اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الأجنحة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:10:53 PM

    المشاركات
    4,730
    العمر
    39

    الأجنحة

    الحرب بالوكالة : سياسة تمارسها الدول باستخدام أجنحة أو مجموعات وظيفية على الأرض سواء أكانت الوكالة صريحة فتكون هذه المجموعات مجموعات من المرتزَقة الذين لا ولاء لهم في الفكر أو السياسة ، فلا يجاوز أولئك وصف الآلة ، فهم والسلاح الذي يحملونه سواء ، فكلاهما يحتاج نفقة في شرائه وصيانته ، فكما أن السلاح يحتاج إلى مال بِهِ يُشْتَرَى ، وآخر به يُحَدَّثُ وَيُصَانُ ..... إلخ من صور الدعم الفني ، فكذلك الْفَرْدُ المقاتِل الذي يحترف القتال بلا غاية أخلاقية ، إلا ما يُجْرَى عليه من النفقة ، وهي ، أيضا ، لا تجاوز نفقة بها يشترى كما كانت الحال في منتصف الدور الأول من خلافة بني العباس فكانت ظاهرةٌ جديدة في العسكرية الإسلامية ، وهي ظاهرة الاستكثار من الجند الوافد من الأطراف ، فهم مجموعات وظيفية اصطنعتها الخلافة استنادا إلى ولاءات تغلب عليها الأسرية ، وهي ولاءات وإن كانت تنظر بمعيار الكفاءة القتالية فكان اختيار الجنس التركي ، على سبيل المثال ، أنه جنس مقاتل يتسم بقوة البنيان وشراسة الأخلاق ، فهي وإن كانت تنظر بمعيار الكفاءة إلا أن الأمر كان ذا طابع أسري ! ، فالمعتصم استكثر من التُّرْكِ وهم أخواله ، فأمه جارية تركية ، وأولئك قوم حديثو عهد بإسلام ، فضلا أن الأمر قد جاوز حد الورع والتدين ، وإن ثم من رسم الشريعة ما يعظم ، إلا أن المعاني السياسية البراجماتية قد غلبت آنذاك المعاني الرسالية ، فَحَدَثَ الانْتِقَالُ تَدْرِيجًا بِالسُّنَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ المحكمة ، من معاني الرسالة والخلافة إلى معاني الملك والسياسة ، وكلما بَعُدَ العهد خفيت آثار الوحي وظهرت طرائق الملك السياسي البراجماتي ، وهو ملك يغلب عليه الولاء السياسي المطلق ، والولاء الأسري من أجناس الولاء السياسي لا سيما في الملك العضوض أو الملك الجبري ، وكلما تأخر الزمان نقص الملك فقد انتقل من ملك ورحمة بعد انتهاء الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض إلى ملك جبري وهو أسوأ أنواع الملك وقد يجتمع فيه الوجهان فيكون عضوضا يُوَرَّثُ ويكون جبرا يَقْهَرُ وإن دائرة الورثة إذ لا يحتمل السيف إلا غمدا واحدا فيكون للغالب الماكر فقانون الكفاية في هذا الجنس هو قانون المكر والغدر والقوة ، فمن عظم مكره وكان أسبق في الغدر وكان له من أسباب القوة حسا ومعنى ما يرجح بقية الورثة ، من كان ذلك وصفه فهو الملك فهو لمن غلب والغلبة تكون بالاحتيال تارة والاقتناص أخرى ، فإذا آلت الحال إلى الأسوإ فإن دائرة الولاء تضيق ، على وجه يختزل فيه القرار السياسي ، فهو قرار فرد أو نخبة تحكم ، سواء أكانت أسرة أم كيانا سياسيا أم عسكريا ، وهذه الهيئة السياسية ضيقة الولاء سريعة الشك شديدة الحساسية لا سيما إن كان الملك في يدها غنيمة قد حازتها بخيانة أو بإرث أو بقتال وَتَغَلُّبٍ على هيئة تحكم ، فهذه الصور على تَفَاوُتِهَا ، فالإرث أهون من الخيانة ، وإن كان كلاهما في السياسة الشرعية مما يخالف عن الطريقة المرضية ، طريقة الشورى ، فَتَتَّسِمُ هذه الهيئة السياسية الضيقة بِنَوْعٍ من أَنْوَاعِ الهذاء أو الزور أو البارانويا كما يسميها علماء النفس ، فليست هي جنون العظمة وحده وإنما هي جنس منه العظمة ، ومنه ما اصطلح أنه هذاء الاضطهاد ، فصاحبه يشعر أن كل من حوله يتآمر عليه ، فلا يأمن لأحد ، وغالبا ما يرجع ذلك إلى نقص في التكوين النفسي فصاحبه يعجز أن يبادل غيره الثقة ، وهو ما يدفعه دفعا إلى الانطواء والعزلة فلا يكثر من الأصدقاء ، وغالبا ما يتسم سلوكه بالانفعال العاطفي وسرعة التقلب فلا يؤمن جانبه ، فهو يفرط في الحب والهيام فإذا أَبْغَضَ أفرط في البغض والانتقام ، وهو ما يفسر سلوك كثير من الحكام في تاريخ الإسلام ، والمثل بالحاكم بأمر الله الفاطمي إلى الذهن يَتَبَادَرُ فقد كان من أشد الناس تَقَلُّبًا على وجه جعله يتخلص من أَقْرَبِ قُوَّادِهِ وَوُزَرَائِهِ بأبشع الميتات التي تظهر فيها أمارات السادية التي يَتَلَذَّذُ صاحبها بتعذيب الآخرين وتقطيع أطرافهم بالسواطير ! ، وغالبا ما تزيد هذه الأعراض بالتقدم في العمر ، فإذا بلغ الإنسان مبلغ الرجال وهو ينتحل هذه الأفكار فلا يراه الناظر ، كما يقول البحث النفساني ، لا يراه إلا وقد اشتدت أنانيته وعدوانه على الآخرين وأصابته العظمة ، فمن يقترب من شخص كهذا فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه إذا تعاقبت الأغيار فانقلب الود إلى جفاء ، وشخص كهذا وغالبا ما يكون في طفولته تافها مستباح القفا ! ، كما يضرب المثل في مصر بالشخص المهين ، شخص كهذا إذا وَلِيَ أمرا فدائرة اتخاذ القرار في ولايته تَتَّسِمُ بالولاء الشديد ، أو الولاء المطلق بعبارة أدق ، مع الخضوع التام فلا يقبل مخالفة أو مراجعة وإن لم تكن على قاعدة سياسة يخشى فيها منافسا ، فأي مخالفة ولو في إجراء إداري تُثِيرُ غضبه وقد تحمله على البطش بالقائل إذا اجترأ فراجع القائد البارع والزعيم الخالد ...... إلخ من ألقاب السياسة التي تزدهر في أعصار الجور والاستبداد ، وصاحب هذه الحكومة ، وهو محل الشاهد ، لا يأمن لأي مجموع وظيفي خادم إلا المجموع الوظيفي الذي يصنعه على عينه ، كما يرى الناظر الآن في بعض أمصار