اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: فتح مصر

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:07:02 AM

    المشاركات
    4,751
    العمر
    40

    فتح مصر

    عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، وهو عنوان الفتح لمصر ، رَجُلٌ مَعْدُودٌ من رجالات السياسة والحرب ، وهو ، مع ذلك ، رجل ديانة وفقه ، وإن لم يكن فَقِيهًا بمعنى الاصطلاح المتأخر ، فإن اسم الفقه ، لو تدبر الناظر ، مما تطورت دلالته من الاصطلاح الأول إلى الاصطلاح المتأخر ، فاصطلاح الفقه الأول ، اصطلاح الورع والديانة وإن لم يكن ثم تدوين لمسائل العلم وإحاطة بوجوه الاستدلال قياسا واستنباطا ، فذلك ما فَقِهَهُ الأوائل جبلة ، فكان من رِكْزِ اللسان الذي استجمع المعاني والدلالات دون حاجة إلى بَيَانٍ أو تدوين ، فكان من فقه الدين ما حفظته الصدور وإن لم يخط منه في السطور فتاوى ومسائل ، وكان من الطرائق في الاستنباط ما لم يدرك المتأخر منها ما أدرك المتقدم ، فاحتاج من تأخر أن يدون ويسطر ، وكان من فقه الأول ما احتمله في صدره فكتابه في صدره وهو ، مع ذلك ، يَتَّقِي ربه ، جل وعلا ، ما استطاع ، فليس بمعصوم من الخطأ ، وليس بريئا من كل حظ ، بل قد يحصل من الهنة أو حب الدنيا ما قد أبان عنه رب العزة ، جل وعلا ، يوم أحد ، فـ : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، فذلك من صدق الرسالة إذ تحكي ما قد قام بالنفوس من حظ ، فكان من النقص ما استجلب العقاب العاجل ، وكان من التأديب ما قضى به الرب العادل ، جل وعلا ، وكان من العفو والرحمة ما بُشِّرَ به العاصي فَلَهُ من سابقة الطاعة ما يرجح ، وذلك قياس العدل في الحكم على الأعيان والوقائع ، فلا يختزل الحكم على آحاد بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ يصدر في حال نقص أو غفلة ، فلا يخلو منها مؤمن ، فكان من العدل استقراء الحدث ، فَلَهُ أسباب وبواعث ، وله مراجع وروافد ، كما في الفتح ، وهو محل شاهد منه العام ومنه الخاص كفتح مصر ، فالفتح العام قد صدر عن جملة أسباب اجتمعت فأفادت بالمجموع ما لم تفد بالمفرد ، فكان باعث الرسالة ، فرجال الفتح كانوا في الجملة رجال رسالة ، فكان لهم من الديانة والورع ما لا ينكره إلا جاهل لم يتصفح سيرهم ، وهم أعلام النبلاء ، أو جاحد قد غَصَّ بفضائلهم إذ له حظ نفس أن يَغْمِزَهُمْ ، ولم يخل الأمر من أغراض أخرى سياسية واقتصادية ولم يكن رجال الفتح جميعا على حد واحد فإن منهم رجالا من القرن الفاضل ومنهم من جاء بعدهم من التابعين والخير فيهم غالب إلا أنهم دون الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في تحمل أعباء الرسالة ، فلم تخل النفوس من حظوظ خاصة وإن كان السياق العام هو السياق الرسالي فمادة الوحي هي الغالبة ، وكذلك الشأن في مشهد مركب كالفتح الإسلامي لمصر ، فإن فتح مصر حدث عظيم أَثَّرَ في الجغرافيا السياسية للشرق ، وَأَثَّرَ في تاريخ هذا الحزام الجيوسياسي ذي البعد الفكري الذي يأرز إلى الوحي ، فتاريخ الشرق هو تاريخ النبوات ، وحروبه في الجملة كانت حروب الرسالات مع خصومها ، فكان المعنى الرِّسَالِي هو الحاكم لحركة التاريخ في هذه الفتوحات ، وإن لم تخل من معان سياسية واقتصادية ، ولكن قَصْرَ الباعثِ على دوافع الحس من السياسة والحرب والتجارة حكمٌ ساذج وإن لم يكن صاحبه ذا هوى يجاوز حد العدل في الحكومة لعظم الخصومة بينه وبين الرسالة ، فلو أنصف في الحكم ، ولو كان من خصومها ، لَنَظَرَ فِي الدافع النفساني ، فإن الوحي قد أحدث في الشرق طفرة في الأفكار جاوزت مدارك الحس ، فحسابات السياسة حسابات أرضية لا تنظر بعين الاعتبار في المعاني الرسالية ، بل إنها لا تطيق ذكرها ، فـ : (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ، فَثَمَّ تَنَاقُضٌ بين المرجعيات على وجه تعظم به الخصومات ، فلا يجاوز الأمر في أحسن أحواله المهادنة بين الخصوم فجولات الصراع تَتْرَى ، وكلُّ خصمٍ له من الحجج والأفكار ما يتحصن به ، فهو في خندق خصومة وخصمه في آخر وَبَيْنَهُمَا يكون التَّرَاشُقُ بالقول والتقاتل بالفعل ، فقولٌ يحاج به الخصم خصمه ، وسيف يقاتله به ، والدولة لمن غلب ، فكان نظام الحكم في مصر قبل الفتح نظام احتلال مركزي ، فالإمبراطورية الرومانية الغربية تهيمن على مصر لا بالقوة المسلحة فهي أداة ، وإنما الهيمنة تظهر في بناء الأفكار والشرائع ونظام السياسة الحاكم الذي يوظف مصر ، سياسة وجغرافيا وموارد .... إلخ ، فيجعلها تابعا خادما لمشروعه السياسي ، وهو كأي مشروع يحكم فلا بد له من تَبْرِيرٍ أخلاقي ، فهو صاحب دور رسالي في رعاية الأطراف فهو المركز الذي يمدها بالقيم والأفكار ، وهو صاحب الحضارة الأعلى فَيَنْزِلُ منها الوحي إلى الأدنى ، ولو أفضى الأمر إلى خلاف ما يزعم من القيم ، فهو ينتحل غيرها وإن كساها لحاء يغاير لتروج في الرعية فتكون باعث سياسة وحرب يحرك الجموع ، فذلك أمر حتم لازم في أي نظام سياسةٍ حاكمٍ ، فلا بد له ، وإن كان أرضيا ، من مرجع أخلاقي ، سواء أكان يؤمن به حقا فهو دين كدين السماء ، فالمرجع الأرضي اللاديني ، الفكري والسياسي ، دين يضاهي دين الوحي ، فَثَمَّ من يؤمن بدين أرضي أو هوي نفساني فهو دين ينافح عنه فدونه الدم والمال ، فيفديه بما يملك وينافح عنه حتى يقتل ويصلب ، ولا يزعم أحد أنه مُتَعَصِّبٌ أو غال بل هو مؤمن مُتَفَانٍ ! ، فأتباع الرسالة أولى بذلك ، فإن لهم من رسالة الحضارة ما جاوز العمران ، فهي رسالة أديان تعمر الجنان وتحكم الأبدان ، فلا تقتصر على معنى باطن لا يجاوز الصدر ، فلا أثر له في الأرض ، ولا تَنْشَغِلُ بالمادة فتجعلها قيمة عظمى تحرك التاريخ وتصنع المستقبل فَيَرْتَدَّ بها الإنسان عن دين التكليف الذي يميزه من الحيوان البهيم ، فَلَهَا كَغَيْرِهَا ، من باب التَّنَزُّلِ أن تُسَوَّى رسالة السماء بطرائق الوضع ، لها كغيرها رسالة قيم وحضارة فهي أمة رسالية تزعم أن لها من الفعل التشريعي والسياسي والعسكري ما تصلح به الأرض وتعمر ، فهي تحمل لواء الإصلاح والتجديد لقيم الأخلاق والحضارة ، وهي التي تَنْسَخُ كل ما خالفها فقيمها هي المحكمة وما سواها فهي المتشابه ، فكل حضارة تفتح مصرا فلا تهادن الخصم ، وإنما لها من أدوات الفكر والسياسة والحرب ما تنسخ بها السابق فهي تزعم أنه خطأ وأنها هي الحق المطلق ، والحق لا بد له من قوة بِهَا يُصَانُ ، فكانت نظرية الحكم الروماني نظرية نخبة تحكم فهي أقلية تشعر بالغربة في محيط القبط في مصر وإن وافقتهم في الدين ، فخلاف المذهب قد اشتد وكان من نسيان الحظ الرئيس ، حظ التوحيد ، ما أغرى العداوة والبغضاء على وجه صار مضرب الأمثال في الاضطهاد الديني ولا يكون ذلك ، بداهة ، إن كان ثم ألفة بين الحاكم والمحكوم سواء أكان منه أم كان وافدا يفتح بلاده فتح الحق لا فتح الباطل فالعبرة بما يحمل الحاكم من القيم فقد يكون من أبناء البلاد جلدةً وهو أغلظ في حكمها من المحتل الغازي ، فيخاصمها قيمها وأفكارها ولا يرعى فيها إِلًّا ولا ذمة فيخون أمانة الحكم والرياسة ، فضلا عن خيانة الديانة ، فالغربة تحصل ولو كانت النخبة التي تحكم من جنس المحكومين كما قد ابتلي الشرق في أعصاره المتأخرة بنخب وطنية ! هي أشد وطأة من النخب المركزية التي اصطنعتها أدوات تطعن بها الشرق في دينه ودنياه ، فكان من الغربة الرومانية في مصر ما ظهرت آثاره في طرائق المعاش ومحيط الانتشار الديموجرافي فلم يكن الرومان يجاورون القبط وإنما استقلوا بعاصمتهم الملكية في الإسكندرية وهي تخالف في طرازها طراز المدن في الشرق فهي مدينة على طراز المتوسط فبصرها ينظر في الضفة الأخرى في شمال المتوسط ، فتلك نسبتها الحقيقية وإن كانت في معيار الجغرافيا مدينة شرقية ، فاستقلت النخبة بسكنى العاصمة الملكية ولم تطق أن تخالط العامة بل كان بَيْنَهُمَا من العداوة ، كما يذكر بعض المؤرخين ، ما أوجب الحرب والقتل ، فثم غربة إذ لا عدل فوحده الرحم الجامع بين الحاكم والمحكوم فضلا عن رحم أوثق وهي رحم الوحي الذي كان باعثا رئيسا من بواعث الفتح الإسلامي لمصر .
    ولا ينكر الناظر أن ثم حكومة نخبة إسلامية نشأت بعد إسقاط الحكومة الرومانية ، وذلك أمر حكم به الواقع ضرورة فإن الفتح يكون بقوة خارجية تزعم أنها تحمل دعوى رسالية لا تروم بها إلا الخير في البلاد المفتوحة فقد جاءت تحرر الأمة المقهورة ، فلا بد أن يحصل التمايز ، ولو مبدأ الفتح ، فالنخبة العسكرية الفاتحة قد أزالت حكم الرومان وكان ثم من مغايرتها أمة القبط فهي أمة من العرب وإن كان النسبة بَيْنَهُمَا حاصلة نسبة الخؤولة ، فأخوال الذبيح ، عليه السلام ، وهو أبو العرب المستعربة ، أخواله من القبط ، فكان من نسبة العرب إلى القبط ما هو أقرب وهو ما جعل الفتح أسرع بما قدم أهل البلاد للفاتح من دعم وإمداد ، ولم يخيب الفاتح ما عقدوا عليه من آمال فكان من الإجراءات السريعة ما دل على صدق الدعوى ، وإن لم يخل الأمر ، كما تقدم ، من معان سياسية واقتصادية فذلك أمر بدهي في أي حراك سياسي عسكري وإنما الشأن أكان هو الباعث الرئيس أم كان باعثا من جملة بواعث وشاهد الحال يصدق أو يكذب وإن اجتهد صاحب الدعوى ما اجتهد أن يَتَشَبَّعَ بما لم يعط وَيَتَحَلَّى بما ليس فيه من أخلاق ، وكم وفد على مصر من جيوش ودعواها جميعا واحدة وشاهد التاريخ شاهد الصدق على ما ادَّعَوا ، وقد وفد الفاطميون بعد ذلك ومن قرأ وثيقة الفتح ظن أنه الفتح الراشد فكان من المهادنة والملاينة حتى حصل التمكن فأظهر القوم ما أبطنوا وَتَبَخَّرَتْ وعود العدل والإصلاح وحفظ الحريات الدينية ..... إلخ ، وكان من الظلم والاستبداد ما سارت بذكره الركبان وإن تجمل القوم ما تجملوا فاستمالوا الناس بالأعطيات وسعة المآكل والمشارب في المحافل والمجامع .
    فكان تمايز نخبة الفتح الإسلامي أمرا أملته الضرورة وكان اتخاذهم الفسطاط عاصمة جديدة تنسخ العاصمة القديمة ، العاصمة الرومانية وهي الإسكندرية ، فكان من عمران الفسطاط الساذج ما أبان عن طبيعة الفاتحين الجدد فهم أقوام لا زالت البداوة في أخلاقهم ظاهرة ، وهي بداوة من لم يخالط بعد المدنية وتلك نفس تملك إرادة التغيير وتطيق ثمنه من الجهد والنصب ، فلا تُنَالُ الراحة إلا على جسر من التعب ، ونسبتها إلى القيم والمبادئ أوثق فضلا عن الوحي المنزَّلَ ، وهو معدن كل قيمة شريفة ، وكان من إجراءات السياسة بعد ذلك ما أبان عن حقيقة الفتح وهل صدق ما وعد ، ولو في الغالب الأعم ، فلا بد من نقص ، ولو آحادا من الأخطاء ، فذلك حراك بشر غير معصوم فليس حراك جموع من الملائكة أو الأنبياء ، فلا تخلو النفوس من حظوظ وإن دقت ، وإنما العبرة بالغالب ، وكان من عدل الفاتحين ما نسخ ظلم الغابرين من الرومان ، فقد وجد أهل مصر من حرية التدين ما لا ينكره إلا جاحد ، ولا ينكر الناظر أن الحال قد نقصت بعد ذلك بما كان من عسف ولاة متأخرين ولكنهم كانوا في أعصار غلب فيها معنى الملك معنى النبوة والخلافة الراشدة ، فلا ينسب الخطأ إلى النبوة والخلافة وإنما ينسب إلى الملك وفيه من الأثرة ما ليس في النبوة مع أن ما وقع فيه من النقص لم يكن ليقارن بما صنع الأوائل من الرومان ، وإن استوجب الإنكار بقدر ما وقع فيه من نقص ، والانتشار المتدرج للإسلام شاهد آخر يدل على الفارق بين النخبة الرومانية والنخبة الإسلامية ، فضلا أن النخبة الإسلامية قد صاهرت الأغلبية وحصل من تمازج الدماء واندماج الأعراق ما لم يكن زمن الرومان الذين حرصوا على الانعزال التام كنخبة حاكمة تقيم بينها وبين الأغلبية ما تقيم من حواجز الحس والمعنى ، فالمسلمون ، على خلاف ذلك ، إذ قد دخلوا شيئا فشيئا في نسيج الأغلبية الذي بدأ في التحول إلى قيم الرسالة والعربية دون إكراه أو تعسف كما تذكر الوقائع التاريخية وإن كان ثم محطات متأخرة من الاضطهاد إبان ثورات قام بها القبط ولم تخل من مشاركة عربية فجنس المظالم في الخراج واحد ، فكان من هذه الثورات وما وقع فيها من مظالم ، ما لا يمكن إنكاره من وجه ، ولا يصح ، في المقابل ، استقطاعه من سياق عام غلبت عليه السلامة والوداعة فلا يمكن إنكاره ولا يمكن في نفس الآن تَعْمِيمُهُ فيصير هو الأصل فذلك من التعسف في الحكم ، والسياق التاريخي قد دل على قبول الأرض المصرية للقيم الرسالية قبولا متدرجا يَنْفِي ، كما تقدم ، شبهة الإكراه في الجملة وإن لم يخل الأمر من إكراه ، ولو معنويا غير مباشر ، ولكنه لا يرقى أن يكون ظاهرة عامة كما يتعسف بعض المؤرخين في مصنفاتهم فيختارون من السياق العام فترات الاضطراب والاضطهاد وإن كانت حوادث عابرة فليست أمرا يطرد فانتزاعها من السياق يشبه من وجه انتزاع آحاد من الألفاظ من سياق الكلام ليسهل على المتأول تحريفها لتشهد لما قد حَكَمَ به سلفا ، فالصدق ألا تُنْكَرَ ، والعدل أن تُعْطَى حقها من السياق التاريخي العام فلا تكون استثناء فَيُصَيِّرُهَا الناظر أصلا ، ولا تكون قليلا فيصيرها المستدل كثيرا .


