مما تقرر في بدائه النظر : تفاوت العقول والمدارك ، مع ما يكون من تفاوت آخر في همة التحصيل والطلب ، فثم نفوس شريفة قد اجتهدت في تحصيل المسائل ، فأفادها الاطلاع والبحث من فضيلة العلم ما به ارتفعت ، فذلك تأويل الآي المحكم : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، فهو من المجزوم في جواب الطلب الذي تقدمه في الآية : (فَانْشُزُوا) ، أو هو من جواب شرط اشتق من مادة الأمر على تقدير : انشزوا إن تَنْشُزُوا يرفع الله الذين آمنوا ، فيجري ذلك مجرى الإيجاز حذفا إذ دل المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف فكلاهما من مادة النشز قد اشتق ، وهي من جملة مواد في اللسان تجري مجرى الجنس العام الذي يستغرق المحسوس والمعقول معا وسياق الآي هو الذي يعين المراد ، فمن النشز نشز المعنى وهو الكبر والتَّرَفُّعُ كما في قول الرب المعظم جل وعلا : (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) ، ومنه نشز الحس فيقال لحم ناشز إذا ارتفع كما في وصف خاتم النبوة ، فهو بضعة لحم ناشزة بَيْنَ كَتِفَيْ صاحبِ الشرعة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإما أن يقال إنه ابتداء قد وضع لأحدهما ، المحسوس أو المعقول ، ثم استعير للآخر ، فيكون ذلك من باب الاستعارة وهي من أجناس المجاز ، وإما أن يقال إن الكلام على الحقيقة فهو جنس عام قد وضع لمعنى مطلق في الذهن يقيده السياق أو الحال فكلاهما قرينة ترجح أحدهما وليست دعوى أحدهما أنه الأصل أولى بالقبول من دعوى الآخر ، فَمَنْ زعم أنه للحس قد وضع ، فالثاني يسقط دعواه بأخرى تُمَاثِلُهَا بل قد وضع ابتداء للمعنى ، فتقابلت الدعوتان فتساقطتا ، كما يقول أهل الأصول والنظر .
وعامل الرفع في الآية ، "يرفع" ، هو من المضارع الذي به استحضرت الصورة في سياق الترغيب في هذا المقام الرفيع وهو ما ينال ببذل سببه من الإيمان والعلم ، فذلك مناط التعليل لفعل الرفع ، فالحكم قد أنيط بالمعنى الذي اشتقت منه الصلات "آمنوا" و "أوتوا العلم" ، فيجري ذلك مجرى المطرد المعهود في أحكام الشرع معقولة المعنى إذ تناط بمعان يحدها العقل خلافا لأحكام التوقيف وهو جار على ما اطرد في اللسان من دلالة الوصل فهي دلالة تفتقر إلى الصلة التي تبين عن إجمالها ، وهي ، من وجه آخر ، تدل على معنى يناط به الحكم في الآية مدحا أو ذما ، إثباتا أو نفيا في الأخبار ، أمرا أو نهيا في الأحكام .
وحكم الرفع في الآية يجري مجرى الوصف ، فهو وصف فعل يناط بالمشيئة النافذة ، فدلالة المضارع في "يَرْفَعِ" ، من هذا الوجه ، دلالة قد اتصل زمانها فاستغرق ظرف التكليف كله ، فإذا شاء ، جل وعلا ، رفع أقواما بالعلم والذكر ، فهيأ لهم من الأسباب ما به يَرْتَفِعُونَ وأعد من محال الجنان ما يقبل مادة الإيمان والعلم ، فذلك الفضل ، وإذا لم يشأ قطع عن المحال أسباب العلم والإيمان فَضَلَّتْ وَغَوَتْ ، وذلك العدل فما ظلمها ، جل وعلا ، إذ قد جُبِلَتْ على النقص فلا تطيق احتمال مادة شريفة كالعلم والإيمان فليس كل محل يطيقها ، فكان من الحكمة البالغة ما صح به الثناء على منزِل الشرعة الخاتمة ، جل وعلا ، إذ قد وضع الأسباب في المحال التي تلائمها فَأَمَدَّ المحل الكامل بسبب الكمال وذلك الفضل ، وَأَمَدَّ المحل الناقص بسبب النقص وذلك العدل ، فـ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ، فلا يخشى العباد ظلما فهم بين الفضل والعدل .
وفعل الرفع في الآية كسائر أوصاف الفعل فهو مما قدم نوعه وحدثت آحاده ، فضلا أنه من الجنس العام الذي يستغرق ، فَثَمَّ رفع من يعقل كمن آمن وعلم ، كما في هذه الآية ، وثم رفع ما لا يعقل كرفع السماوات في قول رب البريات جل وعلا : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ، وَثَمَّ ، من وجه آخر ، رفع الخالق ، جل وعلا ، كما في هذا الموضع ، وثم رفع المخلوق كما في قول الرب المعبود جل وعلا : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فكان من الظرف الماضي "إذ" ما أضيف إلى العامل المضارع "يرفع" استحضارا للصورة ، فهي مما يشرف ويعظم ، فكان من امتثال الخليل والذبيح عليهما السلام ، فكان العمل الذي يصدق به العامل ما يحصل في الجنان من صورة العلم فهو ينظر في الأمر فيدرك منه معنى التكليف الموجب للامتثال ، فذلك قدر يُعْلَمُ بما تَرَاكَمَ في النفس من إرث اللسان ، وهو آلة البيان والإفهام ، فَثَمَّ أمرٌ بفضيلة إن واجبة أو مندوبة فذلك خطاب الوحي إذ يكلف فلا يأمر بقبيح أو فاحش ، وإنما يأمر بحسن كامل قد أجمعت العقول الصريحة على حسنه إن بالنظر في أصول الأخلاق والفضائل أو بالنظر في آحاد المأمور فهو يستغرق بِحُسْنِهِ الكليات والجزئيات جميعا على وجه يستبين به القدر الفارق بين الشرائع ، فهي مجموع مركب من الأصول والفروع ، والفروع لا تصح نسبتها إلى أصول إلا إذا صدرت عنها إما بالقياس أو بِنَظَرٍ أعم يتوجه إلى مقاصد الشريعة دون أن يخالفها في أصل أو فرع ، وإن مخالفة دقيقة ، فثم سقف تشريع أعلى في كل حضارة على وجه قد يحصل فيه الاشتراك في دوائر من القيم الكلية أو الأحكام الجزئية ، ولكنَّ كل سقف لا بد أن يمتاز بقدر فارق به يحصل التمايز وهو المستمد الأول الذي يخرج منه الشرع ، فقوة العقل الأرضي ، وهي قوة مخلوقة تختزن من الضرورة الأخلاقية ما يحاكي الفطرة ، فلا تَنْفَكُّ تَنْتَسِبُ إلى السماء ، فإن الخالق ، جل وعلا ، قد رَكَزَهَا في النفس فصارت جبلة لا تدافع فلا ينكرها إلا جاحد أو مريض يسفسط أو آخر قد تبدلت طبائعه فانحط عن رتبة الإنسان إلى رتبة الحيوان فَلَهُ من قوة العقل ما يميز به حاجة الغريزة فلا يجاوزها بداهة إلى عقيدة أو شريعة ، فتلك خصائص بشرية خالصة ، وإن كان من منطق الحجر والشجر