نطق اللسان ، كما تقدم في مواضع سابقة ، ليس نطق ألفاظ تجرد من المعاني التي تصدر عن قيم حاكمة هي إرث الثقافة ، فهي ، كما يذكر بعض الفضلاء ، نظام للإدراك الجماعي ، فتصنع العقل الجمعي بِرِكْزٍ من القيم يَتَرَاكَمُ في ذاكرة الشعوب فهي معيار المعقول والمنطوق ، والأمة التي لا إرث لها يدون وَيُنْقَلُ ، ولا مرجع لها إليه تأرز فهو السياج الذي يَقِيهَا من عدون الأمم الأخرى فعدوانها يجاوز عدوان الغزو للأبدان ، كما يرى الناظر على سبيل المثال ، في خطاب الاستعمار ، فهو خطاب يزيف الهوية الفكرية والتاريخية فيحتكر وظيفة التحديث فَوَضَعَ ، كما يقول أهل الشأن ، حدا يحد به ماهية الدول المستعمَرة ، فهي الأطراف التي يحكمها المركز بمنظومة سياسة وحرب تكرس التبعية بذريعة التحديث ، فالآخر ! أو الطرف التابع ، غير حداثي وغير متحضر فهو كائن متخلف في الفكر والسياسة قد خرج عن سياق التاريخ ، فوظيفة المستعمِر المركزي أن يرد الأطراف إلى جادة الحضارة ! ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا أن تنتحل قيمه ، طوعا أو كرها ، وإن خالفت عن منطقه الذي تراكم في جنانه الباطن ، فيكون التدافع بين هوية مجموعةٍ من الدين والثقافة والتاريخ والجغرافيا والسكان والثروات ، فتلك عناصر رئيسة في تعريف أي أمة ، وإلا كانت هملا بلا حد ولا ماهية إلا ماهية مائعة لا تحد ، فكلٌ ينتحلها ويضع لها من الحد ما يواطئ هواه وحظه ، فيكون صراع الهويات الذي لعب فيه المحتل دورا رئيسا إذ غذى في الأطراف هويات بديلة تخرج الأطراف من حضارتها ولا يكون ذلك إلا بإخراجها من دينها ، وهو ، كما تقدم مرارا ، اسم مركب وماهية مجموعة تجاوز حد الاعتقاد المجرد في الذهن ، فالدين اعتقاد وقول وعمل ومنظومة سلوك وقيم وأخلاق تجاوز الفرد إلى الجماعة ، فَلَهَا أخلاق وأعراف تحكم أَفْعَالَهَا في السلم والحرب ، فَقَرَارُ السياسة والحرب يجاوز حد الهيئة الحاكمة وإن كانت مستبدة ، سواء أكان استبدادها الاستبداد العادل أم الاستبداد الجائر ، وكلاهما صورة من الملك لا تواطئ الحق الكامل ، وإن كان في الأولى من الحق ما يحمد من حكومة العدل ولكنها إن لم تشفع بحكومة الشورى فلا ضامن أن تدوم ، فقد يخلف العادلَ ظالمٌ ، فتكتمل قسمة الفساد : الظلم والاستبداد معا ، وذلك ما قد حصل باستقراء أحداث التاريخ ، فتجارب العدل والإصلاح في أعصار قد امتلكت إرادة التغيير فكان من الإصلاح الفكري ما يحمد ، وكان من الإصلاح الإداري والعسكري ما أعاد الهيبة وكانت أداة فاعلة في التأثير ، ولكنها لم تشفع كل أولئك بإصلاح سياسي يرسخ قيم الشورى في الحكم ، فتلك خاصة الرشد التي امتازت بها خلافة النبوة من سائر الحكومات التي أَعْقَبَتْهَا ، فكان من احتكار السلطة وتحجير الواسع من شورى الملك الكامل ، فضاقت دائرة السياسة وصارت حكرا على جماعة خاصة ، وإن كان ثَمَّ من قوة الفكرة الرسالية وهيمنة الطريقة الشرعية ما أعطى قوة الدفع الذاتي أن تُنْجِزَ الأمة الرسالية وظيفة الفتح والتحرير ، وإن لم تخل من التقصير الذي زاد بازدياد جرعة الاستبداد فكان من التعصب للجنس والعنصر ما خالف أصحابه عن قيم الوحي المنزَل ، واحتكار وظيفة السياسة يؤدي ، ولو بعد حين ، إلى حاجز بين الحاكم والرعية ، وهو ما يزداد كلما زاد الاستبداد والاستئثار بصنع القرار ، فلا بد من كيان يملأ هذا الفراغ بين السلطة والرعية ، فثم جفاء يزيد فلا يكون ثم من الود ما يصفو ، فتلجأ السلطة إلى المجموعات الوظيفية ، ضرورةً تَقْضِي بها السنة الكونية إذ أي فَرَاغٍ في الكون لا بد له من شاغل على وجه تظهر به آثار حكمة الخالق ، جل وعلا ، في تدافع الأضداد ، فيكون ثم من مجموعات الوظيفة السياسية ما يلعب دور الوسيط بين السلطة والرعية فلم يعد ثم اتصال قوي بما