الشرق فظاهرة اتخاذ الحرس الخاص من المجموعات الوظيفية شديدة الولاء والاحتراف مع تجردها من أي عاطفة أو انتماء فلا تحترف إلا العمل المسلح لمن ينفق ويرعى ، فهي ، كما تقدم ، لا تختلف كثيرا عن الآلة التي تقتل بها ، فكما أن الآلة تشترى وَتُحَدَّثُ وَتُصَانُ ، فكذلك المجموع الوظيفي المرتزَق فإنه يشترى بالمال شراء المملوك التُّرْكِيِّ أو الشَّرْكَسِيِّ ..... إلخ ، مع القدر الفارق بين الظاهرة المملوكية القديمة ونظيرتها الحديثة ، وإن كان جنس الظاهرة واحدا وهو اصطناع مجموع وظيفي ولاؤه مطلق ، وإنما الخلاف في نوع الولاء ومضمونه الأخلاقي أهو ولاء مجرد من الأخلاق والقيم أم يتضمن منها قدرا يزيد أو ينقص ، فالمجموع الوظيفي البشري يشترى بالمال وَيُصَانُ فهو يُعَالَجُ في أرقى المشافي وَيُحَدَّثُ فلا بد من أجيال تَتَعَاقَبُ وظيفتها القتال بلا غاية إلا المال ، فيكون ولاؤها ، كما تقدم ، لمن يدفع أكثر ، وهذا المجموع قد يصطنع من الصفر فهو ينشأ في منظومة محترفة تخرج العنصر المقاتل الذي يقامر بحياته نظير ما يدفع ، وذلك نمط يغلب في هذه الأعصار على شركات الحراسة الخاصة التي جاوزت حد حراسة الأفراد إلى حراسة الأنظمة الحاكمة بل وتنفيذ الخطط الإقليمية والدولية ، فقد صارت أداة فاعلة من أدوات السياسة والحرب التي تُغَيِّرُ الأنظمة الحاكمة تارة ، وتحميها أخرى ، بل وتغير الخرائط على الأرض ، واضرب له مثلا بالمرتزقة الفرنسيين وقد كانوا مادة انقلابات كثيرة في مناطق النفوذ الفرنسي في غَرْبِ إفريقية ، فصارت هذه المجموعات أداة من الأدوات الجيوسياسية ذات التأثير الكبير ، ولا يصلح لهذه الوظيفة إلا نفوس مجردة من الولاء إذ تقلبات السياسة تَتْرَى ، فإذا كان ثم ولاء في نفس المقاتل فَتَغْيِيرُه وَحَرْفُهُ بهذه الحدة إلى غيره أو إلى ضده أمر يستغرق وَقْتًا ، ومعارك السياسة الحديثة معارك خاطفة لا تحتمل التأجيل فلا بد من مجموع شديد الولاء والطاعة مع قبوله لأي انحراف مفاجئ في الوجهة فهو اليوم يساري وغدا يميني وهو يعمل لأي جهة تدفع ، والناظر في التاريخ يستحضر فَوْرًا ظاهرة الحشاشين وهم فرقة من فرق الباطنية انشقت عن الدعوة الإسماعيلية في مصر على خلفية انتقال الخلافة من نزار الابن الأكبر للخليفة المستنصر إلى المستعلي ابنه الأصغر وهو ما يخالف عن قانون الإرث في خلافة ثيوقراطية تحكم بالحق الإلهي الذي ينتقل من الأب إلى ابنه البكر فلا تنتقل إلى الأصغر إلا إذا مات البكر ، فضلا أن تنتقل إلى الأخ أو ابن العم .... إلخ ، فهم الأبعد ، فنظام الوراثة في هذا الملك نظام رأسي صارم لا يعرف الانتشار الأفقي في شريحة أوسع ، ولو داخل الأسرة الحاكمة ، وغالبا ما يكون ذلك في النظم الملكية شديدة المركزية فالملك فيها أشد عقما من الملك في النظم الحاكمة التي تحكم ، أيضا ، بقانون الولاء المطلق ، ولكن شريحة الاختيار أوسع ، كما في الأنظمة العسكرية ، وإن دخلها ، أيضا ، الولاء الخاص ، فالرئيس يأتي من فرع خاص من فروع الجيش ، إذ يملك من النفوذ ما لا تملكه بَقِيَّةُ الأفرع ، وجهاز السيطرة والتحكم داخل المؤسسة أو التنظيم هو جناح قوي مؤثر يفوق تأثيره بقية الأجنحة وإن كان الجميع في قارب واحد ، وذلك أمر يغلب على التنظيمات السياسية أو العسكرية الصلبة ، بل وكثير من التنظيمات ذات المرجع الأيديولوجي ، الديني أو الفكري ، لا تسلم من ظاهرة الأجنحة ، فلا بد من جناح أثقل في ميزان القرار السياسي فيملك من النفوذ ما يجعله صوته أعلى ، وعنده من أدوات السيطرة والتحكم الناعمة والصلبة ! ، ما يجعل رأيه هو الأرجح فهو غالبا قرار المؤسسة أو التنظيم ، وإن كانت الشورى الإسلامية أو الديمقراطية العلمانية هي العنوان الرئيس ! ، فثم حرية وشفافية مطلقة في اتخاذ القرار الذي يُعْلَمُ سَلَفًا قبل التصويت فقد سبقته جولات من التخطيط والتمهيد وصناعة القرار في القواعد الدنيا والأفرع والشعب والوحدات .... إلخ من التقسيمات الإدارية داخل أي مؤسسة محترفة ، فيكون من استطلاع الرأي الذي يعطي صانع القرار حكما ابتدائيا يَبْنِي عليه خطته ، إما باستثمار الرأي العام الراجح إن كان يوافق هواه ، أو بتوجيه الرأي العام وتهذيبه بطريقة لطيفة ، أو بِتَغْيِيرِهِ إن كان يخالف ما يرى مخالفة تامة ، وهذا التغيير يختلف تَبَعًا لطريقة التصور واتخاذ القرار فإن كان صاحبها إنسانا يعقل فهو لا يبادر بمجابهة الرأي العام الذي يعارض تَوَجُّهَهُ ، فالإجراء الصلب قد يفضي إلى انهيار المؤسسة أو التنظيم أو تفككها وتحولها إلى شظايا تَتَنَافَرُ فتصير على أنحاء متناثرة وإن بقيت صورتها الرسمية واحدة متماسكة ، وأما إن كان صاحبها حمارا في الفعل وإن كانا إنسانا في الهيئة والمنظر ! ، فإنه يبادر إلى الإجراء العنيف ، فيستجلب من عداوة القواعد وصغار الأتباع ما يصنع رأيا عاما خصومته أشد وإن نجح أن يسكته حينا بما يقارف من القمع ، فهو سكوت الساخط لا الراضي ، فيسكن تارة ولكنه يحمل ثأره في صدره فإذا وَاتَتْهُ الفرصة فهو يطعن في خصمه طعنا أشد من طعن الأعداء الخلص الذين يخالفون عن عقيدة المؤسسة وفكرها ، بادي الرأي ، فطعن الصديق الذي انقلب عدوا أشد إيلاما فضلا أنه يعلم من فضائح الداخل ما لا يعلمه من ينظر من خارج ، ولو جاسوسا يتحسس الأخبار فمهما اطلع على أسرار فلا يعلم من دخائل الكيان أو المؤسسة ما يعلمه ابنها الذي تَرَبَّى في كنفها وَتَرَقَّى في درجاتها ، لا سيما إن بلغ درجة عليا يُؤَثِّرُ صاحبها في اتخاذ القرار فقد ارتقى من مجموع التنفيذ إلى مجموع التخطيط ، فجاوز حد الآلة الوظيفية التي لا تعرف إلا السمع والطاعة ، إلى حد العقل المدبر الذي يأمر فيطاع ، فهو صاحب رؤية ورأي ، وعنده من الذكاء ما يجعله في أحيان يُغَرِّدُ خارج السرب ! ، فلا يصلح أن يكون مجموعا وظيفيا كالمجموع آنف الذكر فشرطه ، كما تقدم ، ألا يستعمل عقله ! ، فهو عنصر قتال محترف ولاؤه مجرد لمن يشتريه أو يجنده في العصر الحاضر الذي اندثر فيه الرق الظاهر ، فثم رق العنصر المرتزَق فلا يخرج كثيرا في حقيقته عن رق العنصر الذي يشترى ، وإن كان حرا في الصورة الظاهرة إلا أنه إذ رضي الدخول في هذا الإطار الوظيفي الصارم فلا يملك بعدها قراره ولا يستخدم عقله إلا في إنجاز المهمة التي أسندت إليه ، فإن استخدمه في إطار يجاوزها على وجه يخرج بِه عن قِيَمِ المنظومة الأم ، فمصيره التَّصْفِيَةُ المعنوية أو الجسدية ، تَبَعًا لشراسة المنظومة التي يَنْتَمِي إليها ومدى ما بلغت من الفجور والإجرام ! ، فَثَمَّ اغتيال معنوي وآخر جسدي ، وكل نظام يختار النوع الذي يَلِيقُ بأخلاقه وإن خرج الأمر في أحيان كثيرة عن إطار الأخلاق ابتداء لا سيما في المؤسسات المحترفة أو الأنظمة الحاكمة فالحال قد تقضي باتخاذ إجراءات قاسية لتصفية بعض الأجنحة المارقة داخل المؤسسة أو العائلة الحاكمة ، فثم تغيير جذري في الأداء السياسي فهو تحول استراتيجي في أداء النظام أو العائلة ، وإن كان تحولا من فاحش إلى أفحش ، فلم يخرج الكيان في جميع الأحوال أن يكون وظيفيا تابعا ، بَرَاجْمَاتِيًّا لا يعظم إلا المصلحة الخاصة دون اعتبار لقيم عليا حاكمة رسالية كانت أو إنسانية ، فلم يخرج عن هذه الصورة وذلك أمر يعلم باستقراء تاريخ هذه الكيانات ومتى نشأت وكيف كانت النشأة ومن أنشأ وَلِمَ أنشأ ؟! ..... إلخ من الأسئلة المحرجة فهي الكاشفة عن الحقيقة المفجعة ، فدعوى الاستقلال ، ولو في الإجرام ! ، دعوى تفضحها علائق هذه الكيانات بالجهات المركزية الداعمة ، فليست إلا درجة من درجات الوظيفة السياسية التي تَلْعَبُ دورا يَتَفَاوَتُ ، فقد تقضي الحال ، كما يرى الناظر الآن ، أن يكون ثم تحول وظيفي حاد ، وذلك ما يستوجب حزمة إجراءات صادمة صارمة قد تبلغ في أحيان حد القتل والتصفية والاعتقال والتعذيب والمصادرة وإن لأفراد كانوا بالأمس من أعضاء الهيئة الحاكمة ، فالاغتيالات السياسية التي تَرُوجُ سُوقُهَا في النظم السياسية والعسكرية على وجه يفوق ما يظهر من صراع الأجنحة على أنصبة النفوذ والثروة ، فالأمر يفوق ذلك كما هي الحال الآن ، فإن هذا الصراع على النفوذ والثروة صراع قديم ودائرته معلومة الحد فلا يجاوزها أي خصم ، خلافا لما يرى الناظر الآن من مجاوزة لهذا الحد ، إذ الأمر قد جاوز حد الصراع القديم فَثَمَّ الآن تحول نوعي في الأداء الوظيفي ، فجرعة الألم أكبر ، والجرَّاحُ الذي يَقْطَعُ في مثل هذه العمليات لا بد أن يكون عنيفا لا يعرف الرحمة ، فالشرق الآن يعاد تَكْوِينُهُ الفكري والسياسي على نحو يَتَّسِمُ بالصرامة الشديدة التي لا تعرف أخا أو حبيبا أو صديقا أو صهرا أو زميل دراسة أو عمل ..... إلخ من العلاقات الإنسانية التي يخالف عن الصورة الوظيفية المحترفة فرجالها لا بد أن يكونوا آلات صماء لا تشعر وإن تظاهروا بالمشاعر والأحاسيس فلا تصدق ، فهي تخرج منهم فجة تُثِيرُ الاشمئزاز لما فيها من التكلف والتصنع الذي يخرج في أحيان كثيرا عن حد المروءة والخشونة التي يتحلى بها الرجال فلا يرى الناظر إلا أداء المخنَّثِ الذي يَتَصَنَّعُ وَيَتَثَنَّى في كلامه وهيئته مع إظهار عاطفة كاذبة ، فَلَمْ تَعْتَدْهَا هذه النفس الشائهة التي تشكو ، كما تقدم ، من أمراض مزمنة تجاوز حد ما يتبادر من جنون العظمة فهو مرض مركب يُنْبِئُ عن تَكْوِينٍ فاسد فَلَيْسَ عَرَضًا طارئا وإنما نشأ عليه صاحبه ودرج فصار له طبعا وعادة ، فلا يتورع أن يقارف أي فعل يؤمر به ولو جناية تعظم في معيار الرسالة والأخلاق والإنسانية والوطنية .... إلخ ، فذلك شرط رئيس في أي عنصر وظيفي ، فالمقاتل المحترف أو القاتل المرتزِق ! لا بد أن يتجرد من القيم والمشاعر وإلا فهو عنصر فاشل يتم التخلص منه بالفصل أو القتل إن لزم الأمر فقد دخل في دائرة الفعل واطلع على أسرار الصنعة فانشقاقه صحوةَ ضميرٍ أو رغبة في مال أو لأي سبب كان ، انشقاقه يجعله هدفا مشروعا للمنظومة التي كان يَنْتَمِي إليها بالأمس القريب ، فلا فرصة للتراجع وذلك ما يبين عنه سلوك العنصر الوظيفي فكلما ولي مَنْصِبًا أعلى وسفك دما أكثر صار رجوعه أصعب حتى يَصِيرَ محالا فقد صار رأسا في العمل ، فإذا أخفق فالجناية تُنَاطُ به وحده ! ، وتلك طريقة أخرى لصيانة الكيان وتحديثه فلا بد من فرد يضحي فهو يتحمل الجرم كله ! ، فاحتراقه يجعل البحث عن البديل أمرا عاجلا ، وهو يدرك ذلك فَقَدْ كان يوما عضوا في الهيئة التي تَتَّخِذُ قرار التضحية بغيرها لحفظ كيانها ! ، فلا يريد ، بداهة ، أن يكون الضحية التالية ، لا جرم كان قتاله أشرس وَتَشَبُّثُهُ بالأمر أشد فقد جاوز الأمر حد الصراع على النفوذ والثروة وصار صراع وجود فخصومه كثير بل وأولياؤه أول من يخون وَيَبِيعُ فهم يسلمونه إلى الحاكم الجديد قُرْبَانَ ولاءٍ ولو من باب الخداع الاستراتيجي حتى يستدركوا أمرهم ويستردوا حكمهم بعد لحظات من الاضطراب وفقدان الاتزان فلا يخلو منها إنسان أو كيان ، والقوي الراسخ من يسترد عافيته وَاتِّزَانَهُ سريعا .