    ومشهد فتح مصر ، فتحِ عمرٍو ، لو تدبره الناظر ، لوجد مقاربة في الدعوى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مشهد فتح بريطانيا لمصر ! ، فالدعوى واحدة ، صدق صاحبها أو كذب ، فهو يروم التحرير والتجديد ، والحال تَتَشَابَهُ ، من وجه ، فمصر في كلتا الحالين كيان سياسي واقتصادي فاشل ، فهو كيان محتل من الرومان الذين اسْتَنْزَفُوا خيراته وحكموه حكم النخبة المستبدة فحصل من المظالم والاحتقان الاجتماعي ما يدل على فشل سياسي وكذلك الحال والإنجليز على الأعتاب ففشل سياسي من حكم نخبة أخرى وإن كانت في الظاهر توافق المجتمع دينه وثقافته فلم تخل من آثار تغريب زاد نفوذه شيئا فشيئا من لدن وضع رأس الأسرة العلوية الألبانية محمد علي حجر أساسٍ محكم لمشروع تغريب مظلِم وإن أطلقت عليه ألقاب التَّنْوِيرِ فَمَا زَادَ مصر إلا ضعفا وَتَبَعِيَّةً وفشلا اقتصاديا بما تَرَاكَمَ عليها من الديون ، كما يرى الناظر في التاريخ المعاصر من فشل النخبة الوطنية ! السياسي والاقتصادي ، فكان فشل السياسة قبل دخول الفاتحين من الإنجليز ! ، وهو الذي صادر قرار البلاد حتى وضع الدائن مِنْ خُبَرَائِهِ من يدير البلاد ضمانا لحقوقه في انتهاك صارخ لما اصطلح في العصر الحديث أنه السيادة الوطنية ! وهو ، أيضا ، ما تكرر في التاريخ المعاصر من رقباء وضعتهم الجهات المانحة لمصر الفاشلة سياسة واقتصادا واجتماعا وما ذلك ، لو تدبر الناظر ، في السنة الربانية في الأمم الشرقية خاصة إلا أنها فشلت أن تقيم حكم التنزيل ، فعطل الوحي وعم الشؤم وذلك أمر وإن عم جميع الأمم ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، إلا أن الأمم الشرقية لها منه نصيب زائد إذ قام عليها من حجة الرسالة ما لم يقم على غيرها ، فلا يغتر الناظر بِبَرَكَةِ السعة الدنيوية في الأمم الغربية فإنها لا تَنْفَكُّ من شؤم المخالفة عن الوحي أن تعيش في ضنك يصلى ناره الجنان عقوبة عاجلة وإن مُتِّعَتِ الأبدان وحصل لها من الرفاه ما قد يسكر فلا ينفك أن يذهب أثره فيعاود ألم الفكرة النفس بما لها من أصل الفطرة ، ولو أَثَرًا دارسا يخفى فلا ينفك يقيم الرب ، جل وعلا ، منه حجة على النفس إذ أعرضت عن حكم الرسالة .
    فكان من تماثل الدعوى في الفتح الإسلامي والفتح الإنجليزي مع تشابه الظروف ، وإن كان ثَمَّ قدر فارق في المرجع ، فكلاهما دخل أرضا تخالف عن طبائعه وشرائعه ، فدخل دولة لها بناء في التشريع والإدارة يخالف عما يعتقد ، فليس الأمر يقتصر على مخالفة الاعتقاد الباطن ، بل ثم مغايرة تستغرق دين التشريع ودين السياسة ودين الحرب ودين المال ودين الأخلاق الباعثة على حركة المجتمع ، فهو الذي يضع الغايات العظمى وهو الذي يسن منهاج الوصول إلى أصول الحضارة التي بها تُنَالُ السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة فلا تخلو حضارة وإن أفرطت في المادية وجمدت على مدارك الحس لا تخلو من غاية يستقبلها الناظر وإن في الدنيا فلا تخلو أن تكون من الغيب المستقبل ، فالشيوعية قد وعدت من يَنْتَحِلُهَا أن تبلغ به حال اللادولة إذ أسباب السعادة على المشاع ، وتلك غاية في الدنيا ولكنها آجلة لا تحصل إلا بأسباب ، فَلَمَّا تَزَلْ غَيْبًا لما يأت تأويله بعد ، فلم تخرج الشيوعية عن سنة الكون في إثبات الغيب ، وإن جحدت الخلق الأول ، فلا بد لها من قدر من الغيب ولو حدا أدنى تفارق به الحيوان الأعجم وإن لم يحصل به ما يدخلها في حد الإنسان الكامل الذي يؤمن بالغيب النازل ، إنسان الرسالة ، فوحده من يَصْنَعُ الحضارة إذ يجاوز بغاياته هذه الدار وهو ما يحصل به من الرقيب ما يعظم رقيب الأرض ، فكل طريق في الفكر أو السياسة يروم الإصلاح لا بد له من أسباب ، ولا بد من فعل يباشرها ، ولا بد من إرادة تسبقه ، والإرادة لا بد لها من تصور ، فلا بد من مرجع علم يضع خطوط السياسة العريضة وعنها تنشأ الشريعة فهي أحكام جزئية تُصَدِّقُ الأصول الكلية فلا تخرج عنها في دقيق أو جليل ، فثم بناء دستور يأرز إلى قيم تصنع الحضارة ، وهي قيم صارمة بها تصان الحضارة من التحلل والذوبان في غيرها ، ولها من هيئات التشريع وأدوات التنفيذ ما به تَرُدُّ عدوان أي حضارة غازية ، فالحضارة لا تغزو بالجند على الأرض ، وإنما يسبق ذلك غَزُوُهَا بالقيم والشرائع فَتَحْتَلُّ العقل والجنان قبل أن تَنْزِلَ بجندها في الميدان ، ولا يَقَرُّ لها قرار في أرض حتى ينتحل أهلها ما به بَشَّرَتْ ، سواء أكانت البشرى بشرى آخرة كما قد بشرت الرسالة وإن لم تقصر بُشْرَاهَا على وعد مجمل بدخول الملكوت المطلق ، فآل بها الأمر أن تضاهي سلطة الروح في القرون الوسيطة ، فذلك ما سلمت منه الرسالة إذ لم تواطئ الكهنوت في جناية الاستبداد باسم الدين فضلا عن آخر أعطته الذريعة الأخلاقية ، وهو استبداد السياسة والحكم ، فتلك إشكالية مركزية في العقل المركزي الذي وفد على أرض الرسالات بحضارته الغازية وجيوشه الفاتحة ! ، فجاء يحرر الشرق من الرسالة ، فهي ، من وجه ، كهنوت يضاهي الكهنوت الذي تحرر منه ، لو صدق الشرق في النصيحة ! ، وهي ، من آخر ، مانع يحول دون سيادته إذ يَرُدُّ الأمر إلى مرجع آخر يغايره ، فالوحي قد صنع في الشرق لغة حضارة ظهرت آثارها في منطق الجنان الذي يصنع الأفكار ، وهي لا تقتصر على المبادئ والقيم والأخلاق ، وإنما لغته لغة قد اكتملت مفرداتها فالأفكار لا بد لها من شرائع وأحكام تصدقها ، فكان من شِرْعَةِ الرسالة ما صَدَّقَ فِكْرَتَهَا ، فصدقت الفروع الأصول ، وظهرت آثار هذا المنطق ، في منطق اللسان والجوارح ، فَلَوْ تَدَبَّرَ الناظر مفردات أي لسان لوجد الذائع الشائع من الألفاظ ما يحكي معاني الحضارة الغالبة ، فهي التي تصنع العقل المفرد أو المجموع ، فالناس على دين الملوك ، والحضارة مالكة بأدواتها الباطنة والظاهرة ، فإذا ملكت الناس رسالة كان من مفرداتهم ما يواطئ مفرداتها ، وكان من جوارحهم أفعال تصدقها وكان من اختيارهم الفكري والسياسي ما يرسخ حكومتها ، وكان من جندهم من ينصرها ، فدينها هو الغالب على الرعية ، وذلك معنى يجاوز حد المنظومة التشريعية ، الفقهية والاجتماعية والجنائية ..... إلخ ، فالدين الذي ينتحله أي قبيل هو نظام الحياة الحاكم الذي يستبينه الناظر في مفردات الألفاظ وطرائق الفكر ووسائل الفعل بل وصورة الظاهر من لباس الحس وهيئة البدن ، فكان الناس زمن سليمان بن عبد الملك يخوضون في أحاديث الطعام والشراب والنكاح لما اشتهر من حال سليمان وإن لم يخرج بفعله عن حد الشرع فقد جاوز العدل إلى الفضول الزائد ، فكان فعله دينا انتحلته العامة وإن لم يكن دين عبادة وخضوع أشركوا به في عقد أو شرع ، وإنما هو دين العادة الذي يصنع عقل العامة ، ولا يخلو من آثار في دين الاعتقاد والتشريع ، فإن أي مجتمع لا بد له من روح أولى تصدر عنها رؤيته في الحياة وفي المعاهد الصانعة للعقول وفي المتاجر والمصانع والمزراع وكافة أجناس المعايش ، وهذه الروح لا بد لها من مرجع ، وهذا المرجع لا بد له من ترسانة محكمة من سلطات التشريع والقضاء والتنفيذ ، فهي أدواته في صناعة حضارته والتبشير بها في الدنيا ، فهي الحق المطلق الذي بلغ السقف الأعلى ، فما دونه متشابه إليه يرد فهو دستور تقاس به الحضارات وهو معيار يحكم في الأفكار والسياسات ، ولا حق بلا سلطة حاكمة ، كما يقرر بعض الفضلاء ، في ربط لطيف بين حركة الاقتصاد والتجارة ، ومعيار العدالة والنزاهة ، فالعدالة هي معيار الحوكمة الذي يرقب الفساد ويحسم مادته ، فإنتاج به تَزْدَهِرُ الحال وعدالة في توزيع العطاء وحوكمة لها من الرقابة ما يحسم مادة الفساد ، والإنتاج لا يصلح وحده قيمة عظمى ، فإن اقتصار الحضارة على مدركات الحس يجعل الإنسان ينحط إلى دركة من البدائية كما يذكر بعض المحققين وقد زار المركز ليقتبس منه مناهج التعليم وطرائقه ، وذلك مسلك تربوي فليس اقتباسا لطرائق في البحث والتجريب وإنما هو منهاج تخطيط يأرز إلى قيم عليا تعظمها هيئات التخطيط ، فهو يضع من الخطة ما يوافق أهداف الجماعة من التعليم ، فوظيفته تجاوز إتقان القراءة والكتابة وتعلم مهارات الإنتاج أو الخدمة أو الترفيه كما في نظريات الاقتصاد المعاصرة وهي نظريات مادية في بواعثها ونواتجها على وجه لا يخلو من نفع في الإنتاج بالنظر في الآلات التي تجري مجرى الوسائل فلا تخلو من قيم حاكمة وهي المقاصد وهي التي تختلف الحضارات في حَدِّهَا فالآلة واحدة والعلم بالتصميم والتنفيذ والصيانة ، كل أولئك مما يَتَلَقَّاهُ الدارسون في معاهد العلم على وجه يستوي فيه الجميع فلكلٍّ عقل يدرك ذلك وكذا الشأن في اقتصاد الخدمة فإن خدمات التطبيب والتشييد ..... إلخ مما حُدَّ في قواعد محكمة في علوم تجريب متراكمة فهي إرث اشتركت فيه الأمم جميعا وإنما الشأن ، كما تقدم ، في الغايات والمقاصد ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) ، فلكلٍّ غايةٌ وإن كانت الوسيلة واحدة فالطب في الغرب كالطب في الشرق ، فيشتركان في أصول النظريات وإن كان ثم اختلاف في الآلات فبعضها أحدث من بعض ، وكذلك الشأن في اقتصاد الريع ، فثم من يستخرج المعدن على وجه ينفع ، وثم من يستكثر فلا يحسن يدبر الريع فهو ينفقه في تَرَفٍ وفضول من المعاش ، وإن أبيح في الأصل فزيادته تضر فتبلغ حد الكراهة فضلا أن تصير من المحرم إن صَيَّرَهَا صاحبها ذريعة بها يقارف المحرم فَيُبَارِزُ الرب ، جل وعلا ، بِنِعَمِهِ ، فيعظم الفساد في الأرض ، كما يرى الناظر في هذا العصر ، وهو أمر لم يسلم منه المركز فهو أبدا على سبيل يخالف عن جادة الوحي المنزَّل وإن انتحل دينا ينتسب إلى رسالة سماوية فلا يعدو ذلك أن يكون اسما بلا مسمى ولا حقيقة ، ولم تسلم منه الأطراف إذ عطلت ما أنزل إليها من الكتاب ، فصار من الانحراف في التصور لغايات الخلق ما ظهرت آثاره في طرائق الاستهلاك الذي غلبت عليه اللذة فصارت منتهى السؤل دون نظر في العواقب فمعيار النظر قد اختل ، فكان الإفراط في الاستهلاك وهو نمط آخر في الاقتصاد يغلب عليه الترف والزيادة بلا ضرورة ولا حاجة وإن كان في مباح فلا يَنْفَكُّ يورث النفس غلظة والجنان قسوة فلا يصير محلا يقبل آثار الوحي وهو ، وإن استخف خصومه وسخروا ، جوهر الإنسانية التي يزعمون الانتساب إليها فالإنسان روح تعقل وتفكر لا بطن تَهْضِمُ وفرج يَنْكِحُ فيكون ترفيه الأبدان غايته وإن خرج عن قانون الأديان كما يظهر ، أيضا ، في جنس آخر من أجناس الاقتصاد وهو اقتصاد الترفيه الذي صار مظنة اقتراف الرذائل التي تُجَمُّ بها النفس زعم من يقارفها فغايته سكرة شهوة بها يغيب ثم تكون يقظة فكرة تؤلم إن حاد صاحبها عن جادة الذكر المنزَّل فصدقت فيه السنة الربانية المحكمة : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فكان الانصارف عن الذكر وطلب النجاة في غيره مئنة من فساد في التصور والطبع وَمَرَدُّ ذلك كله ، والاقتصاد ليس إلا مثالا يُبِينُ عن أصل عام ، مَرَّدُ ذلك إلى مرجع الحضارة التي تستمد منه القيم الحاكمة ، فلا يتحرك المجتمع من فَرَاغٍ ، وإنما يتحرك من قيمة عظمى مركزية فهي غايته في الحياة ، فيحصل الفرقان بين الأمم لا باختلاف الخطوط والكلمات ، وإن كان إرث اللسان يحكي ، أيضا ، قيم الأخلاق والسلوك فألفاظ الجماعة وكتاباتها ليست إلا انعكاسا لما تستبطن من المعاني والقيم ، والكلام ، كما حده أهل الشأن ، لفظ ومعنى ، فما اللفظ إلا حكاية المعنى الذي يقوم بالنفس فهو الغاية والقصد ، فلا يحصل الفرقان بين الأمم في تعليم القراءة أو الكتابة أو الحساب أو مهارة الإنتاج أو الخدمة وإنما يحصل من القيمة العظمى التي لأجلها يَتَعَلَّمُ الإنسان ، فإذا كانت قيم المادة هي الحاكمة فإن حركة الإنسان في السعي لا تجاوز الأرض فلا ينظر في السماء ، ولا غاية له تجاوز الحياة ، وذلك ما يُعَظِّمُ في النفس قيم الأثرة والمصلحة ، حتى تصير القيم والمبادئ عبثا يستوجب السخرية ! ، وهو أمر يَرَاهُ الناظر في الحال السياسية المعاصرة ، فرجال المبادئ في الغالب هم الضحية ! ، ورجال المصالح هم من يحسن يستثمر تضحيات الأولين فهي بضاعة سياسية رائجة بها تصطنع الشعبية وهي رصيد السياسي البراجماتي وإن ضحى لأجلها بجملة من رجالاته أصحاب المبادئ ، فهم أسرع الناس تضحية سواء أكانت معتبرة أم مجازفة لا تضبطها أصول الفقه والسياسة فهي عاطفة جامحة لا تُفْضِي في الغالب إلا إلى كارثة ، والاستثمار في الكوارث لا يقتصر على إعادة الإعمار في الكوارث المادية ، وإنما ثم ، أيضا ، استثمار آخر في الكوارث السياسية يحرك المشاعر على وجه تحصل به المنافع طويلة الأجل ، فهو استثمار لا تظهر آثاره إلا بعد زوال المحنة وما تخلفه من قصص تضحية وفداء لرجالات المبادئ الذين لا يجيدون الحساب السياسي البراجماتي ، فرجال المصالح أَفْقَهُ في هذا الشأن ، فيحسنون ترجمة هذه التضحيات إلى نقاط في جولات السياسة البراجماتية الشرسة فهي الرصيد الأدبي ، سواء أصدق صاحبه أم ادعى أم كان ممن يخلط الصالح بالطالح فعنده من المبادئ قدر ولا يخلو نظره من مصالح فيكون من التعارض في مواضع ما تغلب فيه المبادئ تارة وما تغلب فيه المصالح أخرى والحكم لمن غلب ، فتلك سنة جارية في الحكم على أي حدث أو علم فصناعة الصورة الخيالية التي يفرط أصحابها في المثالية ، هذه الصناعة قد تضر صاحبها فهو يصنع أوهاما لا وجود لها في عالم البشر بما يَتَنَازَعُهُ من مشاعر وما يُغْرِيهِ من مكاسب ، فحسب المنصِف أن يتجرد في الحكم ، حقيقة لا دعوى ، فلا يفرط في الذم في المقابل فذلك رد الفعل لمن أفرط في الحب حتى صار يحلق في فضاء خيالي يجافي عن الواقع المادي ، فمن أفرط في الحب انقلب إلى ضده إذا هبط من سماء الخيال إلى أرض الحقيقة بكل روافدها المتقاطعة ونوازعها المتعارضة وحسب الفاضل أن يَغْلُبَ خَيْرُهُ شَرَّهُ ، فلا معصوم بعد ارتفاع الرسالة من الأرض ، وإنما يُسَدِّدُ المكلف ويقارب ، فهو يَتَأَسَّى ما استطاع بالصورة الأولى المثلى ، صورة الرسالة ، وما قاربها من صورة الخلافة الراشدة فالنقص فيها أقل من غيرها ، وموافقة الحق فيها أعظم ورجال المبادئ فيها أكثر وإن لم تخل النفوس من هنات أو حظوظ فذلك ما لا يسلم منه إلا آحاد من الأفذاذ إذا استفزهم الوسواس بأبهة الملك وعظم الجاه والسلطان ونفاذ الأمر فإنهم يقمعون نفوسهم إذ يَرُدُّونَهَا إلى أصولها كما أُثِرَ عن العبد الصالح ، عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، لما جلس إلى نفسه فأوحت إليه زخرف قول يَغُرُّ فهو أمير المؤمنين فليس بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله ، جل وعلا ، أحد ، فاعتلى المنبر وأزرى بها فهي نفس عمير الذي يرعى الغنم على قبضات تمر أو زبيب ، فَقَلَّ من يسلم إذا ولي ولاية ، فهي الفاضحة عن أصوله وقيمه ، وإن تجمل ما تجمل في مقاله فلسان الحال لسان الشاهد الصادق الذي يكشف ما يستره زخرف القول ، فأكثر الناس ذكرا للعدل هم ، في أحوال كثيرة ، أعظم الناس مخالفة عن أحكامه ، وأكثر الناس صلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باللسان هم ، في أحيان كثيرة ، أعظم من يخالف عن سنته ، فلا يسلم من الهنات أحد ، وإنما العبرة بالغالب من حال المكلَّف فمن غلب خيره شره نجا ومن غلب شره خيره هلك ، وذلك ما يستوجب الإنصاف في الحكومة ، فلا يكون من العدل ، في المقابل ، التفتيش في الهنات وإن قلت ، وطمس الفضائل وإن كثرت ، فيكون رد الفعل لصورة الخيال الحالمة صورة أخرى تزعم الموضوعية والتجرد في البحث فهي تفجع الخصم في مُثُلِهِ العليا إذ تَنْحَطُّ بها إلى دركة سفلى فتمكر إذ تختار من سيرة كبيرة مشاهد قليلة هي الاستثناء الذي وقع فيه النقص فلا ينكره البحث الصحيح وإنما ينكر الزيادة فيه والمبالغة مع غض الطرف عن نقيضه من الخير الغالب ، فيصير الاستثناء أصلا ويهدر الغالب فهو نادر أو معدوم ، وليس في سيرة الْعَلَمِ النَّبِيلِ الذي يُقْتَدَى به إلا كل نقيصة ! ، فذلك ما توصل إليه الباحث عن الحقيقة ! إذ أراد هداية الناس إلى الحق فهداه وسواسه أن يصنع شبهة فيها من الحق شوب زاد عليه من الباطل حتى صيره الغالب وأهدر ما لصاحب الترجمة من الفضائل فلا يقع إلا على القيح وقوع الذباب فتلك مادته في الاستدلال فَلَوْ وقع على الطيب وهو الأكثر لافتضح أمره وبان كذبه ، فضلا أن تستبين سرقته فليس إلا ناقلا عن سلفٍ له في الشبهة وإن كساها من حلل الألفاظ ما يلائم عصره فالأفكار ، لو تدبر الناظر ، لا تموت ، وإنما تَتَنَاسَلُ فلها في كل جيل ذرية وإن اختلفت الألفاظ والأسماء فالمسمَّى واحد ، ولكل عصر شبهاته ، والغاية واحدة وهي هدم المثل العليا لتشويه الذاكرة التاريخية والفكرية فهي معدن القيم التي تحكم ، كما تقدم ، مناهج التربية والتعليم والثقافة والسلوك والسياسة والحرب ، فمنهاج التعليم في المركز يحكيه رجل من رجالات السياسة في فرنسا وقد سئل عن جرائم اقترفتها بلادة في القارة الإفريقية فسخر قائلا : ومتى كان في السياسة أخلاق ؟! ، فذلك معيار باريس في فرنسا الإفريقية ، كما تسمى اليوم فهي تابعة لباريس وإن أُعْطِيَتْ من صورة الاستقلال ما يخدع وذلك ما توصلت إليه دوائر الاحتلال بعد نهاية الحرب العالمية الثانية فتكلفة التواجد العسكري البريطاني المباشر في الخليج ، على سبيل المثال ، تَبْلُغُ 317 مليونا ، وهو رقم ضخم يُرْهِقُ ميزانية دولة خرجت من الحرب منهكَة مُسْتَنْزَفَةً ، وإن خرجت منتصرة فهو نصر بذل ثمنه غاليا فبعده انْزَوَتْ بريطانيا وفقدت دورها المركزي في صناعة القرار السياسي الدولي وإن كانت أرشيفا ثَرِيًّا يحفظ من وثائق السياسة والحرب ما لا يستغني عنه أي مركز حاكم بعدها فهي تملك الذاكرة والخبرة في التعاطي مع الشرق حكومات وشعوبا فَلَهَا من الخبرة بمعطيات السياسة وطبائع الحكام والمحكومين في الشَّرْقِ ما يُثِيرُ اهتمام أي سياسي له في تلك البقعة طموح ومصالح ، فكان من تكلفة الاحتلال المباشر ما جعل بريطانيا تقرر الرحيل فذلك سبب من جملة أسباب ، فرحل الاسم الأجنبي وبقي المسمَّى الذي حمل اسما محليا ، فكانت السيادة من خارج الشرق فقراره يصنع في المركز وكانت السلطة ، وهي أداة التنفيذ ، من أبناء الشرق ممن استلحقهم المركز بِنَسَبِ الفكر وإن كانوا من الشرق أبدانا ولسانا ، فليسوا منه أفكارا وأديانا ، وَفَرْقٌ أي فَرْقٍ ! ، كما يقول بعض أولي الفضل ، فَرْقٌ بين السيادة التشريعية والسلطة التنفيذية فالأولى هي الباعث الرئيس وليست الثانية إلا آلة التنفيذ ، فكسي الاحتلال لحاء الاستقلال الوطني طبقا لمعيار سياسي جديد نسخ الشخصية الرسالية للشرق الذي صار دويلات وإمارات لكلٍّ منها شخصية جديدة في عالم السياسة وهي الشخصية العلمانية البراجماتية التي يتصدر فيها رجال المصالح ، فرجال المبادئ ، ولو وطنية علمانية ! ، لا يتصدرون إلا استثناء لا يطول ، فسرعان ما تتخلص منهم الدولة العلمانية البراجماتية فهي تَنْفِي خَبَثَهَا بكير الانقلاب السياسي أو العسكري الذي لا يقتصر على الإمساك بمقاليد الحكم ، فهو ناسخ للأفكار والمبادئ قبل أن ينسخ الرياسات والحكومات ، فيضع معيارا جديدا للقيم ويصنع مُثُلًا عليا تَنْسَخُ ما استقر في الذاكرة التاريخية ، لا جرم اشتدت عداوته لتاريخ الشرق بما يحمله من مآثر وبطولات صنعت الوجدان وصنعت المثل الأعلى الذي يفضح المثل الأدنى الحاكم فبضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، فبالأمين يفتضح الخائن ، فلا عجب أن تصير العاهرة في دولة الاستبداد مثال الأمومة ، فذلك معيار الحكم الجديد فالأمر يجاوز استفزاز المشاعر بمسخرة من جملة المساخر التي تُثِيرُ التَّنَدُّرَ فذلك عنوان دور جديد من أدوار الحكم الرشيد الذي يصنع المجتمع على عينه لِيُوَاطِئَ أغراضه من الحكم ، فكل سلطة تصنع المجتمع على مثال يحقق أهدافها ، فإن كانت سلطة خارجة من رحم المجتمع فهي تحكي قيمه وأخلاقه ومعيارها في الحكم يحفظ هذه القيم فهي الصانعة للذاكرة وبها تصاغ مناهج التعليم والتربية ، وهو ما يراه الناظر في المركز مع اختلال معياره في التصور والحكم إلا أنه لا يشكو من تناقض كما هي الحال في الأطراف ، فمناهج المركز في التربية والتعليم والتَّثْقِيفِ تحكي قيم المجتمع وتحقق غاياته وتصنع مثله العليا وإن لم يكن لها من العلو حظ بالنظر في معيار مجتمع آخر يخالف عن المركز في مستمداته وأصوله ، فلكلِّ مجتمعٍ من مستمدات الفكر والثقافة ما به تمتاز الشخصية الاجتماعية والسياسية فلا تذوب في غيرها إلا إذا ضعفت وَتَقَزَّمَتْ فصارت تسعى جاهدة في تقليد القوي العملاق فهو الغالب الذي يسعى المغلوب في تقليده ، فلا يجد الناظر ، في المقابل ، في مناهج التعليم في الأطراف ، لا سيما في الشرق وهو الآن محل النزاع الرئيس بين قيم المركز الأرضية وقيم الوحي الرسالية ، لا يجد الناظر في مناهجها في التربية والتعليم وصناعة العقول على وجه يجاوز ، كما تقدم ، إجادة القراءة والكتابة والحرفة ، لا يجد الناظر فيها حكاية صادقة لقيم الشرق ، قيم الوحي ، بل يجد ما يشوه هذه القيم ويمسخها وينسخ تاريخها بما يصنع من صورة شائهة منفرة ، وذلك ما رُصِدَتْ لأجله الميزانيات واستجلب لأجله الخبراء من المركز ، وما الظن بعقل أمة يصنعه خصومها ، فضلا عن بعثات تشبه أن تكون من جملة السرقات العلمية ، ولو سرقة الأكاذيب التي ينتحلها المستغرِب من أبناء الشرق سواء أكان مهزوم النفس قد آمن بقيم المركز فاستبدلها بالذي هو خير من قيم الوحي ، أم كان طالب شهرة أو مال فلا يؤجر عقله إلا لمن يدفع أكثر فيصب فيه من الأفكار ما يروم ترويجه بلسان عربي يبين ما لا يبين لسانه ، أم قزما قد أخفق في صناعة مثال ناجح فطموحه الجارف مع تواضع قدراته وفساد قصده فلا غاية له إلا أن يظهر ويثرى ، كل أولئك مما يفسد أمره ، إذ يتصدر وليس أهلا أن يتصدر ، فإن راجت بضاعته المسروقة حينا من الدهر فلا تروج كل حين فافتضاحها حتم لازم ، وَتَتَبُّعُ المصادر يُبِينُ عن أصول مقالاته ، فَكُلٌّ يصنع صورة معرفية تواطئ أغراضه ، وإن وجد ما يحول دونها فلا بد أن يجاوزه ، فَقِيَمُ الوحي سد منيع يحول دون تخريب الذاكرة الشرقية فضلا عن معيار النقد المحكم الذي يَنْفِي خبث المنقول والمعقول ، فَلَهُ من رواية الألفاظ الصحيحة ودراية المعاني الصريحة ما يبلغ به المأمن ، فأصوله محكمة وهي حصن الشرق وَبَيْضَتُهُ فلا يُنَالُ منه ما يسوء إلا أن يَنْفُذَ الخصم إلى عقله وذاكرته فيخرب منها ما يخرب ، فلا يكون ثم معيار محكم فتسيل الأفكار فلا زمام ولا خطام وفي هذه الحال من السيولة والفوضى الفكرية يعاد تشكيل العقل على أصول جديدة تنسخ الأصول القديمة البالية ! ، وباسم التحديث والتجديد الذي يستمد طرائقه من الخصم ! ، كما تقدم من حال الفاضل آنف الذكر الذي ابتعث ليستجلب طرائق المركز في التعليم ، وغاية ما ينتفع به منها الوسائل لا سيما وسائل التجريب ، فوسائل التعليم والتدريب في المركز قد فاقت نظائرها في الأطراف ، ولكنَّ المناهج لا تعزز قيم الشخصية الشرقية المستقلة ، فإنها تحكي قيم المركز التي تخالفها فضلا أنها تخاصمها في القديم والحديث فحملاتها لم تَزَلْ تستبيح الشرق ، فتارة تستبيح الأرض وأخرى تستبيح العقل وهي الأعظم نكاية ، لو تدبر الناظر ، فأي أمة تروم الاستقلال فلا بد أن تستقل في الأفكار والمناهج التي تصنع العقول ، فلا تُصْنَعُ عقولها في الخارج وإن انْتَفَعَتْ بوسائله ، ولا تستجلب مِنَ الخارج مَنْ يصنع عقلها فلو صدق النصح ما أجاد فهو وافد غريب على أمة ذات تاريخ وثقافة تخالف عنه ، فكيف وهو غاش يروم إفساد الذاكرة الشرقية وإن زعم الإنصاف والموضوعية وهو ما يخدع كثيرا ، لا سيما من يطلب شهرة ، أو يروم الخروج عن منهاج الرسالة سواء أجهر بخصومتها فهو ينتحل العلمانية اللادينية أم احتفظ بنسبتها ، ولو في الجملة ، فَلَهُ ، أيضا ، هوى في مِثَالِ مَعْرِفَةٍ يخالف عن إرث الرسالة ، فقد صار دينها أديانا ! ، فثم إسلام الحداثة ، وإسلام الاعتدال وإسلام الحرية ....... إلخ ، وكلٌّ يزعم أن مبدأ أمره الوحي ، كما قد زعم أصحاب المقالات في الماضي أن مبدأ أمرهم هو الوحي ، وإن اختلفوا فيه على أنحاء فما ذلك إلا أن غُيِّبَ الوحي مرجعَ حكمٍ يجاوز الأهواء والأذواق إذا اختلفت فترد جميعا إليه ، فإذ أعجب كل ذي رأي برأيه فهو المحكم وما خالفه فمتشابه ، فإما أن يُضَعَّفَ وَيُرَدَّ فهو باطل مكذوب أو آحاد لا يحتج به ، وإما أن يُتَأَوَّلَ فيصرف عن ظاهره المتبادر بلا قرينة ، فليس إلا التحكم في حمل الألفاظ على وجوه بعيدة أو باطلة تضاهي التأويلات الباطنة ، ولا يجد صاحبها غضاضة أن يطعن في نقلة الوحي ، وإن بلغ طعنه الصدر الأول ، وهو ما يجعل انتسابه إلى الوحي انتسابا محل نظر ، وإن قصره على الانتساب إلى الكتاب المتواتر فمن نقل الأخبار هو من نقل آيه ، وإذ بَطَلَ نقلهم للأخبار وَطُعِنَ في عدالتهم بما يُفْتَرَى من كذب أو يُزَادُ في الأخبار أو يلتقط عمدا من هنات لا يسلم منها بشر ، فصاحبها لا يسلم من هوى وغل يستبطنه ، فَلَوْ أنصف ، كما يزعم ، لحكى الخير حكايته للشر ، فَلَوْ كان منه ذلك لافتضح مقاله الجارح إذ غلبة الخير تظهر على وجه يجعل الشر نادرا لا يؤثر ، وإن لم يجحده الناقل الأمين لوقائع التاريخ ، إلا أن التحكم في اختيار بعض وقائعه دون بعض ، والتحكم في تفسيره بحمل أخباره على أسوإ المحامل ، كل أولئك دليل يَفْضَحُ فساد القصد وفساد المنهج الذي اقتبسه من الخصم وكساه لحاء البحث الموضوعي وليس إلا جمعا للقاذورات لا يحسنه إلا الذباب ، وهو ، لو تدبر صاحبه ، يُنْهِي دور هذه الأمة فهو يبطل شهادتها على بقية الأمم وينزع عنها المعنى الرسالي الذي ابتعثت لأجله ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فأي خيرية لأمة قد زيف تاريخها ، وأي خيرية لأمة صارت غايتها أن تقتبس معيار قيمها وأخلاقها من خصوم رسالتها .