كان من فصام لعقد الشورى ، فقد صارت اسما بلا مسمى ، فصورتها حاضرة ، وذلك في نفسه أمر يحمد ، ولكنه لا يؤتي أكله إلا أن يشفع بالحقيقة ، وإلا كان الزيف أن يكسى الاستبداد لحاء الشورى كما قد وقع في الملك العضوض وما جاء بعده من الملك الجبري وهو أسوأ حالا وأسرع إفسادا وإن كان كلاهما مما يفسد الأخلاق والطبائع وأحوال الناس ومعاشهم ، وإن لم يخل الملك العضوض من الخير الذي نَقَصَ شيئا فشيئا ، فالخير في بني أمية أكثر منه في بني العباس ، والخير في بني العباس في بغداد أكثر منه فيهم وهم في مصر أسرى القلعة اسم خلافة بلا مسمى ، والخير في بني العباس إبان خلافتهم الأولى في بغداد أكثر منه في بني عثمان في الأناضول ، والخير في بني عثمان أكثر منه في غيرهم ممن خلفهم من ملوك الجبر الذين كانوا في سابقة هي الأولى ، كانوا نتاج حضارة أخرى فكان ولاؤهم للمركز لا للوحي المنزَل وهو الثابت الرئيس في تشكيل الهوية الشرقية وملوك الجبر أيضا ! على أنحاء فبعضهم أسوأ من بعض وإن أجمعوا على مخالفة روح الشرق الرسالية إلا أن ولاؤهم لحضارة المركز يتفاوت فضلا عن خسة الطباع ولؤم الأصول فذلك أمر يطرد في كل جيل من الحكام يظهر إذ يكون بُعْدُهُمْ عن الحق أعظم وعداوتهم له أشد وأحكم ، وذلك تأويل آخر لسنة كونية محكمة فليس بعد الكمال إلا النقص ، وذلك أمر يعم البدن والدين والفكر والسياسة والحرب ..... إلخ ، فيستغرق المحسوس والمعقول جميعا ، فليس ثم زمان إلا وما بعده شر منه في الجملة ، وإلا فَقَدْ يكون من تجارب الإصلاح ما تستعيد به الأمة دورها في ريادة النوع الإنساني ، فكان من تجارب الإصلاح ما يحمد وإن في ملك عضوض أو جبري ، وهي ، لو تدبر الناظر ، تجارب لم يطل زمانها إذ لم يكمل إصلاحها فلم يكن فيها من الإصلاح السياسي ما يعيد الشورى مسمى لا اسما مجردا ، وإن اتسعت دائرة القرار فذلك مظهر رئيس من مظاهر أي إصلاح وإن لم يبلغ حد الكمال ، فكان من الشورى في إدارة البلاد وتعيين القضاة وإقامة العدل في الناس ولو في الخصومات المالية والجنائية مع نهضة في الفكر وصحوة في الدين ، وكان من شورى الحرب ما صدق فيه القادة النصح للدين فمع ما كان من ظلم وفساد لا يخلو منه نظام إقطاع ، وهو نظام الحرب آنذاك ، إلا أن من ولي أمره لم يكن خائنا لقيم حضارته ولم يكن مفتونا بغيره فكان من استعلائه بما به قد آمن ما جعله يرجح الخصم وَيَرُدُّ عدوانه ، فكان إشكال الهوية والمنطق معدوما ، فهوية الدين ومنطق الرسالة هو الذي يصدر عنه الناس جميعا ، حكاما ورعية ، قادة وجندا ، فلم يجترئ أحد أن يعبث بركائز الفكر والأخلاق فهي أساس البنيان وإن كان ثم صدوع وشقوق فلم تبلغ حد الانهيار ، وهي مع ذلك مبدؤه وتلك سنة أخرى من سنن الكون ، فلا يكون الانهيار دفعة وإن كان السقوط فجأة ، فتلك صورة الختام التي تسبقها مراحل وأدوار من الضعف الذي يبدأ طفيفا ثم لا يَزَالُ يَزِيدُ حتى يبلغ بالكيان حد الضعف الشديد وليس بعده إلا الانهيار ، فبعد المرض الموت ، وتلك سنة تستغرق كل كائن ، كائن الحس من جنس الحيوان وكائن المعنى ككائن السياسة والحرب ، فإنه بالنظر في سنن الدول ينشأ غضا طريا ثم يشتد عوده ثم يضعف ويهرم ثم يموت ويفنى ، وإن بقيت الأفكار والمبادئ فلا تموت فهي ركز في العقل إذا وُجِدَ من يبعثه من مرقده ويحفزه في الفعل والتأثير فذلك بعث جديد لِمَا اندثر من أصول الحضارة فيكون التجديد الحق الذي يعيد للأمة هوية محكمة بها تُنَاجِزُ الأضداد وتدفع العدوان فأعظم أجناسه ، كما تقدم ، العدوان على الفكر والمنطق ، فلا تَجِدُ أمةٌ ذات هوية عسرا أن تجيب عن أسئلة الحضارة والتحديث ..... إلخ مما يحتج به خصومها إذ قيدوا حركتها أن تحدث أدواتها وكان من شؤم الجهل بأصولها ما جعل عامة أبنائها يكسل فلا ينشط أن يستجمع أسباب القوة التي جاء الوحي بها يشيد ، فكان الخطأ في التأويل الذي أفسد حد التوكل فصيره تواكلا وقعودا ، فَيَسَّرَ على الخصم أن يغزو العقول بأفكار انتحلت زورا رسم الحداثة ، فكانت تلك ذريعتها في الغزو ، فخطابها خطاب المستعمِر الأعلى الذي جاء يحدث الأطراف المستعمَرة فهي جاهلة متخلِّفة ، فذلك خطاب استعمار استثمر ما طرأ من النقص ، وإن لم ينجح بداهة أن يسد الفجوة بين السلطة والرعية ، وإن شئت الدقة فَقُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرعية فهو السلطة سواء أكان يحكم بنفسه أم بواسطةٍ من مجموعاته الوظيفية المدنية والعسكرية ، فلا بد من شاغل لهذا الفراغ آنف الذكر بَيْنَ السلطةِ والرعيةِ ، وهو من النَّقْصِ الذي طرأ شيئا فشيئا أَنْ أقصيت الرعية فلم يَعُدْ لها حق الاختيار إلا في أطياف من التجديد السياسي لم يطل زمانها ، كما كانت الحال زمن الأشج العادل عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فكان إجماع الناس على ولايته ناسخا لما سَنَّ بنو أمية من ولاية العهد في الملك العضوض بلا شورى هي خاصة الحكم الراشد ، وهو ما زاده عبد الملك بن مروان جبرا استلب به الحكم بحد السيف ، فكانت سنة ثانية احتج بها الحكام من بعده ، فصار الملك لمن غلب ، فالملك ، كما أثر عن الملك العادل الأيوبي شقيق الملك الناصر صلاح الدين ، الملك ليس بالإرث ، وذلك حق نَقَضَ به حكومة أبناء أخيه ، ولكنه زاد في الحد ما ليس بحق ، فالملك عنده لمن غلب ، وإن كان صائلا يظلم ، وهي السنة التي سَنَّهَا عبد الملك بن مروان إذ غلب ابن الزبير ، رضي الله عنهما ، على الملك وَقَتَلَهُ وَمَثَّلَ بجثمانه فجاوز ما صنع معاوية رضي الله عنه إذ حَمَلَ الناس على بَيْعَةِ ابنه وذلك عدوان على حق الجماعة في الشورى كان مبدأ استبداد بالسلطة إذ صارت حكرا على قَبِيلٍ بعينه وهو القبيل الأموي الذي رأى ذلك حقا امتاز به فلا ينازعه فيه أحد فصار تركة تُوَرَّثُ فلما رام ابن عبد العزيز ردها إلى الناس وإخراجها من هذا القبيل بادره القوم فقتلوه فقد احتملوا إمارته كرها فهو منهم ، فلم يخرج الملك عنهم في كل حال ! ، ولم يحتملوا بداهة أن تخرج عنهم ، فدونها الرقاب وهو ما كان إذ استلبها بنو العباس بالسيف ، فعظم الشر بتقادم العصر ، وكان المبدأ ما صنع معاوية رضي الله عنه إذ سَنَّ الإرث في الملك ، ولكنه لم يسفك لأجله من الدم ما سفك عبد الملك ومن جاء بعده ، ولم يزل الحكام يَتَوَارَثُونَهَا جيلا بعد آخر مع اختلاف الأجناس والألوان ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم المعنى في قول الرب الأعلى : (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) ، وهو ما زاد جيلا بعد آخر لا سيما والهوة بَيْنَ السلطة والرعية تزيد ، فكان الفراغ الحادث بين الحاكم والمحكوم إذ انقطع حبل الشورى الواصل الذي يفرز الحاكم الأمين فهو أمين على حضارة من اختار فضلا أن يكون أمينا على الأبدان والأقوات ، فأمانته تستغرق الدين والفكر وأصول الحضارة والأرض والثروة والتاريخ والبشر ، فلا ينهض بها ، بداهة ، من لم يختره الناس ، وإن كان في العصر القديم والوسيط من رقيب الجماعة على قيم الدين والحضارة ما جعل السلطة وإن تصارعت أحزابها كما كانت الحال أيام المماليك ، وبهم يضرب المثال فيما اصطلح أن يسمى في هذا العصر صراع الأجنحة ، فلم يكن ذلك يحول دون الاجتماع حال الشدائد التي تهدد الحضارة التي خرجوا من رحمها ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد ، فكان من مآثرهم نسيان الأحقاد السياسية إذا دهم الشرق خطر يهدد حضارته فهم جند مخلص لهذه الحضارة وإن كان لهم طموح في الحرب والسياسة ، فكان من استحضارهم لقيم الوحي لحظة الصراع مع التَّتَارِ ما تأوله المظفر قطز في كلمة واحدة تحكي أصل الصراع ومركز الثقل في حضارة الشرق وهي : واسلاماه ، فلم يكن الشعار الحافز شعارَ مِصْرٍ أو قَوْمٍ فإن قطز يخالف المصريين العرقَ وإن تعلم لسانهم العربي فليس من أهله صليبة بل العربية على المصريين وافدة فَلَئِنْ كانوا عربا في أجيالهم المتأخرة فإنهم لم يكونوا كذلك قبل الفتح وما حَالَ ذلك دون دخولهم في ثقافة الرسالة التي استوعبت كل وافد فأحسنت وفادته وجعلت له من الخير حظا عظيما ما كان ليبلغه في أي حضارة تأرز إلى عرق أو جنس فَفِيهَا من الشح ما يَرَى الناظر في هذه الأعصار إذ صار المركز يوبخ أبناء جلدته في مؤتمرات السياسة إذا اشتكوا ارتفاع سعر أو غلاء معيشة فذلك ذنبهم أن تَرَكُوا أبناء الأطراف يأكلون اللحم ويشربون اللبن فأدى ذلك إلى ارْتِفَاعِ السعرِ في المركز ! فلا بد أن تجوع الأطراف وتعرى ليطعم المركز ويلبس فتلك نظرية الاستعمار الحديث الذي حول الأطراف إلى مخازن غلال وخامات بها يترفه ويدير آلة إنتاجه فتزدهر أحواله بما احتكر من آلة الصناعة الحديثة مع أن دعواه في الأطراف أنه ما جاء إلا ليحدثها وحداثته ، لو تدبر الناظر ، لا تجاوز الحداثة باصطلاحها الفلسفي إذ تَرُومُ نَزْعَ أسباب المقاومة من النفوس إذ تقطع علائقها مع تاريخها وإرثها من الثقافة والحضارة لتصير تابعا يدور في فلك المركز وليته حَصَّلَ بعض ما في المركز من رفاه الحكم والعيش فليس له من الحداثة إلا ما يفسد ! ، وهي نظرية المجموعات الوظيفة التي يحكم المركزُ الأطرافَ بها فإنها رفعت شعار : الفقر والجهل والمرض ، وإن كانت تَنْتَحِلُ أضدادها زورا بما توفر من خدمات ليست إلا رياء يذر به الرماد في العيون فضلا عن شح عظيم في القسمة فلا ينال العامة من الخدمة إلا الأسوأ وأما الخاصة فهم أصحاب الحظوة في ذلك إن في الداخل أو في الخارج فيجد الناظر حرصهم الشديد على مفارقة العامة في المدارس والمشافي ..... إلخ ، فلا تليق بطبائعهم المرفهة ، فليس الجهل والفقر والمرض إلا للرعية المستضعفة مع تسليط أدوات القمع السياسي والتضليل الفكري ، فتلك أدوات السلطة في الحكم الجائر على تفاوت بينها في القبح ، فبعضها أقبح من بعض ، وإن كان ثم إجماع أن الرعية الجاهلة خير من العالمة وهو شعار رفع زمن الخديوية في مصر فكان بعض حكام الأسرة العلوية يَرَوْنَ أن الجهل خير للشعب فالجاهل سلس القياد لا يعصي الأوامر وهو ، مع ذلك ، يقدس الآمر فليس إلا عبد المأمور كما في اللفظ الدارج المشهور في مصر والذي يقترف به من الجرائم ما يدخل القبيلين ، القوي والضعيف ، في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
ولم تكن تلك بداهة هي حال المماليك وهم يَتَوَلَّوْنَ المهمة التاريخية لحفظ الإسلام بل وحفظ الإنسانية جَمْعَاءَ من الخطر التَّتَرِيِّ ، فكان باعث الدفاع عن الوحي هو رائد القتال ، فلم يكن ثم من الفصام مع أصول الحضارة ما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار ، فلا يجحد الناظر الهوة بين السلطة والرعية من مَبَادِئِ الملك العضوض ، قبل حكم المماليك بقرون ، وقد احتاجت السلطة لسد هذه الهوة أن تلجأ إلى سياسة الوسيط وهو ما اصطلح بعد ذلك أنه المجموع الوظيفي ، فكان التوسع في اتخاذ الجند النظامي في خروج عن التقليد الرسالي الذي جعل الأمة هي الجيش ، كما ينوه بعض الفضلاء في إطار المقارنة بين الجيوش النظامية المعاصرة وجيوش الرسالة بل وجيش يهود في هذا العصر فَقَدْ تأول هذه النظرية فإن الشعب كله تحت الطلب ، فثم من ثقافة الوحشة من المحيط العربي والإسلامي ما يجعل الدولة تَتَوَخَّى الحذر وترفع درجة الاستعداد وإن بلغت الأطراف من الضعف ما بلغت فلا تأمن هذه المجموعة الوظيفية الغريبة التي تُقَطِّعُ أوصال الشرق لا تأمن أن تذوب في محيطها ، ولو ذوبانا ناعما ، لا جرم كان حرصها الشديد على هويتها اليهودية وإن هوية سياسية مجملة فهي سر بقاها إذ تمتاز من غيرها وإلا ذابت في المحيط السياسي ولو أطلق عليه الشرق الأوسط الجديد فهو شرق أوسط بلا دين ولا حضارة تأرز إلى الوحي وإن كانت أرضه هي أرض النبوات ، فهو جديد في حق العرب والمسلمين فقط إذ يُزِيلُ رسم الوحي والعربية من البلاد الشرقية ، ويجعله شرق أوسط بلا هوية رسالية فَهَوِيَّتُهُ أممية يكون ليهود فيها القدح المعلى مع احتفاظهم وحدهم بأسباب الممانعة والمقاومة إن فكرية فهم يهود قد امتازوا بالدين ، أو عسكرية فهم الأقوى ، أو علمية فهم الأحدث حقيقة وليس للأجوار إلا حداثة الفلسفة كما تقدم ! .
فكانت الجيوش في عصر الرسالة والخلافة هي الشعوب التي لا زالت فَتِيَّةً تحمل أمانة الوحي ، فهي التي تحمي حضارتها وأرضها وَثَرَوَاتِهَا ، فلا تستقل منها فئة بوظيفة الدفاع على وجه تمتاز به في عدة الحرب ، فيكون ثم فائض قوة يُغْرِي صاحبه إن لم يكن ثم ورع أن يطغى ويستبد ولا يجد من يزجره ، فقد استجمع قوة الحرب بذريعة الدفاع عن الدين والأرض ، فصيرها أداة بها يحكم ، وإن لم تكن الصورة زمنَ بني أمية على هذا الوجه الشائه ، إلا أنها لم تخل من نَقْصٍ في السياسة جعل السلطة تستكثر من الجند وكان لهم من وظيفة الفتح ما لا يجحد الناظر في تاريخ الفتوحات ، ولكنها مارست من وظيفة القمع ما أفرطت فيه وزادت فخرجت عن حد الوحي النازل ، فانضم إلى وظيفة الفتح وظيفة القمع ! ، ولا زالا يتجاذبان أسباب القوة ، فَفِي أعصار الخير والإصلاح ، وإن في إطار الملك العضوض أو الجبري ، في أعصار الخير يزيد الفتح ويقل القمع ، وفي أعصار الشر لا سيما إن عطل الوحي وهو رائد أي نهضة في الشرق ، في أعصار الشر يزيد القمع ويقل الفتح بل ولا يكون ثم دَفْعٌ فضلا عن الطلب ! ، فقد توجهت آلة الحرب إلى وظيفة القمع إذ زادت الفجوة بين السلطة والرعية ، فيقل الفتح ويقل معه الخبز فَثَمَّ فساد قد استغرق الدين والدنيا ، والناظر في تاريخ الأمم يَرَى أن انحطاط قيم السياسة والحكم بذيوع المظالم والمغارم يصاحبه أبدا انحطاط في الاقتصاد والتجارة ، وتلك سنة أخرى من سنن الملك ، فكلما زادت الفجوة بين السلطة والرعية كان احتياج السلطة إلى القمع أكبر ، إذ لا ود تُبَادِلُهُ الرعية بل إنها تَرَاهَا الخطر الأقرب ، فتستجيز حفاظا على سلطانها أن تقمع الرعية وتسعى في إفسادها وإضعافها ما استطاعت فتجردها من أسباب القوة لتستبيح حرماتها متى شاءت فلا تجد من القوة ما يزجرها فقد استلبت المجتمعَ أسباب القوة الفكرية والمادية ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا أن تستكثر من المجموعة الوظيفية ، سواء أكانت مجموعة فكر تُزَيِّفُ الوعي وَتُغَيِّبُ العقل أم كانت مجموعة حرب لا تَتَوَرَّعُ أن تُقَارِفَ جرائم القتل والسفك والسطو والهتك بذريعة الحفاظ على البلاد التي اختزلت في دائرة ضيقة من المصالح الخاصة ، فصار الوطن الذي يدفع عنه الجند وطنا فاسد الحد ، فلا يحسن من يقاتل ذبا عنه أن يحد ماهيته إذا سئل عنها ! ، وهو ، مع ذلك ، يتذرع فيما يقارف من جرائم أنه يذب عن حياضه ، والحكم على الشيء فرع عن تصوره فكيف يقاتل الإنسان دون شيء لا يعلم حده ابتداء ؟! ، فكان من حاجة السلطة إلى المجموع الوظيفي ما يعظم إذا زادت الهوة بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرعية ، فتلك ، كما تقدم ، سنة محكمة ، فكلما كانت الهوة أوسع كان القمع أعظم ، وكان الفتح أقل ، فعنف السلطة يَزِيدُ إذا خالفت عن جادة العدل فَرَامَتْ الاستئثار بالملك والثروة وهو ما يُفْضِي آخر الأمر إلى ضعف الكيان السياسي وانهياره فقد قضى على القوة الكامنة في نفوس الناس وهم مادة حكمه فإذا ضعف المجتمع فالسلطة الجائرة قد تَنْتَعِشُ حِينًا ولكنها لا تلبث أن تضعف وتنحل هي أيضا ، فمادتها الخام من الرعية قد فسدت بما مارست في حقها من جرائم فكرية وجنائية فضلا أنها تُبْغِضُهَا فلا تَنْتَمِي إليها ولا تُوَالِيهَا وإن كانت تهتف باسمها في المعسكرات وتصطف تحت عَلَمِهَا الذي يُرَفْرِفُ ! ، فالسلطة الجائرة لا تعرف إلا لغة القمع ، فضلا أن تشاق الرعية مادة الفكر ، وهو ، أيضا ، ما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، فلم يعد الأمر مخالفةً عن جادة العدل فذلك فساد يعظم وإن كانت السلطة لا تخالف الرعية أصول الفكر والحضارة ، فيحصل من الشر ما قد حذر منه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "شِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، وهو ما يؤذن بزوال الملك وإن كانت قواعد الفكر والحضارة باقية فالصراع في هذه الحال صراع سياسة وحكم لم يجاوز هذه الدائرة إلى دائرة الحضارة فليس صراع حضارة ، إذ الخصمان يَنْتَسِبَانِ إلى الحضارة نفسها وإن اختلفت الأعراق والأجناس ، فإن المماليك لما حكموا مصر لم يكونوا من أهلها جنسا ولكنهم كانوا من أهلها فكرا وحضارة ، فلم يجاوز ظلمهم دائرة السياسة ، فإذا عرض لأصول الحضارة خصم يناجزها فالجميع آنذاك على قلب رجل واحد فلا خائن ، وهو ما ظهر في تحدي التتار وتحدي الصليب فكان للمماليك من حَسَنَةِ الفتحِ ما يخفف سيئة القمع ويمحوها من باب الأمر المحكم في قول صاحب الشرع المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسَنَةَ تَمْحُهَا" ، وإن لم يكن ذلك ذريعة تَبْرِيرٍ تُجَوِّزُ القمع فهو من الظلم الذي حرمه الرب ، جل وعلا ، على نفسه وحرمه على عباده ، فـ : "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا" ، وهو ما ظهر شؤمه بعد ذلك إذ سقط حكمهم لما زاد ظلمهم فَتَقَاعَسُوا عن أداء الوظيفة الرسالية في الذب عن أصول الحضارة ، واشتغلوا بوظيفة السياسة وما فيها من الدس والكيد فضلا عن السفك والقتل ، فعظم الظلم وهو يؤذن بِزَوَالِ الملك وإن كان على أصول الرسالة ، فكيف إذا جمع السوأتين فخالف عن سنن الوحي وجادة العدل ؟! ، فالحاجة إلى المجموع الوظيفي تزيد إذا زادت الهوة بين الحاكم والرعية ، فدائرة التأثير في اتخاذ القرار تضيق فتنحصر في قَبِيلٍ مخصوص يجمعه رحم الدم أو العرق أو الوظيفة ، فكان من اتخاذ بني أمية تراتيب في السياسة استندت إلى عصبة العرب وهي في نفسها لا تنسجم فهي على بطون وأفخاذ ، ولكلٍّ طموحٌ في الرياسة فلا يقمع ذلك إلا عصبة الوحي وهي الأوثق ، فلما ضعفت بعد انتهاء الخلافة الراشدة برزت عصبة العرب ، كما يذكر ابن خلدون رحمه الله ، فكان نقص بعد كمال ، وصار الحاكم ينظر بمعيار التوازن بين هذه البطون والأفخاذ ، فيقدم ويؤخر على وجه دقيق محكم يحفظ الملك من طموح أولئك وهو طموح زاد شيئا فشيئا ، وقد أحسن رجال من بني أمية في لجمه ، كما كانت الحال زمن معاوية رضي الله عنه ، وزمن عبد الملك ، وإن كان معاوية خيرا منه وأعقل ، وكان ذلك في الجملة نقصا ظهرت آثاره ، كما يقول بعض الباحثين ، في ماهية الحل والعقد السياسي ، فأهل الحل والعقد جماعة الضغط الفاعلة في اختيار الحاكم والتأثير في قراره فصار أهل الحل والعقد في الملك هم أهل القوة والحرب بعد كانوا أهل الدين والعلم مع كفاية في السياسة والحرب ، فتلك أكمل حال وهو ما امتازت به خلافة الرشد من باقي الحكومات ، ولم يخل الملك العضوض من نَقْصٍ آخرَ وهو ما تقدم من ظهور المجموع الوظيفي الذي يسد الهوة بين السلطة والرعية وإن لم يبلغ ما بلغت الحال في حكومات يشتد فيها خلاف السلطة والرعية فهو يجاوز حد السياسة ، فَثَمَّ خلاف في الديانة أو أصول الفكر والحضارة ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بسكان مصر قبل الفتح ، فكان ثَمَّ نخبة من الروم الكاثوليك تحكم ، وثم تحتهم شعب يدين كثير منه بمذهب آخر من مذاهب النصرانية المبدلة وهو مذهب اليعاقبة أو الأرثوذكس ، فحصل من الفصام الفكري ما زاد على الخلاف السياسي ، فاحتاج الروم إلى القمع فلم يكونوا بداهة من أهل الفتح وإن زعموا ! ، فالفتح إصلاح يرقى بالبلاد ويجعلها ذات ثقل في السياسة والحرب فضلا عن رخاء في العيش وهو ما يبين عن القدر الفارق بين فتح الروم وفتح عمرو ، رضي الله عنه ، الذي انْتَشَلَ مصر من هوة سحيقة أخرجتها من سياق التاريخ والحضارة كما تشكو الآن فهي تحت حكم المركز الذي استعمل عليها مجموعة وظيفية سَامَتْهَا خطة الخسف وحققت غرض المركز أن تكون مصر خارج المعادلة السياسية بل وخارج سياق التاريخ والعقل حتى آلت بها الحال أن تصير مضرب المثل في السخرية مع زوال الهيبة من أهلها فلا حشمة لهم تدفع عنهم لا في الداخل ولا في الخارج ، فكان الروم قديما وحديثا ! ، في حاجة ماسة إلى مجموع وظيفي يسد الهوة بينهم وبين العامة ، فاستكثروا من المجموع الوظيفي العسكري فهو آلة القمع ، ومارس يهود ، ولو بطريق غير مباشرة ، مارسوا دور المجموع الوظيفي الوسيط إذ اشتغلوا بالتجارة وهي من أوثق الوسائط بين السلطة والرعية فآثارها مباشرة في حياة الناس ، وتلك ، كما يقول بعض المحققين ، تلك سمة رئيسة من سمات يهود فَهُمْ ، كما يذكر بعض المحققين ، هم باستقراء تاريخهم مجموعات وظيفية تنشأ بعد اكتمال بنيان الحضارة والسياسة ونشوء المدن والأمصار فدورهم آنذاك دور التاجر الذي يَرُومُ الربحِ فهو يمتص الغذاء الذي هُضِمَ عبر مراحل من الحضارة والسياسة والحرب قبل أن تستقر الصورة التي تبذل فيها تضحيات عظيمة ليأتي التاجر برأس ماله يستثمر فيمتص خيرات البلاد وثرواتها بأدنى كلفة وأقل مخاطرة ! ، كما يرى الناظر اليوم ، أيضا ، في رءوس الأموال التي أغرقت بلدا كمصر بعد أن استقر فيها الأمر ولو ظاهرا بقوة قمع وقهر هيأت الأرض لرءوس الأموال أن تستثمر ! في إطار صفقة سياسة وتجارة ، فهي تحظى بالتأييد وتشارك رأس المال الوافد جملة من أرباحه ولو رشى يَبْذُلُهَا ليحظى بأكبر نصيب من الربح ، وليس ثم من يدفع إلا الشعب الأعزل المجرد من أسباب القوة ! ، فما كان ذلك ليقع لو كان ثم قوة في المجتمع تدفع ، أو كانت السلطة وإن ظلمت تشاطره الغاية والمقصد ، وإن قصرته على دعاوى الوطنية ، فلم تستوف هذا القدر فضلا أن تزيد فتشاطره أصول الحضارة والفكر التي تجاوز رقعة الأرض ، فلا بد في هذه الحال من مجموع وظيفي وسيط ، فالمستعمِر وقد غادر إلا أنه لا زال الحاكم ، هذا المستعمِر يجد من الهوة بَيْنَهُ وَبَيْنَ رعاياه في الأطراف المستعمَرة ، ما يلجئه أن يتخذ المجموع الوظيفي الوسيط كما لعب يهود هذا الدور إبان الحكم الروماني في مصر وإن لم يكونوا مجموع قمع وقهر ، فالمجموع الوظيفي على أنحاء ، ومنه مجموع قمع وقهر ، ومنه مجموع إعلام وفكر ، ومنه مجموع مال وأعمال ..... إلخ ولكلٍّ دوره الوسيط بين السلطة والرعية إذ زالت جسور التواصل الفكري والسياسي فلا المستعمِر يشاطر الرعية ثقافتها ولا هو ، بداهة ، قد جاء باختيارها طوعا فقد وفد يحتلها بغزو يدمر مُقَدَّرَاتِهَا الفكرية والحضارية قبل أن يغزو الأبدان ويسطو على البلدان والثروات ، وإن احتج ، كما تقدم ، بخطاب التحديث وهو خطاب الاستعمار في كل عصر ، وقد أنشأ من الدراسات الفكرية ما يفضح كذبه ، فكان من دراسات الاستشراقِ ما انصرف إلى تحديد أسباب القوة في الأطراف ، ورسم صورة مكتملة الأركان في ذهن صانع القرار في المركز فدرس الاستشراق في جهد عظيم يُحْمَدُ ولو من باب الإقرار بفضيلة الخصم ! ، درس أدق تفاصيل الأطراف الفكرية والتاريخية والجغرافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ...... إلخ ، سَعْيًا في إيجاد الآليات الفاعلة للسيطرة على الأطراف ، فذلك خطاب الاستعمار ، وكان في المقابل من الدراسات ما اصطلح أنه دراسات التابع ، وهو ، كما عرفه بعض نظار المركز ، المجموع المهمَّشُ الذي لا يطيق التعبير عن حاجاته أو تطلعاته أو رؤيته ، فذلك نقد خطاب الاستعمار في مرحلة ما بعد الاستعمار فقد أبان عما اقترفه المستعمِر الذي يزعم التحديث من إقصاء وتهميش لفئات كثيرة من البشر في مستعمراته ، بل قد همش الأغلبية فهي عدوه الناجز إذ تخالفه الفكر والتصور فسعى في إيجاد المجموع الوظيفي الوسيط ، فكانت السلطة الحاكمة الآن في الشرق فليست مجموعا وظيفيا من قبيل المجموع الوظيفي التركي في الخلافة العباسية ، أو الكردي والمملوكي في دولة الأيوبيين ..... إلخ ، فكل أولئك من المجموع الوظيفي الذي اقتصر إفساده على الشق السياسي خلافا للمجموع الوظيفي المعاصر فإفساده قد استغرق فعمت به البلوى في الشق الحضاري وهو الأخطر فهو يحمل أفكارا تغاير عن أصول الحضارة في الشرق ، وإن كان لنفس الجنس يَنْتَمِي ، فهي نسبة أبدان لا أديان ، خلافا لمجموع المماليك فوصفه ، كما تقدم ، أنه يَنْتَسِبُ إلى الشرق نسبةَ الأديان وإن خالفه نسبةَ الأبدانِ ، فالسلطة الآن هي أداة المستعمِر الذي يحكم بها الشرق وهو في المركز مستقر فلا حاجة أن يعلن الحرب على الإرهاب والتطرف ، فقد أَعْلَنَتْهَا المجموعات الوظيفية التابعة له في الشرق ، سَوَاءً أكانت مجموعات الفكر والثقافة وهي الأخطر ، كما تقدم ، إذ تُزَيِّفُ التاريخ وَتُشَوِّهُ الهوية ، أم كانت مجموعات السياسة أم مجموعات المال والتجارة ، وهو ما يجعل الشرق الآن في قبضة المركز فَلَمَّا يستقل بَعْدُ من الاحتلال وإن كان ظاهره أنه يحكم من داخل ولو حكم الظالم الجائر فَلَيْتَهُ كان كذلك ! ، وإنما الحكم ، عند التدبر والنظر ، من خارج ، فَقَرَارُ الشرقِ يُصْنَعُ في الغرب ومجموعات الوظيفة تمتثل طوعا فمن رحم الغرب قد خرجت فلا تجد حرجا فيما تقارف بل هي تُعَظِّمُ ما تشربت من قيم ومبادئ ولو رامت الخروج صحوة ضمير أو مناورة سياسة فلا تطيق ذلك فالمركز قد أحكم قبضته وأعد البدائل فلا يأمن لها كما يأمن لأبنائه الخلص ولو بذلت ما بذلت من فروض الولاء والطاعة فهي في جميع الأحوال تمتثل ما يقرر المركز طوعا أو كرها ! ، فلا تملك أوراق ضغط بها تُنَاوِرُ ولو مناورة سياسة إلا في قليل نادر لا يجاوز حد الحفاظ على السلطة فلا تنتفع الرعية من هذه المناورة شيئا فكيف إن لم تكن ثَمَّ مناورة ابتداء ، وكان المجموع الوظيفي مطيعا أبدا فضلا أن يكون ابن المركز في الفكر والحضارة فلم تقتصر البنوة على بنوة المصالح والمزايا فذلك تطور نوعي في المجموع الوظيفي فخطره الآن قد جاوز حد السياسة فصار حربا على الفكر والحضارة بل وَتَبَجَّحَ واستعلن بما يحظى به من تأييد في المركز فالحرب الآن قد صارت علنا بلا مداراة ، وذلك الإشكال الذي لا يجده الناظر في حكومات المركز وإن عظم فسادها في الأطراف فهي قد استوفت شروط البقاء ، ولو إلى حين ، فلا تخلو من فساد عظيم ، فهي تحكم بالعدل ولو نسبيا لا يجاوز حدودها ، وهي ، مع ذلك ، لا تشعر بفصام أو غربة في محيطها البشري فهي والرعية على قلب حضارة واحدة فلا تحكمهم بقيم حضارة من خارج تفرضها عليهم قهرا كما هي الحال في الأطراف ، وهو ، ما يجعل الشرق الآن في مفترق طرق فإما أن يتخلص من هذا الاحتلال الوظيفي فَيَسْتَرِدُّ دوره التاريخي وإما أن يخرج من سياق التاريخ والحضارة ، ولو إلى حين ، حتى يأذن الرب ، جل وعلا ، بالفتح المبين ، فلا واسطة ، فإما العرش وريادة البشرية وإما السحق تحت نعال المركز المدنية وأحذية رجاله العسكرية ! .

والله أعلى وأعلم .