    وصناعة هذا العنصر الوظيفي ، سواء أكان فردا أم مؤسسة أم دولة ! ، هي ، لو تدبر الناظر ، أمر شاق يطول فلا بد فيه من الصبر وطول النفس في التلقين والإعداد ، فصناعة العقول الوظيفية من أدق الصناعات فلا يجيدها إلا الصبور الذي يجرب فيخفق مرة وأخرى وثالثة حتى ينجح ولو بعد حين ، فثمرة النجاح تُنْسِيهِ ما كابد من آلام ، ولو كانت كآلام قريش إذ تواصت بالصبر على آلهة الباطل ، فـ : (انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) ، فَثَمَّ عنصر يصنع من الصفر ، وثم آخر يَتَحَوَّلُ ، وولاؤه ، لو تدبر الناظر ، دون ولاء الأول ، بما استقر في وجدانه من أفكار قديمة ، سواء أكانت أفكار رسالة وديانة أو أفكار وطنية وسيادة وكرامة ...... إلخ ، فكل أولئك لا بد من نسخه من العقل الباطن ، ولو نسخا بطيئا يتم فيه التحول الوظيفي بشكل تدريجي ، فتحويل الجيوش ، على سبيل المثال ، من صورة وظيفية أولى تحمل شعارات الوطنية والدفاع عن الأرض .... إلخ ، فضلا أن تحمل أفكارا رسالية من جهاد ونحوه ! فالمصيبة بها أعظم وأفدح ، فتحويلها من هذه الصورة الوطنية البراقة التي جعلت لها في نفوس العامة رصيدا أي رصيد ! ، بل قد صار طموح كثير أن يلتحق بالجيوش مصانع الفداء والتضحية والوطنية .... إلخ ، وليست لو تدبر الناظر إلا مجموعات وظيفية فضلا أن تكون وحدات إنتاجية ! ، بينها من صراعات الولاء لكبار القادة ، وصراعات التجارة والزراعة ! ، ما يجعلها أجنحة شتى وإن كانت في الصورة جميعا على قلب رجل واحد ، فهي في هذا الدور تحتمل خلافاتها فلا يظهر منها ما يفضح ، فالحكمة ألا تَتَصَدَّرَ أي مشهد سياسي وذلك في الغالب رأي الجيل القديم بما يَتَّسِمُ به من خبرة ورزانة ، خلافا لجيل جديد يَتَّسِمُ بالسطحية والضحالة فلم يشهد صناعة المؤسسة ولم يكن له قدم راسخة في اتخاذ القرار سلما أو حربا ، فرصيده من الخبرة الحقيقية يساروي الرقم صفر ، وإن كانت أرصدة الولاء تشفع له أن يَتَرَقَّى سريعا سواء أكان ولاء لقادة في الداخل أم آخر لنظرائهم في الخارج فهو الأقوى والأشد ، على وجه يستجيز به العنصر خيانة القائد المباشر الذي كان ولاؤه له بالأمس القريب ، وذلك طابع الملك العقيم ، ونجاح العنصر في تخطي هذا الاختبار على وجه يثبت به الولاء المطلق للمركز يجعله أهلا أن يلعب من الأدوار الوظيفية ما يجاوز الداخل إلى الإقليم أو إلى ما بعده تَبَعًا لقدراته ، فقد تكون متواضعة غَايَتُهَا أن يكون أداة طيعة وإن كانت غبية لا تؤدي عملها باحتراف فما يصبر عليها الفاعل إلا لما يعلم من ولائها المطلق ، أو لما قد أحكم به قَيْدَهَا بما يملك من أوراق الضغط عليها فلا يملكها على غيرها ، أو لما تعلمه من أسرار قد تفشيها قبل التخلص منها ، أو لأن البديل لَمَّا يُوجَدْ بَعْدُ فليس ثَمَّ من يناجزها إلى الآن في الانبطاح والاستسلام ..... إلخ فكلها أسباب تجعل الفاعل في أحيان يصبر حتى يجد البديل الأفضل .
    فكانت الصورة بَرَّاقَةً تخدع العامة بما تمتلك من رصيد الوطنية لا سيما إن كان لها تاريخ في الحرب ، صح أو بطل ، فصورة الظاهر تحكي قتالا ودفاعا وإن دخله ما دخله من حسابات السياسة ، فهذه الصورة تجعل الجميع يرغب في الالتحاق ، ومن يلتحق فهو غر ساذج بادي أمره إذ تشبع بقيم الوطنية التي استمدها من الأفلام السينمائية التي تحكي البطولات والأمجاد فضلا عن صورة الجند والعتاد والرُّتَبِ والنَّيَاشِينِ .... إلخ ، فكلها صور خداعة تجذب العامة وتشبع فيهم غريزة القوة والمنعة وإن كانوا هم ، لو تدبر الناظر ، هدفا لهذه الآلة القاتلة ! ، فتلك فلسفة المركز في صناعة المجموعات الوظيفية في الأطراف ، فمن يدخل فَهُوَ يحمل ما تَقَدَّمَ من القيم العاطفية ! ، فلا يمكن نسخها من عقله الباطن وإحكام المعاني الجديدة التي تَسْتَنِدُ إلى الولاءات الخاصة داخل الكيان وتحكمها توازنات القوى وصراعات المصالح ...... إلخ ، لا يمكن إجراء ها النسخ إلا بعد محو الصورة القديمة ، وهو ما يفتقر إلى إجراء صلب يَتَّسِمُ بالصرامة الشديدة والذريعة هي تربية الرجال ! ولو بكسر النفوس وإذلالها فلا تعرف