    وأمر المادة ، كما تقدم ، إِنْتَاجٌ به يَزْدَهِرُ المعاش ولكنه لا يصلح معيارا تقام عليه حضارة إلا حضارة تختزل الإنسان في احتياجاته المادية فتنحط به إلى دركة الحيوان ، ومع الإنتاج لا بد من معيار عدالة في العطاء ، فلك مما أجمع عليه العقلاء ، فالوحي لا يخالف ، بداهة ، عن قيم الحكم الرشيد ، ولا بد من معيار ثالث يرقب هذا العطاء لئلا يخالف عن جادة العدل ، وذلك ما اصطلح أن يسمى معيار الحوكمة ، فهو معيار أخلاقي يراقب ، وهو ، كما تقدم ، يحكي المثل الأعلى الذي تسعى النفوس أن تضاهيه ، فما الظن إذا كان الحاكم يسلك الجادة الفرعونية فهو الذي يحفظ القيم والمبادئ الدينية وهو الذي يحسم مادة الفساد ، فتلك دعايته في الشعب المغفل ، فـ : (قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ، فَنَسَبَ إلى الكليم ، عليه السلام ، جناية التبديل والإفساد فهو خائن لدولة فرعون إذ جاء بما يخالف عن دينها المحكم ! ، فالرسالة في دعاية خصومها مادة التبديل والإفساد فهي تنسخ قيم الحكم الرشيد ، قيم : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ، فترد الأمر إلى مرجع أعلى يجاوز فرعون وجنده ، فلا مناص أن يجمع الجند ويحشرهم فإن الخصومة قد صارت خصومة وجود ، فلا يَقَرُّ عرش فرعون ودين الكليم ، عليه السلام ، في الأرض يظهر فهو يبدل دينه ويفسد ملكه ، وهو ينسخ مثله الأعلى بمثل رسالي أعلى ، ففي دولة فرعون لا يعجب الناظر أن تكون العاهرة مثال أمومة ، وأن يكون الجاهل مثال علم ، وأن يكون الخائن مثال بطولة ، فلكلِّ دولة نجوم تصنع بها الأجيال فغايتها أن تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ من العلو والظهور ، والمثل يضرب بالدولة الشيوعية التي اشتدت خصومتها للأديان والأخلاق فكان عطاء من يحترف الغناء أو التمثيل يفوق كل عطاء فأولئك نخبة الإبداع والصحيح أنهم نخبة الإفساد التي اصطنعتها الدولة وأغدقت عليها العطاء مع أنها دولة شيوعية تزعم المساواة ، فاقتضت الضرورة تفضيل النخبة الفاسدة فهي أداة فاعلة من أدوات الدولة التي لا تحكم المجتمع إلا إذا أضعفته وأفسدته فاستلبت منه أسباب القوة الروحية والمادية ، فلا يطيق أن يقاوم ، وليس ثم معيار حوكمة يرقب على وجه يصلح ، فقد أنكرت الشيوعية ، كأي مذهب أرضي ، أنكرت المرجع الرسالي الذي يجاوزها من خارج ، وذلك إشكال رئيس من إشكالات مصر قبل أن يدخلها عمرو الفاتح فقد جاء بقيم جديدة في الحوكمة ، وهي قيم رقابة من خارج الذات بما لها من الأهواء والحظوظ ، فهي حوكمة الرسالة التي جاوزت حد الإدارة لمقدرات الحياة من ذخائر وثروات ، وهو ما تحكيه دواوين النظام الحاكم ، فذلك أمر يسع فيه الخلاف ، وإن وجب رده ، أيضا ، إلى معيار حاكم ، ولكن باب الاجتهاد فيه واسع ، فحوكمة أي مجتمع لا تقتصر على إدارة موارده وقضاء حوائجه ، وإن كان ذلك مقصدا رئيسا من مقاصد أي حضارة ، سواء أكانت أرضية أم رسالية ، فحضارة الوحي قد جعلت حفظ الأبدان والأموال من مقاصدها الرئيسة ، وحوائج الناس تدخل في هذا المقصد فلا بد من إطار محكم ينظم ، فهو يجتهد في استثمار الثروات ، ويجتهد في توزيع الأعطيات فيعدل بين الناس عدل الحكمة فلا تقضي بالتسوية المطلقة ، فذلك ما خالفت به معيار الشيوعية التي انتحلت معيارا آخر يوافق أصول حضارتها المادية فجعلت عدالة التوزيع تسوية مطلقة في العطاء مع اختلاف الوظائف ، وتفاوت الدرجات فيها ، فذلك أمر ينظر فيه النظام الحاكم نظر التفاوت في الكفاءة ، إدارة وإنتاجا ، فلا يسوي بين الجميع وهم على درجات شتى من الكفاءة والقدرة ، وإنما الحكمة أن يعطى كلٌّ ما يستحق فعطائه نظير ما يبذل من جهد ، والجهود تَتَفَاوَتُ فإذا سَوَّى بَيْنَهَا الحاكم فقد ظلم المجتهد إذ بخسه حقه وسواه بالباطل العاطل من فضائل الفكر والفعل ، وذلك عطاء النظام نظير ما يكون من وظيفة ، فهو يخالف عطاء الدولة إذ تمارس وظيفة أخلاقية تجاوز حد الوظيفة الإنتاجية ، فالوظيفة الإنتاجية يكون فيها التفاوت تبعا لكفاءة صاحبها وما ينتج من سلعة أو خدمة نافعة ، والوظيفة الأخلاقية وظيفة اجتماعية ترعى بها الحكومة من لا يطيق السعي ، أو من افتقر فلم يستوف الحد ، فيجب عليها أن تُوَفِّرَ من أسباب العيش ما يجاوز حد الفقر ، فرعاية الناس وقضاء حوائجهم وظيفة رئيسة من وظائف أي حكومة ، سواء أكان فعلها فعل ديانة أم فعل سياسة ، وسواء أكان مرجعها الوحي أم الوضع ، ورسالة الوحي ، لو تدبر الناظر ، ترجح في هذا الباب ، وإن لم يظهر فيه وجه ابتلاء بالتكليف وما يُسْتَحَقُّ به مِنَ الجزاء الآخر ، فمن ينكر فلا يدرك بداهة أي فارق ، بل ومن يؤمن قد يغفل عنه إذ العطاء في هذه الحال عطاء حس محض ، فالرسالة ترجح فيه وإن كان أمر دنيا إذ تكسوه من لحاء القصد والنية ما يشرف فهو يجاوز حد الإدارة والتوزيع المجرد الذي يضاهي فعل الآلة التي لا تعقل ، ومعياره الأخلاقي ، من وجه آخر ، يجاوز أي معيار أرضي ، سواء أكان معيارا نفعيا ، فثم من أخلاق الانتفاع ما يرعى وظائف الاجتماع ، فيعدل في العطاء تكافلا به تستقيم الحال دون نظر في معنى شريف يجاوز حد التوزيع ، ولو معنى أخلاقٍ تواطئ ما جبلت عليه النفوس من حب الخير والسعادة حال فعله والرضى حال بذله فلا توجد نفس ، وإن بلغت ما بلغت في الخبث ، لا توجد نفس لا تحب فعل الخير وإن وضعت له معيارا يتحكم فلا بد لها من بذل وإن قل وعطاء وإن شح إلا إذا انحطت دركتها فضاهت الكلب ، فـ : (مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) ، فهو مضرب المثل في الجشع والأثرة ، وبعض النفوس قد تفوقه في ذلك إذ فارقت من المعاني الدينية والإنسانية ما جعلها دون الكلب فليست تلك محل البحث فهي استثناء إذ حالها يخرج صاحبها من بحث الفضيلة الأخلاقية التي أجمعت على حسنها سائر الطرائق التشريعية ، السماوية أو الأرضية ، فثم في منهاج الرسالة ما تطمئن به النفس وتزيد فهي تدخر منه الثواب الجزيل فضلا عن عاجل بُشْرَاهَا من سَعَادَةَ النفس وثناء الجمع .


    فثم من الوظيفة الاجتماعية ما يجاوز حد الوظيفة الإنتاجية ، وذلك ما رجحت فيه حضارة الرسالة السماوية ، حضارة الشيوعية وسائر المذاهب المادية فهي حضارة من لا يعمل لا يأكل ، فأخلاقها أخلاق المادة ووظيفتها إدارة المصانع وزيادة الإنتاج ولو مزقت عجلاتها الصلبة أشلاء الضعيف الذي لا يقدر ، فلا يجد ما يأكل أو يشرب ، فهي بذلك تضاهي حضارة القطب الآخر الذي قاسمها وصف المركز شطرا من الزمان قبل أن يستأثر به فصار هو المركز الذي لا شريك له في حكمه ! ، فهو يضع مِنْ دين الحضارة ما يجعل الفقير آخر الركب ، ولو صح معيارها لكان هو الأمير ، فالضعيف أمير الركب ، فعجلة اقتصادها تَتَسَارَعُ فلا تَتَوَرَّعُ أن تمزق أشلاء الضعيف ، سواء أكان فردا أم أمة ، فهي تطحن الشعوب في الأطراف فَتُوَظِّفُهَا خدما في بلاط المركز ، إن بالاسترقاق المباشر كما كانت الحال في العصر الوسيط على وجه تَعَجَّبَ منه كل مَنْ طالع مبادئها التي جعلت معيار التفوق هو الجنس والعرق فصارت الحضارة على ألوان ، فَلَوْنٌ أبيض يسود ، وآخر ملون ، وثالث أسود ، وما سوى الأبيض فهو خادم وإن تفاوتت رتبته ، فمعيار الذكاء يتفاوت تبعا لتفاوت اللون ! ، في احتكار تَحَكَّمَ معياره أَنْ رَدَّ الكفاءة والريادة إلى وصف طردي لا يؤثر في صناعة الحضارة ، فالحضارة يصنعها العدل سواء أكان أبيض أم أسود ، ومناطها في الرسالة ما جاءت به من نصوص الديانة فَيَسُودُ فيها الأسود إن استجمع من فضائها وامتثل من شرائعها ما لم يكن من الأبيض ، فـ : "لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" ، فَسَادَ بلالٌ الحبشي فأبو بكر سيدنا وأعتق بلالا سيدنا ، كما أثر عن الفاروق عمر رضي الله عنه ، وهو العربي الْعَدَوِيٌّ القرشي ، وذلك فارق آخر يدق في صناعة الحضارة وبه استبان قدر فارق بين حضارة الشرق التي استندت إلى الرسالة ، وحضارة المركز التي يعجب الناظر ، كما تقدم ، إذا نظر في مبادئها البيضاء وصنائعها السوداء ! التي جات تصدقها في هذا الباب ، فكانت من جنايتها على البشر ما صار مضرب المثل وهو ما أقر به من أرخ من رجالات المركز فمادة هذا البحث قد جمعت من مدوناتهم إذ لم يشهد تلك الجرائم غيرهم ، فشهد شاهد من أهلها ، فيعجب الناظر فيها في مقابل ما نَبَزَتْ به الشرق المسلم في شبهة الرق ، مع ما حفظت الذاكرة الدينية والتاريخية من نصوص جامعة ووقائع صادقة في هذا الباب قد جاوزت الإجمال إلى التفصيل وكان فيها من الحقوق ما لا يَتَمَتَّعُ به كثير من الأحرار في صورة الظاهر في أمصار الظلم القاهر ! ، كما يشتكي أبناء الشرق في هذا العصر مع سكوت المركز في موضع البيان فهو إقرار بما يخالف عن مبادئ الحرية المطلقة التي ينتحلها ، فهو صادق كاذب في نفس الآن ، إذ معياره نسبي يَتَفَاوَتُ ، فهو صادق إذ انْتَحَلَهَا في أرضه فجعلها حاكمة في شعبه ، وإن خالف عن معيار الوحي فأطلق من الحريات ما خالف النقل فلا يؤمن به بل ذاكرته لا تحمل للوحي إلا البغض والسخرية فتلك أوهام وراء طبيعية ، لا تصدقها الطرائق العقلية في أعصار الحداثة ، فما سوى الحس فحديث خرافة ، وذلك ، كما تقدم ، إشكال رئيس في تعاطي المركز مع حضارة الرسالة فلا يراها إلا قيدا على العقل وإهدارا للحريات العامة والخاصة ، فما يجد في ذاكرته التاريخية مفردات حضارة عادلة استندت إلى رسالة نازلة ، ولو في الجملة ، فما وجد من مثال ينتسب إلى الدين فهو مثال الكهنوت البغيض ، فهو يكره الدين إذا جاوز حده فَرَامَ وضع نظرية في الحياة أو السياسة أو ما تعم به البلوى من حظوظ الإنسان إذا طغى بما حصل له من أسباب الحس ، فالدين في حضارة المركز عدو صائل على الحريات ، أو موظف يطيع السلطة فهو أداة من أدواتها ، فغايته أن يكون ديوانا يُفْتِي بما تهوى ، أو مسعر حرب بها يحقق أغراضه في مصادرة حريات الآخرين ! ، وَانْتِهَابِ ثَرَوَاتِهِم ، فالدين في هذه الحال يُوَفِّرُ الغطاء الأخلاقي لفعل نَفْعِيٍّ انْتِهَازِيٍّ ، فمارس من النسبية ما يدل على فساد في البواعث الأخلاقية ، فهو صادق في انتحال الحريات العامة وإن جاوزت حد النقل الرسالي ، الخصم الرئيس للعقل المركزي ، بل وإن خالفت العقل الصريح وجبلة التكوين ، فالعقل المركزي الحديث في النظام اللاديني عقل قد أطلق من عقاله ! ، فخالف في أحيان كثيرة عن قياسه وحصل له من اضطراب المعيار الحاكم ما قد شهد به فعله السياسي والعسكري في الأطراف ، فلم يكن حكمه مطلقا في جميع الأمصار ، ولو استنادا إلى معياره الأرضي ، بل كان من حكمه في الأطراف ما قد شهد به الاحتلال الحديث ، سواء أكان احتلال المباشرة أم احتلال المناوبة ، فهو يسكت في هذه الأعصار عن مظالم في الأطراف تخالف عن معياره ، والسكوت في موضع البيان بَيَانُ ، كما يقول أهل الشأن ، فهو يُقِرُّ ، ولو لسان حالٍ ، بما يصنع الطغاة في الأطراف ، إذ لا يرى في أفعالهم ما يخرق ناموس العدل ، فالعدل في معياره هو ما يوفر أسباب الرفاه في المركز ، وما به تحصل سيادته المطلقة في الأطراف ، وهي سيادة لقيم تخالف عن قيم الشرق ، فكان حتما لازما أن تَسْتَعْمِلَ من لغة القوة والقهر ما به تفتح أمصار الشرق ، فالحق الذي تحمله لا بد له من قوة تعضده فهي تدفع عنه الخصوم وتطلبهم في أوطانهم ، فتجاهد فتحا لأمصارهم فَتَرَى لها من رسالة الحضارة ما يوجب عليها ، إيجاب الأخلاق والمبادئ ، أن تحرر الشرق من أسباب شقائه إذ استمسك بدين متخلف في السياسة والاجتماع ، فغاية ما يقر منه عقد وعبادة خاصة لا تجاوز الفرد ، كما زعم صاحب "مصر الحديثة" ، وهو من جند الفتح المخلصين من سادة المركز الإنجليز ، وعقلهم هو العقل الحاكم في المركز وإن كانت منه نسخة ساذجة قد غَلَبَهَا غرور القوة ، فالمبادئ واحدة ، وإنما انتقلت التَّرِكَةُ الرسالية الفاتحة ! من احتلال مباشر مارسه الإنجليز إلى آخر بأدوات شرقية صنعت على الطريقة الغربية فنسبتها إلى الشرق نسبة جنس ، ونسبتها إلى الغرب نسبة فكر وحضارة فهي على دين المركز ، وهي ما قد عمت به البلوى في كل موضع ، فكان من نخب الوظيفة الحضارية ذات المبادئ العلمانية اللادينية ، كان منها ما احتل مراكز الفكر والسياسة والحرب ، وكان منها ما أتلف الذاكرة التاريخية بخطاب سحرٍ زَيَّنَ الباطلَ فأصغت إليه القلوب إذ ذهلت فَغَرَّهَا ما غرها من زخرف القول والصورة فلا تخرج عن إغواء المفكرين وإغراء المنحرفين ، فالأول يفسد قوة العلم والتصور بما يبث من قيم ومبادئ تصنع العقول على مثال يخالف مثال الوحي الذي به امتاز الشرق فشخصه الاعتباري شخص رسالي لا تصلح حاله إلا باتصاله بالسماء بسبب النبوات التي نَزَلَتْ في أرضه فصنعت ماضيه الزاهر ، وكان من مخالفته عنها ما دل عليه حاضره البائس ومستقبله الغامض الذي يملأ القلب خوفا إذ لا يَرَى من بشائر الإصلاح والتجديد إلا ما يقع الآن من إفساد وتخريب ، فإهلاك للنسل بقتلٍ يكسى لحاء القضاء بالعدل ، وتفريط في الثروات واقتطاع من الأرض ، فأرض الشرق تتآكل وإن كانت صورتها في الجغرافيا ثابتة ، فالبركة منها تُنْزَعُ بقدر ما تخالف عن الشرع المنزَّل ، وخيرها يسرق وينهب إذ وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله ، فتصدر الخائن الفاجر وكان ذلك ، لو تدبر الناظر ، من العقاب الناجز ، فـ : (لَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) .

