يجد ، فكان مِنَ التخاصم مَنْ لا يسلم فيه إلا القليل النادر ، ولو صاحبَ حق ، فلا يسلم إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، أن يعدل في الخصومة ، لا سيما إن كان مظلوما فباعث الانتصار ممن ظلمه ذريعة قد يجاوز بها الحد المشروع ، لا جرم كان التحذير في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ، فإن استيفاء القصاص مظنة الزيادة شِفَاءَ النفس أن تقهر خصمها ، فكان من ذكر الخصومة بين يدي صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما حذر فيه المتخاصمين ، فقد يكون من الزخرف ما يخدع ، فلحن القول بالحجة يَتَفَاوَتُ ، فَثَمَّ من أُوتِيَ الجدال فَيُحْسِنُ يُزَخْرِفُ القولَ وَيُلَفِّقُ من مقدمات الاستدلال ما يخدع به النظار فيسلك بهم جادة تُفْضِي إلى نَتَائِجَ قد وضعها سلفا كما يَرَى الناظر في المذاهب المحدَثة ، فالمقالات لا تَنْفَكُّ تفتقر إلى تأويلات هي اللحن الذي حذر منه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي ، لو تدبر الناظر ، من السحر الذي يخيل في العين ما ليس بحقيقة ، فهو صورة يُزَيِّفُهَا الساحر فتنصرف بها العين عن صورة الحق في الخارج ، فيرى الناظر من حال الباصرة ما يعجب ، فلا تُشْفَعُ بالبصيرة ، فيرى صاحب الهوى الحق بعينه ويسمعه بأذنه ويحيد عنه بما زُيِّنَ له من الشبهات فالمحل قد فسد إذ ركن إلى الظالم وطعم الحرام ، وذلك من أعظم ما يفسد التصور وإن صحت الآلات فيخذل صاحبها فلا يكاد يستقيم له استدلال ولا يكاد يصح له استنباط ولو في العلوم الضرورية التي لا تفتقر إلى ذكاء ، بل قد يُرْزَقُ منه قدرا ولا يُرْزَقُ معه زَكَاءَ نَفْسٍ ، فقد قارفت من الشهوات المحرمة ما أسكر العقل ، فَحُجِبَتْ بها شمس الهداية ، وأصغت إلى الزخرف ، وركنت إلى الظالم ، فخالفت عن النهي في قول الرب جل وعلا : (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، ودلالة العموم في الموصول "الذين ظلموا" تجاوز المشهور من ظلم الحكومات الخاصة أو العامة ، فَيَعُمُّ مظالم التحريف والتعطيل التي يَتَذَرَّعُ صاحبها بالتأويل فَلَهُ من زخرف القول ما يَغُرُّ ، وله من البيان ما يسحر ، فـ : "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" ، فكان من التوكيد بالناسخ ما زاد في الدلالة ، فضلا عن اسمية الجملة فلا يدخل الناسخ المؤكد إلا عليها ، فإن كان من ظاهر السياق ما تدخل فيه على الفعل ، فلا يكون ذلك إلا أن تخفف فيكون اسمها ضمير شأن يحذف إيجابا ، كما في تأويل قوله تعالى : (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) ، فتقدير الكلام : علم أنه سيكون ، فليست "أن" المصدرية وإلا فالفعل بعدها ينصب فَرَفْعُ الفعلِ قرينة صارفة رجحت دلالة "أن" في هذا السياق إذ احتملت بالنظر في مادة اللفظ المجرد ، فاحتملت المصدرية الناصبة أو المخففة الناسخة التي تعمل عمل المثقلة إلا أن اسمها يحذف إيجابا فهي أضعف في العمل فلا تحتمل الدخول على بارز ، اسما أو ضميرا ، فلا يكون اسمها إلا ضمير ولا يكون مع ذلك إلا محذوفا فتخفيفها قد أضعف عملها ، ومع ذلك بَقِيَ اختصاصها بالاسم ، فكان من الاحتمال ما تقدم فهي تُرَاوِحُ أن تكون المصدرية ، أو الناسخة المخففة ، فجاء الفعل بعدها مرفوعا قد صُدِّرَ بالسين ، جاء قرينة ترجح الناسخة المؤكدة ، فذلك ، أيضا ، من التأويل الصحيح إذ استند إلى قرينة من السياق تعتبر رجحت وجها من وجوه المجمل إذ احتمل فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المشترك فاللفظ واحد في النطق ودلالته تختلف فيحتمل أكثر من معنى ، والسياق من جملة قرائن تعتبر بها يرجح الناظر وجها دون آخر ، فكان من دخول الناسخ المؤكد على السياق الاسمي ما زاده توكيدا على آخر ، فإن الاسمية ، بادي الرأي ، مئنة من الديمومة والثبوت ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير وهو الظرف "من البيان" ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، لِعِلَّةٍ في الصناعة ، فقانون النحو يقضي ألا يُبْتَدَأَ الكلام بنكرة ، فلا يقال : سحر من البيان ، فإن ذلك يحتمل ، فالظرف بعد النكرة يجري مجرى الجملة فيحتمل الوصف فلا يكتمل الكلام بالوقوف على معنى يفهم ، فَسِحْرٌ من البيان ما حاله ؟! ، فَلَمَّا يَزِلِ المخاطَب ينتظر جوابا أو خبرا به تكتمل الفائدة ، كأن يقال : سحر من البيان يستلب الألباب ، فلا يُبْتَدَأُ بالنكرة ، كما قرر أهل الشأن ، إلا أن يكون ثم عهد خاص بين المتكلم والمخاطب ، كما يقرر بَعْضُ المحققين ، فيصح أن يقال : رجل في البيت ، إذا كان المخاطب يعلم الحقيقة ، أو كانت الفائدة تحصل بجنس الحقيقة ، كأن يكون جواب سؤال تقدم : من في البيت ؟! ، فجاء الجواب : رجل في البيت ، فالمخاطَب يجتزئ بهذا القدر من الحقيقة فَبِهَا يحصل الإفهام فلا يعينه عين الرجل وإنما حصول الجنس في البيت مناط يجزئ أن يحكم في الأمر بخير أو شر ، فحصول رجل في بيته بلا إذنه مما يؤذيه أيا كان الرجل ، وحصول ضيف في حضرته يسره أيا كان الضيف إن كان ممن يُؤْوِي الضيفان ، فحصل بالنكرة قدر يجزئ فصح الابتداء بها من هذا الوجه ، فكان من التوكيد ، كما تقدم ، ما دخل على السياق الاسمي في خبر : "إن من البيان لسحرا" ، وكان من التوكيد الثالث ، بعد التوكيد بالناسخ واسمية الجملة ، كان التوكيد بِتَقْدِيمِ ما حقه التأخير وهو الظرف "مِنَ البيان" ، ودلالة "مِنْ" تحتمل بَيَانَ الجنس وهو ما يتبادر فمن جنس البيان يكون السحر الذي يستلب الألباب ، وتحتمل ، أيضا ، ابتداء الغاية فمن البيان ينشأ السحر ، وتحتمل التبعيض ، وتشهد له رواية : "إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ" ، فبعض البيان يسحر بما جَوَّدَ صاحبه في اختيار الألفاظ وسبكها في سياق لطيف ، فاحتملت "مِنْ" ما تقدم من الدلالات على وجه يصح فيه الجمع فلا تعارض بل الجمع مما يُثْرِي السياق إذ تكاثرت الدلالات على دليل واحد فأفاد معان كثيرة صحيحة ، وذلك ما يستأنس به من يجوز العموم في دلالة المشترك ، ودلالة "أل" في "البيان" لا تخلو من بيان لجنس ما دخلت عليه وهو ما اشتق من مادة الإبانة ، فالبيان يُظْهِرُ ما خَفِيَ من دخائل النفوس ، فيحكي الظاهر ما قد قام بالباطن من معان ، لا جرم كان الحد الصحيح للكلام : لفظا يقوم باللسان ومعنى يقوم بالجنان ، فَيَتَوَاطَآنِ في حكاية ما يريد المتكلم ، وإن كذب في أحوال فلا يخلو من قصد وإرادة أن يُبِينَ عن معنى وإن لم يُؤْمِنْ به ، ودلالة البيان ، لو تدبر الناظر ، لا تقتصر على بيان الألفاظ ، فاللحظات والحركات والسكنات قد تُبِينُ ما لا يُبِينُ لفظ القائل فتفضح العيون ما تستره الحروف ، فيكون من حلاوة اللفظ ما تَشِي العين بمرارته ، بل صاحب الفؤاد الذكي يميز الكلام فمنه ما يقطر دما كما قالت زوج كعب بن الأشرف إذ حذرته الفئة المؤمنة التي اغتالته لِمَا جنى من فاحش القول في عرض صاحب الرسالة ، وعرض المؤمنات فآذى بِبَيَانِهِ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان من البيان ما يقتل ! ، كما أن منه ما يسحر ! ، وبعد التَّشْوِيقِ وَشَحْذِ الأذهانِ كان الاسم الذي تأخر وهو مناط الفائدة ، ولم يخل من توكيد رابع إذ دخلت عليه لام الابتداء في "لسحرا" ، فما غايرت وصفها وإن تأخرت في النطق رعاية لحسن المنطق ألا يَثْقُلَ بِمُؤَكِّدَيْنِ اثْنَيْنِ صدرَ الكلام ، فَقُدِّمَ أَقْوَاهُمَا وهو الناسخ ، فهو أم الباب ، وتأخرت اللام فاكتسب وصفا آخر وهو ما اصطلح أنه المزحلقة فتأخرت ومحلها الابتداء إذ اشتغل صدر الكلام بغيرها ، فكان من القرينة ما سوغ تأخيرها ، وهو خلاف الأصل ، بل وأوجبه رعاية لحسن اللفظ ، كما تقدم ، وجاء لفظ السحر منكرا ، فلا يخلو من دلالة التعظيم ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من دلالة النوعية التي تحتمل فهي ، أيضا ، من جملة الأجناس العامة ، فتحمل سحرا يحمد وآخر يذم ، فَثَمَّ منه ما يحمد وهو بَيَانُ الحق بألفاظ تفهم مع الإيجاز في مواضعه والإطناب في نظائره ، فالبلاغة لا تجري على قانون واحد ، وإنما يحسن الإيجاز في مواضع ما لا يحسن في غيرها كما الإطناب يحسن في مواضع ما لا يحسن الإيجاز فيها ولكلِّ مَقَامٍ مقال فيكون من سحر البيان أن يختار المتكلم من الألفاظ ما يُلَائِمُ مقتضى الحال ، فذلك السحر الحلال ، لا سيما في اسْتِيفَاءِ الحقوق أو التَوَدُّدِ إلى المحبوب ، فكلام المحبين سحر يجوز فيه من الكذب ما يصلح ! ، فيكون من المبالغة ما يسر المحبوب ، ولو بقول لا يخلو من الزور ! ، فهو ، كما يقول أهل الشأن ، يقدم بين يدي الهدية وبها تعظم المحبة ، مع ما يكون من عناية تستفرغ لأجلها الأوقات إيناسا فلا يطيق ذلك إلا المحب وإلا فلحظات تَمُرُّ في حضرة من يُبْغِضُ دهورٌ لا تكاد تَنْقَضِي ! ، وساعات ينفقها من عمره في حضرة من يحب لحظات تسارع فَتَنْقَضِي فلا يَبْقَى من آثارها إلا ذكرى تستعذبها النفس فهي حظ النفس من الحبيب بعد أن يُفَارِقَ ، وهي عهد الصدق الذي يحفظه أصحاب المروءات ، فلا ينسى الكريم وُدَّ ساعة ، كما أُثِرَ عن بعض الأئمة ، فكيف بِوُدٍّ اتصل زمانه فكان من رَحِمِهِ الجامعة ما وجب وصله بعد المفارقة ، كما أُثِرَ عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد احتفى بمن كان يَزُورُه أيام خديجة ، رضي الله عنها ، فكان من حفظ العهد ما أوجب صلة من تُحِبُّ ، فمن أحب زوجا أو خليلا فآية ذلك أن يصل أَوْلِيَاءَهُ فيكرمهم رعاية لحبيبه ، وقد يكون من بَيَانِ الإشارة ما يغني عن الحكاية فالمحب يَفْقَهُ من لغة العين ما لا يَفْقَهُ غيره ، فكل أولئك من السحر الحلال الذي يرجح في السياق دلالة ثَنَاءٍ ، وهو ، من