السلم في الحرب من جملة ما قد حكم به الوحي ، وله من شرط القوة والظهور ما يُجَوِّزُهُ فتلك العزيمة التي تجلئ الخصم أن يهادن ، وقد يكون منه ضرورة تُقَدَّرُ بقدرها على وجه لا يُخَانُ فيه الدين أن يُبَدَّلَ وَيُحَرَّفَ ، فـ : (إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فكان من الشرط ما عم فتسلطه على العامل "جنحوا" من قبيل تسلط النفي على المصدر الكامن فيه فَثَمَّ عموم لا يخلو من تخصيص ، فلا تقبل دعواهم أن يسالموا حتى يكفوا أيديهم عن المؤمنين وَيَرُدُّوا ما استلبوا من حقوق الدنيا والدين ، وإلا فالحرب قائمة ورحاها دائرة ، ولو في النفوس ألا تسلم بحق الغاصب المحتل وإن قهر الأبدان فلا يقهر الأديان ، فيكون من رخصة المسالمة ما يقدر بقدره فليس أصلا يسارع فيه صاحبه فيجنح بدعوى سلم تَغُرُّ ، وإنما قد تلجئه الضرورة أن يهادن ، فلا يسالم إلا من سالمه ، فإن أطاق دفع الصائل وجب عليه ألا يهادن ، وإن لم يطق جاز له من الهدنة ما يجري مجرى الضرورة فهي ، كما تقدم ، مما يقدر بقدره ، فلا يجنح والعدو غير جانح بل هو صائل جائح ، فلا يعطى دنية في الدين بما يكون من التسليم والتطبيع الذي يحسم مادة الولاء والبراء في الجنان بل وَيَسْتَفِزُّ أي كريم لا يُضَامُ ، فذلك ما يروم العدو الصائل أن يسلم الخصم ولو تسليم الأمر الواقع ، فضلا أن يسلم راضيا قانعا بما يكون من تشويه الذاكرة التاريخية ، فيتلاعب الكتبة وهم إلى وصف الكهنة أقرب ، يتلاعبون بالروايات ، ويتلاعبون بالأحداث والسياقات على وجه يُنَفِّرُ الناظر من الحق ، ويقطع الصلة بين العقل والنقل ، فذلك وحده ما يحسم مادة الولاء والبراء وَيُزِيلُ ما في القلوب من البغضاء الدينية ، إذ تغلب المعاني السياسية والاقتصادية ، فتكون ذريعة أن ينسخ حكم الوحي ويرفع ، فلا يشترط لحصول الإيمان ولاء وبراء ، وهو ، كما في الأثر ، أوثق العرى الإيمانية وهو ، من وجه آخر ، داخل في جملة الأحكام العملية ، وإن باطنة ، فالحب والبغض من العمل الباطن ، وهو مما يستأنس به من يحد الإيمان حد السنة فهو الاعتقاد والقول والعمل ، أو هو القول والعمل على وجه استوفى شطري القسمة ظاهرا وباطنا ، وهو ما لا يصح إلا أن يوافق الشرع فهو سنة تُقْتَفَى لا بدعة تُنْتَقَى من وسواس العقل إذ يُزَيِّنُ فَيُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ولا يكون رائده الوحي المنزَّل ، فكان من جناية من يَتَنَازَلُ أن يسارع فيجنح فيحيد عن جادة الوحي المنزَّل ولا يكون ذلك إلا أن يَبُتَّ الصلة بالوحي فهو الحائل دون التطبيع ، فالحداثة إذ تَبُتُّ الصلة بالوحي ، فَتَنْقِلُ مركز التصور والحكم من الرسالة إلى السياسة ! ، بالنظر في معناها المحدَث الذي يجعل المصلحة العاجلة رائدا في التحسين والتقبيح وما يكون من القضاء والتشريع ، مع اضطراب معيارها إذ لا ينضبط فهي مما ينسخ حينا بعد آخر ، فصاحبها يكثر التنقل بين الأديان والأحكام فمثله كمثل أصحاب الأهواء ، فـ : "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل" ، كما أثر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، فمن أكثر الجدال والمراء أكثر التنقل فليست حاله سواء ، وإنما يجري على دينه من قلم النسخ ما يواطئ هوى العقل وذوق النفس ، وهي لا تَثْبُتُ على حال بما يعتريها من الأعراض ، فالجهل فيها أصل ، والظلم والشح فيها ركز إلا أن يكون رائدها الوحي فوحده من يحسم المادة الفاسدة في التصور والحكم ، فالحداثة هي أداة التطبيع الذي يجنح فيه صاحب الحق أن يسلم ويداهن فهو يجاوز قدر الضرورة أن يهادن حال العجز ، فذلك مناط رخصة لا يطلق الحكم بها وإنما تجري ، كما تقدم ، مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، وصاحبها ، مع ذلك ، لا يغادر المنزل الأول ، منزل الولاء والبراء فهو محكم لا ينسخ ، فعمل القلب لا عذر في تركه ، وإنما العذر قد يصح في القول والعمل ، فإنكار القلب ما يقبح من الظلم والجناية هو أدنى مراتب الديانة ، فَيَنْوِي صاحبها إن كان ثم قدرة ، فهي مناط التكليف ، أن يزيد في الإنكار بالقول واليد ما استطاع إلى ذلك سبيلا ولا يكون ذلك إن غاب وعيه أو غُيِّبَ بما يكون من وسواس السحر الذي يفسد الألباب ولا يخلو أصحابها من الذم إذ أصغوا ، ولو اشتغلوا بالحق ما وجد وسواس الباطل إلى نفوسهم مسلكا وإنما صادف محلا فارغا فَتَمَكَّنَ ، فلم يكن ثم من شاغل الحق ما يدفع الباطل ، فكان من وسواسه ما أفسد التصور فغاب الوعي الذي يميز صاحبه الخبيث من الطيب ، بل قد خالف عن أحكام الضرورة العقلية فَرَأَى ما أجمعت العقول الصريحة على قبحه ، رآه حسنا ، ورأى الحسن في المقابل قبيحا فانقلب المعيار بما كان من سحر البيان ، فدعاية السوء أمضى من كل سلاح يطعن البدن أو يلجئه أن يجنح إلى السلم إن لم يطق المنازلة لعارض ضعف يعتبر ، فصاحبه يقارف التقية الدينية والسياسية ضرورة تقدر بقدرها : (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) ، فالاستثناء ، عند التدبر والنظر ، استثناء منقطع ، إذ التقية ليست من جنس الولاية ، فالولاية عمل جنان باطن فلا عذر في تَرْكِهِ فالرخص محلها الظاهر من القول والعمل ، فـ : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، فاطمئنان القلب بالإيمان يَجُبُّ ما يظهر من جنس الكفران إكراها إن في القول أو في العمل ، فكان من دعاية السوء التي تكسى زورا لحاء الجنوح إلى السلم ، كان منها ما يعظم ضرره فهو يفسد الجنان إذ يبت صلته بالوحي ، معدن الإيمان ومستمده ، فتاريخ الرسالة مانع يحول دون التطبيع إذ يحكي من وقائع الحق في مناجزة الباطل ما يحكم بِانْتِفَاءِ السلم ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، وإن كان من عارض الهدنة ما قد أجازته الشرعة رخصة لا عزيمة فمحلها العجز والاضطرار لا القدرة والاختيار ، فالإيمان ، وهو إرث الوحي هو أعظم السدود المانعة من تطبيع العلائق مع خصوم الرسالة ، وهو آخر الحصون في أعصار الانهزام في السياسة والحرب فلا يخلو المكلف أن يحرر عقد الولاء والبراء الأول ، ويجعل الرسالة مناطه المحكم ، فلا يجنح إلا اضطرارا حال العجز ، وإلا فلا يبادئ حال القدرة فلا يهادن وهو ظاهر منتصر إلا إن رأى في ذلك من المصلحة ما يعتبر ، فيهادن ليستوفي ما استطاع من عدة القتال ، فَقَبْلَ الجنوح إلى السلم في آي الأنفال كان الأمر أن : (أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، فهو قوة الإرهاب استباقا يزجر الخصم ، فإن اعتدى فقتاله واجب ، وإن حال دون الرسالة فلا مناص من قتاله إن كان من القوة ما تَتَأَوَّلُ به الجماعة وصف الخيرية في قول رب البرية جل وعلا : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وإن حال دون الحكم المنزَّل أن يَعُمَّ الأرض فلا صلاح لها إلا أن يكون الوحي سيدها في مقابل ما استحدث الطاغوت الديني والسياسي من سيادة العقل المجرد الذي لا يَتَوَرَّعُ أن يُنَازِعَ الوحي المنزل منصب السيادة ، فإن حال دون هذه الحكومة العادلة فقتاله يجب إن استطاع أهل الحق ، فقتال الدفع والطلب هو الأصل ، وإنما يجنح أهل الحق فيسالمون إن هدنة حال العجز ، أو أخرى حال القدرة فيجتهد أهل الشأن في تَقْدِيرِهَا مكرا وخديعة تحمد في الحرب على وجه لا يخالف الشرع فلا خيانة ولا غدر ، فـ : (إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) .
فكان من الشرط في قوله تعالى : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، كان منه ما تسلط على المصدر الكامن في الفعل "جنحوا" على وجه يجري مجرى التلازم ، فإن المشروط يلازم الشرط ، فكان البدء منهم لا من المخاطَب الأول وهو صاحب الشرع المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يخلو خطابه أن يجري مجرى المواجهة إذ هو أول من خوطب بالشرع ، على حد التكليف العام أن يمتثل ولا يخلو من تكليف خاص أول فإن هذا الخطاب يقتصر على أصحاب الولايات العامة إذ يقضون في نوازل السياسة والحرب على وجه لا يسوغ الاستبداد بالرأي ، بل ثم في شورى السياسة والحرب ما اتسعت دائرته فكان صاحب الوحي المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَسْتَشِيرُ أصحابه في نَوَازِلِ الإمامة السياسية والقيادة الحربية ، كما يظهر من استقراء المغازي ، فإذا كان المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستشير في السياسة والحرب فكيف بمن دونه ؟! ، فالشورى في حقهم أوجب ، لا سيما وقرار السياسة والحرب قرار مركب من أجزاء فوجوه الشورى فيه كثيرة إذ لا تقتصر على العدة والعتاد والأفراد وإنما تعم وجوها كثيرة من الإعداد والإمداد وما يلابس الواقعة من قرائن ، فلا يحيى أهل الحق بمعزل عن الْخَلْقِ فلا يفقهون ما يحيط بهم من نظم حكم وسياسة ، وإن لم يكن ذلك ذريعة أن يعطوا الدنية في الديانة ، وإنما يجتهدون في فتوى السياسة والحرب إن عزيمة أو رخصة تُقَدَّرُ بقدرها ، فكان من هذا الأمر ما تجب فيه الشورى ، فمجلس السياسة والحرب يَتَّسِعُ ما لا يَتَّسِعُ مجلس الفقه ، وإن كان الفقه هو الحاكم ولكنه لا يحكم بذخائر المقاصد والأحكام إلا أن يكون له من العلم بالقرائن ما يفقهه أصحاب الولاية السياسية والحربية فهم يخضعون لحكمه ، وهم رافد رئيس من روافد التصور الذي عنه يصدر الحكم باستيفاء القرائن من خارج والنظر فيها بعين الشرع الحاكم دون إفراط في اعتبار الذرائع السياسية على وجه يجوز الخروج عن الأحكام الشرعية ، ودون تفريط يجمد صاحبه على ألفاظ الوحي دون نظر في المعاني والمقاصد ورعايةٍ لما احتف بالنازلة من قرائن ، فالعدل في حكومة السياسة والحرب كسائر الفضائل ، فهو وسط بين رذيلتين ، الجفاء والغلو ، النقص والزيادة ، التفريط والإفراط .
فكان من التلازم بين الشطرين ، الشرط والمشروط في قول الرب المعبود جل وعلا : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، كان منه ما يجري مجرى التعليل إذ يدور المشروط وهو الحكم مع الشرط وهو العلة يدور معه وجودا وعدما ، فشرط أن يجنح المخاطَب للسلم أن يجنح الخصوم ، فلا يكون منه دنية في الدين أو السياسة أو الحرب إلا ما قد يكون ضرورة تلجئ فهي رخصة تخص محلها فلا تجاوزه إلى غيرها إلا إن كان من نظائرها على وجه يصح فيه القياس ، فَتُقَاسُ ضرورة على أخرى ، لا اختيار على ضرورة ، فيسارع إلى المسالمة دون ضرورة تلجئ ، فضلا أن يسارع في الولاء فيخالف بذلك عن نص الكتاب أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) ، بل ويعمد فَيُزَيِّفُ الدين والتاريخ وَيَرُومُ من التطبيع ما يحسم مادة العداوة من قلوب المؤمنين فذلك مما يحرم وإن حسمها العدو من قلوب أوليائه فكيف وهو يُغَذِّيهَا وَيَزِيدُ فيها في مقابل ما يقارف ولاة السوء من جناية الإفساد للدين والأخلاق مع ما يَبُثُّونَ من دعاية تحرف ، وما يستعملون من قوة ترهب أولياء الله ، جل وعلا ، لا أعداءه ، فيخالفون عن الأمر أن : (أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، فإذا غاب حكم الرسالة فَعُطِّلَ ، صار الحكم على ضده ! ، فصار إعداد القوة إرهابا لأهل الحق إذ ما صنعت إلا على عين الخصوم وإن كان ظاهرها يوافق في الجبلة فباطنها يخالف في الفكرة فقد تَلَبَّسَ بِقِيَمِ الحضارة الغالبة وهي حضارة أرضية محدثة لا تقيم وزنا في سياسة أو حرب إلا لمعيار القوة الغاشمة فهي الحق ! ، وما يستلب بها من حقوق فهو غنيمة تحل ، وما يسفك بها من الدماء المعصومة وما يُنْتَهَكُ بِهَا من الحرمات المصونة فهو حل لا حرج فيه ! ، بل هو واجب لحسم مادة الفساد من الأرض ، فصارت الرسالة هي ما يُرْهِبُ بل وَتَبَجَّحَ الخصم في الدعوى فَنَبَزَهَا أَنَّهَا هي العدو للأديان والأوطان ، فهي معدن الشر الذي يخوض معه معركة الوجود ، وهو ، لو تدبر الناظر ، تأويل لما تقدم من قول الرب المصدَّق جل وعلا : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فالغفلة سلاح الخصم في تزييف الحق ، فهو يجتهد في بث الشبهات التي تفسد العقول ، وإذاعة الفواحش التي تفسد المروءات فلا تغار إذا انتهكت الحرمات ، فقد أخلدت إلى الأرض فَلُهَاثُهَا أن تَلَذَّ لذة الحس لهاثُ الكلب فلا ينقطع ، وفساد باطنها قد ظهرت آثاره في الظاهر قلة احتراز أن تقارف المحرم وقلة غيرة أن يَتَمَعَّرَ الوجه إذا خولف عن الوحي ، وفساد ظاهرها بما تُقَارِفُ من الشهوات قد ظهرت آثاره في الباطن ، ففسدت الأخلاق والمروءات وسفلت الهمة فلا تنهض إلا طلبا للذة ، فلا عناية لها بمعنى شريف من دنيا أو دين ، فذلك ما يذكي خصوم الرسالة نارَه فهي تحرق الدين بلا خسائر تذكر ، فقطع العلائق الرسالية وإفساد الذاكرة التاريخية يصنع في الخصم ما لا يصنع الجيش العظيم ، فقوة الفكر قد أغنت عن قوة الحرب ! ، فكان من غزو العقول ما يجاوز شؤمه غزو الثغور ، فإن استيلاء الخصوم على الأرض وإن عظم خطره لا يعدل استيلاءهم على الدين بما يكون من التبديل والتحريف ، ولا يكون ذلك إلا بقول محدَث يَرَى الوحي مادة إرهاب وتطرف فهي من الخطاب العتيق الذي لا يواطئ العصر الحديث ، فغايتها أن تصلح في زمان نُزُولِهَا إذ البداوة والجفاوة غالبة خلافا لما قد جَدَّ من رسوم الحداثة ، فلا يكون التحديث إلا بتعطيل التنزيل ! ، والجهة منفكة ، فإن تحديث الدنيا لا يستوجب تحريف الدين وتعطيله ، وغاية ما يستدل به أولئك ما يكون من فساد في الفقه غلوا أو جفاء ، فكان من قعود المتأخرين أن يأخذوا بذرائع القوة ما حملوه على حقيقة التوكل ، وهو من قعودهم بَرَاء فقد جاء ختام الآية أمرا أن : (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، بعد ما كان من أخذ بالأسباب أن : (أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ، وبعد ما كان من جنوح الخصم فَيَدُ المؤمن إذ يجنح هي العليا ، فلا يبدأ إلا أن يلجأ ضرورة تقدر بقدرها ، ولا يكون ذلك مع قعوده أن يأخذ بالسبب الدافع ، فضلا أن يأخذ به في مناجزة أهل الحق ! ، مع سعيه في تبديل الدين وتحريفه ليحصل السلم الذي ينشد ! ، والجناية ، لو تدبر الناظر ، تَعْظُمُ ، إن كسي ذلك لحاء الوحي فأحدث من أحدث من أحبار السوء فَتَاوَى تجوز الاستسلام ، استسلام الأبدان مع التخاذل أن تدفع بما أطاقت ، واستسلام الأديان بما يمهد الطريق لجناية التطبيع الذي يحسم مادة الولاء والبراء من قلب المؤمن دون الكافر ! ، فـ : (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، وذلك ، كما تقدم ، أعظم شؤما من استسلام الأبدان ، فقد يقع اضطرارا أو خذلانا ، ولكنه مما يتدارك إن لم يستسلم العقل لدعاية الخصم الذي يناجز الوحي بالشبهات والشهوات ، فغاية ما يروم أن يفسد العقول والنفوس فلا تنهض في نصرة حق أو دفع باطل ، والحجة ما يكون من الجنوح للسلم ! ، فذلك من الإلحاد في الآي المنزَّل ، أن يُحَمَّلَ من المعاني الباطلة ما لا يحتمل ، فيتأول الناظر على وجه يخالف عن معيار الاستدلال الصريح فهو يتحكم في المناط بالتوسيع تارة والتضييق أخرى ، ليحمل ألفاظ الوحي على ما أحدث من القول أو العمل ، وذلك أمر لا يقتصر على العقد والشرع وإنما يظهر شؤمه في السياسة والحرب ، كما يصنع أرباب التطبيع من حمل آيات المهادنة على المداهنة والاستسلام مع اجتهادهم في كتمان آي المفاصلة بل قد وَدُّوا لو رفعوها من صحف التنزيل فإذ عجزوا عن ذلك فلا مناص أن يتاولوها فَيَتَعَسَّفُوا في الاستدلال بتحميلها من معاني الباطل ما لا تحتمل ، فيكون من تأويلهم ما يضاهي في أحيان تأويل أهل الباطن ، فكان من التلازم بين الشرط والمشروط ما تقدم ، وكان من استعارة الجنوح المحسوس لنظيره المعقول ، فقرار السلم في الحرب معنى يقوم بالنفس ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن جنس الجنوح والميل جنس قد أطلق في الذهن فتحته تندرج آحاد فمنها المحسوس ومنها المعقول وقرينة السياق ، كما تقدم مرارا ، أصل في درك مراد المتكلم ، وقد يقال ، أيضا ، إن الجنوح في الآية يحتمل الوجهين فالعدو إن سالم فهو يجنح بقراره وسلاحه ، فيجنح معنى وحسا ، فجاء التلازم بين الشطرين ، ولا يخلو السياق من مشاكلة بين اللفظين : "جنحوا" و : "اجنح" ، فثم اشتراك في أصل المعنى ، وإن كان ثم تفاوت في الفعلين ، ففعل الأول إعطاءُ صاغرٍ ، وفعل الثاني إمضاءُ غالبٍ إلا ما يكون حال الاضطرار والضرورة بلا دنية في الدين تجاوز حد المهادنة إذا اجتهد الحاكم وبطانته الرسالية فرجحوا فيها مصلحة تعتبر فلا تخالف عن مقصد في الشرع أو حكم ، وإنما تجري ، كما تقدم ، مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، ولا يفتي في ذلك ، بداهة ، من عطل الشرع فاستبد بالحكم دونه أو استعمل من أحبار السوء من يفتي بما يهوى ، فكان من المشاكلة في اللفظ وأصل المعنى وذلك آكد في تقريره وتوكيده ، وكان من الفاء في قوله تعالى : (فَاجْنَحْ لَهَا) ، ما يجري مجرى الإيجاب في اللفظ بما قضت به صناعة اللسان ، فالجواب إن كان إنشاءً بأمر أو بِنَهْيٍ فالفاء تدخل عليه إيجابا ، ولا يخلو من دلالة فور وتعقيب ، فضلا عن معنى السببية بما تقدم من التلازم بين المشروط والشرط ، والخطاب وإن توجه إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو خطاب المواجهة فَيَعُمُّ كل من ينوب عنه في ولاية السياسة والحرب ، ولا يخلو عود الضمير من وجه تأويل بالتضمين فَضُمِّنَ السلم معنى المسالمة فجاز رجوع الضمير المؤنث في "لها" عليه ، أو الأمر ، كما يقول بعض المحققين ، يجري مجرى حمل السلم على ضده وهو الحرب فاعتبر الضد فصار السلم إذ يقابل في المعنى لفظا مؤنثا ، صار له من وصف المؤنث ما جَوَّزَ رجوع الضمير إليه ، وكان من العطف ما أطنب بأمر إيجاب أن : (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) ، بعد الأمر في قوله تعالى : (فَاجْنَحْ لَهَا) ، فدلالته دلالة الإباحة ، وذلك مما يستأنس به من يضعف دلالة الاقتران ، إذ عُطِفَ الواجب من التوكل على المباح من الجنوح ، كما في قوله تعالى : (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ، فعطف الحق الواجب على الأكل المباح ، فلا يلزم من العطف بالواو اشتراك في الحكم ، وقد تحمل الإباحة في قوله تعالى : (فَاجْنَحْ لَهَا) ، قد تحمل في أحوال على الإيجاب في ضرورات تقدر بقدرها فيكون ذلك من حسن السياسة الشرعية لا المحدَثة ! ، فيجري العطف آنذاك ، مجرى عطف التماثل بين واجب وآخر ، فلا يطرد القول بذلك وإنما قد يصح على هذا الوجه دون غيره ، وكان الأمر بالتوكل أن : (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) ، وذلك من الفعل الذي أطلق فاستغرق سائر معاني التوكل وهو من العمل الباطن الذي يجب بعد استيفاء السبب الظاهر ، ولا يخلو ذكره من دلالة أعم فهو يستغرق لازمه من الأخذ بالسبب الظاهر وإلا كان تواكلا مذموما لا توكلا محمودا ، وبعده كان الاستئناف بالناسخ المؤكد في قول الرب المصدَّق جل وعلا : (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فلا يخلو من دلالة تعليل فهو جواب سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من الأمر بالتوكل ؟! ، فجاء الجواب استئنافا : (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فجاء استئنافا بلا وصل لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، ولا يخلو السياق من جُمَلِ مؤكداتٍ منها ما تقدم من الناسخ المؤكِّد فضلا عن اسمية الجملة فهي مئنة من الديمومة والثبوت وضمير الفصل "هو" ، وَزِدْ عليه القصر بتعريف الجزأين فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : هو السميع العليم ، ودلالة "أل" في الاسمين "السميع" و "العليم" تجاوز حد التعريف في اللفظ فلا تخلو من استغراق لمعاني الكمال في وصفي السمع والعلم وذلك ما يرشح فيهما معنى العهد الخاص إذ لا يكون هذا الكمال جائزا إلا في حق الرب ، جل وعلا ، على وجه يليق بجلاله دون خوض في كيف أو ماهية في الخارج ، وذلك أصل في هذا الباب ، ولا يخلو الختام بالاسمين ثناء أن يلائم السياق فالتوكل عمل باطن لا يطلع عليه إلا العليم ، جل وعلا ، وجنوحهم إلى السلم ظاهر يعلم الرب ، جل وعلا ، حقيقته ، فهو يكفيك شرهم إن خادعوا فيسمع نجواهم إذ يمكرون ويعلم بواطنهم إذ يخفون ، والعطف ، من وجه آخر ، يجري مجرى عطف التلازم بين الوصفين ، فالسمع والبصر ، لو تدبر الناظر ، مما يحصل به العلم ، علم الإحصاء الثاني بعد علم التقدير الأول ، فعطف العلم على السمع ، من هذا الوجه ، لا يخلو أن يكون من عطف العام على الخاص فإن العلم أعم من السمع ، والسمع ، في المقابل ، فرد من أفراده .

والله أعلى وأعلم .