والحيوان ما يسبح ، كما في قول الرب المعظَّم جل وعلا : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ، فذلك تسبيح اضطرار لا تكليف اختيارٍ وإرادةٍ ترجح بين الفعل والترك ، فَثَمَّ إجماع على أصول في الشرائع ، على وجه لا يحصل به التمايز ، وثم دوائر اشتراك وتقاطع لا تدل بداهة على وحدة الأصل ، فشرع فلان من العقلاء قد يواطئ شرع آخر ، لا سيما في الوقائع ذات الدلالات الظاهرة التي تحاكي حد الضرورة ، فلا توجد شرعة تستحسن القتل وإن استجازته فهي تَبْتَكِرُ له معنى من قبيل الدفاع عن الدين أو الوطن ، بل قد تكسوه لحاء الوحي فهو الجهاد في سبيل الله وحقيقة الأمر أنه دفاع عن نظام حكم دل الوحي والعقل والحس على فساد طريقته فما نهض إلا ليطفئ نور الوحي ويقمع أتباعه ، فهو يخدع الرعية أنه يُؤَدِّي وظيفة رسالية وليس الأمر إلا جملة من المصالح المركَّبَةِ في الأطراف وَفِي المركز ، فتحولت آلة الحرب إلى آلة قتل تُوَجَّهُ إلى من يخالف السلطة ، فَهِيَ مجموع مركب من مصالح لا تَعْرِفُ المبادئ وإن تشدقت بها ، فكل يدفع عن خبزته وإن رديئة ، وهو ، مع ذلك ، يروج أنه صاحب رسالة وقيمة ! ، فهو يقتل لأجل الوطن وحقيقة الأمر أنه يقتل لأجل الخبز ! ، فليس إلا مجموعا وظيفيا خادما يحرس سلطة قد التصق بها فصارت حياته من حياتها وصارت خبزته من خبزتها ، وذلك ما أضر بدينه بل وعقله فالناظر في أنظمة الظلم والاستبداد يجد أن الدوائر القريبة من السلطة ، ولو دوائر الوظيفة والخدمة ، تشكو من تَقَزُّمِ العقل وبلادة الفهم فضلا عن عمى البصيرة والبصر ، وإن كان ثم ذكاء فلا زكاء إذ ركن صاحبه إلى الظالم فَانْطَفَأَ نورُ العقل ولم يجد الذكاء والعلم شيئا ، وكل أولئك ما يَنْفِي دعوى الرسالة الأخلاقية أو السياسية فليس الأمر إلا جملة مصالح قطب رحاها الدفاع عن الخبزة التي يستجيز صاحبها أن يظلم ويقتل وأن يستلب حق غيره مع دعوى الأخلاق التي تسكن الضمير إن كان ثم بَقِيَّةٌ أو تخدع الرعية ، فلا توجد شِرْعَةٌ تستحسن السلب والسرقة ، وإن استجازتها ! فلا يكون ذلك بداهة إلا أن تسميها بغير اسمها كما قد ورد في الأثر فما استباح الناس الخمر إلا أن سموها بغير اسمها ، فكذلك السرقة ، فإنها حق انْتِفَاعٍ تارة ، واستثمار أخرى ، وعقد شراكة وتحديث ثالثة ، ورسالة تحرير رابعة ، فقد جاء المحتل ليحرر الشعب وَيَنْتَهِبَ ثَرَوَاتِهِ ، وجاء يقيد لجامه إن بجيش غاز أو تابع تافه قد صنع عقله على عينه فلا نسبة له تصح إلى حضارة يَنْتَسِبُ إليها نسبة الأبدان دون الأديان والأفكار ، فذلك عنصر التحكم في أي نظام يظلم ويستبد ، فلا بد من ضعيف يسهل قِيَادُهُ ، فليس ثم ملكات إبداع ولا تجديد وليس ثم استعلاء بشرع ولا دين ، مع رغبة جارفة أن يحكم ويسيطر فَيَشْفِي الغليل وَيَنْفِي عن نفسه وصف التافه الحقير فَلَمْ يَتَلَقَّ من التكوين الفكري أو السياسي ما يجعله صانع قرار يحمد فَثَمَّ سَفَهٌ في العقل وعظم في الجهل وذلك اختيار صحيح لكل من يروم التحكم في خصمه فيختار لقياده الأفسد والأجهل والأضعف فتسهل السيطرة عليه من وجه فضلا أنه يتخذ من قرار السياسة والحرب والاقتصاد ما يضر البلاد فليس من أهلها فكرا وإن كان من نسلها جسدا فعقد ولائه وبرائه يجاوزها فَثَمَّ في معجم السياسة المعاصر : اصطلاح القرار السياسي وكيف يُتَّخَذُ ، واصطلاح صانع القرار وكيف يُكَوَّنُ فالأمر صناعة محكمة وإن كان ثم ملكة أولى ، فالناظر في تاريخ الدول يجد رجالا كأنما خلقوا للملك كما يذكر المؤرخون عن الرجل العظيم الهمام مع إفراط في سفك الدم وهو عبد المؤمن بن علي الكومي ، رجل السياسة الأشهر في المغرب إبان الصراع بين المرابطين والموحدين فحمل دعوة ابن تومرت بعد هزيمة أتت على القوة الرئيسة للدعوة حتى كادت تفنى ، فكان أن تولاها رجل كعبد المؤمن وهو المؤسس الحقيق لهذا الملك العتيد ، وهو رجل علم قد برئ من وصمة الجهل مع ذكاء عظيم وشجاعة في السياسة والحرب فاستجمع أسباب الملك : الرأي والشجاعة مع علم واسع بأحكام الشرع وطرائق السياسة والحرب مع استناده إلى قاعدة دين منحرفة أفرطت في دعوى المهدوية والعصمة فضلا عن إسرافها في إطلاق الأسماء والأحكام على من خالفها ، فكان عبد المؤمن رجلا من طراز سياسي رفيع ، فهو من رجالات القرار الحازم ، فعندهم من الملكة ما صقلته التجربة والخبرة مع دربة وإعداد تَتَفَاوَتُ من عصر إلى آخر ، فَثَمَّ معاهد يُعَدُّ فيها قادة السياسة والحرب ، وعبد المؤمن ، أيضا ، ممن أنشأ المعاهد لتدريب رجالات الدولة فكانت معاهد يَدْرُسُ فِيهَا الطلبة وَيَتَعَلَّمُونَ فنون الإدارة والحرب ، وعبد المؤمن كأي حاكم مستبد لا يطمئن أن يَمْهَرَ غيره في سياسة الملك فذلك ما يهدد سلطانه ولو على مدى يَبْعُدُ فَنَظَرُ الْمُلْكِ نَظَرُ شحٍ وَأَثَرَةٍ ، ونظر شك وريبة في أي منافس فلا بد من إقصائه ، فتكون عناية هذا الصنف من الحكام أن يحتكر قرار السياسة في دائرة تضيق إن في أسرة أو هيئة ، وذلك وإن أفرز رجالا كيوسف بن عبد المؤمن ، وهو من تلا عبد المؤمن في الحكم ، وأفرز بعده رجلا عظيما كأبي يوسف يعقوب المنصور بن يوسف ، بطل الأرك ، إلا أنه لا يستند إلى قاعدة واسعة في صناعة السياسة فقد اقتصرت على عبد المؤمن وأبنائه ، فصارت الدولة مؤمنية بعد أن كانت موحدية تحمل رسالة فكرية وسياسية ، وإن غالية أَفْرَطَتْ في اسْتِئْصَالِ خصومها ، فَلَمَّا رحل جيل العظماء جاء الصغار كالعادة ففرطوا في الملك ، فكان محمد الناصر ابن المنصور شابا مستبدا لا يَنْتَصِحُ ولا يصغي إلى شورى فكانت هزيمة العقاب التي قصمت ظهر الدولة بل وقصمت ظهر الإسلام في الأندلس والمغرب وضاع الملك شيئا فشيئا ، فكان من حسن الاعتبار بحال هذه الدول التي ضيقت دائرة السياسة