    فحضارة الغرب التي فتحت أرضا كمصر ، وهي محل الشاهد ، قد جاءت بدعوى التحرير من قيم عمرو بن العاص ، فهو فاتح صنع ما صنع الإنجليز ، فقد جاء بدين ناسخ لدين الرومان حكام الأرض وَوُضَّاعِ الشرعِ فعندهم من قوة الحرب ما قهروا به المصريين وعندهم من مذهب الدين ما غلب أهل البلاد قهرا بحديد ونار ذكره من أرخ لهذه الحقبة من رجالات المذهب المصري الذي خاصم الفاتح الإسلامي الدينَ كما خاصم الفاتح الروماني ، فشهادته على الفتحين لا تخلو من اعتبار وإن حمله التعصب والانحياز في مواضع ، فصورة الفتح ، بادي الرأي ، واحدة ، فثم سلطة حاكمة زمن عمرو لها من بسط النفوذ ما عم القطر وقهر الشعب ، فضلا أنه يغاير الشعب غايات الحكم ، فبلاده هي بقرة الإمبراطورية الحلوب التي يستدر خيرها ولا يترك لأهلها إلا الفتات ، ولا يرسخ هذا الحكم إلا بقوة حديد ونار ، فهي الأداة التي يفرض بها الغالب دينه على المغلوب إن لم يحمل من القيم السماوية ما يَبْرَأُ من التهم الأرضية ، تهم الأثرة والجشع والافتقار إلى أسباب القوة والثروة وما تطلبه كل نفس من شهوة ولذة فتلك قيم تحكم أي فتح أرضي وإن اجتهد ما اجتهد أن يكسوه اللحاء الأخلاقي ، فصنيعه بعد الفتح يفضح ما انطوت عليه النفس من القيم المادية الحاكمة ، فهي معياره في العدالة ، سواء أكانت مطلقة إذ يقتسم الغنائم والأسلاب فهو يقتسم ما انتهب من ثروات وغايته أن يحصل له الرفاه ولو ظلم غيره ، والظلم في حكومته يجاوز حد الخطأ في الإنفاذ ، فذلك ما لا يسلم منه منهاج وإن كان منهاج الوحي فَمَنْ خَلَفَ الرسالة بشر يصيبون ويخطئون في أحكامهم ويقع لهم من الحظوظ في الحكم ما لا تسلم منه نفس ، بل قد يعظم بغيهم في أعصار مع نسبة ، ولو مجملة ، إلى الرسالة ، فلم تخل حكوماتهم من الظلم ، ولكنه في الحكومات ذات النسبة الرسالية ظلم في الإنفاذ يفضحه المنهاج المحفوظ من نصوص الرسالة التي تحكم من خارج ، فهي المرجع المتجاوز الذي يتخطى بحكومته السلطةَ والرعيةَ فهو يحكم فيهما جميعا حكومة عدل مطلق قد سلمت مما لم تسلم منه النفس من حظوظ الرياسة والثروة ، وأما ظلم الفاتح الجديد في أعصار الاحتلال الحديث ، فهو ظلم في الفكرة قد جاوز حد الظلم في الفعلة ، فعقل المركز إذ يشرع ، عقل أرضي لا يسلم من الهوى وهو عقل فقير له حظوظ من لذات النفس والبدن فالطغيان فيه جبلة ، والإفراط في لذات الحس أمر لا يكاد يسلم منه بما ركز فيه من قيم نفعية انْتِهَازِيَّةٍ لا تحسن تجاوز ما بِيَدِهَا من أسباب الحس الظاهر ، فذلك معيار به يحصل القدر الفارق بين الفتحين .