وجه آخر ، يحتمل معنى يذم وهو سحر الباطل بزخرف القول ، فاحتمل السياق الوجهين ، وليس ثم ما يمنع الجمع فهو ، أيضا ، من جملة ما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، فالسحر منه ما يحمد ، كما تقدم ، ومنه ما يذم ، فيكون من بَيَانِ الْمُخْتَصِمَيْنِ ما يُزَيِّفُ الحقائق فَيُصَيِّرُهَا أباطيل ، فهي سحر يخيل ما لا وجود له في الخارج ، فيصدق به الكاذب ويكذب الصادق ، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ، وَيُلِحُّ الكاذب الأثيم حتى يُقَرِّرَ ما يُكَرِّرُ من الأساطير ، وتلك ، كما يقول بعض الباحثين ، مدرسة في الدعاية تُهَيْمِنُ في كل زمان يَسُوسُ فيه خصوم الرسالة ، فَلَا يكاد الناظر يجد في دعاية سياسة أو حرب أو صناعة عقل أو فكر ما يُوَافِقُ الحق إلا بقدر ما يُوَافِقُ هوى القائل ، فهو يُوَظِّفُ أدوات الدعاية في تحقيق مآربه ولو خالفت عن حكومة الرسالة وقانون العدالة ، فكان من صناعة السحر ما يملك صاحبه القول الفصل في السلم والحرب ، كما تُقَرِّرُ بعض المراجع ، فهي أداة فاعلة في الحرب بها تُهْزَمُ الجموع وَلَمَّا تُغَادِرْ أماكنها فهزيمة النفس بدعاية الخصم تحقن من دمائه كثيرا ، وتوفر من عتاده كثيرا ، وتفتح له من البلاد كثيرا ! ، فَقَدْ فتحها بكلمة تُبَثُّ أَمَاتَتْ في الخصم روح المدافعة لِمَا سَرَى في نَفْسِهِ من وَهَنٍ وَحَزَنٍ ، فيجتهد الساحر أن يُزَيِّفَ الحقائق فيصنع من الهزيمة نصرا ، ومن الظلم عدلا ، ومن الخيانة أمانة ، فذلك سحر السنين الخدَّاعَة ، ويجتهد الساحر ، من وجه آخر ، أن يحجب الحق عن المسحور فهو يُنَفِّرُهُ منه ، كما نَفَّرَتْ قريش الطفيل بن عمرو ، رضي الله عنه ، لولا أن كان في رأسه بَقِيَّةُ عَقْلٍ ! ، فهو ذو لسان يميز الطيب من الخبيث ، فآمن إذ تَجَرَّدَ في الحكم على ألفاظ الرسالة فَلَا سحر ولا كهانة ، وَإِنَّمَا ديانة وكفاية بها يُرَبُّ الجنان بالخبر الصادق وَتُرَبُّ الأركان بالحكم العادل ، فهي رائد صدق لا يكذب أهله ولا يَسْحَرُ أولياءه فَيَغُشَّهُمْ في النصيحة فَتَكُونَ الفضيحة إذا جاء حق يُزْهِقُ باطله ، ولا أصدق خبرا من الوحي فهو الصادق الذي تجرد من حظوظ الرياسات الأرضية فلا يخلو بَيَانُهَا من غرض ، ظهر أو خفي ، ولا تخلو دِعَايَتُهَا من كذب ، ولو مبالغة في المدح والثناء ، فهي من جملة ما تشابه من الأقوال والأحوال فلا يسلم الناظر فيها إلا أن يَرُدَّهَا إلى بيان محكم فهو قاض بالعدل يحكم ومرجع من خارج يفصل فيجاوز المتخاصمين في أي خصومة ويعدل بَيْنَهُمَا في الحكومة ، فَبَيَانُهُ يخالف عن بَيَانِ من يجتهد في إضلال الناس وتجهيلهم ، ولا يكون ذلك إلا بذنب اقترفوه ولو اشتغالا عن الحق فالنفوس قد عدلت عنه ومالت فذلك ، أيضا ، من جنس الإلحاد ، فهو ، كما تقدم ، مئنة من الميل والاعوجاج ، فألحدت ومالت عن الحق فالنفوس شاغرة من بَيَانِ الرسالة ، فكان العقاب الناجز أن قُيِّضَ لها من قرناء السوء من يَسْتَغْوِيهَا ويستخفها بسحر يفسد تصورها ، حتى قال من قال وهو من أرباب هذه الصناعة ! ، قال قولته الشهيرة : "أعطني إعلاماً بلا ضمير أُعطِك شعباً بلا وعي" ، فَتَجَرَّدَ صاحب الخبر من الضمير فضلا عن رقيب الغيب فلا يقدره حق القدر إلا أتباع الرسالات ، فلم يكن ثَمَّ وازع دين أو دنيا ، فكان من إفساد العقول أن تغيب فلا تَعِيَ ، فهي كالقطيع الذي يحصد له الزرع ليطعمه ! ، ولا يدري ما يضره مما ينفعه فهو يأكل ما يُحْصَدُ فلا يميز الخبيث من الطيب ، فآلة البيان إذ نُزِعَتْ منها فضيلة النصح والصدق والعلم قد صارت وبالا على القائل والسامع فلا غَايَةَ لَهَا إلا الإلحاد في التصور والحكم والسياسة والحرب والأخلاق وكل ما يَدِينُ به ذو العقل ، فإذا سُحِرَ أَلْحَدَ في فكرته وضل في حركته ، ففساد الصورة العلمية بما يكون من سحر الدعاية لا تَنْفَكُّ آثاره تظهر في القول والعمل فيكون من فساد الإرادة ما تعظم به المظالم وتفسد به المطاعم والمشارب بما يقترف أصحاب الرياسات مع أَمْنِهِمُ المنكِرَ ، فقد قَعَدَ الناس رضى أو كَرْهًا ، فكان لهم حظ من القعود مع الخائضين ، ولو مكرهين ، فالعقاب العام يستغرق الساحر والمسحور ، فلا ينجو إلا من رحم الرب المعبود ، جل وعلا ، فأنكر ما استطاع ، ولو بالجنان بُغْضًا لمقال السحر ، فلا يلحد ويميل عن الحق ، وإنما يحسن يتأول قول الرب جل وعلا : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، فيدعو بالحق ويذر من يلحد في الأسماء ، فذكرها في هذا السياق يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فهو يستغرق سائر أجناس الإلحاد والميل عن الحق فلا يقتصر على الأخبار ، وإنما ألحد من ألحد في الأحكام سواء أظلم في القضاء أم بَدَّلَ في المناط ، فأحدث من الوضع المحدث ما يضاهي الوحي المنزَّل ، وألحد من ألحد في الحب والبغض فَنَقَضَ أوثق الْعُرَى إذ مال عن أهل الحق فأبغضهم ، وألحد إلى أهل الباطل فأحبهم وجعلهم مناط ولايته فصار منهم كما قد صار القاعد مع الخائض ، فـ : (لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) ، فكان من الإلحاد ما استغرق المصدر والمستمد كما في قول الرب جل وعلا : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ، فألحدوا في المستمد فجعلوا الوحي حكاية أعجمي لا يُبِينُ ، وكتاب التنزيل قَدْ نَزَلَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ المبين ، فظهر من القدر الفارق ما لا ينكره إلا جاحد يتكلف دعوى لا دليل عليها من نقل أو عقل ، فلا يجلس العربي إلى الأعجمي فيصدر عنه بكلام يعجز أرباب الفصاحة وأساطين البلاغة ! ، فحصل بالمقابلة بين الشطرين : (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) ، و : (هَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ، حصل منها ما يجزئ في نقض الدعوى التي حدها القوم صدر الكلام حد القصر زيادة في الجناية ! ، فـ : (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) ، فذلك مما قد علمه الرب ، جل وعلا ، على حد التوكيد بلام الجواب لقسم مقدر في قوله تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ) ، فهي لام ابتداء صُدِّرَ بها الجواب المحقق ، فتلك دلالة "قد" وإن دخلت على المضارع "نعلم" فلا تفيد التشكيك مطلقا ، وإنما تفيد التحقيق في أحيان ، كما يمثل النحاة بالبيت المشهور :
قد يدرك المتأني بعض حاجته ******* وقد يكون مع المستعجل الزلل .
فدخلت "قد" على الفعل المضارع وأفادت ، مع ذلك ، التكثير ، خلاف قول القائل : قد يصدق الكذوب فهي تفيد فيه التقليل .

وجاء قولهم وهو متعلق الفعل "نعلم" ، جاء على حد المصدرية المؤكدة في "أنهم يقولون" فذلك إطناب في المبنى يدل على آخر يضاهيه في المعنى فهو آكد في الدلالة من القول في غير التَّنْزِيلِ : ولقد نعلم قولهم ، فكان في الإطناب تسجيل للجناية ، ومن ثَمَّ كان الاستئناف دحضا لهذه الفرية على ما تقدم من المقابلة بين الشطرين في قوله تعالى : (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) ، وكان من الإلحاد في الأسماء ما تقدم في قوله تعالى : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، فصدرت الآية بالخبر على حد الاسمية مئنة من الثبوت والديمومة ، فضلا عن دلالة الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير وهو الظرف "لله" ، ولا تخلو اللام فيه من دلالة الاختصاص والاستحقاق فذلك مما انفرد به رب البريات ، جل وعلا ، وحده ، فدلالة "أل" في "الأسماء" ، من هذا الوجه ، تجاوز دلالة الاستغراق والعموم فلا تخلو من عهد مخصوص لا سيما وقد وصفت باسم التفضيل "الحسنى" فتلك قرينة ترجح العهد الخاص ، فهي الأسماء التي بلغت الغاية في الحسن وذلك ما يقطع احتمال الشركة إذ لا تطلق إلا على رب العزة ، جل وعلا ، وبعدها كان الأمر أَنِ : (ادْعُوهُ بِهَا) ، فجاء العطف بالفاء في قوله تعالى : (فَادْعُوهُ بِهَا) ، مئنة من فور وتعقيب ، ولا يخلو من دلالة تلازم بين السبب والمسبَّب ، فاختصاصه ، جل وعلا ، بالأسماء الحسنى سَبَبٌ أن يُدْعَى بها وحده ، فَأُتْبِعَ الخبرُ بالإنشاء ، فتكليف الأول أن يُصَدَّقَ والثاني أن يُمْتَثَلَ ، فجاء الأمر أن يدعى بها الرب ، جل وعلا ، ولازم الأمر النهي عن ضده ، وهو ما قد دل عليه الأمر في قوله تعالى : (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ) ، فدلالته قد أشربت معنى النهي أن لا تلحدوا في هذا الباب ، فتخرجوا بالألفاظ عن الدلالات الصريحة التي توافق ظاهر الشريعة ، ولا يخلو الموصول في "الذين يلحدون" من دلالة العموم والإطناب الذي يزيد في تَقْرِيرِ المعنى وتوكيده ، فضلا عن تشويق بإجمال يَعْقُبُهُ الْبَيَانُ ، ولا يخلو من تعليل فمناط المفارقة مَنْ قام به المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الإلحاد ، وبعده كان الوعيد ختام الآية : (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، ولا يخلو من العدل فالعقاب بما اقْتَرَفُوا من الجناية ، ولا تخلو الكينونة الماضية من ديمومة اتصاف وذلك آكد في تقرير الجناية ، فضلا عن دلالة المصدرية إن حملت "ما" عليها فتأويل الكلام : سيجزون عملهم الكائن منهم ، فكان حَدُّهُ : "ما" وما دخلت عليه آكد في التقرير والتوكيد من حَدِّه : اسما صريحا ، وَكَذَا الشأن لو حملت "ما" على الوصل ، فثم إطناب بالكينونة الماضية فذلك آكد من القول في غير التَّنْزِيلِ : سيجزون ما عملوه ، وقد جرى السياق على قاعدة تطرد في اللِّسَانِ إذ حُذِفَ عَائِدُ الصلةِ المفعول ، فتقدير الكلام قبل الحذف : سيجزون ما كانوا يعملونه .

وهو ما أُجْمِلَ وَجَاءَ بَيَانُهُ في موضع ثالث : (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ) ، فالجزاء هو النار على حد الاستفهام الذي يستنطق المخاطَب بالجواب ضرورة لا يماري فيها إلا جاحد أو مسفسط ، فمن يأتي آمنا خير بداهة على وجه رَجَّحَ نَزْعَ الدلالةِ من اسم التفضيل "خير" إذ لا خير أن يُلْقَى في النار ، كما هي الحال في اسم التفضيل في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ولا خير في آلهتهم بداهة ، فصدر السياق بالتوكيد ، وجاء الإطناب بالموصول على ما تقدم ، وجاء العموم في "آياتنا" ، فإضافتها إلى الضمير مئنة من التعريف في لفظها والعموم في دلالته ، فهو يستغرق الآي جميعا ، الكونية والشرعية ، الخبرية والإنشائية ، فالإلحاد في الآيات الكونية يكون بالشرك في الربوبية أن تُسْنَدَ إلى غيره ، جل وعلا ، إما استقلالا بالفعل أو شركة في الخلق والتدبير ، والإلحاد في الآيات الشرعية يكون بتأويل الخبر وتعطيل الحكم ، فجاء الخبر وعيدا أول : (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) ، وحسن في هذا السياق الإضافة إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم فذلك آكد في الترهيب ، ولا يخلو الخبر من إطناب إذ حُدَّ حَدَّ الفعل في "لا يخفون" ، فجاء النفي الذي عم إذ تسلط على المصدر الكامن في الفعل "يخفون" ، فلا يخفون أي خفاء فالعلم محيط قد استغرق الكليات والجزئيات جميعا ، ومن ثم جاء الأمر تهديدا ختامَ الآية أَنِ : (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) ، وبعده كان الخبر على حد الاستئناف فلا يخلو أن يكون جواب سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فما وجه التحدي والتهديد في الأمر ؟! ، فجاء الجواب : (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، ولا يخلو من دلالات توكيد فَثَمَّ الناسخ واسمية الجملة وثم تقديم ما حقه التأخير من المتعلق "بما تعملون" ، ولا يخلو من عموم سواء أتأول الناظر "ما" أنها المصدرية فتقدير الكلام : إنه بعملكم بصير ، أم الموصولة فتقدير الكلام : إنه بما تعملونه بصير ، فذلك عموم يستغرق ما ظهر وما بطن ، ما دَقَّ وما جَلَّ ، فاستغرق استغراق العلم ، فالبصر هنا بصر العلم لقرينة المتعلَّق "بما تعملون" ، فلا يستلزم تأويل البصر بالعلم ، إذ القرينة قد صرفته إلى العلم مع جواز الجمع بين الوصفين فهما مما يَتَلَازَمَانِ ، فالعلم يكون بالبصر كما يكون بالسمع كما يكون بالكتابة والتسجيل ، فذلك علم الإحصاء الثاني الذي يواطئ علم التقدير الأول ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

والله أعلى وأعلم .