بعد ذلك من الكرامة إلا اسمها فشرط الالتحاق أن تخلع رداء الكرامة قبل الدخول وهي عبارة شهيرة يسمعها من يدخل الجيوش ومن يدخل السجون ! ، فالداخل له أحكام تخالف بداهة عن أحكام الخارج ، فلا بد من إجراء صلب يشبه أن يكون كعقيدة الصدمة التي تحكيها باحثة معروفة في مصنف مشهور يحكي طرائق المركز في تدمير الأطراف وإعادة تشكليها من جديد ، فلا بد من صدمات سياسية وعسكرية واقتصادية تدمر الدولة وتخضع المجتمع وتعيد تشكيل قيمه ومبادئه ولا يَتَوَلَّى ذلك بَدَاهَةً إلا رجال بلا قلوب ولا مشاعر فضلا أن يكونوا بلا أديان ولا مَبَادِئَ ، فيكون الإجراء العنيف الذي يكسر إرادة المجتمع ويخضعه لسياسات المرحلة الجديدة ، فما يمارس على الدول يمارس على الأفراد في أي تنظيم صلب ، سياسي أو عسكري ، يفتقر إلى المعنى الرسالي فصرامته تركيع لا تأديب ، وقسوته إذلال لا استصلاح ، ومع ذلك يَبْقَى في النفوس من شعارات ما قبل الدخول ما يجعل التغيير المباشر أمرا يهدد سمعة الكيان فهو يروم الاحتفاظ بها لا سيما في أوساط العامة الذين يحكمهم من وراء ستار سياسي ، وتلك مرحلة إذا انْتَقَلَ منها المركز إلى مرحلة تَالِيَةٍ وهي تَغْيِيرُ العقائد السياسية والعسكرية تَغْيِيرًا كاملا ، فلا بد من إجراء أشد عنفا ، ولا بد من رجال أشد ولاء وطاعة ، فالقرارات الجديدة قرارات ناسخة لمرحلة كاملة قد رسخت فيها شعارات أَكَلَ عليها الزمان وشرب ! ، فبوصلة السياسة قد انحرفت وإن شئت الدقة فقل افتضحت ، فهي قد نشأت على جادة الانحراف فكان ولاء الكيانات السياسية المستحدثة لمن استحدثها وأمدها بأسباب القوة والمنعة ، ولكن المرحلة آنذاك لم تحتمل الجهر ، فكان الولاء في السر وكان ظهوره شيئا فشيئا ، وفي كل خطوة لا بد من صدمة ، كما كانت الحال في الانتقال من أخلاق ما قبل النكسة في مصر ! إلى أخلاق الانفتاح وهو أمر يجاوز حد الاستهلاك ، فهو انفتاح فكري وسياسي قبل أن يكون اقتصاديا ، فَبِهِ يُهَيِّئُ صانعُ القرار العقلَ الجمعي أن يَتَقَبَّلَ صفقات السياسة فَعَقْلُهُ قد صار عقل التاجر المنفتح لا الناظر المتزمت الذي لا زال يصدق شعارات الماضي ! ، فلا حرج في نسخ القيم المركزية في العقل الشرقي المعاصر كما هي الحال في بِيْتِ المقدس كقضية مركزية وإن من منظور قومي أو وطني ، فهي محل إجماع ، ونسخها لا يكون إلا على مراحل ، فلا بد من مغامر يقامر فيبادر بالسلام وبعده تَتَوَالَى المبادرات على طريقة يَتَمَنَّعْنَ وَهُنَّ الراغبات ! ، وتلك حال الهيئات السياسية المحدثة في الشرق ، ولم يكن ثَمَّ بُدٌّ من الجهر فقد نَفَدَ الصبر وعظم الشوق إلى الوصال في العلن فعبارات الغزل من وراء الجدر لم تعد تشبع الغرائز ، وكان من هذه الشعارات رصيد بَاقٍ في نفوسِ سُذَّجٍ لا زالوا على ذمة هذه الكيانات ، فلا بد من تجريفها شيئا فشيئا ، فالتخلص من العناصر القديمة الفاسدة له طرائق كثيرة قد تبلغ حد القتل إن لزم الأمر ، فَثَمَّ من يُرَغَّبُ فَيُشْتَرَى وَثَمَّ من يُرَهَّبُ فَيَنْزَجِرُ ، وثم من يخضع لعملية التغيير التدريجي لا سيما القواعد الدنيا في إطار ما يرى الناظر الآن في تحول الجيوش من كيانات تقاتل قتالا نظاميا تعارفت عليه المعاهد العسكرية إلى كيانات تقاتل قتال العصابات ، فهي مجموعات صغيرة ذات سلاح خفيف ، وكبار قادتها رجال أعمال في زي عسكري قد انصرفوا إلى التجارة والصناعة ذات الطابع الاستهلاكي أو الخدمي ، بذريعة أَنَّ ذلك يدخل في دائرة الاختصاص فهو من الأمن القومي وإن كان إدارة لفندق أو ملهي ليلي ! ، فهذه النقلة النوعية ، السياسية أو العسكرية ، تجري في إطار ما قد يسمى التحول الوظيفي من مجموع وظيفي أول استنفد أغراضه إلى مجموع وظيفي ثان فهو الناسخ وله أغراض أخرى ، ولكل مرحلة رجالها ، والمركز يحسن يختار لكل مرحلة رجلها ، فإن خرج عن الجادة أو كان قليل الخبرة لا يحسن قيادة الدفة ، فقد يعيد المركز النظر فليس معصوما في اختياره ، فالحكمة في أحيان قد تَقْضِي بِتَغْيِيرٍ في الأدوات فهي من الوسائل التي تقبل الاجتهاد وأما الاستراتيجيات فهي مقاصد محكمة لا تقبل النسخ أبدا .

    ولو تدبر الناظر في تحليل بديع لبعض الباحثين يحكي به الطبيعة العجيبة لنفوس المماليك بوصفهم من أشهر المجموعات الوظيفية في التاريخ الإسلامي وإن كانوا مع شراسة الأخلاق والاستهانة الشديدة بسفك الدماء ، وإن كانوا مع كل ذلك رجالا يحتفظون بحد أدنى من الثوابت الرسالية التي أبانت عنها جولاتهم القتالية ضد أعداء الرسالة من حملات الصليب أو حملات التَّتَرِ ، فلا يمكن لأحد أن يَنْبِزَهُمْ بالخيانة الفكرية العظمى لقيم الرسالة وإن استجاز أن يَنْبِزَهُمْ بالخيانة العسكرية والسياسية في إطار صراعهم الْبَيْنِيِّ على السلطة فهو صراع داخلي لا رافد له من خارج فليس ثم مركز يدينون له بالولاء ، فولاؤهم لحضارة الشرق ولاءٌ لا يُزَايِدُ عليه منصِف وإن نعتهم بالقبيل المجرِم ، مع ولاء آخر للسلطان الأيوبي أو للأمير أو السلطان المملوكي الذي اشتراهم فكانوا ابتداء عبيد الصالح نجم الدين أيوب فهم المماليك الصالحية ، وكانت عنايته بصناعة هذا الجيل على عينه بعد أن وجد صعوبة في التحكم بمجموع وظيفي خوارزمي وفد من الشرق بعد اجتياح التَّتَرِ بلادَه ، فكان مجموعا وظيفيا بلا أي مبادئ فهو يقاتل مع أي خصم وولاؤه الأول لمن يدفع ، فلا يُؤْمَنُ مجموع كهذا فسرعان ما يَتَبَدَّلُ ولاؤه بل قد يَنْقَلِبُ فأصدقاء الأمس أعداء اليوم إذ تعارضت المصالح ، وهو مثال يضاهي ما تقدم من مثالٍ ضُرِبَ بالمجموع الوظيفي الباطني ، مجموع الحشاشين ، فبعد انشقاقهم عن الدعوة الأم في مصر اتخذوا من قلاع فارس مأوى وتحولوا إلى فِرَقِ اغتيال سياسي تغتال أي أحد ! ، فاغتالت على سبيل المثال الوزير الأفضل وكان حسن الظن بمذهب السنة ، واغتالوا بعده بسنوات قلائل الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله ، وهو إسماعيلي يخالف الأفضل السني مذهبه ، وإن كان في قتلِهم الآمرَ وجه يَسْتَنِدُ إلى خلاف فكري فهو يَنْتَمِي إلى الطائفة المستعلية التي انشقوا عنها بعد امتياز الدعوة إلى نزارية في فارس ومستعلية في مصر ، وحاولوا اغتيال الملك الناصر صلاح الدين وهو سني بإيعاز من بعض أمراء نور الدين زنكي السنة أيضا في إطار الصراع على النفوذ في بلاد الشام بعد أن انْتَهَى صلاح الدين من تَرْتِيبِ البيت المصري واتجهت أنظاره إلى الشام والجزيرة في إطار مشروعه السياسي الإصلاحي الذي اعتمد فيه ، أيضا ، ولو اعتمادا مبكرا ، على ظاهرة المماليك كمجموعة وظيفية قتالية في جيشه .

    فكان من حال الباطنية محل الشاهد آنف الذكر ما يصح مثالا قياسيا على المجموعة الوظيفية المحترفة التي تقتل أي أحد ! ، فقتلت من السنة ومن الشيعة ، من المسلمين ومن النصارى ، من الخلفاء ومن الوزراء والعلماء ...... إلخ ، ولم تخل مع ذلك من ولاء فكري بَلَغَ أوجه إبان حكم الحسن بن الصباح الداعية الإسماعيلي النزاري الأشهر ، وهي ، كما تقدم ، حال تقارب حال المجموع الخوارزمي الذي وجد الصالح أيوب صعوبة كبيرة في التعاطي معه فَتَوَسَّعَ فيما بدأ فيه جده صلاح الدين من شراء المماليك وصناعتهم على عينه ، فكان ولاؤهم الأول له ، وإن اقتضت الحال بعد ذلك أن يزيد طموح المجموع الوظيفي في لعب دور سياسي وذلك ما قد حصل في أعصار تلت أعصار المعتصم العباسي كما تقدم من استكثاره من الجند التركي فَوُجُودُه في المشهد كخليفة قوي له على الجند التركي سلطان نافذ فهو صاحب الولاء المطلق ، وجوده في المشهد قد ألجم طموحهم فلما ضعفت القبضة السياسية في الدور الثاني من أدوار الخلافة العباسية بعد مقتل الخليفة المتوكل ظهر طموح الجند التُّرْكِ فصار لهم الأمر والنهي وصار الخليفة صورة فهم يحكمون من وَرَائِهَا ، وهو ما صنع المماليك بعد وفاة الصالح أيوب ، فقد بادروا بقتل ابنه المعظم تورانشاه قبل أن يقتلهم ! ، ثم اتخذوا صور أيوبية باهتة وهي صورة الأشرف موسى الطفل الصغير حفيد الملك الكامل الأيوبي ، ثم صار لهم من الطموح السياسي ما بلغ حد العرش ، فكان ما كان من ولاية المعز أيبك ، ثم مقتله وتولي ابنه علي صورةَ حكمٍ أيضا ، فكان مدبر أمره هو المظفر سيف الدين قطز الذي تولى السلطنة فعليا ثم رسميا وخاض معركة الإسلام مع التتار في عين جالوت ، وهي لحظة تاريخية نادرة تَنَاسَى فيها المماليك صراعاتهم السياسية ولو مؤقتا ، فحشد الشرق فلذات أكباده في هذه المعركة المصيرية ثم رجع القوم إلى عادتهم ! فلم يهنأ قطز بالنصر ولم يبلغ به عاصمة ملكه فقد أجهز عليه الظاهر بيبرس في الصالحية ، ووضع الأمير أقطاي المستعرب قانون الحكم الجديد ! ، فقد سأل المؤتمرين من قتل السلطان ؟! ، فقال بيبرس : أنا قتلته ، فقال أقطاي : يا خوند اجلس في مرتبة السلطنة مكانه ! ، فأسس بذلك قانون الحكم الذي لا ينال إلا بالسيف ، وإن بين أعضاء الكيان الواحد ، وذلك ما يُفْشِلُ أي مخطط للتوريث ! ، وهو ما رصده بعض المحققين من حكايةِ نظامِ التولية والعزل في هذه الدولة العجيبة التي جمعت النقائض من جهاد وتدين ، وغدر وتحين لفرص السياسة ولو بالخيانة والاغتيال ، فإذا رام أحدهم أن يورث ابنه ، كما صنع الظاهر بيبرس بعد ذلك ، فقد يخضع المماليك لحكم الوريث مؤقتا حتى ينهوا صراعهم الحقيقي على السلطة ! ، وبعد استتباب الأمر للغالب فهو يبادر بخلع الوريث ويتولى الحكم بعده ، وغالبا ما يكون هذا الغالب هو أرفع الأمراء رتبة وأقربهم إلى السلطان الأول ، فنظام الأقدمية في الرتب نظام صارم في أي كيان وظيفي مقاتل ، فتولى قلاوون بعد بيبرس فهو وريثه وإن كان ثم واسطة مدنية ! هي ابن بيبرس فَلَيْسَ إلا مرحلة انْتِقَالِيَّةً حتى تُنْهِي المؤسسة العسكرية خلافاتها الداخلية وتحسم الأمر فيغلب جناح بقية الأجنحة ، وهو الجناح الذي يسترد الأمانة من الرئيس المدني سواء أكان وريثا أم منتخبا ! ، ولم يخرج المماليك عن هذا القانون إلا في أحوال نادرة فقد تولى الأشرف خليل بعد أبيه ولم ينقلب عليه أحد ، وتولى الناصر محمد بن قلاوون بعد أخيه الأشرف وهو السلطان الأشهر الذي عزل مرتين وعاد للحكم بَعْدَ كل مرة لِيُنَكِّلَ بمن عزله فتلك مغامرة أشبه بالمقامرة فَثَمَنُهَا رقبة المغامر فإن نجح فمصيره الجلوس على العرش وإن فشل فمصيره الرقود في القبر ! ، ومن طمح في الملك فليتحمل عاقبته وَلْيَتَأَسَّ بقول أبي الطيب :

    إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ ******* فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ .
    فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ ******* كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ .

    فهو أمر لا يعرف أنصاف الحلول ، فإما الرياسة وإما القتل بتهمة الخيانة ! .
    والمحقق آنف الذكر يشير إلى ملامح دقيقة في هذه الشخصية المملوكية العجيبة فهي شخصية فقدت علائقها الأسرية من قديم فقد استجلبت من بلاد بعيدة وَرُبِّيَتْ تربية صارمة فنشأ بَيْنَهَا من الولاءات الجديدة ما ينسخ ولاءات الأسرة ، كما يرى الناظر في الجند في هذا العصر ، فآلة الجندية الصارمة تسحق نفوسهم وتصيرها مادة خام بلا ولاء فَيُعَادُ تشكيلها طبقا لولاءات جديدة تَنْسَخُ ولاءاتها القديمة ، لا سيما الولاءات الفكرية في ظل ما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار من غلبة العلمانية وهي الحضارة المركزية على الرسالة وهي النواة الصلبة لحضارة الشرق فمع التغريب الذي ساد المجتمعات إلا أن بقايا الوحي لا زالت في النفوس راسخة ، وهي ولاء يناقض ولاء المركز الذي صنع هذه المؤسسات على عينه فَأُشْرِبَتْ قِيَمَهُ وأفكاره ، فالداخل ، مبدأ الأمر ، لا بد من سحقه ونسخ ولاءاته القديمة قبل كتابة الولاءات الجديدة التي يمليها المركز ، وهو ما يُؤَدِّي ولو عرضا ! إلى نسخ كل الولاءات القديمة ، وإن إنسانية كالولاءات الأسرية ، فالجندي يعيش في محيطه العسكري ما لا يعيش في محيطه الأسري ، فيحصل آنذاك من الولاء ما ينقسم ، كما أشار ذلك الباحث ، فَثَمَّ الولاء للأستاذ أو القائد أو السلطان فهو الآن يضاهي الولاء للرتبة الأعلى لا سيما مع انشعاب المؤسسة إلى أجنحة ، فكل جناح له من التراتب الهرمي في الرتبة والدرجة ما يجعل ولاء الأدنى للأعلى ، وثم ولاء يصاحبه وهو ولاء الخشداشية بالاصطلاح القديم والزمالة بالاصطلاح الحديث فينشأ بين طلبة الدفعة الواحدة من الولاء ما يستصحب من مرحلة الدراسة إلى مرحلة العمل والترقي ثم القيادة وربما الرياسة بعد ذلك وإن لم يمنع ذلك أن يضحي أحدهما بالآخر إذا ضاقت الدائرة فلا بد من كبش فداء يتحمل الوزر كله ، كما كانت الحال في مصر بعد هزيمة حزيران فتحملها القائد العسكري الذي ضحى به رفيقه السياسي بل وضحى بالجيش كله في هذه المغامرة ليجد ذريعة أمام الشعب أن يضرب جناحا في الدولة بلغ من القوة ما يهدد رياسته وإن لم يكن المشهد بداهة بهذه الصورة الساذجة ولكن هذا السبب قد يكون أحد الأسباب الفاعلة وإن لم يكن السبب الأوحد أو الأول فمشاهد السياسة والحرب ، كما تقدم مرارا ، مشاهد مركبة لا يمكن اختزالها في صورة ساذجة ، فَرَوَافِدُ التأثير فيها كثيرة منها المحلي ومنها الإقليمي ومنها الدولي ولا مانع أن يجتمع فيها أكثر من رافد بل لا مانع أن تجتمع فيها الروافد كلها ، فيكون من تصفية الحسابات داخل المؤسسة ويكون من حظوظ بعض القادة في تولي الرياسة وهو ما يواكب هوى قوى إقليمية وربما دولية لأداء وظائف سياسية تخدم الأجندة الأعلى في الإقليم أو في المركز ، وفي جميع الأحوال لا بد من إضعاف الكيان والدولة أكثر ليكون التحكم فيه أيسر فلا يكون له من أوراق القوة ما يجعله يعارض أو يَتَرَدَّدُ في التَّنْفِيذِ فلا يصلح في هذا العمل الوظيفي القذر ! إلا المخلص المطيع لسادته ، ومهما قَدَّمَ فلا بد أن يستبدل يوما إذا انتهت الصلاحية أو تغير التكتيك في مرحلة من مراحل العمل فاستدرك المركز ورأى ضرورة في تَغْيِيرِ الصورة الظاهرة وقد يكون ذلك ، لو تدبر الناظر ، فرعا عن خلاف آخر في المركز فليس أيضا على قلب رجل واحد فهو على أجنحة تَتَصَارَعُ لا سيما في هذه الآونة كما يرى الناظر من تضارب القرارات في واشنطن بين البيت الأبيض وبقية المؤسسات فهذا التضارب في المركز تظهر آثاره في الأطراف وإن كان الصراع في المركز صراعا أدق وأحكم فليس كصراع الأجنحة في الشرق على وجه يخرج بالمتصارعين عن حد المصلحة ، ولو براجماتية ، فلا خطوط حمراء للتنازل والخيانة ، وأما المركز فعنده من حنكة السياسة ما يدير به صراعاته الداخلية وفي جميع الأحوال لا تَنْتَفِعُ الأطراف من هذا الصراع إلا أن تستبدل صورة أخف وطأة بأخرى أشد فذلك غاية ما تَنَالُ ، وأما الانعتاق الكامل من ربقة المركز فذلك لا يكون ، بداهة ، استثمارا لصراع بَيْنِيٍّ لا ناقة للأطراف فيه ولا جمل ! ، فهو ، في أحسن أحواله ، منحة ربانية قد تكون تأويلا للدعاء المشهور أن يهلك الرب ، جل وعلا ، الظالمين بالظالمين ، فتخف وطأتهم ويسلم الصالحون من بطشهم إذ اشتغلوا بصراعاتهم الْبَيْنِيَّةِ ، وأما تَوَلِّي الصالحين الأمر فَلَهُ سنة أخرى وشروط أخرى لَمَّا تُسْتَوْفَ بَعْدُ وإن اغْتَرَّ من اغْتَرَّ بكثرة العدد فلا ينجو إلا من سلم الرب ، جل وعلا ، وحفظ .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 37095

    الكنية أو اللقب : ابو يوسف

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجوف

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : دعوة

    معلومات أخرى

    التقويم : 154

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل15/1/2011

    آخر نشاط:15-02-2018
    الساعة:10:04 AM

    المشاركات
    2,470

    سبحان من بيده مقادير القوى والأمور كلها

    سلط ــ سبحانه ــ علينا هؤلاء النصارى لحكمة يريدها عز وجل

    ليـس الجمال بمئزرٍ ** فاعـلـم وإن ردّيت بُردا
    إنَّ الجمـال معـادنٌ ** ومناقـبٌ أورثن حـمـدا

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •