من مواضع الاعتبار والنظر ما يظهر من آي التكوين ، فمنها ما يرهب إنذارا ، كما في آي الإهلاك وما كان من آثار وأطلال للماضين تدل على مآلهم وَتُنْذِرُ من وافقهم في الطريقة وسلك جادتهم في الدين والشريعة فكان كفرهم وعصيانهم سبب إهلاكهم ، وَبَقَاءُ آثارهم آيةٌ تشهد بقدرة الرب الأعز الأكرم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فما ظلمهم وإنما ظهرت فيهم آثار حكمته إذ كان الجزاء من جنس العمل وكان بقدره فلا ظلم فالعاقل يعتبر إذ ينزجر فيكون من هذا الخبر إنشاء وعيد إلا يوافقهم ذو الرأي السديد فيكون مآله أن يهلك كما هلكوا بل سداد الرأي يَقْضِي بالضد أن يخالف عن طريقتهم فيكون له من النجاة ما يخالف عن مصيرهم فَثَمَّ أمر بسلوك جادة الحق يستفيده الناظر في وعيد مَنْ سَلَكَ جادة الباطل ، فـ : (إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فَثَمَّ توكيد بالناسخ "إِنَّ" ، وهو من أدوات التوكيد في اللفظ ، وثم عموم استغرق فتلك دلالة الضمير المجموع ، ضمير المخاطب في "إنكم" ، وهو ما توجه ، بادي الرأي ، إلى الجماعة الحاضرة ، وإن عم واستغرق بدلالة التغليب فلفظه المذكر لا يقتصر على الرجال ، بل ثم قرينة تأويل رجحت الانتقال عن هذا الأصل ، أصل الوضع الأول في اللسان ، فكان من قرينة العموم في التكليف ما أدخل النساء ، فخطاب الاعتبار بآي السابقين مما يعم إذ محله العقل ، وعمله في النظر والتدبر عمل يستوي فيه جميع العقلاء ، فَعَمَّ الخطاب كل من له عقل ، وذلك ما يَتَوَجَّه تَوَجُّهَ الإعلام إلى من ركزت فيه قوة التَعَقُّلِ والتفكر وإن لم يكن ثم عقل قد وُجِدَ ، فذلك خطاب المعدوم ، أو قد وُجِدَ جنينا أو وليدا أو طفلا لا يميز ، فذلك خطاب العاقل بالقوة لا الفعل ، فمحل الفعل قد وجد ، ولكن الآلة لما تكتمل فتصير محلا للتكليف بالفعل ، وثم توكيد ثان باسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنتم تمرون عليهم ، وتكرار الإسناد ، فكان الإسناد إلى الفاعل المعنوي وهو المبتدأ "أنتم" ، وكان الإسناد إلى الفاعل اللفظي ، وهو الضمير البارز في "تمرون" ، فَوَاوُ الجمع ضمير بارز قد أسند إليه فعل المرور ، وثم توكيد ثالث بلام ابتداء في "لتمرون" ، فقد أخرت لقرينة التصدير بمؤكد آخر أقوى ، فقياس العقل أن يقدم الأقوى فحقه التقديم ، وأن يؤخر الأضعف فحقه التأخير ، فكان المرور الذي استغرق شطري الزمان ، وهو مما يشهد لحركة النجم ، فآثاره الصبح والليل ، فكان من التقييد بالحالين في قول رب المشرقين والمغربين جل وعلا : (مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ) ، فالأول "مصبحين" حال نصا ، والثاني متعلق حال على تقدير : وَحَالَ كَوْنِكُم بالليل ، ودلالة الباء في "بالليل" دلالة الظرف ، ولا تخلو من معنى الملابسة والمصاحبة فالسائر في الليل لا يَنْفَكُّ يلابس ظلامه ويستصحب سكونه ، فكان من التعاطف بين الحالين ، الصبح والليل ، ما يقضي بالتغاير ، فذلك الأصل في الواو ، فإنها تعطف متغايرين ، سواء أكان التغاير في الذوات والأعيان ، أم كان في الأعراض التي تقوم بالذوات ، أم كان في المعاني التي تقوم بالنفوس ، ولو مترادفات ، على قول من يمنع الترادف التام ، فلا بد من قدر فارق يحكيه التغاير في مادة اللفظ ، كالكذب والمين في البيت المشهور :
وقدَّدت الأديم لراهشيه ******* وألفى قولها كذباً وميناً .
والشك والريب ، فلا بد من قدر فارق يجعل عطف مادتين ، وإن اشتركا في معنى مطلق في الذهن ، فهو كالجنس العام الذي تَنْقَسِمُ مَوَارِدُهُ في الخارج ، فَثَمَّ آحاد بعضها يزيد على بعض في القيد ، وإن جمعها معنى أول ، فثم معنى ثان يُقَيِّدُ بَعْضَ الآحاد فتمتاز من غيرها ، كما الريب فهو شك وزيادة ، فَثَمَّ حركة واضطراب ، فَجَمَعَ الشك إذ يَتَفَاوَتُ النظر في النفي والإثبات ، وَجَمَعَ حركةَ الفكر واضطرابه إذ يَتَرَدَّدُ في جائز يَحْتَمِلُ الإثبات والنفي فاستعار له اضطراب الحس وهو ، عند التدبر والنظر ، لازم من لوازمه فلا ينفك من يشك تظهر أمارات الحيرة على وجهه ويحصل من اضطراب حركاته في الخارج ما يدل على شكه وحيرته كالخائف إذ تظهر أمارات الخوف على وجهه وبدنه ، فالظاهر ، أبدا ، يحكم يما يَقُومُ بالباطن من المعاني ، فَثَمَّ تفاوت في النظر في الجائز العقلي فهو مما استوى طَرَفَاهُ فَافْتَقَرَ إلى مرجِّح من خارج ، يرجح الإيجاب تارة والسلب أخرى ، فجمع الريب حركة النظر إذ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الإثبات والنَّفْيِ ، وزاد اضطرابا فَثَمَّ شك قد زاد وَتَرَدُّدٌ قد عَظُمَ ، فحصل من القدر المعنوي ما أبان عن القدر الفارق بين الشك والريب ، فاختلاف المادتين في حد الْكَتْبِ والنُّطْقِ قد حكى اختلافا آخر في المعنى المطلق في الذهن ، ولو دق ، فكان من التغاير ما يعضد القول إن الواو تفيد تعاطف المتغايرين ، ولو دق وجه التغاير بينهما فلا بد من قدر يميز ، فكان من التعاطف في الآية ، بَيْنَ الصبح والليل ، ما جرى مجرى الأصل ، بل التغاير بين المتعاطفين قد ظهر ، فهما ضدان ، صبح وليل ، فطباق الإيجاب بَيْنَهُمَا قد استغرق ظرف الزمان كله ، فكان من الاعتبار ما اتصل زمانه فتلك عبادة لا تنقطع إذ محلها النفس وهي دائما حساسة تَتَحَرَّكُ بالإرادة إن في المعقولات نظرا أو في المحسوسات تخييلا ، كما قد حكى أهل المنطق ، فإن حركة الذهن باستقراء الوجوه في الخارج إما أن تكون في معقول فالعقل يتفكر ، أو في محسوس فالعقل يتخيل ، وحركة التخييل مما استوى فيه الإنسان والحيوان البهيم ، فإن التخييل يأرز إلى صورة تُدْرَكُ بالحس الظاهر ، فيختزنها العقل إذ يستقرئ أجزاءها فيحسن ينسخ منها ما يستقر في الذهن استنادا إلى مدارك الحس الظاهر فهي الناسخ الذي يستخرج من الصورة في الخارج نسخة طبق الأصل ، أو شَبِيهَةً يجتهد فيها العقل أن يحكي الحقيقة كما استطاع كما تختلف الكلمات في حد الحقائق فَثَمَّ من يفصح فيستعمل من الكلام ما يُبِينُ وَثَمَّ من يُلْغِزُ وَيُجْمِلُ فيحصل بقوله نَوْعُ بَيَانٍ لَمَّا يَزَلْ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ آخر فضلا أن يكون كلامه ابتداء ملغزا لا يُبِينُ بل قد زَادَ به الإجمال وعظم به الإشكال فالحقيقة قبل بَيَانِهِ أوضح وَلَيْتَهُ ما تكلم وأفصح ! ، فما زاد المعنى إلا خفاء وعجمة ، فحصل من التَّفَاوُتِ بَيْنَ نسخ الصورة الواحدة ما يحكي التَّفَاوُتَ بَيْنَ الحواس في النسخ والعقول في الحفظ ، فقدرة الحواس على النسخ تَتَفَاوَتُ ، والنُّسَخُ قد يَبْعُدُ العهد بها فيصعب على الناظر إذا رأى الصورة أو وجد آثارها بحسه الظاهر بعد زمان يطول ، يصعب عليه أن يدركها ، فقد ينساها فلا يتذكرها لا سيما إن كان مستودع النسخ قد هرم فحصل له من آفات النسيان أو الذهول أو الاختلاط أو التغير ما به يكون التفاوت في استحضار النسخة ، فثم تفاوت في النسخ حال نسخها ، فثم أدوات حس صحيحة وثم عقل نابه يحسن يختزن الصور ، وثم تفاوت بعد ذلك في استحضار النسخ القديمة بما يطرأ من ذهول أو اختلاط ، فكان من التخييل ما به حركة العقل في المحسوسات ، وهي حركة تجاوز صورة العين ، فثم ما تختزنه الأذن من الأصوات فهي تميز صوت من تحب وصوت من تُبْغِضُ بل قد يتقدم الحب بالصوت الحب بالصورة ، فـ :
ياقومِ أذْنِي لِبْعضِ الحيِّ عاشقةٌ ******* والأُذْنُ تَعْشَقُ قبل العَين أَحْيانا .

ولا يخلو هذا النسخ من معيار مبادئ ، فإن من الصورة ما يحل ومنها ما يحرم ، ولو كان الجنس واحدا ، كصورة الزوج أو الخليل ، فيحل منها ما لا يحل من الغريب ، فلا تجد العين حرجا أن تختزن صورة الحليلة ، وتجد من الحرج أن تختزن صورة الأجنبية إلا ما يقع عرضا أو قد عمت به البلوى فلا تحصل المصلحة المشروعة إلا أن يَعِيَ العقل من الصورة تفاصيل دقيقة ، كالقاضي إذ يطلع على الوجه في شهادة ، أو الطبيب إذ يطلع على عورة في علاج ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فإن الخل أو الحبيب وطن يأوي إليه من يحب ، فلا يجد من الحرج في النَّظَرِ أو السَّمْعِ أو اللَّمْسِ ما يجده إذا كانت الصورة أجنبية لا تحل ، أو كانت من المحارم مع أن الجنس واحد ، ولكن مرجع الناظر يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ محارمه ، إن كان إنسانا يعقل فهو ينتحل من القيم والمبادئ ما يحول أن يواقع المحارم إلا إذا فسدت الفطرة فكانت النظرة بشهوة أو كانت اللمسة ذريعة إلى وِقَاعٍ تعظم فيه الجناية ما لا تعظم في وقاع الأجنبية وإن كان كلاهما من الجنس المحرم بل من الفحش المغلَّظ ، إلا أنه كسائر الأجناس مما تَنْقَسِمُ آحاده في الخارج فبعضها أفحش من بعض ، وإن حصل فيها جميعا معنى الفحش ، فكان من التغليظ في حق المحارم ما لم يكن في حق غيرهم ، فمن خالف عن هذه الضرورة الوجدانية وإن في صورة تخييلية عمدتها الحس ، فوجد من الميل إلى المحارم ما يفضي إلى اقتراف الفواحش ، فقد انحط عن دركة الإنسان ، فلا يخلو الإنسان العاقل وإن في صور التخييل الظاهر ، لا يخلو من مرجع قيم ومبادئ ، فضلا أن يكون حكم وحي ورسالة يعظمها الناظر ديانة فلا يخرج عن أحكامها التي جاءت بما يواطئ الفطرة والجبلة فهي تجد من النفور من المحارم ما يجعل مانع الطبع حائلا من داخل النفس ، فضلا عن آخر من خارجها وهو مرجع الوحي إذ يَنْهَى ، فاجتمع في هذا الجرم مانع الطبع من داخل ، ومانع الوحي من خارج ، وهو ما يجعل اجتنابه من البدائه في الجبلة والشرعة ، فمن خالف في ذلك فقد جاوز حد المخالفة الشرعية إلى المخالفة الإنسانية فخالف عن ركز الطبع وجوهر النفس ، بل وخالف عن معيار الحيوان الأعجم فهو يَتَحَرَّجُ أن يُوَاقِعَ محارمه ! ، إن صح أن له محارم فلا تكليف يلزمه ، ولكن الفطرة ، من وجه آخر ، تُقَيِّدُهُ ، وإن كانت الصورة ، كما تقدم ، صورة تخييل محض تأرز إلى درك الحس الظاهر ، فإنه يختزن لذة الوقاع ، وهي وإن آلت أن تكون معنى يجرده الذهن إلا أنها مِمَّا استمد من خارج ، فكان درك الحس الظاهر مبدأ الصورة التي اختزنها العقل تخييلا ، ولا تخلو ، مع ذلك ، من قدر زائد من معنى يرجع إلى القيم والمبادئ ، فَلَيْسَ حسا مجردا من المعاني فذلك ما لا يكون ، كما تقدم ، وإن في الحيوان الأعجم فعنده من ركز المبادئ ، ولو مجملة ، ما يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ فواحش لم يَتَوَرَّعْ بعض من يَنْتَسِبُ إلى آدم ، عليه السلام ، أن يقارفها ، بل ووجد لها من التأصيل الفكري والتبرير الأخلاقي ما جعلها عادة لا يَخْجَلُ فاعلها ، بل فضيلة تدل على اكتمال العقل وَرُقِيِّ الطبعِ الذي جاوز أعتاب البداوة ، وَوَلَجَ إيوان الحضارة من أوسع أبوابه ، فَثَارَ ثَوْرَةً تُحْمَدُ على كل كهنوت مقدس ! ، فليست الأديان والأخلاق إلا آثار ترجع بصاحبها فلا يَتَقَدَّمُ إلا إذا نظر أمامه وقطع علائقه بكل ماض من الوحي أو الطبع ، فلا يبلغ هذه الرتبة الشريفة إلا أن يقارف كل خسيسة ، فيجتهد في الخروج عن قانون الوحي بل وناموس الطبع الذي يستقبح بعض الأقوال والأفعال وإن كان كافرا يجحد كل إله فلا تَزَالَ فطرة الطبع تلجئه ضرورة أن يُحَسِّنَ وَيُقَبِّحَ ، ولو في الجملة ، فقد ركز فيه من القيم والمبادئ ما هو محل إجماع فلا يخرج عنه عاقل من بني الإنسان ، فلا يخرج عنه إلا من جحد البدائه فذلك من أفحش أجناس الكفر الذي جاوز الشرع فقد كفر بالطبع الذي يحكم ضرورة بل وكفر بالعقل الذي يزعم في أحيان انتحاله فما صنع هذه الثورة الفكرية إلا انتصارا للطرائق العقلية ، فلا يخلو صنيعه من تأصيل عقلي ، ولو شبهات داحضة ، بل خروجه عن الشرع والطبع والعقل وكل ما يصح الاستدلال به لا ينفك يأرز إلى شبهة عقلية قد أجمع العقلاء عليها ، ولو في الجملة ، كمن يكسو الإباحية الثورية ! لحاء الحرية ، فمعنى الحرية معنى شريف قد أجمع العقلاء كلهم على حسنه ، ولكنه كسائر المجملات المطلقة في الذهن فلا تَنْفَكُّ تفتقر إلى قيد في الخارج ، فلا بد من مرجع يحدها ، فإن كان المرجع العقل والنفس فالأهواء واللذات بها تَتَلَاعَبُ ، وأحكامها في الخارج تَتَفَاوَتُ وإن أجمعت على المطلق المجرد في الذهن ، فإذ رد الأمر إليها فَثَمَّ من جعل الإباحية فضيلة ، ووضع لها من العقل مُحْكَمَ الطريقةِ في الاستدلال ، فكساها لحاء الحرية التي يستحسنها كل عاقل إلا من رضي بالعبودية ، وكان من الإجمال في هذا الموضع ما عظم فيه المكر ، إذ صار طواغيت الأرض يفسحون للناس في حَدِّ الحرية إن كان محل النِّزَاعِ يُغَايِرُ طغيانهم في السياسة الجائرة والحكومة الظالمة ، بل قد يُزَيِّنُونَهُ للناس ولو إفسادا للأخلاق والطبائع فضلا عن الأديان والشرائع فهي أعظم فاضح في خصومتهم إذ يُبِينُ عن جنايتهم على الحرية وإن زعموا أنهم أعظم من فَتَحُوا إليها الذرائع ، فما فتحوا الذرائع إلا لكل حرية ترسخ طغيانهم في الأرض فإن شَغْلَ الناسِ بالقدح في الأديان والخروج عن قانون الأخلاق يجهض أي ثورة تهدد عروشهم ، فإفساد الأخلاق إضعاف لجوهر الإنسانية الشريف الذي يَرُومُ التغيير النافع ، لا انحطاط الأخلاق والمبادئ ، فإذا ضَعُفَ الناس بحرية الشبهة والشهوة فاستعملت السلطة الإغواء والإغراء فقد أخمدت في النفوس جذوة الحرية وإن زعمت أنها أعظم من يقدس الحرية التي اختزلت في معنى ساذج يكافئ الإلحاد في الأديان والانحلال في الأخلاق ، فلا تجاوز الحرية أبدا ! عَتَبَةَ الحقوق الفردية إلى الحقوق السِيَاسِيَّةِ ، فذلك ما قَطْعُ الرقابِ دونه لا سيما إن استندت هذه الحقوق إلى معيار مبادئ لا تحتمل أضدادا ، فهي تجاوز حد الإصلاح في الخارج بِتَعْدِيلِ المسار وتحسين الأداء ، فَثَمَّ أضداد تَتَغَايَرُ بل وَتَتَنَاقَضُ فيكون مستند التدافع هو الفكرة ، وهي مما لا يقبل الشركة ولا يرضى إلا أن يغلب فيحكم ، ولو قهرا ، فيستعمل القوة أداةً يَنْصُرُ بِهَا الفكرة ، ويجد من الذرائع الأخلاقية والسياسية لِمَا اقْتَضَاهُ الطبع ضرورة لا يماري فيها إلا جاحد أو مسفسط ، فلا فكرة ، حقا أو باطلا ، وحيا أو وضعا ، إلا ويجب لها من قوة الدَّفْعِ ما يحوطها ، وقوة الطلب ما يُبَشِّرُ بها فهي مناط الخلاص ، فصاحبها إن صدق النحلة فلم يكن تصديقه وإيمانه دعوى بها يتكسب أو يَسْتَتِرُ فَيُنَافِقُ الجمع الغالب ، صاحبها لا يرضى إلا أن يدفع عنها من استطاع فيكون لها الحكم والسلطان ، بل ويحملها في الآفاق فهو يُبَشِّرُ بها ويستعمل من الحجة والقوة ما يُغَالِبُ به خصومها ، فلا يرضون بداهة بحكمها وهي تخالف عن فكرتهم التي يقدسون ، فآل الأمر إلى مناط تعظيم وتقديس هو ، لو تدبر الناظر ، دين ، وإن لم يسمه أصحابه كذلك لا سيما مع جهل مطبق بحد الدين المحكم ، فهو يجاوز ما قد اختزله النظار في الأعصار المتأخرة ، لا سيما مع ذيوع الأديان الأرضية التي وجدت من الحرج ما يجعلها تخشى التصريح بالحقيقة ، فتذرعت أنها مذاهب في السياسة والأخلاق ، لا أديان ، فالأديان في الصدور معظمة ، فلا تجاوز حد الفكرة الساذجة المجردة التي لا تظهر آثارها في الخارج على وجه يجافي الجبلات والطبائع ، إذ تقضي ضرورة بصورة قول أو عمل في الخارج تصدق ما انْعَقَدَ عليه الجنان من المبادئ والأفكار ، وإن في فعل التخييل الذي يأرز إلى الحس ، فلا ينفك عن صورة في الجنان تحكم فهو يجاوز حد المأكل والمشرب والمنكح وسائر الحركات الاختيارية فلا تقع بداهة بلا مرجع من الأديان والأخلاق ، فذلك ما لا يكون من الحيوان فلا ينفك ، وإن لم يكن ذا عقل يكلف ، لا ينفك عن ركز من الطبع والجبلة يقبح ما لا يقبحه كثير من بني آدم في الصورة وإن كان الجوهر قد انحط عن دركة الحيوان الأعجم فَجَوَّزَ من الأفعال ما لا يُجَوِّزُهُ الحيوان ، فَثَمَّ حركة غَرِيزَةٍ مفرِطة قد خالفت الشرعة الرسالية المنزَّلة والطريقة العقلية المحكمة ، فصار قتل الإنسان يجاوز قتل الحيوان ، فالحيوان يقتل ليأكل فإذا شبع لم يسفك دما ، وثم من العقلاء ! من قد صار القتل له سجية ، بل وصار لذة تسكر العقل فلا فكرة ، وتشبع الغريزة فلا عبرة ، وذلك ما قد أبان عنه من يطبب النفوس فمن أمراضها إشباع الغريزة بالسفك والضرب والقطع والهتك وكل ما يؤذي ، فتذرع من تذرع من أصحاب الطرائق الأرضية أن جعل طريقته مذهبا في الدنيا زعم ، وهو ، عند التدبر والنظر ، دين يضاهي دين السماء ، فَتَحَرَّجَ صاحب الدين الفكري والسياسي والأخلاقي أن يجهر بما يصادم بقية فطرة تُحْسِنُ تَحُدُّ الدين ، ولو مادة في الذهن مجردة ، فقد استقر في الوجدان أن في الدين معنى العبادة ، وهي ما يأنف من له بقية عقل أن يصرفها لبشر مثله فيأبى الركوع والسجود بالبدن ، وإن خضع العقل وخشع ، فانتحل الطريقة الأرضية ، وجعلها رائده في الحركة الإرادية ، قولا وعملا ، سياسة وحربا ، أخلاقا وأفكارا ، فما بقي من حد الدين قد فاته فقد استغرق حقيقته وإن فاته شعاره من عبودية الظاهر ؟! ، بل ثم من طرد القياس ! ، فكان في طريقته من الانحناء إمعانا في التعظيم لصاحب المذهب ، أو الزيارة حجا إلى قبره ، بل وتعظيمه في الثناء ما لا يُعَظَّمُ به ربُّ الأرض والسماء فاستوفى معنى الدين كله ! ، وإن زعم أنه يُنَظِّرُ لفكرة أو مذهب ، فما ذاع ذلك فخدع الناظر إلا أن ثم نقصا في حد الدين لا سيما في أعصار راج فيها من المذاهب والمقالات ما مهد النفس أن تقبل هذه الدعاوى دون حرج ، فهي تجمع دين العقد الباطن بما تصدق به من النصوص تصديقا مجردا من دلائله في الإرادات الباطنة والأقوال والأعمال الظاهرة ، فتجمع هذا الدين الذي تحول إلى فكرة مجردة لا تكليف فيها يلزم فما أسهل انتحالها فهي وآلهة قريش على حد سواء ، ولو مجازا ، فآلهة قريش آلهة بلا تكليف فليس الإيمان بها يشق بل هو مما تحبه النفس وتسعى في انتحاله ، فهو خفيف الوطأة بل وَبِهِ يحصل من إشباع الغريزة الدينية ما يسكن الضمير الذي يقارف صاحبه من الجرائم ما يندى له جبين أي عاقل ، فإذا آلمه الجنان بما استقر فيه من آثار الفطرة ، ولو درست في الجملة ! ، فإذا كان ذلك الإيلام كانت المسارعة إلى الأصنام أن يذبح لها وينسك فيهدأ ضميره ويسكن ، كما يرى الناظر في هذه الأعصار من طواغيت يُقَارِفُونَ أجناس الظلم كلها فلا يكادون يغادرون منها صغيرة ولا كبيرة ، وهم ، مع ذلك ، أصحاب فضيلة وأتباع طريقة تقدس الشيوخ والأولياء ، فَثَمَّ من الاجتهاد في العبادات والمسارعة إلى الجمع والجماعات والتوسع في الصدقات وزيارة العتبات ما شرع منها وما لم يشرع ! ، ثم من ذلك ما يَثْبُتُ به اسم المؤمن كامل الإيمان ! ، وإن خالف عن حدوده وأركانه ما خالف فلا يجد الحرج إذ صورة التدين الزائف قد رفعته ، فاستقرت النفس وسكن الضمير ، فما يقارف من ظلم لا يدخل في حد الدين إذ اختزل ، كما تقدم ، في صورة ساذجة أُخْرِجَ منها ما تعم به البلوى من حظوظ النفس في الجاه والرياسة والثروة ، فصار الدين تصديقا بلا عمل ، فاجتزأ من اجتزأ من أصحاب المقالات المحدثة أن يحد الدين في اعتقاد وقول فجعل العمل نافلة ، أو أمرا يجب ولكنه لم يقدره حق القدر إذ أخرجه من حقيقة الإيمان وماهيته ، فجعلها بسيطة ساذجة وهي ، كما قد تقدم مرارا ، ماهية مركبة من أجزاء ، فهي الاعتقاد والقول والعمل ، على وجه يستغرق بشعبه الكثيرة محال التكليف جميعا ، فضلا أن يستغرق ما تعم به البلوى من الخصومات في السياسة والحرب ، فذلك من أعظم مواضع الشح والأثرة .
فالتقصير في حَدِّ الدين فِي المقالات آنفة الذكر ، مما أعطى الذريعة الأخلاقية لمذاهب زعمت الحرية فَزَادَتْ في هذا الباب إذ وجدت من الذرائع ما يُبَرِّرُ مقالها وإن خالف عن بدائه النفس وضرورات العقل ، فكان من ذرائع الحداثة التي انتحلت دعوى التجديد زورا ، أن جعلت طريقها الممهَّد أن تقطع العلائق مع الإرث المدوَّن ، وحقيقة الدعوى لو صَرَّحَتْ فلم تَتَجَمَّلْ ، حقيقة الدعوى أنها قطع العلائق مع الوحي المنزَّل ، فيكون العقل في حل وتكون الجوارح في آخر ، فالعقل في حل أن يجاوز في أحكامه حدود الوحي فهو يضع من حدود السياسة والحرب ما يلائم العصر ، وهو يَبْتَكِرُ من لباس البدن ما يلائم حضارة جعلت التَّعَرِّي فضيلة ، فما أصاب الأبدان إلا وقد سبقت النفوس إذ تجردت من لباس التقوى ، وهو يجتهد في حد الحقائق على وجه يواطئ ما يهوى ويجد ، كما قد اختلفت الأنظار في حدود الأديان والأوطان فهو من أظهر مواضع الاختلاف بين العقول في نظر التدبر والتعقل فالاعتبار في هذه الحدود مما عمت به البلوى فاختلف المعيار واختل الميزان ، فَثَمَّ من حد الدين ، كما تقدم ، أنه الفكرة المجردة والهوية المجملة فهو أخلاق نفسانية لا تظهر آثارها في الأحكام الشرعية والسياسية إلا بواعث مجملة تفتقر إلى طريقةٍ في الاستدلال مفصلة تضع من الحدود ما يميز فيقطع الشك باليقين ، وليس ذلك إلا أن يكون ثم مرجع من خارج العقول يجاوزها فهو يضع معيار الحسن والقبح ، فَيُبِيحُ ويحظر في نَوَازِلِ الدين والدنيا ، فقد جاوز حد الديانة في معيار الحداثة ، فَبَلَغَ به مبلغ العموم إذ استغرق الباطن والظاهر ، الخاص والعام ، فهو الحد الجامع الذي استوفى ما فات الحداثة من أجزاء الحقيقة الدينية ، وهو ، مع ذلك ، حكم عدل في الخصومات ، فلا يَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِي العقل من نقص ، ولا يوصف بما تُوصَفُ به النفس من حظ عاجل تَرُومُ نَوَالَهُ فتضع من الشرائع ما به تَنَالُهُ ، وكذلك الشأن في حد الأوطان ، وهو مما دق في الأفهام ، فحده بعض الفضلاء حدا لَطِيفًا يَتَفَاوَتُ ، فالوطن هو ما يُوَالِي الإنسان لأجله وَيُعَادِي ، فيصالح فيه ويخاصم ، فحيث انتهى ولاؤك فقد انتهى وطنك فما جاوز حده فهو أرض غربة ، وإن كان البدن فيه حاضرا ، فَثَمَّ من وطنه لا يجاوز عتبة بَيْتِهِ ، سواء أكان شحا فلا يرى في الدنيا إلا ما يصلح شأنه ولو أفسد على غيره دنياه ، بل ولو عمت بَلْوَاهُ الناس جميعا فكان ذا رياسة عامة اجتهد أن يشق فيها على الناس فلا تيسير إذ تَقَصَّدَ التعسير فاستسلم لداعي الطبع إذ ليس ثم حظ من الشرع يهذبه وليس ثم آخر من الشهامة والمروءة يحمله أن يَبْذُلَ ولو طلب محمدة وثناء عاجل ، فلا دين ولا ورع ، ولا صورة في السياسة والحكم ، فقد خالف عن بدائه العدل التي أجمع عليها العقلاء ، فلا قيام لِمُلْكٍ إلا بها ولو ملك دنيا لا يأرز إلى مرجع من الوحي يسوسه ، فثم من يجعل الشح والتضييق على الناس أداة الحكم والرياسة فهو ساع ما استطاع أن يفسد الأديان ويغري بين الناس البغضاء والشحناء بما يكون من تضييق الأرزاق فيشتغل الناس في التصارع على الأقوات ويصير الحال إلى فساد عظيم في الدنيا والدين وهو بذلك فَرِحٌ جَذِلٌ أن أَفْسَدَ على الناس وَضَيَّقَ وما ذلك إلا لخبث الطبع ولؤم الأصل الذي يرى الشح فضيلة وإفساد الأديان والأخلاق في الحكم طريقةً ، فصار وطنه هو ذاته التي لا يجاوز عَتَبَاتِهَا المقدسة وإن أبغضه الخلق جميعا فَأَنَّى يَهْنَأُ بِعَيْشٍ وهو لا يأمن لأحد وإن قرب نسبه ومجلسه فيخشى من الدوائر ما يجعل حاله ضَنْكًا يَتَّصِلُ زمانه فقد أعرض عن الذكر وخالف عن حكومة العدل وكان من أَذَاهُ ما تعدى فَبَلَغَ أولياءه وخصومه جميعا ! ، فلم يَعُدْ ثَمَّ من يطمئن به فيأوي إلى كنفه ، فقد جفا الخالق والخلق جميعا ! ، فاستجمع أسباب الفساد ، فأنى له بصلاح حال أو مآل ، وأنى له بوطن يسعه وإن كانت الأرض ملكه والأنهار تجري من تحته فكان من عاجل العقوبة أن سجن في ذاته فلا يكاد يُغَادِرُهَا ، وإن كَثُرَ سفره وَانْتِقَالُهُ فما يصنع بدن طليق والقلب في غياهب الخوف أسير ؟! .
وثم من أصابه الخوف فقد ضاقت به الأرض بما رحبت فلا يأمن إلا في داره ، وهو ، مع ذلك ، يخشى الدوائِرَ ، فحد الوطن في أعصار الظلم والاستبداد يضيق بصاحبه فلا يجاوز دَائِرَةً من الأولياء والأصفياء لا يطمئن إلا بمجالستهم ، فَلِقَاؤُهُم ، كما أُثِرَ عن بعض السلف ، مذهبة للأحزان ، ولولا ما يحسنون من طِيبِ المنطق والمعشر لَتَمَنَّى أن يُفَارِقَ الدنيا فلا يُؤَجَّلَ ، فضاقت دائرة الوطن بما يكون من الظلم وإن اتسعت الأرض فما يجد نَاظِرٌ من سعتها والظلم فيها قانون محكم ؟! فإذا اتسعت دائرة العدل اتَّسَعَ حد الوطن فجاوز الدار والأهل إلى غيرهم ، وبقدر ما يفسح له من العدل يكون من الأمن والسلم ما به يأنس بغيره فلا يستوحش ولا يستوثق ، فلا يخشى من يتحسس أخباره ، فدائرة الوطن تَتَّسِعُ إذا كان العدل معيار الحكومة ، فكيف إن كان الوحي هو الرائد ، فهو وطن لا حد له إذ جاوز بعالمية الرسالة حدود الأرض واللسان والقبيل والعرق ، فمعياره لا يقر حكومة عنصر أو لون ، بل رائده في المدح والذم قول الرب جل وعلا : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فصار حد الوطن ، من هذا الوجه ، مما يختلف باختلاف الأحوال وتغاير الدور والأمصار فَثَمَّ وطن قد ضاق فلا يجاوز دائرة الذات ، وثم آخر قد اتسع فجاوز الذات والأرض وكل حد ، واعتبار الأديان والأوطان وحدها في المعنى والمبنى من أشرف ما يجتهد فيه العقل إذ ينظر ويتدبر في المعقولات ، وهو جوهر الإنسانية وإن في مدركات الحس الظاهر ، فلا يخلو نظر التخييل ، وهو محل شاهد تقدم ، لا يخلو من نظر اعتبار ، وإن كان ظاهر أمره الحس ، فصورة التخييل تُنَالُ بالحواس ، فلا تخلو مع ذلك من حركة النفس في معنى معقول يحسن ويقبح الصورة المحسوسة ، فيحسن صورة الحليلة فهي ، كما تقدم ، وطن يأوي إليه العفيف ، ويقبح ما سواها فهي أوطان الفساق الذين خرجوا عن حكومة الوحي بل ونظر العقل والجبلة في أحيان كثيرة ، وَقُلْ مِثْلَهُ في صورة المطعوم ، فهي صورة تخييل تَنْسَخُ معنى اللذة فَتُقِرُّهُ في الوجدان ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من اعتبار ، فلو رآه وهو صائم ما ذاقه وإن اشتهاه إلا إن خالف عن حكومة الوحي التي تُعَظِّمُ فيه غريزة العقل الشريفة فهي غريزة معنى تحكم غريزة الحس فلا يَنْقَادُ لها العاقل فيكاد ينحط عن رتبة البهائم ، وإذا رأى العاقل طعاما يلتذ به الحس وهو يعلم أنه محرم سواء أكان التحريم لعينه فهو مما خبث فمهما اجتهد الطاعم أن يزينه فجوهر الخبث فيه محكم لا ينسخ ، وإنما تَسْتَطِيبُهُ النفس إذا فسد طبعها فخرجت عن قانون الفطرة والجبلة فضلا أن تخالف عن حكم الشرع والملة ، فسواء أكان محرما لعينه أم محرما لغيره فهو في الأصل مباح وإنما عرض له من مانع التحريم مانع الشرع كأن يكون مغصوبا أو مانع الطبع كأن يفسد مزاجه وبدنه فحمية الطب تحول بينه وبين تعاطيه ، فسواء أكان محرما لعينه أم لغيره ، وسواء أكان المانع منه مانع الشرع أم مانع الطب فهو مما يجافي عنه العاقل فلا يغتر بلذة تطرأ وبعدها فساد عظيم إن في الدين أو في البدن ، فالعقل يوجب النظر في المآل ويستقبح الاقتصار على الحال فذلك طبع الحيون الأعجم فلا ينظر في عاقبة وإنما غايته درك اللذة الطارئة .

فكل أولئك من نظر التدبر الذي يحصل بالتفكر في آي التكوين وآثار الماضين كما في الآي آنف الذكر : (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فكان من قياس العقل قياس الطرد والعكس على وجه يدل ، كما تقدم صدر الكلام ، على إنشاء أمر ونهي فلا تضاهوا الظالمين فتلك آثارهم فيكون مآلكم كمآلهم ، واسلكوا جادة الضد من العدل فتسعدوا في الدنيا وتنجوا في الآخرة ، فكان من الاستفهام في قوله تعالى : (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، ما ضُمِّنَ معنى الإنكار والتوبيخ في حق الغافل ويرشحه في الدلالة أن الآي مكي فجمهور من يخاطب هو من الجمهور الغافل فلا يحسن ينظر ويتدبر في آثار الماضين وإن أَكْثَرَ التِّرْدَادَ عليها والمرور فقد كان ذلك طريق تجارتهم إلى الشام ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة الأمر أن : اعقلوا فقيسوا القياس النافع ، قياس الطرد والعكس الباعث على مخالفتهم إذ ضلوا وموافقة أضدادهم إذ اهتدوا فسلكوا جادة الوحي المحكمة ، ولا يخلو السياق ، مع ذلك ، من تقدير محذوف على القول إن العاطف ، وهو الفاء في قوله تعالى : (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، له الصدارة مطلقا ، فيقدر من المحذوف ما يزيد في الإنكار على صاحب الوصف المذموم ، وذلك ما يَتَفَاوَتُ من سياق إلى آخر ، فيقدر لكل سياق من اللفظ ما يلائمه ، فيقال في هذا السياق : أغفلتم وعطلتم آلة الفكر وإن صحت فلا آفة فَأَنْزَلْتُمْ أنفسكم منزلة الحيوان الأعجم فلا تعقلون ما تمرون عليه من آثار الماضين وأطلالهم ؟! ، وأما من يَقُولُ إنه لا حذف ، فهو يخرج الهمز من هذا الأصل فَلَهُ الصدارة مطلقا ولو على عاطف كالفاء ، والعقل مادة في الذهن تدل على معنى اللجام المقيِّد ، وهو في الخارج على أنحاء فمنه لجام يقيد الحس كلجام الدابة ، وآخر يقيد المعنى كلجام الطبع ، والسياق ، أيضا ، هو الذي يعين مراد المتكلم ، فهو ، أبدا ، قرينة ترجح حال الاحتمال ، وإن غلب على استعماله الجنس المعقول فصار العقل علما على الجنان الذي رُكِزَتْ فيه قوة النظر والقياس ، وثم من يجري الأمر مجرى الاستعارة فالعقل ابتداء مئنة من عقال الحس الذي استعير حال التكليف لعقال الشرع إذ يَأْمُرُ وَيَنْهَى فذلك قَيْدٌ يحكم الطبع ألا يجاوز حد الحكومة العادلة في عقد أو شرع ، في سياسة أو حرب ، في رياضة أو زهد ، فَتِلْكَ وظيفة العقل أن يدرك من وصف الخالق ، جل وعلا ، ما به يحصل الاعتبار ويوجب الاتباع في القول والعمل ، فَثَمَّ عقل آخر لأحكام الجوارح فهو المصدق لأخبار الغيب من الإلهيات والسمعيات ، فالعقل مَنَاطُ التكليفِ وهو التابع ، أبدا ، لنص التشريع فلا يعدل في الحكومة إلا أن تكون الرسالة لَهُ رَائِدًا يهديه جادةَ الصدق والعدل بكلمات الخبر والحكم .

والله أعلى وأعلم .