فانحصرت صناعة القرار ، كما تقدم ، في أسرة أو هيئة ، فكان السقوط ، ولو على مكث ، فتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في نشوء الدول وانهيارها ، فكان من حسن الاعتبار أن يصرف الحاكم العادل العاقل ! أن يصرف النظر إلى توسيع دائرة السياسة فيكون من شورى الملك ما يفرز قادة لا عبيدا لا يحسنون اتخاذ القرار فهم أبدا تبع للسادة ، وذلك ما فَقِهَهُ المركز فكان من صناعة السياسة في بلاده صناعة محكمة يتدرج فيها صانع القرار فينضج على مكث ويكتسب من الخبرات المتراكمة بما يَتَوَلَّى من وظائف تَتَدَرَّجُ فيصعد سلم السياسة درجة درجة فلا يقفز ويجاوز مراحل التكوين فَيَكُونَ نَاقِصَ الإدراك والفهم ولا يُؤْتَى به من هامش السياسة لِيَتَوَلَّى منصب القيادة بل والزعامة ! ، كما قَدْ صَنَعَ المركز في الأطراف فإنه لا يسيطر عليها ، بداهة ، إن كان ساستها كَسَاسَتِهِ قد استجمعوا من الخبرات ما تعظم به الثقة في النفس فضلا عن رصيد من قيم الحضارة والفكر ، فذلك ما احتكره المركز في صناعة رجالاته ، وأما أقزام الأطراف فقد جاءوا من هامش السياسة فلم يتدرجوا في مراتب الوظيفة السياسية ليكتسبوا الخبرات والتجارب وإنما اخْتِيرَ الأفسد والأضعف والأجهل فتلك مواصفات القائد القياسية إن كانت الغاية السيطرة على بلاد دون حاجة إلى تحريك جيوش أو أساطيل فقد كفاها ذلك الزعيم المؤنة ! ، فهو جاهل لم يعالج السياسة نظرا ولا تجربة ، فلا علم ولا خبرة ، فأنى يكتسب صفات القيادة ، فإنها لا تُنَالُ إلا بعلم ودربة على ما تعلم مع مكثٍ وَرَوِيَّةٍ فلا يجاوز درجة إلى أخرى إلا بعد كمال التكوين فيكون القائد قد نضج فهو يدرك من خبايا السياسة ما يؤهله أن يتخذ القرار مع ثقة بالنفس اكتسبها من استقلال بلاده ، فمن صنعه في المركز قد صنعه ليكون قائدا ، فتلك ، بداهة ، صناعة تخالف عن صناعة العميل الخائن في الأطراف ، فهو ، كما تقدم ، مجموع مركب من الضعف والفساد والجهل ، مع قسوة في القلب لا يَتَوَرَّعُ صاحبها أن يُقَارِفَ ما يُقَارِفُ من المظالم التي تخدش المروءة فضلا عن قَدْحِهَا في الدين والشرعِ ، وَغُرُورٍ وعجب في الطبع يَبْلُغُ حَدَّ الجنون فكل من ينكر ، ولو في إجراء ، فضلا أن يخالف في أصل الحكم ونظام الملك فهو عدو الأمة التي اختزلت في شخص الحاكم وذلك ما يعجب المركز في حكومات الأطراف فإنه قد وقف حائلا أمام توسيع القاعدة السياسية في الأطراف فما أيسر أن يفاوض واحدا فاسدا جاهلا قد اختاره بعناية فهو خير من يحقق أغراضه ، فما أغناه أن يفاوض أمة قد عظم شأنها فتحسن تختار الحاكم وتحسن تحاسبه بل وتعزله إن فرَّط أو اقترف ما يوجب العزل أو ضعف أن يقوم بالأمر لعلة تمنعه ..... إلخ من أسباب العزل ، فمفاوضة واحد قد اختل طبعه فصار يهذي هذيان الحقير إذ يَتَعَاظَمُ فهو يَنْتَحِلُ من صفات الزعامة ما ليس فيه مع استبداد بالرأي وتسفيه لغيره بلا حجة إلا جنون العظمة فوحده من يعلم الدقائق وهامش السياسة في هذه الحال يكاد يُمْحَى ، فدولة الرجل الواحد ، وهي دولة بدائية في صناعة القرار واتخاذه فلا أحد يمارس من صناعة السياسة ما يرفد القرار فليس إلا رافد واحد لا يعرف المخالف بل ولا المشارك ، فانفردت به هيئة ثم ازداد الأمر سوءا فاختزل في واحد لا يحيط به إلا من ينافق فهو يسمعه ما يرضيه ويحسن يقرأ أفكاره فينصحه بها وإن كان فيها هلاكه ، فدائرة السياسة في هذه الحال لا تجاوز دائرة الاستشارة لأصحاب الولاء التام فلا يشيرون إلا بما يرضيه ! ، فآل الأمر أن يرجع إلى واحد ، وتلك ، كما تقدم ، دولة يحسن المركز التحكم فيها ، فلو صنعت هذا الواحد فأحسنت الاختيار والتكوين على وجه يواطئ أغراضها كما قد صنعت من صورة الدولة في الأطراف فَثَمَّ مثال قياسي تُحْكَمُ به الأطراف وهو مثال الدولة الضعيفة التي تُدِيرُ الشأن العام بحد أدنى لا يكاد يحصل به كفاف فضلا عن غنى وسعة فلا بد من إضعاف الشعوب في الأطراف فهي العدو الأول لحضارة المركز ، فلا يحسن قصر الخصومة في الأطراف بين الشعوب والحكام ، فتلك صورة مختزلة لا تجاوز الخصومة القريبة إلى أخرى بعيدة ، وهي الخصومة ، على الحقيقة ، خصومة الحضارة الرسالية في الأطراف مع الحضارة الأرضية في المركز وهي خصومة مستحكمة لم تغادر جيلا من البشر ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ، ولا تحقق هذه الدولة أغراض المركز إلا أن يكون عمادها القوة النارية المفرِطة فكان نص دساتيرها على دور الجيوش في مشهد السياسة على وجه قد علم باستقراء التاريخ أنه سبب فساد عاجل ، فهي جيوش أنشأها المحتل ووضع لها من تَرَاتِيبِ القيادة واتخاذ القرار ما يأطرها فدورها لا يجاوز ما قد رسمه المركز ، ومراكز التحكم والسيطرة فيها تحت نفوذ المركز المباشر فلا قيمة لما بعدها من صغار الجند فهم أدوات تنفيذ لا أكثر قد أدخلت آلة قمع تصهر النفوس صهرا وتعيد تشكيلها على مثال وضعه المركز أيضا ! ، فغايتها إن أخلصت ! ، لا تجاوز حد المثال السياسي الوطني ، وهو ، أيضا ، مثال فكري وافد من المركز قد انتهت إليه تجاربه المريرة في السياسة والحرب فظنه المثال القياسي الذي يجب نشره في الأطراف ، فحصل الصدام بَيْنَ عقود السياسة والفكر في حضارات اختلفت أصولها ومصادرها ، فكان من الفكرة والدربة ما يصنع العناصر الطيعة التي لا تعرف إلا السمع والطاعة ، فَمَا يُمْلَى عليها فهو وحي منزَّل ، فَأَمْلَى عليها المركز ما أراد عبر وسائط عليا هي ، كما تقدم ، مراكز التحكم والسيطرة ، وهي ما قد صنعه على عينه فَأَغْنَى عما وراءه من الجند ولو كَثُرَ العدد ، فإن الجيوش ، كما يقول أهل الشأن ، قيادات عليا ، فدائرة اتخاذ القرار فيها لا تجاوز هيئة مجموعة لها من السلطة ما به تأمر فتطاع ، مع أخذ الاحتياط بمجموعات الرصد والاستطلاع التي انصرفت عن استطلاع الميادين إلى استطلاع النفوس وما تجيش به من مشاعر قد تخالف عن غايات المركز الصانع ! ، فتلك ركيزة الدولة في الأطراف ، فهي دولة تحتكر العنف وتفرط في استخدامه ضد أي مخالف لا سيما من يروم الرجوع بالأطراف إلى أصول حضارتها الرسالية فحظه من العنف أعظم وأوفر فأي خروج مؤثر عن المثال الذي صنعه المركز فلا يقابل إلا بالقمع المفرط مع إطلاق اليد وغض الطرف عما يُقْتَرَفُ من جرائم تخالف عن قيم المركز التي يَزْعُمُ انْتِحَالَهَا ، وهي دولة على رأسها حاكم وصفه ، كما تقدم ، فَجَمَعَ من نواقص العقل والنفس ما قد صَيَّرَهُ أضحوكة ، فهو كائن مركب من نقائص ونقائض لِمَا استقر في النفوس ضرورة من المكارم ، ولا يَنْفَكُّ ، كما تقدم ، يسمي ما يقارف بغير اسمه ، فيكون الظلم عدلا ، فأعظم من يَتَشَدَّقُ بمعاني الحرية والعدالة هو أعظم الناس جناية على الحقوق والحدود ، وكلما جاوز منها حدا زادت دعواه وعلا صوته وذلك يشبه ، من وجه ، حيلة النفس أن تدفع وصف النقص عنها ، فهي تُفْرِطُ في انتحال الكمال لتوهم المخاطَب أنها معدن الفضائل بل قد تزيد في الدعوى حتى تصدق ما تقول ، وذلك ما لا يكون إلا أن يكون من فُرْجَةِ التأويل ما يجعل القبيح حسنا ، فإذا اقْتُرِفَتْ جناية السرقة فهي ، كما تقدم ، يد منة تستحق الشكر والثناء فقد جاءت تحدث الأطراف وتستنقذها من غياهب الجهل والتخلف ، وإن رامت استرقاق البشر وهي التي تنتحل معاني الحرية ، فلا يكون ذلك ، بداهة ، باصطياد الرقيق كما كانت الحال في العصر الوسيط ، وإنما يكون ذلك بطريق لطيفة ، كما يذكر بعض الفضلاء ، فإن الاحتلال القديم كان يصطاد العبيد ويرسلهم إلى أرضهم فهم رجال المهنة الخشنة التي يستنكف السيد أن يباشرها ، وهم أداة تسمع وتطيع بعد خضوعها لضغوط نفسانية وبدنية تدمر قدرتها على المقاومة فتستسلم للآمر ولا تملك الاعتراض وإلا كان العقاب الناجز الذي لا يعرف الرحمة أو التجاوز فذلك ما قد يفتح الباب للانفلات والتهاون ، وهي نظرية في تطويع النفوس انتقلت ، كما تقدم ، إلى الجيوش التي تحفظ مصالح المركز في الأطراف فإنها إذ تؤدي وظيفة تخالف عن وظيفتها الرئيسة بل وتضادها ، فالفرض العقلي في أي كيان سياسي أو عسكري أنه يدفع عن مصالح الأرض التي نشأ فيها لا أنه يطعنها في مَقْتَلٍ صيانةً لمصالح غيرها ممن لا غاية له إلا احتلالها وانتهابها ، فاصطنع من الوسائط ما يؤدي هذا الدور ، وكان من عنايته أن يشكل العقول في معاهد الدرس ابتداء فَتَتَشَرَّبَ من قيم حضارته ما يجعلها أبعد عن مدافعته فكيف يدافع عاقل ما قد رُبِّيَ على منهاجه فهو المعلِّم المثقَّف ، وهو السياسي المحنك ، وهو الفيلسوف المحقق ، وهو الصانع المدقِّق ، في ظل انهزام واستسلام كامل ، وبعدها يكون انتقال عناصر يتم اصطفاؤها فهي خيار من خيار ! ، فيتم اختيار أضعف العناصر عقولا وأعظمها طموحا في أبهة السلطة ، فهي أسهل ما يمكن تشكيله في معاهد الحرب بما يمارس من ضغوط تسحق ما تَبَقَّى من مقاومة أو ممانعة ، فيسهل التحكم فيها إذ صار السمع والطاعة للأعلى دينا ، فإذا نجح المركز في صناعة القائد الأعلى ومن حوله فقد كُفِيَ مُؤْنَةَ من تحتهم فهم ابتداء أدوات طيعة لا تعرف إلا السمع والطاعة بعد مراحل دقيقة من التطويع ، فتشبه ، من وجه ، تلك التي اصطنع بها المركز عبيده الأوائل في مزارعه في العالم الجديد ، وأما الاحتلال الحديث فهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، يلجئ العبيد في الأطراف الفقيرة أن يهاجروا إلى المراكز الغنية ، وإن كان ذلك بقدر مُحَدَّدٍ ، فلا يهدد وجود المركز الذي يخطو نحو الفناء فذلك لازم من لوازم حضارته ، فإن حضارة الغنى والترف حضارة أَثَرَةٍ فصاحبها يروم الاستمتاع أكبر شطر من عمره فلا يريد من يُنَغِّصُ عيشه من زَوْجٍ أو وَلَدٍ ، فهو يضيع أوقاته في تحصيل الرزق وَتَرْبِيَةِ النشأ ، وتلك ، لو تدبر العاقل ، من أشرف الوظائف ، وهي من مَقَاصِدِ الشرائع ، فحفظ النفس بالاستيلاد وحفظ المال بالاستثمار ، كل أولئك من مقاصد الوحي الرئيسة التي جاءت بها نصوص الشريعة ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فذلك أمر إباحة ولا يخلو من دلالة إيجاب ولو بالنظر في الجنس العام فإن طلب الرزق على وجه يحصل به الكفاف مما يحسن في القياس فضلا أنه من أمر التكليف الذي جاء به التنزيل فلا تَعَارُضَ ، كما تقدم مرارا ، بين النقل الصحيح والعقل الصريح ، فثم من أحكام المروءة ما يجري مجرى الضرورة ، فهي تَقْضِي أن من يعف نفسه فلا يسأل خير ممن يسأل الناس وهو يطيق الكسب فذلك مما يوجب الذم ، وكذلك الشأن في حفظ النفس فكان من غريزة النكاح ما يجاوز حد الوقاع ، وإن كان في نفسه مقصدا يُحْمَدُ ، فهو ذريعة إلى إعفاف النفس والزوج ، وَابْتِغَاؤُهُ من هذا الوجه ابْتِغَاءٌ لمرضات الرب ، جل وعلا ، فيدخل في حد الصدقات ، بل قد يبلغ في أحيان حد الإيجاب فهو من حق النفس إذا خشيت العنت وهو من حق الزوج إعفافا ، فمنه ما يحمد لازما ومتعديا ، فهو إعفاف للنفس وإعفاف يَتَعَدَّى إلى غيرها ، وبه يحصل من المودة وطيب المعشر ما قد امتن به الرب المعظم ، جل وعلا ، فـ : (مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ، فلا يعرض عن المنة وقد استطاع المؤنة وانتفى في حقه المانع إلا من يغالب الطبع فضلا عن مخالفته عن الشرع ، فاستجمع أسباب الذم الشرعية والجبلية ، فَثَمَّ قدر يجاوز حد الوقاع ، فمعنى السكن والمودة جنس عام يستغرق ، وفيه من الإحسان إلى الزوج ما يهذب النفس فهو يقمع الأثرة والشح ، وذلك ما تخالف فيه حضارة الرسالة بَقِيَّةَ الطرائق والمناهج وإن في قضاء الوطر ! ، وهو أمر يراه الناظر ، كما ينوه بعض الفضلاء ، في طرائق النخب الغنية المترفة في الأطراف فإنها تَرُومُ دوما التشبه بالمركز فعلائقها به أوثق فتحاكيه في طرائق المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح .... إلخ ، ونظرتها في الحياة نظرة الحس الذي يروم استيفاء الحظ لا أكثر ، فترى هذه الحياة فرصة لتحصيل اللذة وقضاء الوطر مع التخفف من الأعباء والمتاعب ، ولو كانت من الفضائل ، فلا تطمح في ثواب يجاوز هذه الدار ، وذلك جوهر النظرية الفكرية والسياسية في المركز فإنها لا تروم إلا السيادة والرفاه دون اشتغال بفضيلةِ إحسانٍ إلى غيرها إلا بقدر ما تستوفي به حظها فإن كان في المنكح ما يُشْتَهَى فليس إلا لذة الحس وأما تبعاته من الاستيلاد وما يصاحبه من آلام وتربية النشأ وما يكابده الأب في تقويم الابن ، فذلك ما يفسد المتعة ! ، فَتَرَى النخب في الأطراف تَرَاهَا تسارع في المركز ، وإن كان ثم بقية نسبة في الفكر والحضارة ، ولو من باب العادة والعرف فلولاهما لكان الإسراف في الْفُجْرِ ، فلئن كان ثم زواج فلا بد من تقييده بما يحفظ حظ الزوجين في مباهج الحياة ولو عطلت لأجلها وظائف النكاح لا سيما الاستيلاد فأولئك من أقل الناس إنجابا مع أنهم من أغنى الناس فثم فسحة في المعاش لا يخشى صاحبها الفقر فلو كان ذا بصر نافذ ، ولو بالنظر في السبب العاجل فضلا عن سبب آخر أعظم وإن كان أدق وألطف وهو ما يمتن به الرب ، جل وعلا ، من بَرَكَةِ الرزق وسعة المعاش لمن ابْتَغَى في النكاح عفة النفس وتكثير الجمع ، فهو سبب : (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، فلو نظر أَيَّ نظر ، ولو في السبب المحسوس من سعة العيش ، لاستكثر من الولد فلا يخشى نفقته وهو ذخر له ولمجتمعه ، ولكن صورة الأنا إذ تعظم فهي تجعل صاحبها لا يعتبر إلا نفسه وما تَلْتَذُّ به من الرغائب فما حاجته إلى ولد ينغص معاشه ويشغله عن مباهج الحياة كما تقدم من نظرية المركز في هذا الشأن ، وإن لم تبلغ نخب الأطراف ما بلغ المركز من الْفُجْرِ ، ولو حياءً من قيم المجتمع وأعرافه ، فإذا ضعف سلطانها ودرست آثارها فإن قيم المركز تجتذبه وهو أمر يراه الناظر في نخب الترف في بلاد الشرق فإنها تعتزل الجماعة وتروم التفرد في أمور المعاش ويكون بَيْنَهُا من العلائق والمصاهرات ما لا يجاوز دائرتها الضيقة ، فَتَزْدَادُ غُرْبَتُهَا ويزداد قربها من المركز الذي تؤمن بأفكاره فتجدها أقرب إلى أخلاقه الباطنة فضلا عن صورته الظاهرة وترى اعتبارها لمحارم الدين والأعراف تراه أضعف ، ولولا بقية دين وحياء لكان الالتحاق التام بحضارة المركز ، خلافا لما تقدم من قيم الوحي التي جاوزت بالنكاح عتبة الحس ، فيكون من حسن المعشر إعطاء الحق الواجب الذي يجاوز حد الوقاع إلى سائر أجناس المودة ، فهي معنى جامع به صَلَاحُ الدين والدنيا ، فلا يستقيم الأمر إلا بمحبة هي ، أيضا ، من الأجناس العامة فآحادها في الخارج مما يعم به النفع ، فالمحبة ركن من أركان العبادة ، فَمَاهِيَّتُهَا تَتَأَلَّفُ من الحب والذل ، فالأول مناط الرغب والثاني مناط الرهب وهما شطرا القسمة في الخارج على وجه يواطئ الفطرة ، فطرة التأله والافتقار إلى المعبود الذي يحبه العبد فَيَرْغَبُ في عطائه ويخافه فهو يخشى عقابه وحرمانه فيحسن يُثْنِي عليه بما هو له بأهل من وصف الجمال والجلال ، وذلك ما تَتَأَوَّلُهُ الأركان انقيادا وطاعة ، فيكون الدين الذي يستغرق دين الباطن تصديقا ودين الظاهر امتثالا ، فيحصل من ماهية الإيمان في الخارج ما ينفع العبد فهو يبلغ به حد العابد المنقاد اختيارا لا العبد المسيَّر اضطرارا ، فعبودية العبد الاضطرارية بما يجري عليه من المقادير الكونية ، عبودية تستغرق الصالح والطالح فيستوي فيها كل كائن ، فـ : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، وأما عبودية العابد الاختيارية ولا تكون ، لو تدبر الناظر ، إلا بِتَوْفِيقٍ وسداد لا يخلو من حكمة رَبَّانِيَّةٍ بالغة أن يهيئ أسباب الصلاح للصالح فمحله يلائمها ، فَيُسِّرَ له من الأسباب ما يواطئه ، وكان من حكمة التغاير بين الأضداد والنواقض أن يسر لغيره من أسباب الفساد ما يواطئه فحصلت من قسمة العقل الثنائية ما يعظم به الثناء على رب البرية ، جل وعلا ، فما ظلم أحدا ، الصالح والطالح ، وإنما أعطى كُلًّا بقدر وصفه فكان من حكمة الإعطاء والمنع ما به صلاح الكون تدافعا بين الأضداد ، وكان من الاختيار ما به يصح التكليف وإن لم يخرج عن إرادة التكوين ، فعبودية العابد ، عبودية المحب المنقاد الذي وافق إرادة التشريع وما خرج بها ، لو تدبر ، عن إرادة التكوين ، فهو محل الإرادتين إذ وَافَقَ حكم الكون النافذ وحكم الشرع الحاكم ، فـ : "كل شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ" ، فإرادة التكوين تستغرق الخير فضلا والشر عدلا ، فالشر من الجنس المخلوق الذي لا يُنْسَبُ إلى الرب المعبود ، جل وعلا ، نسبة الفعل وإن نُسِبَ إليه نسبة الخلق ، فهو خالق الشر لحكمة ترجح خلقه فحصل الثناء عليه من هذا الوجه ، إذ ليس ثم شر مطلق من كل وجه في هذا الكون ، وإن شَرَّ إبليس ، فَبِهِ حصل الثناء على نقيضه ، فكان روح القدس ، عليه السلام ، في المقابل معدن الطهر ، وكان من وسواس إبليس ما به استخرجت عبادات الذب والمدافعة لوسواسه ، فحزب الإيمان يناجز حزبه ويدافعه ، إن بالحجة والبرهان ، أو بالسيف والسنان ، ورائد هذا الحزب الناصح هو الرسالة ، فكان من إرسال الرسل ، عليهم السلام ، بالتوحيد والتشريع وحي به يُرْفَعُ المؤمن العالم ، كما في قوله تعالى : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، فذلك ، أيضا ، من حكمة القضاء فما رَفَعَ إلا من استحق الرفع بما بذل من أسباب الإيمان والعلم ، فالعلم ، بالنظر في الجمع والتحصيل ، عمل جليل به يُمْدَحُ العالمُ إذا تجرد في الطلب وأحسن النظر فلم يشتغل بالفروع عن الأصول وإنما حصل الأصول ، بادي الطلب ، ثم ثَنَّى بما دق من الفروع فطلبه لها طلب الرباني الذي يُعَلِّمُ وَيُرَبِّي بجلائل المسائل قبل دقائقها فلا يشتغل بِتَرَفٍ من العلم يزيد وقد أَخَرَّ من البيان في أصول العلوم والشرائع ما لا يصح تأخيره عن وقت الحاجة ، فكان من التعاطف بين الإيمان والعلم في قوله تعالى : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، كان من هذا التعاطف ما يجري ، من وجه ، مجرى التعاطف بين الخاص والعام ، فذكر الإيمان عاما فهو علم وعمل ثم ثَنَّى بالخاص في سياق الإشادة والتَّنْوِيهِ ، فأفرد العلم بالذكر ، وهو ، من وجه آخر ، مما يجري مجرى التلازم فلا إيمان يحصل بلا علم ، إن العلم بالرب ، جل وعلا ، ذاتا واسما ووصفا وفعلا ، أو العلم بالشرع فهو تصديق الدعوى الإيمانية الباطنة ، فصاحبها يصدقها بلسانه الناطق وركنه الفاعل ، وهو ، من وجه ثالث ، يجري مجرى التعاطف بين المعلول والعلة ، فإن العلم سبب رئيس في حصول الإيمان ، إذ الحكم فرع التصور ، فلا يؤمن ويمتثل إلا وقد علم العلم النافع فهو يجاوز حد الصورة المجردة في الجنان فهي مبدأ الإيمان ، فمبدؤه عرفان يجده الناظر في القلب ، فتحصل صورة علم لا تبلغ حد التصديق حتى يكون من الإقرار والرضى ما به تَرْسَخُ الصورة في الجنان فَثَمَّ مرجح زائد وإن بالنظر في معنى التصديق الباطن ، فضلا أن يحصل منها إرادة فعل وَتَرْكٍ آثارُها في الخارج امتثال للأمر والنهي وكل أولئك لو تدبر الناظر مما ينشأ من الحب والبغض ، فالحب ، آنف الذكر ، أصل كل حركة نافعة ، إن في جبلة التكوين كما تقدم من اتخاذ الزوج فهو مما تكمل به الفطرة لا جرم أشادت به الشرعة فحضت عليه حض الإيجاب أو الندب فالرسالة ، كما يذكر بعض المحققين ، قد جاءت بما يكمل الفطرة إن في أفعال التكوين فجاءت تحل الطيبات من المطاعم والمناكح وتحرم أضدادها من الخبائث على وجه استغرق ، أيضا ، قسمة العقل في الخارج ، فكان من سنن المرسلين ، عليهم السلام ، اتخاذ الزوج فهو يكمل الفطرة بما يكون من سكن ومودة بهما يظهر من حركة الإنسان العاقل ما به يمتاز من بقية الأجناس ، فحركته تجاوز حركة الوقاع فذلك معنى تشترك فيه الأجناس الحيوانية ، وإنما كان من العقل الزائد ما به حصل المعنى الزائد من لطائف المشاعر فهي غذاء ناصح به يحصل للنفس كفاية حلال فهي تَسْتَعِفُّ بها وَتُعِفُّ فيكون من الإحسان إلى النفس وإلى الزوج ما به اكتملت المنة قضاء وطر إن حسا أو معنى ، فالوطر ، أيضا ، جنس عام يستغرق ، فلا يقتصر على وطر الحس ، فذلك ، كما تقدم ، محل اشتراك بين سائر أنواع الحيوان ، وإنما امتاز الإنسان العاقل بوطر آخر به يحصل من طيب المنكح ولطف المعشر ما يواطئ جبلة التكوين وتكليف التشريع ، ففيه ، كما في الأثر : "وفي بُضع أحدكم صدقة" ، فَنُكِّرَتِ الصدقة مئنة من التعظيم ، فهي صدقة نافعة في الأولى والآخرة كما اطرد في أحكام الشريعة التي تهذب الغريزة فَيَعْظُمُ الانتفاع بها قضاءَ وطرٍ وصدقةً تقبل ، وهي ، بداهة ، لا تحصل إلا باستحضار صورة القصد ، فإن فعل الوطأ جنس عام يشترك فيه البشر ، من آمن ومن كفر ، بل قد يحصل للكافر منه حلاوة في الصورة الظاهرة تخدع الناظر ، بادي الرأي ، إن اقتصر على صورة الحس دون المعنى فَثَمَّ من بَرَكَةِ الصورة المؤمنة ما به تَعْظُمُ اللذة ، فَنَفْسُ العفيفِ الذي لا يفحش في نظرة أو بطشة ، يحصل فيها من قبول لأعراض الصورة ما تلتذ به النفس وإن لم تكن ثَمَّ حلاوة ظاهرة ، كما قد حد ابن حزم رحمه الله الحب ، فهو حد يجاوز حد الجسد ، فثم من لطائف المعاني ما لا يحد في الخارج ، فلا يدركه إلا المحب الصادق ، فلا تحصل البركة إلا بالعفة ، ولا يحصل الأجر في البضع إلا باستحضار القصد سلوكا لجادة النبوة ، كما في الأثر المشهور ، وطلبا لإعفاف النفس وإعفاف الزوج ، وإحسانا له بما يكون من لطف وملاعبة فذلك من حسن المعشر ، كما قد أثر عن النبي الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَلَسْتَ بِنَافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا آجَرَكَ اللَّهُ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ" ، وطلبا لنسل يعمر الأرض فيذكر الرب ، جل وعلا ، ويحمل رسالة الوحي ، فيحصل له من الرفعة ما تَقَدَّمَ في آي المجادلة ، فـ : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، فلا يُحَصِّلُ هذه المقاصد الشريفة في حب الغريزة ، لا يُحَصِّلُهَا بداهة إلا من له علم بمقاصد الشريعة ، فهو يحب الرب ، جل وعلا ، إذ يعبده ، ويحب الرسل إذ يسلك جادتهم ، فذلك حب الشرع ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما تصفو به النفس من الأكدار ، فتصفو من كدر الشرك والعصيان فتلطف مادتها ويخلص جوهرها من الخبث فلا تَرَاهَا إلا أعظم الناس بركة وألطفهم حركة في حب الطبع الذي ركزه الخالق ، جل وعلا ، في نفس المخلوق ، فالعلم قد أفادها لذة تجاوز لذة الحس فهو يَرْقَى بمشاعرها ، فكان من أسباب الرفع في الدنيا والآخرة درجات أنيطت باسم الإيمان الذي اشتقت منه الصلة الأولى "آمنوا" ، واسم العلم إيتاء وهو ما اشتقت منه الصلة الثانية : "أوتوا العلم" ، ولا يخلو معنى الإيتاء ، كما تقدم في مواضع سابقة ، لا يخلو من زيادة في المنة فالإيتاء إعطاء وزيادة فلا يقبل الرد ، سواء أكان إيتاء الأنبياء ، عليهم السلام ، علوما لا تحصل بالاكتساب فهي وهب خالص ، أم كانت إيتاء العلماء علوما وإن حصلت بالاكتساب إلا أن الوهب فيها حاصل إذ هَيَأَّ الربُّ ، جل وعلا ، النفس أن تقبل آثار العلم ويسر لها أسبابه على ما تقدم من الحكمة أن يُعْطَى كل محل من الحكم ما يلائمه ، وَثَمَّ ، أيضا ، من دلالة العموم في الموصول "الذين" وضمائر الجموع المذكرة في "آمنوا" و "أوتوا العلم" ، ثَمَّ ، أيضا ، من دلالة العموم ما استفيد بدلالة التغليب بقرينة ما تقدم مرارا من عموم التكليف ، فلا يظهر وجه اختصاص يميز الرجال دون النساء فالإيمان والعلم مما استوى فيه النوعان ، والتمايز فيهما يكون بتحصيل أسبابهما دون نظر في نَوْعِ مَنْ يطلب ويحصل ، فكان من الرفع درجات نُكِّرَتْ في قوله تعالى : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، فهي مئنة من الكثرة ، من وجه ، فدرجات الإيمان والعلم تَتْرَى لا يحصيها إلا الرب الأعلى ، عز وجل ، لا جرم حَسُنَ الختامُ باسم الخبير في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ، وذلك ، من وجه آخر ، يجري مجرى التعليل ، فهو من عطف السبب على المسبَّبِ فسبب الرفع درجاتٌ تَتَفَاوَتُ إن في العدد أو في القدر ، فَالتَّنْكِيرُ في هذا الموضع مئنة من نوعية تحتمل ، فتحتمل الكثرة والقلة ، وتحتمل العظم والصغر ، فحصل من الاشتراك بَيْنَ الأضداد ما قد أَزَالَتْهُ قرينة السياق إذ رجحت في الدرجات التكثير والتعظيم فهي درجات عظيمة القدر كثيرة العدد ، فَسَبَبُ الرفعِ ، درجاتٍ تَتَفَاوَتُ ، هو ما قد عَلِمَ الرب ، جل وعلا ، من وصف المحال وأحوالها وما عملت على وجه جاوز صورة العمل الظاهرة فكان من العلم بدقائق النفوس والأعمال ما دل عليه اسم الخبير فهو أخص من اسم العليم ، وَثَمَّ توكيد لهذا المعنى الجليل باسمية الجملة مئنة من الثبوت والديمومة ، فضلا عن تقديم المتعلق "بما تعملون" ، وحقه التأخير ، مَئِنَّةً من الحصر والتوكيد ، ولا يخلو من العموم فتلك دلالة الموصول "ما" سواء أكان اسميا فكان من إيجاز الحذف لصلته ما قد اطرد في لسان الوحي ، فتقدير الكلام على هذا النحو : والله بما تعملونه خبير ، أم كان حرفيا فَأُوِّلَ مع ما بعده بالمصدر على تقدير : والله بعملكم خبير ، ولا يخلو في كلتا الحالين من دلالة العموم المستغرق ، ما دق وما جل ، ما ظهر وما بطن ، إن بدلالة الموصول ، أو بدلالة الاسم الذي أضيف إلى ضمير الجمع في "بعملكم" ، فهو نص في العموم ، كما قد قرر أهل الأصول والنظر ، فكل ما تقدم من المعاني الجليلة ومنها الحب الذي تتحرك به الكائنات طلبا لصلاح الأرض وعمارتها ، كل أولئك مما لا يحصل حده الأكمل إلا من مشكاة الوحي المنزل ، فكان من خروج المركز عن بدائه الطبع فضلا عن أحكام الشرع ما أبطل به هذه الخاصة الشريفة وإن تشدق بألفاظ الحب والعشق فما جاوز منها حد الحيوان الذي يقتصر دركه على لذة الحس مع شح وأثرة فغايته أن يقضي وطره ، وطلبه للزوج طلب الغريزة المجردة فإذا قضى وطره فقد انتهى غرضه فلا يحصل لنفسٍ ذلك وصفها شحا وَأَثَرَةً ، لا يحصل لها من رغائب النفوس الشريفة أن تحصن النفس والزوج وأن تعمر الأرض بالذرية التي تحمل الرسالة السماوية فتعمر بها الكون فهي رائدتها في كل حركة نافعة ، عبادة أو عادة ، فأنى يحصل لمن كفر بالوحي من هذا المعنى الشريف ما به يَصْلُحُ وَيُصْلِحُ ، فقد اقتصرت غايته فلم تجاوز حد الذات ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، مما يُبَشِّرُ بفناء هذه الحضارة فلا زالت في تناقص وهو ما يجعلها تغزو الأطراف لا طلبا للإصلاح ، كما زعمت ، وإنما تحركها الغريزة ، أيضا ، غريزة الأثرة وحب البقاء ولو باسترقاق غيرها واستنزاف ذخائره ، فإما أن تصطاده من الغابات اصطياد الوحوش فتحشره في المراكب لِيُعَمِّرَ لها دنياها ، وإما أن تُسَلِّطَ عليه من الطواغيت من يلجئه أن يَفِرَّ ، فَيَفِدَ على المركز هاربا من الجحيم وقد وفد عليه قبل ذلك فاتحا بسيف الرسالة ! ، وشتان الجواز الأول ، والجواز الثاني ، فكان من شؤم ما عُطِّلَ من الوحي في الأطراف أن صار جوازه إلى المركز جواز اللاجئ الذي يضطره صاحب العمل أن يقبل بأي ثمن ، فَيُوَظِّفُهُ تَوْظِيفِ الدابة فليس له من المهنة إلا الخشن الذي تستنكفه أيدي السادة ! ، فالصورة واحدة في الماضي وفي الحاضر ، وإن حصل الاسترقاق في هذا العصر من طريقٍ غير مباشرة ، والسيد ، بداهة ، لا يطيق التسوية بالعبد ، فلا يحصل هذا اللاجئ على حقه الكامل ، وإن بدا ذلك ، أَوَّلَ وفوده ، فهو يخير نفسه بين حالِ جحيمٍ في بلاده أشعلها ظالم مستبد قد وضعه المركز فهو ينتفع به تارة في حض الناس على الهجرة فرارا ، وأخرى في قطع الطريق على قوافل الهجرة إلى مراكز الرفاه والثروة في الشمال في إطار نظرية رأسمالية نظر لها بعض أساطين الشيوعية ولم يخل كلامه من حق وإن ضل في أصل مذهبه ، فحركة الثروة تهاجر إلى مراكز الرأسمالية في الشمال ، سواء أكانت الهجرة طوعا بِبَيْعِ الخامات وتصديرها بأبخس ثمن ثم استيراد المنتجات بأثمان كبيرة فيستفيد المركز الرأسمالي فهو يربح الفارق بين الثمن البخس الذي به يشتري والثمن الكبير الذي به يبيع فلا تمثل له الأطراف إلا سوقا كبيرة لمنتجاته ، ومصدرا للخامات والأيدي العاملة الرخيصة ، فإذا احتاجت فتحت باب الاسترقاق أو الهجرة ! ، وإذا حصلت كفاية المركز من العبيد ! غَلَّقَتِ الأبواب ، حتى إشعار آخر ، فَثَمَّ قانون محكم لا إفراط فيه ولا تفريط وهو ، أبدا ، لا يخرج عن قسمة السادة والعبيد ، وإن كانت العبودية على أنحاء فضلا أن ثَمَّ من عقول الأطراف من ينتفع بهامش السياسة الغربية فلا يجد من ألم المهنة الخشنة ما يجده غيره فله كفاية عقل وعلم جعلته يحظى بحظ أوفر من المعاش وإن لم يخل الأمر من معادلة اجتماعية لا يحصل فيها الغريب على حقه كاملا سواء أكان ذلك بطرق خشنة يكشر فيها المركز عن أنيابه أم بطرق ناعمة مهذبة يُقْصَى بها الغريب على وجه لطيف لا غلظة فيه ! .

ومن وفد على المركز فحده حد الغريب وإن رام الامتزاج ، فالسيد ، بداهة ، يأنف أن يشاركه العبد كل الحقوق ، فيظهر من تعصب العرق ما يَصِمُ حضارة المركز إذ يَفْضَحُ تَعَصُّبَهَا وإن كان ثم آحاد لا يجدون آثار ذلك فهو مِمَّا يُحْكَى ثَقَافَةً عامة تشكل آخر الأمر عقل الجمع في المركز كما يرى الناظر في هذه الأعصار في ازدهار مذاهب في السياسة تستند إلى نقاء العرق الأبيض الذي يقبع في المركز فلا يريد من هجرة الآخر ما يكدر لونه النقي ، فهو يخشى على نفسه من الذوبان والاضمحلال وإن كان يباشر من أسباب ذلك ما يعجل باندثاره فيجد حاجة ضرورة لا ملجأ ولا منجى منها ! أن يستقدم من الهجرة ما يسد به النقص ، فهو يَتَرَدَّدُ بين الطرفين حائرا إذ لم يجعل الوحي رائده فوحده من يحسم هذا الإشكال إذ يَقْمَعُ في النفس مادة الشح والأثرة ويسوي بين جميع الأجناس ويعدل في العطية بينها وذلك ما امتاز به فتح الرسالة كما يحكي التاريخ من عدله حكايةَ صدقٍ أشاد بها الخصم فكلام المؤرخين في المركز في هذا الباب كثير فهو يصدق وقائع التاريخ على وجه يُلْجِئُ إن تجرد الباحث وأنصف ، فكان من الاندماج في الرسالة العالمية ما يشكو منه المركز الآن ، فتارة يتذمر إذ المهاجر لا يندمج فهو يحتفظ بأصول حضارته وثقافته وذلك ما يهدد نقاء المركز ، فَيَرَى الوافد عدوا بما يحمل من قِيَمٍ تُغَايِرُ عن قيمه ، وإذا رام المهاجر الاندماج أنف المركز وتذمر أيضا ! ، أن يساويه لون آخر في مكتسبات حضارته ، فإذا حصل له الاندماج التام وكان له من الحقوق ما يساوي الحقوق البيضاء ! ، فمن يشتغل في المهن الخشنة فيكفي السيد مُؤْنَتَهَا ؟! ، فالآخر ، أبدا ، في بلاء عظيم مع المركز الذي يرى ذاته القطب الأوحد ، فالآخر المهاجر في بلاء عظيم وإن لم يهاجر من بلاده فقد وضع المركز على رأسها طاغوتا يتحكم بِهِ في أهلها وثرواتها وينقل إليها نفاياته من الصناعات التي تفسد الأجواء أو بقايا المآكل التي تملأ الأفواه وهي ، لو تدبر الناظر ، سبب ضرر آخر فهي تمرض الأبدان قصدا أو سهوا ، وإذا هاجر فَفَرَّ من هذا الضنك فهو ، أيضا ، في بلاء مع مركز لا يعطي الآخر حقه وإن زعم أنه مركز الحرية ، فهي حكر على الجنس الأبيض وليس لغيره منها إلا فضول لا ينكرها المهاجر من الأطراف ولكنها ، أبدا ، لا تصدق دعوى المساواة في الحقوق إن في الأطراف أو في المركز ، فالسيد ، أبدا ، يمتاز ، وإن لم يكن له من أسباب الامتياز إلا اضطهاد غيره باحتلال بلاده وانتهاب ثرواته البشرية أو المادية .

ولا يكون ثم من رفعة الدرجة ما ينفع إلا ما كان درجة إيمان أو علم فليس العرق أو اللون سببا في رفعة الدرجة إلا في حضارة قد خالفت عن محكم الشرعة ، وأما الوحي فرائده في هذا الباب قول رب الأرباب جل وعلا : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، وبذا امتازت حضارة الوحي المنزل من حضارة الوضع المحدث ، فحضارة الوحي درجة رفيعة يَنَالُهَا كُلُّ من انتحل عقدها وامتثل شرعتها فحصل له من رفعة الدرجة ما يجاوز عتبة الحس التي وقف المركز عليها فلم يجاوزها إذ لا مرجع له في الفكر والنظر يجاوز حسه القاصر فحضارته من الأرض وهي دار نقص ، وحضارة الوحي من السماء فهي معدن العلم والعمل ، العدل والحرية وسائر المعاني الشريفة التي يَتَشَدَّقُ بها المركز ويجعلها ، كما تقدم ، ذريعة إلى استباحة الآخر باسم التحرير والتحديث وليس إلا استرقاق العقول بقطع صلاتها الوثيقة مع أصول حضارتها واسترقاق الأبدان بآلة القمع المباشرة أو عبر وسيط سياسي وظيفي مستأجر وهو ما يَقْضِي بداهة بمناجزة واجبة بين الوحي وخصومه فهم أضداد له في التصور والحكم ، فالشرق شرق والغرب غرب وَلَنْ يجتمعا أبدا ، كما يقول بعض شعراء المركز فهو شاهد صدق من أهلها ، فلا اجتماع بينهما لاختلاف المنشأ في الأديان والأفكار ومخالفة كُلٍّ لضده في مرجع القيم والأخلاق ، والحوار لا يجدي إلا في مستوى أدنى ، فلئن نفع الجدال بالتي هي أحسن فلا ينفع بداهة إلا مع العامة الذين لا حظوظ لهم ولا مكتسبات في السياسة والحرب فدوائر صناعة القرار في المركز قد اتخذت القرار المحكم من زمن بعيد ولم تحد عنه لا في الماضي ولا في الحاضر ، ولا يُرْجَى ذلك في المستقبل فتلك سنة جارية ، سنة : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، وإن اضطرهم الصراع أحيانا إلى المهادنة فبعدها المواجهة سنة جارية بها تدافع الأضداد في السلم والحرب ، في الجدال والجلاد .

والله أعلى وأعلم .