    وفتح عمرو ، مع ذلك ، ليس صورة بسيطة يحكم الناظر فيها بمعزل عن الظرف الجيوسياسي الذي يؤثر في أحكام السياسة والحرب ، فدافع الرسالة دافع رئيس لا يجحده الناظر ، بل هو الدافع الأول في حركة الفتح الأول ، وهي ظاهرة أثارت الدهشة ، ولا تَزَالُ مراكزُ البحث والفكر في الغرب تجتهد في تحليلها ، وإن كانت في أغلب أحكامها لا تنظر إلا في زوايا السياسة والاقتصاد ، فهي ، من وجه ، تطعن في مرجعيات الفتح الأخلاقية فَتَقِيسُهَا على مرجعيات الاحتلال الحديث ، فالجميع قد جاء يظهر ما لا يُبْطِنُ ، فأظهر عمرو الفتح وأراد الأرض والثروة والرياسة ، وكذلك صنع الاحتلال الحديث الذي زعم التحديث الذي لا يكون إلا بالمخالفة عن قيم الحضارة في الشرق ، فحضارة المركز قد جاءت تنسخها كما جاء عمرو بحضارة الوحي الناسخة لحضارة الرومان حكام البلاد فهم صناع الحضارة فيها بما لهم من أدوات السلطة ، وبما استجمعوا من أجناسها تشريعا وتحكيما وتنفيذا فلم يكن لأهل مصر من القوة الدافعة لحضارة الرومان إلا قوة المذهب الذي يخالف عن مذهب الدولة الأم ، وتلك حال كل مهزوم في ساحة السياسة والحرب فعنده من مناعة الأفكار ما يستدعيه فهو خط دفاعه الأخير كما يرى الناظر اليوم في الشرق إذ يستدعي خط دفاعه الأخير من دين الوحي ومرجع الرسالة فما بال التاريخ يكتب عن المصريين أنهم أبطال قَدْ قدموا ما قدموا من الشهداء دَفْعًا لِتَغَوُّلِ السلطةِ الرومانيةِ ، وهو في نفس الآن يكتب عنهم وعن الشرق كله أنه متطرف متزمت يأبى الدخول في دين الحضارة الغالبة فيستمسك بقيم الرجعية والتخلف مع أنه صنع ما صنع الأبطال الأوائل ! ، وهو صنيع كل أمة مغلوبة قد قهرت ، فلا تجد إلا الأفكار والقيم لتدفع بها عدوان الصائل الذي فاقها في أسباب القوة والمنعة فذلك ما تحمد به أي حضارة ، ولو وثنية لا دين لها ، فتحمد أنها تدفع الصائل على ثقافتها فتستمسك بقيمها ، فكل حضارة تصنع ذلك تُحْمَدُ إلا حضارة الوحي فوحدها ما يُنْبَزُ بالرجعية والتخلف والتطرف ..... إلخ ، وذلك قياس آخر عجيب .

    ومراكز البحث في المركز تعجب ، من وجه آخر ، وإن صدقت في التحليل ، فإن معيارها معيار الحضارة التي انتحلت قيمها وهي حضارة لا تقيم وزنا للباعث الرسالي الأخلاقي إلا إن كان له من النفع المادي ما تظهر آثاره العاجلة ، فهم أعلم الناس بما يمارسه ساستهم من انتهازية تحكم في موضع بحكم ، وتحكم في نظيره بضده ، فإذا انتفض شعب يرى المركز في انتفاضته كسبا في السياسة والحرب فهو شعب بطل قد ثار على الظلم وأبى الخضوع والأسر في قيد الذل ، وإذا انْتَفَضَ آخر وكان انْتِفَاضُه يخالف عن مصالحه العاجلة التي لا ترى حرجا في دعم الحكومات المارقة ، ولو بِمَعَايِيرِه الحاكمة ، فإذا انتفض الشعب على غير ما يهوى المركز ، فذلك تخريب يجرم ، أو شأن في الداخل يخص أهله ! ، وذلك معيار نَفْعِيٌّ يعجز بداهة أن يدرك الباعث الرسالي في فتح عمرو أو في أي فتح آخر أنجزه أتباع الرسالة ، فمعيار التحليل والحكم الأرضي ذي المرجع النفعي الانتهازي لا يطيق بداهة أن يحكم في فعل باعثه الرسالة ، وإن لم يخل من أغراض سياسة واقتصاد ، فإن الحكم على ظاهرة تاريخية كظاهرة الفتح ، الحكم عليها من زاوية بحث واحدة ، لا يخلو من تقصير في تفسير ظاهرة مركبة ، فلا ينكر الناظر أن ثم باعثا في السياسة تؤيده الجغرافيا الحاكمة لحركة الجيوش وفضاء السياسة حكما أو تأثيرا ، فإن مصر امتداد طبيعي لبلاد الشام ، فهي بلغة الاصطلاح المعاصر ، عمقها الاستراتيجي ، فلا تسلم الشام لفاتح حتى تفتح مصر فَيُتْبَعَ السابق باللاحق ، وهو أمر صدقه التاريخ في جميع أدواره ، فملك الشام لا يسلم إلا بملك مصر وهو ما تَأَوَّلَهُ المركز في رسم الحدود الجديدة لشرق أوسط دينه يخالف عن دين النبوات ، فهو دين حضارة تسود فيها قيم المركز اللادينية ، فلا بد من إقامة كيانات سياسية علمانية تخالف عن الطبائع الشرقية الرسالية ، وإن فسد منها ما فسد ، فلا زالت في الجملة تعظم النبوة ، ولو دعوى يكذبها الواقع ، فذلك نقص لا تصح نسبته إلى الخارج ، فغاية الخارج أن يُزَيِّنَهُ ولولا ما أصاب النفوس من نقص ما اغترت بزخرفه ، فما راجت بضاعة المركز من زخارف الإغواء والإغراء إلا أنها وجدت محالا تقبل آثارها ، ومع ذلك كان من ركز النبوة ما جبلت عليه النفس الشرقية ، فلا يُرْفَعُ لحضارة المركز لواءٌ إلا أن يُغْمَدَ لواء الوحي ، فلا يجتمعان على أرض ، وهو ما يجعل قسم الملكِ المعاصر وإن أقسم بالله الخالق ، جل وعلا ، فلا يقسم بالله الشارع فلا يقسم إلا على احترام الدستور المحدَث ذي البواعث الحضارية التي تخالف عن القيم الرسالية ، فهو قسم عجيب يقسم صاحبه بالله ، جل وعلا ، أن يخالف عن منهاجه ! ، ولا يكون هذا التناقض في الشرق إلا بِتَقْطِيعِ الأرض وتقطيع السلك الناظم من دين الرسالة ، فيكون من العقد العلماني اللاديني المحدث ما ينسخ العقد الرسالي ، فلا يُعْمَلُ بالناسخ والمنسوخ معا ، فإما الوضع المحدَث وإما الوحي المنزَّل ، فبواعث الحضارة في كلتا الحالين متناقضة ، وأفكارهما في ساحات الجدال متدافعة ، وجندهما في ساحات الجلاد متصارعة ، وهو ما صنع المركز إذ تَأَوَّلَ جدالَ الأديان بجلادِ الأبدان في فتوحاته المعاصرة ، وهو ، أيضا ، ما صنع عمرو ، رضي الله عنه ! ، فمن عجب أَنَّ فَتْحَهُ وحده هو الاحتلال الغاصب للحريات المنتهب للثروات ! ، فكان واجبا حتما على أي حضارة تَرُومُ البقاء في الشام أن تسعى في فتح مصر ، وهو ما تأول عمرو ، ولم يخل فعله من باعث اقتصاد ، فمصر من خزائن الله ، جل وعلا ، في الأرض ، ووصفها ، كما أثر عنه : "إنها أكثر الأرض أموالا وهي أعجزها عن القتال والحرب" ، فهو من أعلم الناس بحالها إذ دخلها تاجرا قبل أن يدخلها فاتحا ، وذلك ما تأول الإنجليز إذ فتحوا مصر بعد ذلك بقرون بسيف حضارتهم ، ولم يقل أحد إنهم قد انْتَهَبُوا خيرات مصر فجعلوها تابع اقتصاد يمد مصانعهم بالخامات الأولية ، فدعاية انْتِهَابِهِمْ لِثَرَوَاتِ مصر أنها إدارة راشدة لِمَوَارِدِ البلاد رائدُهَا التحديث وغايتها نفع المواطن البسيط ، فما بال عمرو وحده ينبز بالانتهاب ، ولم لا يلتمس له من التأويل ما يلتمس للإنجليز ؟! ، لو سلم ، بداهة ، أن كلاهما قد جاء غازيا لغايات سياسة واقتصاد ، والتاريخ يشهد بِقَدْرٍ فَارِقٍ يُبِينُ ، فإن مصر قبل الفتح الإسلامي كانت هملا ، وبعده كان لها من الفعل الحضاري والسياسي ما حفظته ذاكرة التاريخ فلا يكاد الشرق المسلم يذكر إلا ومصر مبدأ عزه ، فهي إيوان الإسلام ، فكان لها من الرياسة في حضارته ما لم يكن لها في غيره ، وكان من إنصافه وعدله ما شهد به التاريخ ، فإن قيمه وأخلاقه لم تكره أحدا إكراه عامة ، وإلا فَثَمَّ من الحوادث الخاصة ما لا تخلو منه أي حركة بشرية ، فليس الفتح بمعصوم من الأخطاء ، ولكن نظر الإنصاف يقضي بحكم يرجح الغالب فالنادر لا حكم له ، فلا ينكر ناظر مآثر للإنجليز وإن كانوا قوة احتلال ، فقد كان لهم من آثار العمران ما لا يجحده منصف ولكن ذلك لا يعدل ما أفسدوا في مصر ، فلا زال دورها السياسي والعسكري يَتَرَاجَعُ من لدن حملة نابليون وما بعدها من أعصار تغريب فكري جاء الإنجليز لِيُحْكِمُوا بُنْيَانَهُ فقد انْتَقَلَ على أيديهم من القوة إلى الفعل التشريعي والسياسي ، فجاءوا بنظام تشريع ناسخ استغرق سبع سنوات عجاف ، 1882_1889م ، بُدِّلَتْ فِيهَا هوية البلاد من الهوية السماوية إلى الهوية الأرضية اللادينية ، ولا يكون هذا التغيير إلا بقوة نار تحكم إذ تخالف عن قيم الجماعة المصرية التي استقرت في الضمائر وإن ضعف تأثيرها في الخارج ، فكان من صناعة القتل ما قَارَفَتْهُ جيوش الاحتلال ، وكان من عظيم المكر ما سعت في صناعته مِنْ نُخَبِ حربٍ تشربت قيمها الحضارية قبل أن تُتْقِنَ فنون القتال بل قد تقصد الاحتلال حجب أسباب القوة الفاعلة عنها فلا تجاوز أن تكون قوة شرطة محلية استخلفها في الأطراف لتحسم أي عدوان على حضارته الحاكمة قهرا ، فمثل ذلك ، لو تدبر الناظر ، مثل العضو الذي يُزْرَعُ في جسد غريب فلا يحصل له التثبيت إلا بالعقاقير الْمُثَبِّتَةِ ، فلا يثبت من نفسه إذ هو غريب يلفظه البدن ، بادي الرأي ، فكان من زراعة القيم العلمانية في الشرق ما افتقر إلى عقاقير تُثَبِّتُ ، وآكدها نفعا العقار المسلح الذي يُثَبِّتُ العضو المزروع قهرا ، فإذا سلم أن عَمْرًا قد صنع ذلك فهو ، أيضا ، حامل لقيم حضارة وافدة ، وقد وفد بجيش يفتح ، وحكم به مصر فكان له فيها السلطان النافذ ، فهو محتل غاصب ، وأما الغرب إذ وفد بجيوشه الغازية فما وفد إلا ليحدث البلاد ويحرر الأفكار كما تزعم نخبه في الفكر فهي التي تكسو جرائم النخب السياسية والعسكرية لحاء الأخلاق ، فهي الحامية للأوطان الدافعة للعدوان الحافظة لهوية البلاد العلمانية بالفطرة ! من شر الرجعية والتخلف ، فإن سلم بذلك فَلِمَ يُنْبَزُ عمرو وحده أنه المحتل الغاصب ولم لا يكون جيشه هو الحامي لهوية البلاد الجديدة ، مع أن النظر في التاريخ يجعل هذه التسوية عبثا يجهل صاحبه الوقائع ، فإن جيش عمرو قد رفع عن أهل مصر العذاب ، وجيش الإنجليز قد صب على البلاد والعباد سوط عذاب مبدأ الاحتلال فَقَارَفَ من الجرائم ما حسم به أي مقاومة ثم كان تخريب الذاكرة والعقل ، ثم كان استخلاف الجند الوطني بعد حقنه بالعقار العلماني الذي جاوز في تطرفه الفكري وجرمه السياسي والجنائي ما صنع المحتل حتى صار الناظر يرى في أيام الاحتلال الإنجليزي أيام حرية ورخاء ! ، فالاحتلال من داخل لم يخرج ، كما يقول بعض المحققين إذ يحلل شخصية مصر عبر تاريخها الطويل ، لم يخرج عن معادلة السادة والعبيد فنخبة الجند إذ امتلكت أسباب القوة النارية وشفعتها بأسباب القوة الاقتصادية ، هذه النخبة لا تَرَى في الرعية إلا عبيدا تستخدمهم في مزارعها ومصانعها وتحقق الأرباح إذ تَبِيعُهُمْ ما تُنْتِجُ من سلع فهم سوق كبيرة رائجة وتلك نظرة رأسمالية لا تصلح لحكم المجتمعات فلا بد من معيار أخلاقي يجاوز حد الكسب المادي وإلا تحولت البلاد إلى سوق ، وتحول المجتمع إلى ساحة حرب لا بقاء فيها إلا للأقوى الذي يسحق الأضعف تحت قدمه فلا يقيم له وزنا وغاية أمره أن يستخدمه عبدا في الحقيقة وإن كان حرا في الصورة كما يرى الناظر من صلف الأغنياء في المجتمعات الطبقية إذا استعملوا مِنَ الفقراء من يَقْضِي حوائجهم ، فانحط معيار القياس عن الصورة الْعَمْرِيَّةِ العليا ، صورة الفتح القديم ، إلى الصورة الإنجليزية الدنيا ، صورة الاحتلال الحديث ، ودور مصر في صناعة الحضارة الرسالية رائدةَ فكرٍ وسياسة وحرب باستقراء تاريخها الإسلامي ، ودورها المتأخر والمعاصر إذ مكانها الذيل وتأثيرها في السياسة والحرب لم يجاوز حد التجمد فدرجته صفر ، هو الذي يبين عن القدر الفارق بين فتح عمرو وفتح الإنجليز .

    ومصر الآن تنتظر فتحا آخر يرجع لها دورها الحضاري في الشرق بعد أن صارت أضحوكة الخلق فلا عاصم لها إلا الوحي الذي بَوَّأَهَا السيادة ، فإن حادت عن جادته فهي في تَرَاجُعٍ بِقَدْرِ ما تحيد حتى تُفْضِي بها الحال أن تخرج عن معادلة التاريخ والحضارة كما هي الحال في الأعصار المتأخرة التي عمت بها البلوى الفكرية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية .


    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 20367

    الجنس : أنثى

    البلد
    أرض الله الواسعة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : دراسات أدبية ونقدية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 101

    الوسام: ★★★
    تاريخ التسجيل5/12/2008

    آخر نشاط:19-05-2018
    الساعة:04:18 PM

    المشاركات
    3,278

    ومصر الآن تنتظر فتحا آخر يرجع لها دورها الحضاري في الشرق
    كلنا نأمل ذلك
    تحيتي وتقديري

    في الزحام نبحث عن الصفو

  3. #3
    تجميد الاشتراك

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 54033

    الكنية أو اللقب : الاستاذة

    الجنس : أنثى

    البلد
    المملكة العربية السعودية

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : باحث علمى

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل17/4/2018

    آخر نشاط:23-04-2018
    الساعة:10:52 PM

    المشاركات
    1

    عمرو بن العاص فخر لنا


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •