اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: الأمن القومي

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-02-2018
    الساعة:10:53 PM

    المشاركات
    4,730
    العمر
    39

    الأمن القومي

    اصطلاح الأمن القومي من المثل السياسية السائرة الآن في خطاب السياسة في الشرق الأوسط ، ويمكن حده أنه مجموعة من العوامل الفاعلة والأرواق المؤثرة في صناعة الفكر والسياسة والحرب وهي مما يمتد مداه المكاني تبعا لقوة الكيان وطموحه ، فهو يمتد تلقائيا إلى دول الجوار المباشر وقد يَزِيدُ مداه بازدياد الطموح السياسي ، كما يضرب المثل الآن بإيران التي اتسع نطاق نفوذها في الإقليم فشمل العراق وسوريا ولبنان فضلا عن تمددها شرق الجزيرة العربية وجنوبها عبر وكلاء منهم الفاعل ومنهم النائم حتى حين ! ، وكما يُضْرَبُ المثل بالكيان اليهودي الذي حرص منذ النشأة ألا يقر بحد جعرافي وإنما لكل جيل طموحه ، فكان حرص الكيان على حدود مشتعلة غير مستقرة وفضاءات رخوة تُشَكِّلُ أحزمةَ أمانٍ للكيان كما هي الحال في سيناء الآن ، فإن الصراع منخفض التوتر في شمال سيناء يحقق مستوى أمان مرتفع للكيان مع حرصه على الرصد والمتابعة وتقديم الدعم العسكري المباشر والدعم الاستخباراتي وهو الأخطر فإن الكيانات الرخوة قد تخرج عن السيطرة إذا أُهْمِلَتْ فلا بد من نشاط استخباراتي كبير لرصد أي ظاهرة تجاوز حد العادة وتهدد معادلة الأمن والسياسة : الرخاوة مع إشعال صراعات منخفضةِ التَّوَتُّرِ تجعل الجار دوما في حال ذهول واشتغال .
    وَثَوَابِتُ الأمنِ القومي مما يمتد ، أيضا ، مداه الزماني فمنه ما هو تاريخ وإرث ، ومنه ما هو حاضر من أسباب التأثير السياسي المباشر أو غير المباشر ، ولعل من أَبْرَزِ أمثلته ما تحتج به تركيا الآن أَنَّهَا تُقَاوِمُ الأكراد في شمال سورية حفاظا على أمنها القومي الذي يجاوز حدها الجيوسياسي فَيَنْفُذُ في أعماق الجوار القريب في سوريا فضلا عن جوار أبعد يستغرق الشرق الأوسط كله ، فَلِكُلِّ دولةٍ من العمق الاستراتيجي ما يكافئ وزنها النسبي في الفعل السياسي والعسكري ، فروسيا ، على سبيل المثال ، وهي خصم تاريخي لتركيا ومنافس سياسي له الآن وإن لم يخل الأمر من تحالفات تكتيكية طال مداها أو قَصُرَ ، فروسيا لا زالت الأقوى في منطقة البحر الأسود وما يجاورها من الأناضول والهلال الخصيب والجزيرة الفراتية .... إلخ من الجغرافيا السياسية في مناطق التأثير في الشرق الأوسط وصولا إلى المياه المتوسطية الدافئة ، فأمن روسيا يشمل هذه الدوائر الجيوسياسية فضلا عن الدوائر الشرقية في إيران وجمهوريات آسيا الوسطى حتى بلاد الأفغان وباكستان والهند والصين ، وهي دائرة لا تحظى بدعم من المركز بل إنه يخشى أي تمدد إسلامي سياسي أو عسكري في تلك التخوم البعيدة فَلَئِنْ رضي بِبَقَاءِ النفوذ الروسي فيها فهو أخف الضررين ، فَنُفُوذُ موسكو خير من أي نفوذ إسلامي لا سيما وذكريات الجهاد في بلاد الأفغان إلى الأذهان قَرِيبَةٌ مع أن المركز لعب فيها دَوْرًا رئيسا عبر وكلائه الوظيفيين في الشرق الأوسط إلا أنه رأى من القوة الذاتية على الأرض ما يجعله يخشى الدوائر إذا خرج هذا الحراك عن السيطرة فلئن نجح في توظيفه في هذا المشهد فلا يأمن إن خرج عن سيطرته في مشاهد أخرى لا سيما وهو يستقل برؤية تخالف عن رؤية المركز فليس تابعا مخلصا من توابعه وليس مجموعا وظيفيا يَرْتَزِقُ ، فَتُرِكَ هذا العمق الجيوسياسي للاتحاد السوفييتي ثُمَّ لروسيا من بعده مع محاولة الاختراق الناعم الذي تَمْتَعِضُ منه روسيا وتسعى دوما في إفشاله ولو بتدبير قلاقل سياسية للأنظمة التي تُبْدِي ميلا إلى واشنطن .
    فقسمة النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي قد أعطت بعض القوى العظمى مناطق نفوذ تاريخية كما قد أُعْطِيَتْ فرنسا المغربَ العربي من تونس شرقا حتى المغرب غربا مع عمق كبير في إفريقية الغربية يستغرق دول الساحل والصحراء فَيَنْتَهِي على ضفاف خليج غينيا والمحيط الأطلنطي ، فهي منطقة فرنسية النفوذ تشكل عمق فرنسا الاستراتيجي جنوب المتوسط ، وإن لم تستغرق كافة دول الغرب فإن نيجيريا على سبيل المثال جزء من الإرث البريطاني ، والكاميرون وإن آلت إلى فرنسا إلا أنها كانت يوما من نصيب ألمانيا ، ومع ذلك يظل لفرنسا من النفوذ في هذا الحزام ما يمتد في عمق القارة كما هي حال إفريقية الوسطى بل ويزحف شرقا نحو مناطق النفوذ البريطاني كما هي الحال في تشاد ، فالنفوذ في هذه المناطق فرنسي خالص أو غالب ، ولا زالت فرنسا إلى يوم الناس هذا تعتبر هذه الدول جزءا رئيسا من سياستها الخارجية فهي العمق الاستراتيجي الإفريقي لفرنسا ، وإن أُعْطِيَتْ هذه الدول من إجراء الاستقلال السياسي الرسمي ما يخدع ، ففرنسا هي من يولي ويعزل ، وهي من يرجح طرفا على آخر في أي نِزَاعٍ مسلح بما لها من قواعد عسكرية في المنطقة ، وهي ، لو تدبر الناظر ، دليل السيادة الفعلية فضلا أنها عامل رئيس في نجاح كثير من المحاولات الانقلابية التي دبرتها فرنسا على أنظمة حكم تخرج عن نصها المحكم على وجه يهدد نفوذها المطلق ، فالقاعدة العسكرية ظاهرها التعاون في قضايا الأمن والدفاع والإمداد والتدريب ...... إلخ ، وحقيقتها أنها رأس حربة متقدم يجاوز حدود الدولة الأم فهو يحفظ مصالحها في عمقها الاستراتيجي ، وله من أدوار التحكم والسيطرة والتطويق لعدو آخر في الجوار الإقليمي القريب له من ذلك حظ وافر ، فهي قاعدة انطلاق لتنفيذ ضربات عسكرية تحفظ أمن الدولة الأم فهي تستبق العدو في الخارج فتشن عليه من الحرب الاستباقية ما ينقل المعركة إلى أرضه ، أو ترسل رسالة الردع العسكري إذ تجاوره ، كما هي الحال على سبيل المثال في قاعدة إنجرليك الأمريكية في تركيا فهي ، كما يرصد بعض المحللين ، تحكي جزءا من تاريخ الحرب الباردة ، فكان الجيش التركي من أبرز الأدوات الوظيفية الأمريكية في تطويق الاتحاد السوفييتي من الجنوب ، ثم تحولت القاعدة فصار لها من الأدوار العسكرية ما يجابه الخضر الأخضر ! ، خطر الإسلام ، بعد زوال الخطر الأحمر ، الخطر الشيوعي ، فكان لها دور كبير في حرب الخليج الثانية والثالثة ، فضلا أن هذه القاعدة قد لعبت دورا كبيرا في محاولة الانقلاب في يوليو 2016 ، فالقواعد العسكرية من أبرز أدوات الانقلاب في الدولة المضِيفة إن بالتخطيط أو بالتنفيذ أو بالدعم اللوجستي ، فكان لفرنسا ، وهو محل الشاهد ، كان لها من القواعد العسكرية في إفريقية الفرنسية ما يحفظ أمنها القومي الذي جاوز المتوسط بل وجاوز محيطها الأوروبي ، فالأمن القومي اصطلاح لا يمكن حده في دائرة جغرافية قريبة بل هو يَمْتَدُّ تَبَعًا لنفوذ الدولة ودورها الفاعل في صناعة السياسة الإقليمية أو الدولية ، وقد يكون ذلك على وجه يتناسب طردا مع قوة الدولة ، فلا ينتقص دورها بقيادة سياسية لا طموح لها تفرط في مقومات البلاد الاستراتيجية فضلا أن تكون خائنة فتعظم المصيبة بفساد القصد وضعف الأداء فقد جمعت السوأتان معا ، ولا تسرف ، في المقابل ، في الطموح مع ضعف قدراتها فذلك قد يفضي إلى انهيار الدولة أو ضعفها ضعفا شديدا وإن حققت ، بادي الرأي ، طفرة تخدع فهي قد اغترت بقوة زائفة ، فأسرفت في التمدد ولم تحسن تقدر الأمور حق قدرها فإن التمدد على رقعة كبيرة من الأرض وفتح جبهات كثيرة يضعف الدولة العظيمة فكيف بالدولة الصغيرة بادي الرأي ؟! فضلا أن تكون حقيرة لا يعدو دورها دور المجموع الوظيفي التابع الذي يمارس التخريب في الجوار القريب والبعيد ، وتاريخ الحروب يحكي أن التمدد السريع دون نظر في تناسب الإمكانيات مع الطموح يفضي ، آخر الأمر ، إلى تشتت الجيش وَتَبَعْثُرِ قواه على جبهات كثيرة وهو ما يفضي به آخر الأمر إلى الهزيمة ، ولو اسْتِنْزَافًا بحرب عصابات يطول مداها ، وبريطانيا ، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، لم تطق أن تحتفظ بمستعمراتها مع أنها خرجت من الحرب العالمية الثانية مُنْتَصِرَةً فقد خرجت مُنْهَكَةً ، فلم تطق الاستمرار في هذا الفضاء الجيوسياسي الواسع مع ما لها فيه من مصالح فتكلفة رعايتها أكبر من عائدها ، فانكمشت بعد تمدد كبير ، وتلك سنة ربانية في السياسة فازدهار الدولة وَبُلُوغُهَا الغاية في القوة والسعة والتحكم والسيطرة يؤذن بأفولها ، ولو على مراحل ، فبناء السياسة بناء متدرج إن في الصعود أو في الهبوط ، فالدولة الناجحة هي الدولة التي تحسن توازن بين طموحها وإمكانياتها ، فلا إفراط ولا تفريط ، وإلا كان السقوط الذريع بالمخالفة عن قانون الحكمة فهو يقضي أن يوضع الشيء في محله ، وأن يكون التناسب حاصلا فلا يسرف ولا يقتر ، فـ : (لَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قانون محكم يجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من أمر النفقة ، فهو يستغرق أي مال يدفع أو جهد يُبْذَلُ في سياسة أو حرب ، فلا بد من الاقتصاد وهو فضيلة بين الإسراف والتقتير .
    والشاهد أن فرنسا ، آنفة الذكر ، تحتفظ بدائرة أمن قومي واسعة في غرب إفريقية ، وإن لم تخل في هذه الآونة من نفوذ أمريكي متزايد تظهر آثاره العسكرية في قيادة "أفريكوم" فهي ، أيضا ، صورة من صور الاحتلال العسكري ، ولو عن بُعْدٍ ، فمقرها الرئيس في شتوتجارت في ألمانيا ، فهي رأس حربة متقدم يحفظ مصالح أمريكا في إفريقية ، فقد صارت ، كما تذكر بعض الموسوعات ، الشريك التجاري الأول للقارة ، فضلا عن نقل أمريكا لصراعها مع الجماعات الإسلامية المسلحة إلى أرض الخصم ودول الساحل والصحراء الآن ساحة صراع رئيسة لهذه الحرب الأمريكية ، ولأمريكا ، مع ذلك ، رغبة في موارد الطاقة الإفريقية ، فهي شريك واعد جعل واشنطن إبان حكم الرئيس بوش الابن تقلل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط فهو حزام سياسي مشتعل والاعتماد عليه كمصدر وحيد لا يحسن فلا يأمن صانع القرار الأمريكي تقلبات السياسة والحرب في الشرق وإن ظل محتفظا بنفوذ أكبر في مجال الطاقة في الخليج والعراق وأجوارهما فَلَهُ الآن نظر في بترول سوريا الذي استودعه الأكراد ، مجموعه الوظيفي العامل في سورية ، فأوصت مراكز البحث في واشنطن صانع القرار الأمريكي أن يُنَوِّعَ من مصادره في الطاقة فكانت إفريقية كالعادة قبلته الجديدة فهي قبلة أي مستعمر في القديم أو في الحديث لما ركز في أرضها من ثروات ، فهي القارة الأغنى مواردا والأفقر دخلا ، وذلك ، كما ينوه بعض الفضلاء ، مما ابتليت به القارة فغناها سر بؤسها إذ تآمرت عليها القوى العظمى ما لم تتآمر على غيرها فضلا عن ضعفها أن تحمي ثرواتها ، فكان من طمع المستعمر فيها مع حرصه الدائم أن يحجب عنها أسباب القوة والكفاية لتظل دوما ضعيفة تحتاجه ، لا سيما أنظمة الحكم فإفريقية صاحبة النصيب الأكبر من الانقلابات العسكرية لهشاشة نظمها السياسية التي تبلغ في أحيان حد البدائية المفرطة ، فلم تستبح أرض في الدنيا كما استبيحت أرضها ولم تهن شعوب كما أهينت شعوبها فهي ، أيضا ، الأقوى أبدانا ، ونظر المركز فيها أنها الأقوى في الخدمة إن في القديم لما شحن رجالها في السفن وَبِيعُوا في أسواق النخاسة لعمارة العالم الجديد غرب الأطلنطي ، أو في الحديث فلا زالت مصدرا أساسيا للعمالة الرخيصة المهاجرة من الجنوب فهي التي تمارس المهن الخشنة التي لا تلائم أيدي المركز الناعمة ، ولأمريكا ، من وجه ثالث ، كما تقول بعض المصادر ، رغبة في إيقاف التمدد الصيني في القارة الإفريقية فالصين قد صارت أكبر مشتر لنفظ إفريقية فضلا عن كونها الشريك التجاري الثالث بعد أمريكا وفرنسا ، ومشاركتها ، ولو على استحياء ، في النشاط العسكري في القارة في إطار دولي وهو قوات حفظ السلام ، وإن حرصت ألا تستنزف قوتها العسكرية في مغامرات دولية فلا زالت حتى الآن تعمل في صمت اقتصادي لبناء قوتها الذاتية قبل أن تَنْتَقِلَ إلى مرحلة جديدة من مراحل النمو السياسي ، فهي الآن تَتَبَنَّى سياسة الإنتاج والتعاون الاقتصادي دون رغبة في أي تدخل سياسي ، فدوائر أمنه القومي تنصرف ابتداء إلى الدوائر الاقتصادية الواسعة مع احتفاظها بدوائر أمن قومي جيوسياسي يجعلها تَتَوَجَّسُ خيفة من أي وجود أمريكي في آسيا الوسطى لا سيما في مناطق التماس مع حدودها كبلاد الأفغان وهي ساحة صراع أقليمي ودولي لا يقل تعقيدا عن الصراع الدائر الآن في الشرق الأوسط ، فلا يعجب المرء إذا ظهر بعد حين أن الصين تمد خصوم أمريكا في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بأسباب قوة ، ولو بطريق غير مباشرة ، فهي تستبق أمريكا بِنَقْلِ الصراع إلى مناطق نفوذها بعيدا عن محيطها الجيوسياسي فتخشى من أي تواجد أمريكي يجاورها فأمنها القومي الجيوسياسي له دائرة يعتبرها صانع القرار الصيني ، وأمنها القومي الاقتصادي له دائرة أوسع فآثاره الآن هي الأظهر ، فما يعنيها هو الربح في عالم التجارة فلا تستثمر في السياسة إلا في أضيق نطاق خلافا للقوى العظمى التقليدية ، كأمريكا وفرنسا ، فلا يخلو استثمارهما في القارة الإفريقية من أغراض سياسية على وجه قد يفضي في أحيان إلى تعارض في المصالح فَتَشْتَبِكُ على وجه لا يمكن إجرائه مجرى التقاطع ، فثم تعارض لا يقبل الجمع فلا بد من الترجيح بمرجحات منها السياسي ومنها العسكري ومنها الاقتصادي ومنها الاستخباراتي ولكل دولة من الأوراق ما به تُنَاوِرُ .

    وقد أعطت القسمة آنفة الذكر ، قسمة النفوذ بين القوى العظمى ، أعطت روسيا الجناح الشرقي الذي يستغرق ، كما تقدم ، الجمهوريات السوفييتية وصولا إلى بلاد الأفغان والباكستان ، وإن لم يخل الأمر ، كما تقدم ، من مزاحمة المركز لروسيا بما يقيم من علائق مع تلك الدول تُتِيحُ له إقامة قواعد عسكرية تدخل في دائرة النفوذ الروسية بذريعة مكافحة الإرهاب وهي الذريعة الرائجة الآن في سوق السياسة والحرب وبها تَضَعُ القوى الدولية أو الإقليمية مَوَاطِئَ أقدام لها في مناطق تَرُومُ زيادة نُفُوذِهَا فِيهَا ، وَلَعَلَّ ذلك مما يُفَسِّرُ دور روسيا في إثارة القلاقل السياسية في أحيان في دول آسيا الوسطى ، مع أنها تشكل عمقها الاستراتيجي ، فلئن خرجت عن الجادة الروسية فلا بد من إجراء سياسي وعسكري ، لو لزم الأمر ، على غرار ضربات روسيا الخاطفة في جورجيا 2008 بعد أن استردت جزءا من عافيتها الجيوسياسية وضرباتها في القرم في 2014 وجرعة التحدي للغرب فيها كانت أكبر على وجه يحكي زيادة في العافية الروسية بعد سنوات من انهيار الكيان السوفييتي ، فلئن خرجت تلك الدول عن الجادة الروسية فلا بد من إجراء حاسم على وجه يُرْجِعُهَا إلى بيت الطاعة الروسي ولو بانقلاب عسكري أو ثورة شعبية تحظى بتأييد روسيا ! ، ومن عجب أن روسيا تدعم ثورة ! ، وهي التي تشكو من تدخلات الغرب الثورية في فضائها الجيوسياسي القريب كما كانت الحال في ثورة أوكرانيا 2004 ، ولكنها السياسة البراجماتية التي تجعل المصلحة الذاتية ثَابِتَهَا الأول وربما الأوحد فتضطرب في تقييم الفعل السياسي والجماهيري الواحد فهو في بَلَدٍ ثورة على السلطة الجائرة المستبدة وفي آخر عصيان وتمرد على السلطة الشرعية ! ، كما وقع من إيران ، على سبيل المثال ، إذ باركت الحراك في مصر في 2011 ، ولو بعد حين من التريث لِتَنْظُرَ عما تفسر عنه الأحداث ، ولم تُبَارِكْ ، في المقابل ، الحراكَ في سوريا بَعْدَهُ بأيام فهو خروج عن السلطة الشرعية في دمشق ! ، فيضطرب القرار السياسي تَبَعًا لاضطراب المصلحة الذاتية التي تَتَفَاوَتُ من دولة إلى أُخْرَى .

    وكذلك الشأن في الدائرة الأوروبية فجمهوريات أوروبا الشرقية ، وجنوب شرق أوروبا لا سيما يوغوسلافيا السابقة وما أعقبها من جمهوريات البلقان ، كل أولئك مِمَّا يدخل في الدائرة الأوروبية للأمن القومي الروسي ، فكان جدار برلين يمثل رمزا لسيادة السوفييت على الشق الشرقي من أوروبا وكان انهياره أواخر الثمانينيات كسرا لدائرة الأمن الروسي في أوروبا فانهار الجدار وانساحت حركات التغيير الديمقراطي ذات المرجع الرأسمالي في جمهوريات شرق أوروبا ، وانتقلت روسيا من مرحلة السيطرة الكاملة على شرق أوروبا إلى مرحلة الحفاظ على بعض مكتسباتها السياسية والاقتصادية بفرض هيمنة ناعمة على مراكز صنع القرار في تلك الدول ، فكانت الحكومات التي تلت الاستقلال في جمهوريات كجورجيا وأوكرانيا وليتوانيا وروسيا البيضاء ، كانت في الجملة تدين بالولاء لموسكو الروسية ، وشيئا فشيئا بدأت قوى المعارضة ذات المرجعية السياسية الْغَرْبِيَّةِ تُنَازِعُ هذه الحكومات ، بل ونجحت في افتكاك السلطة منها في بعض البلاد كما وقع في ثورة جورجيا أواخر 2003 والتي أطاحت برجل موسكو العتيد إداورد شيفرنادزة ، آخر وزير خارجية للاتحاد السوفييتي ، وبعدها كانت الثورة البرتقالية في أوكرانيا 2004 ، وَقَبْلَهُمَا كان إسدال الستار على آخر فصول الحلم اليوغوسلافي بعد انتهاء الحرب بِتَقْسِيمِ البلادِ بحدود الدم والنار التي دفع المسلمون قِسْطَهَا الأكبر كعادة أي صراع في العصر الحديث فالحلقة الأضعف هي من يتحمل العبء الأكبر في قسمة جائرة في سياسة براجماتية لا تستند إلى مرجع رسالي أو أخلاقي ، فانتهى دور النظام في بلغراد وهو من بقايا الاشتراكية وإن كانت ذات طابع خاص اختلط فيه القومي بالديني فحرصت على الاحتفاظ بمسافة بينها وبين موسكو فلم تكن جرما يدور في فلكها كبقية دول أوروبا الشرقية وإنما حظيت بوضع خاص تحت قيادة الزعيم اليوغوسلافي جوزيف تيتو ، ومع رحيله برزت أزمة الهوية البلقانية من جديد والتي حجبتها كاريزما الزعيم فضلا عن آلة البطش والقمع والتي كان للمسلمين أيضا ! ، منها النصيب الأكبر ، فَبَرَزَتْ أزمة الهويات القومية داخل الاتحاد اليوغوسلافي غير المتجانس ، واستمرت البلاد موحدة بقوة الدفع الذاتي وَتَأَجَّلَ الحسم في يوغوسلافيا فهي البؤرة الاشتراكية الأكبر في أوروبا بعد الاتحاد السوفييتي ، فيوغوسلافيا ليست كالمجر أو بلغاريا أو رومانيا أو بولندا ، فتغيير جغرافيتها السياسية لن يكون بلا خسائر جسيمة تَحَمَّلَ المسلمون منها ، كما تقدم ، النصيب الأعظم ، وذلك قانون يطرد في السياسة والحرب ، فإن أي تَغْيِيرٍ مُؤَثِّرٍ في الخريطة السياسية لا بد أن يسبق بحرب تهدم الحدود القديمة وتقيم حدودا جديدة يكون للمنتصر فيها الحد الأوسع ، فتتحرك الحدود لصالح المنتصر بقدر ما تبلغ قواته ، سواء أكان ذلك فتحا أم غزوا ، فَفُتُوحُ الرسالة الأولى لم تجاوز هذا القانون المحكم ، فلم تَتَغَيَّرْ خريطة العالم القديم بالورود بلا بارود ! ، وإنما استغرق ذلك ما استغرق من الحروب التي أزالت إمبراطورية كاملة ، وهي الإمبراطورية الكسروية ، وقلصت نفوذ أخرى فغادرت بلاد الشرق وجنوب المتوسط ، وهي الإمبراطورية الرومانية ، فضلا عن انحسار حدها الجنوبي بعد ذلك فخسرت الأناضول بل وانساحت القوة الإسلامية العثمانية في أوروبا الشرقية لِتَبْلُغَ أقصى اتساع قبل أن يجري عليها من سنن الانحسار بعد التمدد ما لا يسلم منه كيان سياسي ، ولا يكون هذا التغيير في الحد تمددا أو انحسارا لا يكون ، كما تقدم ، إلا بالحديد والنار ، فكذلك كان الشأن في معالجة البؤرة اليوغسلافية ، فَثَمَّ تَنَاقُضٌ في الهويات القومية داخل الاتحاد اليوغسلافي وهو ما أحسن الغرب تَوْظِيفَهُ لتفكيك هذا الكيان المركب فهو كيان هجين فظاهره القوة وحقيقته أنه ضعيف هش فقد جُمِعَ بِحَدِّ السيف بلا فكرة جامعة تؤمن بها الشعوب البلقانية على وجه يجعلها تَتَنَازَلُ طوعا عن هوياتها الجزئية لصالح هوية كلية جامعة لا تهدر الخصوصية الثقافية لكل شعب ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قدر فارق آخر بين فتوح الرسالة وحروب غيرها ، فإن العالم الإسلامي ، كما يقول بعض المؤرخين ، لم يشك من تَنَاقُضِ الهويات القومية إلا بعد انقطاع السلك الناظم لحبات العقد السياسي الإسلامي ، وكان إبراز الهويات القومية الجزئية سلاحا من أسلحة الغرب في تفكيك الشرق وتحويله إلى دويلات تَفْتَقِرُ إلى أسباب الاستقرار فهي تتسم بِتَنَاقُضَاتٍ كبيرة في ديموجرافيتها ونظم سياستها وبنائها الطبقي الذي يجاوز حد التفاوت في المستوى الاقتصادي فهو نمط اجتماعي يكرس سيادة النخبة التابعة للمركز الذي صنعها لِتُؤَدِّي الدور الوظيفي المركب فكانت أداة من أدوات التقسيم كما يحكي التاريخ الحديث من ثورات قومية ، عربية وكردية .... إلخ ، فكانت رد فعل لقومية طورانية في المركز راحت تَتَنَصَّلُ من دورها التاريخي في قيادة العالم الإسلامي وحماية حدوده بل والدفع بها في العمق الأوروبي في تأويل آخر لنظرية الأمن القومي ، آنف الذكر ، فإن الأمن القومي الإسلامي تَتَعَدَّى دوائره إلى العمق الأوروبي الشرقي ، فكانت ولايات الدولة العثمانية في أوروبا ، لو تدبر الناظر ، خط دفاع أول ، عن نواة الكيان الإسلامي الصلبة في الأناضول والشرق ، فهي حاجز بين أوروبا والشرق ، وكذلك الشأن في الأندلس فهي حلقة الوصل وجسر العبور الذي جاوزته الحضارة الرسالية إلى أوروبا الغربية وهي ، مع ذلك ، خط دفاع أول وحاجز بين أوروبا الغربية وجنوب المتوسط الذي يشكل جزءا رئيسا من العالم الإسلامي ، فضلا أنه ينوب عما وراءه من الوجود الإسلامي في غرب إفريقية ، فحركة الفتح شمالا دفعت الغرب بعيدا عن خطوط التماس مع الشرق فلما ضعفت الأندلس وانهارت لم يكن ذلك ليقتصر عليها بل انهار الحد الحاجز الذي تلقى الصدمات نيابة عن المغرب وإفريقية الإسلامية ، فانتقل الفعل السياسي والعسكري من شمال المتوسط إلى جنوبه ، ولم يقتصر الأمر على المغرب بل اقتضت سنة التدافع أن يَتَوَغَّلَ الغرب في إفريقية السمراء ، كما توغل الإسلام قبل ذلك في غرب أوروبا حتى بلغت جيوشه حدود باريس ، فحركة التدافع شمالا وجنوبا سنة ربانية باصطلاح الوحي المنزَل وحتمية تاريخية باصطلاح الوضع المحدَث ، ولم يسلم منها العالم الإسلامي لا في حده الشرقي ولا في نظيره الغربي ، فلما ضعفت الرابطة الإسلامية الجامعة بين المركز في إسطنبول والأطراف في الحجاز والشام والعراق ومصر .... إلخ ، بما نجح الغرب في تمريره من أفكار قومية تحكي جزءا من تاريخ صراعاته السياسية ، فكان التدافع بين الهويات القومية الجزئية ، والهوية الإمبراطورية الجامعة ، وكان الدين فيها حاضرا كعقد سياسي جامع لم يؤلف بين الشعوب المتنافرة إذ لم يحقق لها ما تروم من العدالة الناجزة ، فكانت الحروب الدينية التي أضعفت الإمبراطوريات عبر مراحل كان صلح وستفاليا مرحلة رئيسة منها في إطار الدفع نحو الهوية القومية الخاصة التي تُنَاجِزُ الهوية الجامعة ، وكانت الثورة الفرنسية إعلان انتصار للهوية القومية العلمانية على الهوية الإمبراطورية ذات المرجع الديني الكاثوليكي ، فقد فشلت هذه الهوية في تحقيق ما تقدم من معنى العدالة الذي يجاوز ، بداهة ، معنى القسمة بالسوية في العطايا المادية ويجاوز ما حملت الثورة من شعارات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب فقد كانت إعلان حرب ذكي على الإرث الإمبراطوري ذي المرجع المسيحي ، فنجح في استثمار مظاهر الظلم والتخلف التي نسبت إلى الدين ، ونسبتها إلى الكاثوليكية المبدلة نسبة صحيحة ، فكانت الثورة على أصنام الإمبراطور وأصنام الكهنوت وهي ثورة حَمِيدَةٌ كسرت أصناما قَدَّسَتْهَا أجيال فسوغت ما تُقَارِفُ من استبداد ، فَقَدْ كُسِيَ لحاء الدين ، فكان الكهنوت هو الذي يُضْفِي شرعية الحكم الإلهي على الحكم الإمبراطوري الجائر ، فكانت الثورة على هذه الأصنام غاية صحيحة في نفسها ولكنها لم تشفع بإصلاح ديني يستند إلى مرجع رسالي محكم يجاوز ، بداهة ، مخاوف الشعب الثائر من الكهنوت الباطل فلم يعرف دينا إلا هذا الدين الذي رَسَخَ في وجدانه أنه قرين الظلم والاستبداد ، فَسَهُلَ على القوى التي تَتَحَكَّمُ في حراك الثورة أن تدفعها نحو العلمانية ضد الدينية المتطرفة ، فضلا أن الجماهير كانت ابتداء جاهزة لرد الفعل المتطرف فتطرف الكهنوت أعطى الذريعة الأخلاقية لتطرف العلمانية ضد الدينية ، فكان تطرف الجماهير في انتحال الهوية القومية اللادينية في مقابل الهوية الإمبراطورية الجامعة ، والدين جزء منها ، على وجه لم يخل من التوظيف السياسي البراجماتي ، فإن الكهنوت الديني لم يخلص النصح للرعية ، بل عقد صفقة سياسية مع نظام الحكم فمنحه الشرعية الإلهية ، ومنحه النظام ، في المقابل ، جملة من المكاسب فضلا عن خضوع الرعية له في الشأن الروحي بعد انشطار السلطة إلى سلطة زمانية وأخرى روحية ، فكان من قسمة السلطة ما كَرَّسَ الْفُرْقَةَ بين الدين والدنيا إذ تحول الدين إلى وظيفة احتكرها رجال الكهنوت وهي تخالف عن وظائف السياسة الزمانية وإن لم تخل من تَمَاسٍّ وَتَقَاطُعٍ في دوائر النفوذ تارة ، وَتَعَارُضٍ في أخرى يحكيه تاريخ أوروبا في العصر الوسيط فلم يخل من صراع على النفوذ بين الكنيسة والعرش ، رجحت فيه كفة الكنيسة في أحيان لا سيما في عُهُودِ ازْدِهَارِ الباباوية ، ورجحت فيه كفة العرش آخر الأمر بعد تقلص نفوذ الباباوية برحيل الآباء الأقوياء ، فلم يخل الأمر في جميع المراحل من صراع ترجح فيه الكفة ذات التأثير السياسي الفاعل ، وتلك ، كما تقدم ، سنة تدافع بين القوى المتصارعة في أي مشهد فكري أو سياسي أو عسكري ، فالصورة آخر الأمر تحكي توزيع القوى على الأرض ، والصراع قد يكون تارة صراع وجود على وجه لا يقبل القسمة على اثنين ، فإن قَبِلَهَا فَإِجْرَاءَ تكتيك اضطراري لا أكثر ، كما في الخصومة الحادثة في الشرق بعد تراجع الهوية الرسالية الجامعة ، هوية الوحي ، وازدهار القوميات العرقية واللسانية الجزئية التي استندت في الجملة إلى مراجع علمانية لا تلائم ، بداهة ، ما اتسم به الشرق من هوية فكرية مستقرة مرجعها الوحي ، فلم يشهد الشرق ، وإن في أشد عصور الانحطاط والضعف ، لم يشهد إشكال الهوية الذي شهده الغرب ، فإن الدين في الغرب كان صنما يعبد من دون الله ، جل وعلا ، فكانت هيئة الكهنوت ، لو تدبرها الناظر ، هيئة آلهة تشرع لا مرجعَ مُحْكَمًا لها فالكتاب قد بُدِّلَ ورجال الدين قد استولوا على حروفه وحدوده فَاسْتَأْثَرُوا بتفاسيره وأسراره على وجه تحول معه إلى وظيفة خاصة لا يمكن للعامة أن تمارسها إلا عبر تلك الهيئات الدينية المقدسة التي احتكرت الحكم باسم الله وإن حكمت بأهوائها وأذواقها ، فكان الكهنوت صنما وكانت السياسة صنما فإن الإمبراطور هو ، أيضا ، صاحب حق إلهي في السلطة الزمانية ، كما الكهنوت صاحب حق إلهي في السلطة الروحية ! ، فَثَمَّ ، كما يقول بعض الفضلاء ، ثم صنمان لا بد من هدمهما قبل الشروع في أي إصلاح فكري أو سياسي ، وهما صَنَمَا الدين المبدَّل والسياسة الجائرة ، وهو مِمَّا عظمت به البلوى في أمصار الشرق فلم يكن أعظم فتنة من علماء سوء احتكروا الدين احتكارَ الكهنوت ، مع القدر الفارق بداهة ، فإن مرجع الرسالة الخاتمة قد سلم مما حاق بالنصرانية بعد التبديل ، فكان ثَمَّ من حجة الرسالة ما يُقَامُ على كل عاقل ذي نظر يحسن يقيس آراء العلماء والفقهاء والساسة والمفكرين ، يحسن يقيسها بمعيار حكيم قد سلم من التبديل في ألفاظه ، وإن تلاعب به من تلاعب من المتأولين نُصْرَةً لمذهب في الفكر أو في السياسة أو في الحرب ، فذلك ما عظمت به البلوى إذ نجح رجال السياسة الجائرة في عقد تحالف آثم مع جملة من علماء السوء الذين مارسوا وظيفة التأويل الذي يطوع النصوص لأغراض خاصة غايتها مكاسب عاجلة يعظم بها النفوذ في إطار شَرَاكَةِ استبدادٍ تحتكر الفتوى الدينية والقرار السياسي فهي تشبه ، من وجه ، شَرَاكَةً الكهنوت والعرش في العصر الأوروبي الوسيط فكان من عظم الجناية على الوحي أن أعطى هذا التحالف الآثم ، أن أعطى الذريعة لتمرير الأفكار العلمانية اللادينية ، فضلا عما ساد الأوساط الاجتماعية من تخلف فكري ومادي ، دِينُ الرسالة منه بَرَاءٌ فقد تأولت هذه الأوساط نصوص الوحي تَأَوُّلًا فاسدا صَيَّرَ الكسل والقعود معنى يحمد فهو رضى بالمقدور ، وَصَيَّرَ التقليد الأعمى في الفقه والفكر والسياسة ، صَيَّرَهُ فضيلة فهو من طاعة أصحاب الطريقة ، وطاعة الأولياء سبب في حصول البركة العظيمة ! ، فكان من فساد الحال ، إن في السلطة أو في المجتمع ، ما نُسِبَ زُورًا إلى الوحي في استنساخ باطل لما كان في أوروبا في عصرها الوسيط ، فلا ينكر ناظر في تاريخ الشرق أن الجمود والتخلف قد خَيَّمَ على النظام السياسي والاجتماعي في أعصاره المتأخرة بل قد استغرق ذلك قرونا قبل السقوط الكامل كما هي السنة الربانية في الدفع الذاتي لأي كيان سياسي فلا ينهار فجأة وإنما يحمل الخلف عن السلف عقدا فكريا وسياسيا يضعف شيئا فشيئا حتى ينحل العقد وينهار السقف ، كما تقدم من حال العقد اليوغوسلافي الذي فُرِضَ على شعوب البلقان بكاريزما الزعيم وقوة النار والحديد ، وذلك مِمَّا يظهر ، بادي الرأي ، أنه عقد محكم لا يُحَلُّ فَيَغْتَرُّ الناظر بحال استقرار في الظاهر قد تطول زمانا لا سيما إن كانت قبضة الحكم باطشة لا ترحم فالمجتمع يدخل في حالٍ تشبه أن تكون بَيَاتًا فِكْرِيًّا شتويا حتى تضعف قبضة الحكم أو يرحل الزعيم ، ويبقى من آثاره ما يدفع الفكرة دفعا ذَاتِيًّا ليس ، لو تدبر الناظر ، إلا صحوة الموت التي قد تستغرق زمانا ، فاستغرق ذلك في البلقان عِقْدًا من الزمان ، وهو عقد الثمانينيات من لدن رحيل الزعيم تيتو 1980 وحتى مطلع التسعينيات التي شهدت اندلاع الحرب البلقانية ، فاحتملت الشعوب اليوغسلافية تركة تيتو السياسية عشر سنوات لا أكثر فتلك قوتها الذاتية الدافعة ، وبعدها كان انقطاع السلك السياسي الجامع لحبات الشعوب البلقانية التي يُفَرِّقُهَا أكثر مما يجمعها ! ، فلم تحتمل الرضوخ للسلطة المركزية في بلغراد ، لا سيما وحسها القومي قد علا ، فبرز صراع الهويات ، آنف الذكر ، فإن تيتو الكرواتي إذ يحكم من بلغراد الصربية فذلك مما قد يبرر البقاء في الاتحاد اليوغسلافي ، وأما استيلاء القوميين الصرب على مقاليد الحكم فذلك ما لا تطيقه الشعوب البلقانية الأخرى على وجه يصعد الأزمة وَيُبِينُ عن إشكال رئيس في بِنْيَةِ الدولة السياسية فهي تحمل في أحشائها جنين صراع دَامٍ بين قوميات متنافرة فلا تجتمع إلا قهرا تحت تهديد السلاح أو تحت تأثير الزعيم صاحب الشخصية الجذابة أو الخطب الرنانة ، فإذا زال القيد الجامع بضعف السلطة أو رحيل الزعيم فكلٌّ يفتش في جعبته ليخرج هوية تميزه فلم يكن إيمان الشعوب السلافية بهوية يوغوسلافيا إيمانا حقيقيا لا سيما مع إساءة الصرب استعمال النفوذ الذي ورثوه في بلغراد ، فلم تحتمل بقية الشعوب اليوغسلافية ذلك ، فقد صار الاتحاد اليوغوسلافي عمليا اتحادا صربيا وأبان استبداد الصرب بالسلطة والحكم ، أبان ، كما تقدم ، عن إشكال رئيس في تحديد الهوية الجامعة ، فالهويات القومية الخاصة قد برزت فكانت سببا رئيسا في إذكاء نار الخصومة السياسية التي تحولت بعد ذلك إلى حرب أهلية فكان هذا التناقض مما سهل مهمة الغرب في القضاء على آخر بؤرة قوية من بؤر الشيوعية ، فما أسهل تفكيك كيان سياسي بعد إذكاء نار الخصومات بين شعوبه أو طبقاته ، فانهار بِنَاءٌ ظاهره الإحكام وحقيقته الوهاء فقد خدع كثيرا من الناظرين فكانت يوغوسلافيا مثالا قياسيا للدولة الشيوعية القوية ، كما كان الاتحاد السوفييتي ، ولكن التناقضات العرقية والاجتماعية في هذه الأمثلة قد سهلت تَفْكِيكَ الكيان إما سلما كما كانت الحال في انهيار الاتحاد السوفييتي ، أو حربا بين الهويات والقوميات كما كانت الحال في انهيار الاتحاد اليوغسلافي ، وهو أمر ، لو تدبر الناظر ، يُرَى لَهُ نَظِيرٌ يضاهيه في الشرق ، فإن الطرح القومي الذي ازدهر في الخمسينيات والستينيات قد بشر بالهوية القومية كعقد سياسي جامع وكان له ، أيضا ، من كاريزما الزعيم وآلة القمع وفائض القوة الاقتصادية والعسكرية ما جعله يجازف فيقامر بمقدرات ورثها فلم يجهد في تحصيلها فكانت المجازفة في حروب مدمرة كالحرب في اليمن التي تحولت إلى مدافعة ومكايدة بين الأنظمة الملكية المحافظة والأنظمة الجمهورية الثورية ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، من بقايا الشرق بعد انهيار بناء السياسة وانقطاع السلك الناظم من الهوية الرسالية الجامعة لحبات انْتَثَرَتْ فَرَاحَتْ تُفَتِّشُ في هويات جزئية تستبدلها بالهوية الرسالية الجامعة مع خضوعها للمركز خضوعا تاما فهي تفتقر إلى مقومات الاستقرار فَبِنْيَتُهَا السياسية هشة فلا تعدو أن تكون شبه دولة أو دويلة ! ، فَتَعَدَّدَتِ الكيانات الضعيفة التي لا تملك مقومات الاستقرار السياسي والاجتماعي مع خضوعها للمركز إن طوعا أو كرها فكثير منها لا يستطيع البقاء على قيد الحياة إن انقطع الحبل السري الذي يصله بالمركز ، وهو أمر قد ظهر في هذه الأعصار بعد أن استتر زمانا على وجه يثبت فشل الدولة الوطنية العلمانية التي لم تحفظ دينا ولم تصلح دنيا فلم تحقق الحد الأدنى من وظائف الدولة ، ولو بمعيارها العلماني اللاديني ، فضلا أنها في نفسها غير مستقرة يسهل التلاعب بها والتآمر عليها فهي على أجنحة شتى في الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد فتشكو من متناقضات كثيرة تسهل على أي خصم أن يخترقها فيوظفها تارة ، كما هي الحال في مصر ، أو يدمرها أخرى كما هي الحال في سوريا ، وهو أمر يراه الناظر في كل أمثلة الدولة الوطنية الفاشلة في الشرق ، فلا تملك الحد الأدنى من القوة الذاتية التي تستغني بها عن الإمدادات اللوجستية والأمنية التي يمدها بِهَا المركز ، فثم دول لا تطيق النفقة على نفسها فتحتاج إلى كفيل اقتصادي كما هي حال مصر التي قَزَّمَتْهَا سلطة الدولة الوطنية مع ما تمتلك من ثروة بشرية ومادية ، وثم دول لا تطيق تحمي نفسها فتحتاج إلى كفيل أمني كما هي حال الخليج فمن رسم حدوده قد تقصد الإبقاء عليها مشتعلة استثمارا لإرث من الصراعات القبلية في ظل انحسار للهوية الرسالية الجامعة فقد استبدلت بها هويات جزئية تشبه أن تكون نسخة جديدة من العصبية الجاهلية ، فالكيانات ضعيفة وهي ، مع ذلك ، في حال من الصراع والكيد السياسي على وجه يذكر الناظر فيها بحال دويلات الطوائف في الأندلس فقد بلغت بها الحال أن استعان بعضها بدوائر في المركز ليحاصر بَعْضًا آخر ، وهي تسلك مسلك الكيان الوظيفي بامتياز فالمركز قد أنشأها ودعمها لتحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية في المنطقة ، وعادة الكيانات الوظيفية أنها تَتَصَارَعُ إذا تجاورت فيحرص كل كيان على إضعاف جيرانه والتآمر عليهم رغبة في السيطرة والهيمنة وإن كان الجميع ، لو تدبروا ، تحت سيطرة المركز وهيمنته ، فهو الذي أنشأ الكيان ووضع في ثَنَايَا تصميمه أسبابا تجعله دوما يحتاج إلى دعم من خارج ويصيره على شفا جرف هار فهو أبدا قابل للانفجار والتشظي بما يحمل في أحشائه من متناقضات فلا ينفك يفتقر إلى دعم المركز فَهُوَ الذي يحمي مقابل ما تحقق هذه الكيانات من غاياته وتحفظ من مصالحه فإذا انتفت الحاجة إليها فلا أسهل من القضاء عليها إذ عقدها السياسي ، كما تقدم ، عقد هش ، ولو بالمعيار الوطني العلماني ، والتناقضات داخلها كبيرة وإن لم تظهر على السطح ، فما أسهل تفجيرها من الداخل ، كما قد وقع في العراق وبلاد الشام الآن فهما مثالان قِيَاسِيَّانِ على فشل الطرح الوطني العلماني ، فعقده ، كما تقدم ، هش ، فضلا أنه يخالف عن إرث الشرق الحضاري فيشكو فصاما وغربة ثقافية في وسط لم يعرف حتى عهد قريب إلا الرسالةَ هوية جامعة فلم يكن ثم من الهويات الجزئية ما يثار الآن على وجه يَرُدُّ الشرق إلى جاهليته الأولى ، فحمية الجاهلية الآن فيه فاشية وهو ما يسهل التحكم فيه بإذكاء الصراع على قاعدة الهوية العرقية أو اللسانية ، فهذا الفصام بين العقد الوطني العلماني الوافد والإرث الثقافي الكامن في الشرق يجعل القوة الغاشمة حتما لازما في فرض هذا الوافد الغريب فقاعدته ضئيلة لا تمثل المجموع الغالب وهي قاعدة تفكر بعقل آخر فارتباطها بالمركز يجعلها محل اتهام بالخيانة الثقافية العظمى فضلا عن لوازمها من الخيانة السياسية والعسكرية العظمى ، فلا تحكم إلا بالقوة التي تحولها إلى نخبة حاكمة قد اعتزلت في بروجها المشيدة فلا تأمن على نفسها في محيط تناصبه العداء وإن أظهرت له من الود ما أظهرت فخاطبته بكلام ناعم لا يرى الناظر من تأويله في الخارج إلا الإجراء الخشن المتعسِّف ، فلا يمكن التحكم في الشرق إلا عن طريق هذه المجموعات الوظيفية الفكرية التي أثارت من الهويات القومية ما قَبَرَهُ الوحي فَلَمَّا ضعف سلطانه بعثه القوم من مرقده ، فأثاروا إشكالا لا محل له في دوائر الفكر والسياسة في الشرق ، فقد أجاب عنه الوحي من قرون إذ رضي للأمة الخاتمة الإسلامَ دينا ، فأثار القوم إشكال الهوية على وجه صَيَّرَهُ مادة يزايد بها الخصوم على بعضهم بِمَعَانِي القومية والوطنية الوافدة من تجربة حضارية وسياسية في المركز تخالف في تاريخها ومعطياتها التجربة الحضارية والسياسية في الشرق التي استندت ، كما تقدم ، إلى الوحي ، وإن حصل فيها من النقص ما برئ منه الوحي فنسب إليه زورا لتبرير الخروج عليه كما خرجت أوروبا على الكهنوت الكاثوليكي فكان من فساد القياس وجوره أن قِيسَ الوحي الرسالي على الكهنوت الكاثوليكي ، فصار الناتج من هذا القياس أن هدم الأصنام الدينية والسياسية في الشرق حتم لازم كما قد هدمت في الغرب ، مع القدر الفارق بداهة ، فلئن كان ثم أصنام تستحق الهدم في الشرق فهي أصنام السلطة السياسية العلمانية الجائرة التي لم تُعْطِ الشعوب فرصة لتعبر عن هويتها الفكرية ولو بآليات الديمقراطية الغربية ، وأصنام السلطة الدينية وهو اصطلاح علماني وافد على الشرق كان ذريعة السلطة أن تحتكر الفتوى الدينية على وجه يحقق مآربها السياسية فظهر من علماء السوء ما ضاهى رجال الكهنوت فَلَهُمْ رغبة عارمة في النفوذ باسم الدين ، فتوى أو طريقة ، وهم جزء من السلطة السياسية ، من وجه ، فضلا أن ثم صفقة تقاسم للنفوذ تشبه الصفقة التي عقدها العرش مع الكهنوت في تاريخ أوروبا الوسيط ، مع قدر فارق رئيس أن رجال الكهنوت قد حرفوا الدين فكان ما يقارفونه يحظى بالتأصيل التام فقد أضيف إلى نص الكتاب فصار ما يعقدون في الأرض محكما لا يُنْسَخُ ، وصار ما يحلون منسوخا لا يُشْرَعُ ، وأما انحراف العلماء في الأمة الخاتمة فهو انحراف في تأويل النصوص لا في تبديلها ، فكان من النص الصحيح المحفوظ ما يفضح جنايتهم التي عظمت إذ أعطت ، كما تقدم ، الذريعة للخصم العلماني أن يطعن في الدين لا سيما إن قَرَنَهُ بالسلطة السياسية المستبدة ، وقد سَهَّلَ انحراف العلماء الذين آووا إلى كنف السلطة ، سَهَّلَ قبول هذه الدعوى فَثَمَّ من الواقع ما يصدقها ، فَثَمَّ صنمان يجب هدمهما كما قد هُدِمَا في الغرب ، وهما ، بالفعل صنمان يجب هدمهما ، ولكن الهادم ، لو تدبر الناظر ، هو التوحيد ، دين الرسالة الخاتمة فهو الذي يهدم الأصنام الدينية الباطلة والأصنام السياسية الجائرة ، فهو ، مع التجوز في الاصطلاح ، ثورة وإعلان حرب على نظم الفساد والاستبداد التي تحتكر خطاب الدين والسياسة زورا ، ولو عُرِضَ مقال الوحي على هذا الوجه لبطلت شبهة الخصوم إذ ألحقوه بالكهنوت ، فعظمت جناية علماء السوء وملوك الجور أن نَفَّرُوا الناس من الوحي ، لا سيما الشباب ، وهم وقود الثورة والتغيير في كل عصر ومصر ، فظنوا أن الثورة على الأصنام لا تكون إلا بالثورة على الدين الخاتم ، مع أنه معدن الثورة على كل باطل ، فالثورة إنما تصح إذا كانت على ما تراكم من المحدثات الدينية والسياسية التي خرجت بهما عن الطريقة الرسالية المحكمة ، فالثورة ثورة تصحيح تجدد ما اندثر من آثار الوحي فإذا سلك الناس جادته فقد كُفُوا مؤنة الحرية والعدالة التي تطلبها كل نفس شريفة فلو تدبرت ما وجدت أشرف من الوحي طريقة ، فهو الذي يُخَلِّصُهَا من قيد العبودية لأصنام الأرض فيخرجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، جل وعلا ، وتأتي على كل صنم من أصوله فتطهر المحل من أوثان الفكر والحس قبل أن تُزَيِّنَهُ بزينة التوحيد والوحي ، وذلك وحده ما يحسم مادة الفشل السياسي والعسكري الذي يطبع التجارب السياسية الوطنية والقومية والتي تظهر ، بادي الرأي ، قوية متماسكة بما تقدم من فائض قوة مادية ومعنوية وَرِثَتْهُ دون أن تصنعه ، كما كانت الحال في الطرح القومي الذي ازدهر في مصر في الخمسينيات والستينيات فقد ورث فائض قوة معنوية هو نِتَاجُ ما تراكم من الحضارة في مصر صاحبة الريادة في الشرق لقرون طويلة لا سيما بعد الفتح الذي رد إليها الحرية فمارست دورها المركزي الذي قَزَّمَهُ الاحتلال الروماني فكان من هويتها الحضارية الإسلامية ما جمع مادة الحكمة من كل حضارة تقدمت فهي ضالة المؤمن ، فأحسنت ، كما يقول بعض الباحثين ، الفرز والاختيار ، فاستجمعت ما ينفع من مكونات الحضارات السابقة ، وصار لها من قوة السياسة والحرب ما يلخصه المجيب عن سؤال ابن خلدون إذ سأله عن القاهرة ولم يكن قد شد الرحال إليها بعد ، فقال : من لم يرها فلم ير عز الإسلام ! ، فلم يكن ذلك ، بداهة ، في يوم وليلة ، ولم يكن نهبة أو خلسة ، وإنما كان رصيدا تَرَاكَمَ من مادة الحضارة التي شكلت هوية مصر الفكرية والسياسية ، فذلك إرث تَنَاقَصَ بعد أن سقطت مصر في قبضة الاحتلال الفرنسي الذي جاء بهوية فكرية وسياسية وافدة لم ينجح في فرضها بقوة السلاح مع ما امتاز به الاحتلال الفرنسي من العجلة وقلة الصبر خلافا للاحتلال الإنجليزي الذي يتحلى بصبر عظيم ، فكان من دولة الباشا ورجاله ، كما يعنون بعض المؤرخين ، كان من دولته ما تَوَلَّى كِبَرَ الأمر فَتَنَاقَصَ رصيد مصر الحضاري في عهده بما شهدته من تغريب استعير له زورا لقب التحديث ، مع ما مارسه الباشا من قمع وعنف ليفرض على مصر هوية فكرية وسياسية تغاير هويتها الأم وذلك ، كما تقدم مرارا ، حتم لازم في فرض أي هوية غريبة على كيان ذي هوية قوية متماسكة كالهوية الإسلامية فلا بد من إجراء عنيف صادم يهدم الهوية الراسخة ويزيل آثارها ما استطاع قبل أن يفرض الهوية الناسخة بقوة السلاح ! ، وَيُرَوَّجُ لهذا الإرهاب الفكري والسياسي بعد ذلك أنه تحديث وبناء ! ، وجاء الإنجليز بعد الباشا وقد أخرجت البذور الفرنسية شجرا تعاهده الإنجليز بالرعاية حتى أثمر ، وكان من ثماره الْمُرَّةِ ما تقدم من تجارب قومية ورثت ما تَبَقَّى من التركة الحضارية مع فائض اقتصادي استعملت بعضه في مقامراتها العسكرية ، كما تقدم من حرب اليمن ، واستعملت بعضا آخر في تجارب وحدة فاشلة كالوحدة بين مصر وسوريا ، وهي قدر قد كتب على البلدين وحتمية جيوسياسية إن كان ثم عقل استراتيجي يحسن التدبير لا زعامة تعشق الترويج فكان من العجلة والسطحية في دراسة القرار ، والسفه والعجرفة في الإجراءات ما عجل بفشل هذه الوحدة التي لم تستند إلى أسباب الوحدة التاريخية بين البلدين فلم تحسن الاستثمار في التاريخ والهوية وإنما رامت اتحادا يستند إلى قواعد وافدة تخالف عن قيم الوحي التي نشأ منها الكيان السياسي الأبرز في بلاد الشرق فتلك حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها ، ولو من وجهة نظر سياسية بحتة ، فالهوية الرسالية هي أوثق الهويات الشرقية وإن مارس خصومها ضدها ما مارسوا من الإقصاء والتهميش ، فلم تنجح هوياتهم البديلة في الإجابة عن سؤال الهوية الإجباري فهو حتم لازم قبل الشروع في بناء أي كيان سياسي وإلا كان كيانا بلا أساس فسرعان ما يَتَهَاوَى ، وهو ما قد كان بعد هزيمة 67 فكانت إعلان وفاة مبكر للطرح القومي ولم يطق التحرك بالدفع الذاتي إلا بقدر ما عاش الزعيم الخالد بعدها ، ثلاث سنوات لا أكثر ، فَبِرَحِيلِهِ رحلت الكاريزما الجامعة كما تقدم من رحيل الكاريزمات الجامعة في الاتحادات السياسية التي تجمع أطيافا متباينة ، كالاتحاد السوفييتي الذي يمكن أن يقال في حقه إن رحيل الزعيم جوزيف ستالين في 1953 هو بداية النهاية التي تأخرت حتى أطلق جورباتشوف رصاصة الرحمة أواخر الثمانينيات فتحرك الجسم بقوة الدفع الذاتي ثلاثة عقود أو يزيد ، وكذلك الشأن في الاتحاد اليوغسلافي آنف الذكر فقد كانت وفاة الزعيم جوزيف تيتو في 1980 بداية النهاية التي تأخرت عقدا أو يزيد قبل أن يطلق سلوبودان ميلوسوفيتش زعيم الصرب رصاصة الرحمة مطلع التسعينيات ليعيد الشعوب البلقانية إلى المربع الأول ، مربع الهوية فقد انحل العقد الشيوعي الذي جمعها على كَرْهٍ مِنْهَا وَمَضَضٍ فَلَمَّا ضعفت قبضته ورحل زعيمه انْقَطَعَ السلك وانفرطت الحبات وراح كل منها يفتش في الذات طلبا لهوية بها يمتاز عن بقية الشعوب البلقانية الشقيقة ! .

    ولم يجد خليفة الزعيم الخالد في مصر ، لم يجد صعوبة في اجتثاث بقايا القومية في إطار تحوله السياسي وانفتاحه الاقتصادي مع ما واجه من ممانعة بادي الرأي مع مراكز القوى الاشتراكية على وجه ألجأه إلى الحيلة الشهيرة التي استعمل بها الإسلام السياسي في القضاء على المد القومي الذي انحسر في السياسة والحرب بعد 67 ولكن بقاياه في المجتمع لا زالت حاضرة لا سيما في الجامعات وهي حواضن العقول ، فكان من صفقة السياسة ما اشتهر وهو ما وَطَّدَ أركان التحول الرأسمالي وإن استفاد منه الإسلام السياسي نوع انفراجة دعوية واجتماعية إلا أن السلطة التي تستأثر بالقوة وتتحكم في خيوط اللعبة كانت أعظم استفادة فقد اجتثت المد القومي وأعادت ترميم ما تهدم من الذات المصرية بخطابها الدعوي الذي استثمرته السلطة في تحريك ملف الصراع بحرب العاشر من رمضان ولن تخوضها مصر بداهة ضد كيان يهود إلا بدافع ديني بعد فشل الدافع القومي في 67 ، ثم كان انقلاب السلطة عليها بعد استنفاد أغراضها فقد وقع الصدام بعد زيارة 77 وما تلاها من إجراءات التطبيع ، فالسلطة كانت من يمسك بالزمام ويضع قواعد اللعبة ويحدد مناطق النفوذ .... إلخ ، فكان لها من أدوات التحكم والسيطرة ما ليس لكيان سياسي منهك قد خرج حالا من محنة عظمى ، فأحسنت السلطة توظيفه في شحذ الهمم وبث روح الوحي في المجتمع فلم تجد بدا إلا أن ترجع بالمجتمع إلى أصوله الحضارية ، بل إن التجربة القومية ، لو تدبر الناظر ، لم تمانع أن يكون للإسلام دور بوصفه جزءا من تاريخ الشرق لا يمكن تجاهله فهو الأصل ، ولكنها رامت توظيفه كمجموع وظيفي خادم لطرحها القومي ، فلا تقبل إلا أن تكون على رأس السلطة وبعدها يكون للإسلام دور ثان ، فدور البطولة الأولى لطرح الزعيم الخالد ولا مانع من بطولة ثانية للإسلام فهو ، كما تقدم ، طرف في أي معادلة سياسية في الشرق ، وإن علمانية ! ، فلا تنفك تلجأ إلى الإسلام السياسي ، فهو يَنْزِعُ فَتِيلَ أزمات كثيرة ، على وجه استدرج به في أحيان كثيرة ، فَقَدَّمَ ، شَعَرَ أو لم يَشْعُرْ ، قَدَّمَ طوق نجاة للسلطة التي تُفَتِّشُ عن أي شرعية سياسية في مجتمع لا زال دور الدين فيه فاعلا وإن لم يكن كاملا ، فالإسلام السياسي إذ يعقد معها الصفقات التكتيكية فهو يعطيها هذه الشرعية ويصبغ عليها من رتوش الهوية الإسلامية ما يستر سوأتها العلمانية فضلا عما يقدمه من الخدمات الاجتماعية التي تخفف من الأعباء الاقتصادية ، وقد فهم النظام الذي تلا اغتيال الرئيس الراحل السادات ، فَهِمَ هذه المعادلة جيدا فعقد الصفقة من جديد مع الإسلام السياسي ، فأعطاه شرعية في الداخل يحتاجها ، فضلا عما يستمده من شرعية المركز ، وهي عنده أولى وأعظم شأنا ، ولكنه لا يستطيع السيطرة بها على المجتمع دون ظهير لها في الداخل ، وتلك إشكالية النظام الحاكم في مصر الآن ، فقد حظي بأكبر دعم من المركز والإقليم ولكنه لم ينجح حتى الآن في تحقيق استقرار حقيقي في الداخل ، فاستقراره بقوة الحديد والنار وذلك استقرار زائف فلا يعدو أن يكون نارا تحت الرماد قد سكنت ولكن جذوتها لم تزل مشتعلة ، فهو يروم المصالحة ، إن صحت الأنباء التي ترددت ، وهي أقرب إلى المنطق السياسي مع أن هذا النظام لا يتحلى بقدر كبير منه ، ولكنه آخر أمره يرى ما آلت إليه الحال فهو يحتاج إلى الإسلام السياسي في الصفقة المعتادة ! ، ليمارس نفس الدور الوظيفي فَيَنْزِعَ فتيل الأزمة مقابل بعض المكاسب مع ممارسة الضغوط الكبيرة جريا على سياسة العصا والجزرة ، فيمنح النظام قُبْلَةَ الحياةِ ، وهو أمر لا يخلو من إجمال ، فهو ، من وجه ، يعيد نفس السيناريو الوظيفي دون جديد بعد ما أريق من دماء وَعَظُمَ من البلاء وتكرر من أخطاء ، فمن وجهة النظر السياسية فضلا عن الأخلاقية يرجح الناظر عدم قبول الصفقة فهي تعطي الخصم ، كما تقدم ، قُبْلَةَ حياة وعامل استقرار يحتاجه في فترته الرئاسية الثانية لامتصاص غضبة الشعب مع ما يَنْتَوِيهِ من الغدر ! ، فثم حزم من الإجراءات السياسية والاقتصادية تقصم الظهر فلا بد من نازع لفتيل الأزمة يكون كالعادة ! الإسلام السياسي بما له من نفوذ واسع في طبقات المجتمع وقواعده خلافا للنخبة الحاكمة عديمة النفوذ والتأثير في المجتمع إلا بما تملك من أدوات السلطة والقمع وهي قد تَنْفَعُ بعض الوقت ولكنها لا تحقق الاستقرار الراسخ الذي يمكن تحقيقه بواسطة الإسلام السياسي ، ومن وجهة النظر الإنسانية ما مع ما أريق من الدماء ولا زال ومع ما انتهك من محارم ولا زال ومع ما عَظُمَ من محنة الْأَسْرِ وهو أمر لا يدركه إلا من دخل السجن فَحُرِمَ الحرية وهي من أعظم النعم الربانية ، فمن هذه الوجهة قد يرجح بعض آخر جانب التهدئة تضميدا للجراح الغائرة وإيقافا للخسائر الهائلة لا سيما والسلطة تملك جميع الأدوات الناعمة والخشنة ، والإسلام السياسي في المقابل في حالة ضعف شديد ، والله ، جل وعلا ، أعلم بوجه الترجيح الصحيح .

    والإشكال ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن هذه الدولة المدنية الحديثة ! التي عمادها الجيش بل هو ثَابِتُهَا المحكم ورأس خيمتها الأوحد ! ، أنها دولة تخالف طَبِيعَتُهَا طبيعة العمل السياسي ، ولو علمانيا لادينيا ! ، فضلا أنها نشأت في الشرق لِتَحْقِيقِ غَرَضٍ يزيد على غرض الحكم المستبد ، فَوَضَعَ محمد علي من اليوم الأول قاعدة في السياسة العدوُّ الاستراتيجي فيها هو الشعب فَأَرَادَ ، كما يقول بعض المؤرخين ، جيشا يمارس الحكم قبل أن يمارس الحرب ، والحكم إذا استند إلى قاعدة فكرية تخالف عن قاعدة الشعب فلا بد من استعمال القوة الغاشمة ، فالحكم في هذه الحال حكم أقلية غالبة تقهر الأكثرية المغلوبة ، والقهر في هذه الحال يجاوز قهر الأبدان إلى قهر الأديان والأفكار ، فلا بد من قوة غاشمة تفرض الهوية الجديدة وتحوطها فَثَمَّ عدو بها يَتَرَبَّصُ وهو الشعب الذي يخالفها الأيديولوجية ، وثم عدو أخطر ، وهو رأس السلطة السياسية في إسطنبول ، لا أنه تُرْكِيٌّ فَلَيْسَ ذَلِكَ الإشكال ، وإنما الإشكال أنه يمثل الإسلام ، روح الحضارة في الشرق ، وقد جاء محمد علي بمشروع سياسي روحه من الغرب قد نُفِخَتْ ، فكان الصدام حتما لازما على وجه لا يخلو من معادلة سياسة دولية تَتَحَكَّمُ فِيهَا تَوَازُنَاتٌ استوجبت دعم إسطنبول لما اقتربت جيوش محمد علي منها فلا زال لها دور في معادلة الاستقرار العالمي ، فكان محمد علي باني مصر العلمانية اللادينية التي استعير لها لقب الحديثة ، وهي ، لو دَقَّقَ الناظر ، حداثية قد تقطعت بها سبل الأفكار والقيم الحاكمة فلا إرث لها من حضارة الشرق إذ جاءت بفكرة من رحم الغرب ، فكانت حداثتها إعلان حرب على الهوية الإسلامية لمصر وهي بمعيار الحاضر ركن رئيس من أركان الأمن القومي المصري ! ، فلم يكن لمصر دور فاعل في حركة التاريخ إلا والإسلام حاضر بل وقائد ، فجاء محمد علي لِيَعْبَثَ بهذا الثابت ولم يكن له أن ينجح إلا بقوة الجبر التي سارت ، كما يتندر بعض الفضلاء ، على طريقة :
    أسد عليّ وفي الحروب نعامة ******* ربداء تجفل من صفير الصافر .

    وهو ما أبان عنه بعض المؤرخين بعبارة محكمة فالنظام العسكري يمارس السياسة في نِزَاعَاتِهِ الخارجية ، ويمارس القمع في نِزَاعَاتِهِ الداخلية ، فالحل السياسي هو مثاله القياسي في نِزَاعَاتٍ خارجية قد تَبْلُغُ في أحيان حد التهديد لوجود الدولة نفسها فضلا عن أمنها القومي ! ، فلا يفكر في الحل العسكري فهو خيار مستبعد لما اتصف به العسكر في الدولة الحديثة من جبن يجعل صاحبه حريصا على تجريد الخصم من أسباب القوة ، فلا أيسر من مواجهة ضعيف مريض فقير أعزل من أسباب بها يدفع عن نفسه سلطةَ حكومة جائرة تسلك جادة الجبان التي أبان عنها أبو الطيب في بيته المشهور :

    وإذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ ******* طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالا

    فالحل السياسي في النِّزَاعِ الخارجي على وجه يَبْلُغُ حد الاستسلام التام ، والحل العسكري في النِّزَاعِ الداخلي مع الشعب الضعيف الأعزل ، فذلك ، كما ينوه بعض المؤرخين ، مثال الحكم في دولة محمد علي الحديثة ! ، وهو أمر يراه الناظر اليوم في هيئة رأس النظام في مصر في الخارج فهو وديع هادئ ، فإذا خاطب الداخل فهو أسد جسور إذ يخاطب عُزَّلًا قد جردهم من أسباب القوة خلافا لمن يخاطب في الخارج فهم ساسة لهم من قوة البروتوكول السياسي فضلا عن حصانة المنصب وأوراق القوة التي لا تملك مصر الآن منها شيئا ، فكانت دولة محمد علي ، لو تدبر الناظر ، إعلان حرب على هوية مصر الإسلامية ، الثابت الرئيس في أمنها القومي الذي جعل لها من النفوذ الإقليمي ما استوجبته هذه الهوية الجامعة ، فَتَقَلَّصَ دور مصر شيئا فشيئا ، بل قد صار دَوْرُهَا دَوْرَ الطاعن في ظهر الإسلام ، كما هي الحال الآن ، وهو أمر تشكو منه بعض أنظمة الحكم الداعمة للنظام فلا تخفي امتعاضها من طريقته في الابتزاز السياسي ولكنها تصبر إذ البديل أخطر ، فلا تطيق أي نظام حكم يستند إلى أي مرجعية إسلامية ، ولو باهتة ، فخيانة العسكر محتملة ويمكن علاجها بِبَعْضِ العطايا على وجه تَتَحَوَّلُ فيه الأنظمة إلى ميليشيات من المرتزقة ! ، فمصر الآن خنجر في ظهر الهوية الإسلامية حجر الزاوية في حضارة الشرق ، بل هي ، أيضا ، خنجر في ظهر الحلفاء الذين يشاطرونها ، لو تدبر الناظر ، وصف المجموع الوظيفي التابع ، فالجميع في فلك المركز دائر ، وإن كان بعضهم أعلى رتبة من بعض ، فَثَمَّ تابع وَثَمَّ تابعٌ لتابعٍ ! ، ولكلٍّ درجةٌ في الوظيفة بقدر ما يملك من مؤهلات في السياسة والاقتصاد ، فلا عجب ، كما يرصد بعض الفضلاء ، أن يحظى أي عسكري يمثل الدولة المدنية الحديثة ! ، أن يحظى بإجماع من كافة خصوم الهوية المصرية الأصيلة ، هوية الوحي ، فاجتمع من كانوا بالأمس خصوما على خلفية الأنظمة العسكرية المتعاقبة التي اختارت سبيل الاشتراكية تارة والرأسمالية أخرى ، فضلا عن خطاب الدعاية التي تُزَايِدُ على نظام كامب ديفيد فكال له أبناء المعسكر الاشتراكي تهم الخيانة ووجدوها فرصة سانحة تَبُثُّ أي روح في جثة الناصرية ، ثم اجتمعوا كلهم آخر الأمر على منصة مرشح عسكري يمثل طرحهم العسكري فهو الأصل الجامع وإن اختلفت الفروع بل واتهم بعضها بعضا بالخيانة فعند الشدائد تذهب الأحقاد ولا شدة أعظم أن تطل هوية مصر الإسلامية برأسها ، ولو على استحياء في طرح باهت ، فرجوع الإسلام إلى الساحة نذير شؤم على الدولة المدنية الحديثة ! فخصمها الاستراتيجي هو الوحي لما تَشَبَّعَتْ به من قيم المركز اللادينية ، بل اقتضت الضرورة أن تُفْرِطَ في خصومتها فهي ضد دينية ، بل وضد إسلامية حصرا ، فالإسلام هو العدو الأول لأي مجموع وظيفي في الشرق ، سواء أكان يهوديا وذلك نص محكم نطق به سياسي خبير من يهود ، فلن يستقر كيان يهود والإسلام شاهر سيفه وكذلك الشـأن في أي مجموع وظيفي شقيق لكيان يهود ! ، فهو يشاطره الوصف ، فالمجموع الوظيفي يعضد نظيره فهم على قلب رجل واحد لأداء الوظيفة الأولى وهي الوقوف سدا منيعا يحول دون رجوع الإسلام ، ولو رجوعا باهتا لا يجاوز حد الهوية المجملة فضلا عن المنهاج المفصل ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مناط صراع آخر أدق ، وهو يُبِينُ عن دور الهوية الفكرية في صناعة الكيانات السياسية ، فكيان ككيان يهود لم ينشأ إلا بعد أن اصطنع هوية فكرية جامعة ، ولو دعوى يكذبها الواقع ، فإنه لم ينجح حتى الآن في تحقيق المساواة السياسية والاقتصادية بين طبقات المجتمع اليهودي ، فما كانت هذه الهوية المصطنعة إلا ضرورة يُمْلِيهَا الواقع فإنه لا كيان في السياسة بلا هوية جامعة ، فاختار آباء الدولة اليهودية الهوية التوراتية ولو دعوى كاذبة يُوَظَّفُ فيها الدين تَوْظِيفًا براجماتيا في إنشاء دولة علمانية ، فالساسة اليهود علمانيون بامتياز بل منهم من قد ثبت إلحاده فلا يؤمن ابتداء لا بإله ولا بيوم آخر ! ، ولكنهم جميعا أبناء إسرائيل ! ، ولو لم تَثْبُتْ نسبتهم فكثير منهم لا ينتسب إلى يهود لا نسبة العرق ولا نسبة الفكر ، وإنما سلك القوم جادة الضرورة ! ، فلا بد من هوية قبل الشروع في إنشاء الدولة واحتكار السلطة ، ولم يجد القوم إلا الهوية الدينية ولو توسلا إلى إنشاء دولة علمانية ! ، وكذلك الشأن في الهوية الصليبية ، كما ينوه بعض الباحثين ، فإن الحملات الصليبية قد جمعت أشتاتا من البشر لا يجمعهم إلا دعوى الصليب التي أحسنت السلطة السياسية والسلطة الدينية توظيفها لتحقيق مآربها المادية ، فلم يكن ثم بوتقة جامعة تُصْهَرُ فيها هذه الأشتات ، كما هي الحال في كيان يهود ، فلم ينجح حتى الآن في استيعاب المهاجرين اليهود ! ، فكان من اختلاف الأجناس في حروب الصليب ما لم يُصْهَرْ في البوتقة الصليبية وهو ما جعله بعض الباحثين سببا رئيسا في ندرة افتداء الأسرى الصليبيين ، فلا يشعر أحد برحم تجمعه بأخيه في الصليبية فهي أخوة زائفة قد اصطنعتها الكنيسة وأملاها الظرف السياسي والعسكري في مواجهة العدو الإسلامي ، فاصطنع له من المكافئ الصليبي ما ثبت زيفه مع أول نازلة فكان كل صليبي يرى خلاصه من الأسر وحفاظه على ما اكتنز من الثروة هو الهدف الأسمى ، وإن بقي إخوته في الصليبية في أسر المسلمين مع يسر المؤنة فلم يشترط الملك الناصر صلاح الدين لفداء الأسرى مبالغ كبيرة ، ولكن شح النفوس لَمَّا استبانت الحقائق ! ، قد جعل رجلا كالبطريرك هرقل يدفع فدية لا تجاوز عشرة دنانير فداء لنفسه وخرج ، كما يقول بعض الباحثين ، بقامة محنية لعظم ما يحمل من ذهب على ظهره ! ، فلم تغني الهوية الصليبية الجامعة أن يدفع ولو جزءا يسيرا من هذا الكنز الذي يحمله فداء لبعض إخوانه في الصليبية ! ، فتلك هوية مصطنعة ، ومع ذلك لم يجد البابا إلا هوية الصليب هوية تجمع هذه الأشتات المتنافرة كما هي الحال في كيان يهود ، فقبل الدولة والسلطة لا بد من الهوية ، فهي ، لو تدبر الناظر ، الثابت الأول من ثوابت الأمن القومي لأي أمة ، ولم يخرج الوحي عن هذا الأصل ، فإنه اشتغل بتأسيس الهوية الرسالية الجامعة قبل الاشتغال في تأسيس الدولة ، فكانت الدعوة قبل الدولة لا على وجه يكرس ما يروم الآن بعض المغرضين أو المغفلين من الطيبين ، لا على وجه يكرس الفصل بين الدين والدولة بذريعة الفصل بين الدعوي والسياسي فتلك طريقة ماكرة في علمنة الوحي واختزاله في هوية مجملة تجعل الدولة علمانية بلحاء إسلامي ! ، فالدعوة قبل الدولة ، وذلك حق ، ولكن الدولة أداة من أدواتها الفاعلة ، فَلَيْسَتْ في نفسها غاية ، ولكنها وسيلة إلى غاية عظمى أن يحكم الناس بالطريقة المثلى ، طريقة الوحي لا أن يحكموا باسم الوحي كما كانت الحال في الدولة الكهنوتية في عصور أوروبا الوسيطة ، فهوية الوحي قد خالفت عن بقية الهويات أنها هوية مفصلة فَلَهَا أصول محكمة بها تمتاز عن غيرها ولها من أدوات التشريع في الفروع ما خالفت به عن بَقِيَّةِ المناهج ، وهو ، كما تَقَدَّمَ مرارا ، مِمَّا بِهِ تَمْتَازُ الصفوف ، فقد اختلف من اختلف من أبناء دولة محمد علي ، بل وشتم اللاحق منهم السابق فكانت دعاية يوليو 52 القدح في الملكية التي تَرْجِعُ نِسْبَتُهَا إلى محمد علي ، ومع ذلك ، وفي مفارقة تُثِيرُ السخرية كما يتندر بعض الفضلاء ، ظل محمد على رمزا للدولة المدنية الحديثة فهو محل احتفاء وتقدير بل وتقديس عند كافة العسكر ومن يؤرخ لدولتهم المدنية الحديثة ! .
    وَبَعْضُ الفضلاء يضرب مثلا يُثِيرُ التأمل ! ، وهو مشهد 11 فبراير 2011م في مصر ، فكان الحزن يخيم على جهاز الإعلام الرسمي وظهرت المذيعة تَرْتَدِي السواد وهي تُعْلِنُ نَبَأَ تَنَحِّي رأس النظام مع بقاء جميع أركانه ، فَعَمَّ الحزن والكيان لم يَزُلْ ، وَهُمْ جزء رئيس من أجزائه فلا زال لهم على الأرض وجود فاعل وإن اقتضت المناورة التكتيكية التراجع خطوة والاحتفاء بعد ذلك بالثورة العظيمة التي علمت العالم فن الثورة السلمية ..... إلخ من عبارات الثناء الكلاسيكية التي امتصت غضبة الجماهير وأعادت تأهيل الجهاز الإعلامي مرة أخرى بنفس أدبياته القديمة ، ومع ذلك خيم الحزن واتشحت المذيعة بالسواد وهي تعلن خبر التنحي ، فالمبنى آنذاك وما ذاع فيه من الغم والكربة يمثل ، عند التدبر والنظر ، حال النخبة ، فإذا جاوز الناظر بعينه محيط المبنى وجد ، كما ينوه بعض الفضلاء ، شَعْبًا بأكمله يحتفل في الشارع ! ، في تَنَاقُضٍ عجيب يمثل الفصام المبين بين النخبة : الأقلية الحاكمة ، والأغلبية المحكومة ، فلم يكونا ولن يكونا أبدا على قلب رجل واحد ، فالوجدان متناقض والمرجع متغاير وهوية الفكر والسياسة على نحوين بَيْنَهُمَا من الصراع ما سد الخافقين ، فَثَمَّ ، كما تقدم مرارا ، اختلاف جذري في المرجع الفكري والأخلاقي والسياسي ، فكانت ثنائية التناقض : أقلية حزينة وأغلبية سعيدة ، فلا يمكن أن يجتمعا في خندق واحد لا فرحا ولا حزنا ، فالنخبة لا تحس بآلام الجماهير ولا تُعَبِّرُ عن وجدانها ، والأغلبية لا تحس بالنخبة فلا تَعِيشُ معها في محيط واحد وإن جاورتها فمجاورة الأبدان دون الأفكار وطرائق العيش والرفاه ، كما يرى الناظر في القاهرة ، حاضرة مصر ، من التجاور الذي يَبْلُغُ حَدَّ التناقض بَيْنَ بيوت الأغنياء وبيوت الفقراء ، وهي الثنائية التي نجحت النخبة في استعادتها فذلك مشهد آخر يثير التأمل ، وهو مشهد أرملة الرئيس الراحل السادات وهي تهنئ رأس النظام بعد نجاح حراك يوليو 2013م ، فقالت : مصر قد رجعت لنا مرة أخرى ! ، فهي تلخص حقيقة الصراع فإن النخبة العسكرية العلمانية ، رَبِيبَةَ المركزِ ، قد استردت الدولة من يد مجموعة إرهابية متطرفة رَامَتِ الرجوع بالبلاد إلى أعصار الفاشية والرجعية والاستبداد الديني .... إلخ ! ، مع ما قدمته من هوية باهتة رامت هي الأخرى الجمع بين المتناقضات إرضاء لجميع الأطراف وتماهت مع النخبة العسكرية ولو من باب التقية أو تأليف القلب ، فلم يكن إلا رد الفعل العنيف ، وتلك رسالة المركز فما الفاعل على الأرض الذي يُبَاشِرُ العمل إلا أداة وظيفية في يد صانع القرار الحقيقي الذي قد يعطي الأداة هامش إبداع ! لا سيما في التفاصيل فلا يُعْنَى كثيرا بالمناورة والتكتيك والخداع .... إلخ ، فاستردت النخبة الحاكمة مصر من يَدِ من انقلب عليها ، كما قال بعض قادة الجيش ، فإن الرئيس المعزول هو من انقلب على قيم الدولة العسكرية العلمانية التي تحكم مصر من لدن محمد علي باشا وحتى الآن ، فلم تصنع الدولة شيئا إلا أن أفشلت الانقلاب عليها واستردت حقها الجبري في الحكم السياسي والاقتصادي ، فوظيفة الحكم وظيفة الجيش الاستراتيجية في الأطراف ، وأما وظيفة الحرب فهي وظيفة تكتيكية لإمرار أي مشروع سياسي يحقق أهداف المركز طبقا لنظرية : التحريك لا التحرير ! ، والجيش الذي يدمن السلطة فمن العسير أن يقلع إلا إذا كان الطبيب صارما في علاجه ، فَمَنْ كان يَتَوَقَّعُ أن الجيش التركي بعد سنين من الهدوء ، من 1997 تاريخ آخر انقلاب إلى 2016 تاريخ المحاولة الأخيرة ، من كان يَتَوَقَّعُ أنه سيعيد الكرة مع ما حصل من تعديل دستوري قَلَّصَ صلاحياته وحذف المادة التي تمنع الملاحقة القضائية لقادته لا سيما قادة انقلاب 1980م الدموي ، وَوَسَّعَ صلاحيات السلطة السياسية في اختيار أهم قادته التنفيذيين وهو رئيس الأركان ، فلم يعد بالانتخاب بين القادة على وجه يقتصر فيه دور السلطة السياسية على التوقيع لا أكثر ، فانتزعت السلطة هذا الحق الأصيل ، وهو ما زاد تحكمها في الجيش مع مراقبة صارمة للقادة .... إلخ ، ومع ذلك ظلت شهوة الحكم في نفوس القادة كامنة مع ما يظهرون من الولاء الشديد ، فذلك ، كما تقدم ، طابع الجيش في الأطراف ، فلم يخرج الجيش التركي عن ذلك فقد أنشئ ليحكم لا ليحارب إلا في أضيق الحدود ، فعمله الدءوب هو السيطرة على المجتمع وقمع أي حراك فكري أو سياسي يهدد مصالح المركز لا سيما الحراك الإسلامي الذي يلقى قبولا في وجدان الشرق بما له من إرث الرسالة والوحي ، فنجح القادة الذين درجوا في مهاد جيش علماني صلب ، كالجيش التركي ، نجحوا في صناعة محاولة انقلاب محكمة كادت تنجح ، فلولا أن قدر الرب ، جل وعلا ، لها الفشل ، فهي تحكي حقيقة محكمة لا تقبل النسخ : أن الجيش في الأطراف بما استقر في وجدانه من عقيدة عسكرية لا يمكن أن يكون أداة تغيير إلى الأحسن الذي يهدد مصالح المركز ، وإن كان هذا الأحسن علمانيا ! ، فضلا أن يكون إسلاميا ولو باهتا ، وهي تحكي حقيقة أخرى أن اشتغال أي جيش بالحكم يقلص قدراته في الحرب ، فإن الغمد لا يحتمل سيفين ، فالجيش التركي لما حاول الانقلاب تقلصت قدراته في التخطيط والتنفيذ فعانت البلاد من حال اضطراب ، لا سيما على حدودها الجنوبية وهو ما أعطى لخصومها فرصة التَّمَدُّدِ لا سيما الكيان الكردي الذي يحظى بدعم مباشر من المركز ، فعانت البلاد من حال اضطراب لا زالت تشكو حتى الآن من آثارها وإن تقلصت تدريجيا ، فَأُعْلِنَتْ حال الطوارئ وشهد الجيش تغييرات جاوزت حد القادة إلى إعادة النظر في البنية التعليمية لصناعة وعاء جديد من أوعية الأفكار ينسخ الوعاء القديم أو يخفف من آثاره ما أمكن ، فضلا عن توسيع لصلاحيات السلطة السياسية في ترقية القادة واختيارهم ..... إلخ ، وكل أولئك بداهة ما أحدث في الجيش اضطرابا شديدا فلم يقتصر الأمر على القبض على من نفذ المحاولة وإنما طال الاعتقال والتسريح شريحة كبيرة من القادة بلغت النصف فضلا عن آلاف من الرتب الوسيطة والصغيرة ، وهذا التغيير المفاجئ يؤثر لا محالة في قدرات الجيش ، ولو حينا يطول أو يقصر ، حتى يستعيد الجيش اتِّزَانَهُ ، فلا يطيق في هذه الحال أن يطلق رصاصة ، فتجاذبات السياسة قد جعلته على أنحاء وإن شئت الدقة على أشلاء إذ تعددت فيه الولاءات وصار أجنحة ولاؤها الأول ولاء سياسي ، فليس ثم ولاء فكري بل ولا ولاء وطني ، ولو بالمعيار العلماني القياسي في دول المركز التي تحرص دوما على قدر فارق بَيْنَهَا وَبَيْنَ الأطراف يضمن لها الاستقرار السياسي والحفاظ على ثوابت الأمن القومي ، ويضمن للأطراف في المقابل الاضطراب السياسي والاختراق الكبير للأمن القومي فكرا وسياسة وحربا واقتصاد وأخلاقا ..... إلخ من ثوابت الأمن القومي ، فالمركز يتدخل بنفسه لإشاعة الفوضى في الأطراف كما كانت الحال في غزو بلاد الأفغان 2001 والعراق 2003 على سبيل المثال ، أو يتدخل عبر وكلائه وهم من النخب العلمانية حصرا سواء أكانت عسكرية أم مدنية كما تقدم من حال النخبة الإعلامية التي اتشحت بالسواد لهزيمة جزئية لم تؤثر في بنية النظام الرئيسة فلا زال متماسكا بل قد كان رحيل رأسه آنذاك إنقاذا له من غضبة الشعب الذي بَعَثَتْهُ هويةٌ أبان عنها انطلاق الحراك من المساجد ، فكان الإسلام ، ولو مجملا شديد الإجمال لا يجاوز حد الرمز لا أكثر ، كان هو المحرِّكَ وهو ما يجعل الخطر أعظم فالبلاد تَرُومُ استعادة هَوِيَّتِهَا وصلة نسبتها الفكرية التي قطعها محمد علي باشا ورجالاته عبر العصور ! تقطيعا ، فجاءت فرصة لا ترقى أن تكون ثورة ، فتماهت أجنحة من النظام مع الحراك احتواء وتوظيفا لهدف تكتيكي لا يعارض أهداف المركز الاستراتيجية ، فلا يتدخل ، كما تقدم ، في التفاصيل ، طالما أن النتيجة قد حسمت سلفا فلا زال النظام راسخا يمسك بمفاصل الدولة الرئيسة لا سيما مفاصل القوة الصلبة التي تشكل نواة الدولة العلمانية العسكرية بل وأي مفصل مدني مؤثر كالمفصل الإعلامي الذي يجاوز دوره في أحيان دور المفصل العسكري فهو يحكي الطموح العسكري في عبارات تشحذ النفوس فهي تصنع وجدان الجماهير الغفيرة إن في البيان رقم 1 وما يليه من الإعلام العسكري المباشر الذي يجعل الشعب يعيش حالة الحرب ، ولو كانت حال هزل تُثِيرُ السخرية في أوساط العقلاء لا سيما صناع القرار في المركز وهم يشاهدون جيوشا تتحرك بالآلاف في عمليات يفترض أن تقوم بها قوة شرطة لا يجاوز عددها العشرات كما هو طابع العمليات النوعية الخاصة ، فيصنع الوجدان إن بالإعلام العسكري الهادر أو الإعلام المدني الناعم الذي يصنع الرأي العام على نار هادئة ، فسلامة المفاصل الرئيسة للدولة العلمانية السطحية والعميقة ! يجعل المركز لا يهتم كثيرا بالتفاصيل الجزئية ، فلا يتدخل إلا إذا استدعت الحال مُرَجِّحًا من خارج ، فتدخله تدخل نوعي يجعله يحكم بواسطة المجموعات الوظيفية فإن أخفقت في إدارة المشهد فالمركز يتدخل بنفسه لإنقاذ الموقف وإعادة تأهيل النخب الحاكمة فبريطانيا ، على سبيل المثال ، قد اضطرت أن تَتَدَخَّلَ تدخلا مباشرا في مصر في 1882م بذريعة حماية الأقليات بعد حادث الإسكندرية المشهور ، وحقيقة الأمر أنها تدخلت لَمَّا خرج الأمر عن حد السيطرة ، فَهَدَّدَ حراكُ أحمد عُرَابِي الدولة المركزية ، دولة محمد علي ، مع أن عرابي لم يكن ذا طرح إسلامي صريح بل كان حراكه مدنيا علمانيا يتماهى مع قيم المركز ونظرياته في صناعة الدولة ونظام السياسة ولكنه عبر آنذاك عن طموح الجماهير التي لا زال الإسلام حاضرا في أذهانها لا سيما وهي تَتْبَعُ ، ولو اسميا ، خلافة مركزية عقدها السياسي الرئيس هو عقد الإسلام على ما اعتراه آنذاك من وهاء ، فضلا أن عرابي قد هدد مصالح المركز الذي صنع دولة محمد علي لأهداف معينة فالخروج عنها ، ولو إلى أهداف علمانية أخرى تجعل لأصحاب الأرض الحق في الحكم ، هذا الخروج يستدعي تدخلا مباشرا من المركز إذ فشل وكيله الوظيفي في احتواء الحراك على وجه ينذر بخروج البلاد عن حد السيطرة ، فكان التدخل العسكري المباشر وكان العنف الصادم الذي شَلَّ الأركان وإن لقي ، كما يقول بعض الفضلاء ، نوع مقاومة في الريف والبوادي فكان فيها من بداوة الطبع ما لم تفسده حضارة المدن التي سَلَّمَتْ بسرعة فكانت المقاومة فيها أضعف بكثير ، فسيطر الإنجليز على البلاد واعتقلوا عشرات الآلاف ، وأصدورا القرار الرئيس عقيب أي غزو ! ، وهو حل الجيش وأجهزة الأمن التي زالت تحتاج إلى إعادة تأهيل لئلا يخرج منها عرابي جديد فضلا عن صلاح دين جديد ! فالمصيبة به أعظم ، فَحُلَّ الجيشُ وَسُرِّحَ القادة والضباط وأعيد إنشاؤه على مثال قياسي يحقق أهداف المركز ، فكان اشتراط التعليم البسيط لا سيما في طبقة الجند مع سيطرة الإنجليز على مراكز التحكم والسيطرة فهم قادة الجيش المصري الذي احتلوا بلاده وَحَوَّلُوهُ إلى قوة شرطة لا تجاوز بضعة آلاف مع تحكمهم في التسليح والتخطيط والتدريب ..... إلخ ، فكان ذلك رد فعل صارم كَشَّرَ فيه المركز عن أنيابه ونسي قيمه الديمقراطية بل وتخلى فيه الإنجليز عن برودهم السياسي المعهود ، ولو إلى حين حتى سيطروا على البلاد وقمعوا أي حراك يقاوم أو يعارض ، ثم رجعوا إلى برودهم المعهود فكان العمل الهادئ في إصدار النسخة الثانية من نسخ الدولة العلمانية العسكرية وإن حظيت هذه المرة بقدر كبير من القيم الديمقراطية الغربية التي لا تخرج عن أهداف المركز فوضع الإنجليز قواعد لعبة سياسية لا تهدد مصالحهم في البلاد فهي لعبة يَتَلَهَّى بها الساسة مع رجوع الجميع آخر أمرهم إلى المعتمد البريطاني فهو صانع القرار الرئيس ولو بالإقرار سكوتا ، فالسكوت في موضع البيان سكوت ! ، وهو رجل ذو عقل وفكر فلا يهتم بالدقائق والتفاصيل إلا إذا وجد فيها ما يجاوز الخطوط الحمراء فيكون تدخله المباشر على نحو صارم يعيد التوازن إلى معادلة السياسة ، ولما تطورت الحال واستنفدت النسخة الملكية أغراضها وانتهت صلاحيتها الجماهيرية وصارت البلاد ، كما تقول تقارير المركز ، حُبْلَى بثورة حقيقية قد يسترد بها الشعب الحكم ولا زالت الهوية الإسلامية حاضرة بقوة لا سيما وذكرى حرب فلسطين 48 حاضرة في الذهن الذي يرى القتال لتحرير هذه البقعة من الأرض واجبا دينيا قبل أن يكون قوميا أو وطنيا ، فكانت إعادة التأهيل مرة أخرى للدولة العسكرية العلمانية ، فكانت نسخة ثالثة من دولة محمد علي ، فجاءت دولة يوليو 52 التي احتفظت بهامش مناورة مع المركز وإن لم تخرج عن السيطرة ، لا سيما وقد أظهرت عداء مستحكما لهوية البلاد الفكرية ، هوية الرسالة ، فكان الخلاف في التفاصيل وتوزيع الأدوار ومناطق النفوذ السياسي .... إلخ ، ثم كانت الرصاصة القاتلة التي احتفظ بها الغرب في جيبه ولا تَزَالُ فيه حتى الآن فهو يخرجها كلما احتاجها ! ، فأطلق رصاصة على نسخة يوليو 52 في حزيران 67 ، فَثَمَّ وظائفُ سياسيةٌ جديدة لا تطيقها ، فانتهت صلاحيتها كما انتهت صلاحية الدولة الملكية ، ولم يكن المركز في هذه اللحظة يحتاج التدخل المباشر ، كما لم يَحْتَجْهُ في يوليو 52 فأوكل الأمر إلى كيان يهود ، مجموعه الوظيفي الجديد في المنطقة ، ثم صدرت النسخة الرابعة ، نسخة بطل الحرب والسلام التي نسخت الحقبة الناصرية فمحت آثارها لا سيما بعد حركة التصحيح في مايو 71 التي مهدت الطريق لعملية السلام بإزالة بقايا الناصرية ، ثم كانت صفقتها التكتيكية المشهورة مع الإسلام السياسي ، ثم صدرت النسخة الخامسة ، نسخة أكتوبر 81 ، وهي نسخة كامب ديفيد التي نقلت الجيش ، وهو قطب رحى السياسة المصرية ، نَقَلَتْهُ من ذكريات أكتوبر العسكرية إلى واقع جديد عنوانه الرئيس : السلام خيار استراتيجي أوحد ! ، وهو ، بداهة ، ما يجعل أي جيش في الدنيا يَتَعَفَّنُ ، فلم تعد الحرب وظيفته مع أنه ما أنشئ إلا لأجلها ! ، فجمع الجيش إلى وظيفة الحكم وظيفة جديدة وهي وظيفة التجارة ، فضلا عن وظيفة أخطر وهي وظيفة التطبيع مع كيان يهود لا سيما في أوساط الجند وسيطرة الجيش عليهم سيطرة مباشرة لا تسمح إلا بهامش ضئيل من التدين ، فضلا عن أوساط الشعب الذي لم يهضم هذا المنتج الفكري الذي يخالفه عن إرثه الرسالي ، فهذه النسخة ، لو تدبر الناظر ، ناسخة لنسخة أكتوبر ، ولعل ما يقع الآن في الجيش المصري من صراع أجنحة يحكي ، من بعض وجوهه ، الصراع المكتوم بين جيل أكتوبر وجيل كامب ديفيد ، كما كانت الحال أيام الرئيس الراحل السادات صراعا بين جيل يوليو وجيل أكتوبر الذي قَرَّبَ السادات رجالاته واصطفاهم للحكم من بعده وفي جميع هذه المراحل كان الإسلام السياسي حاضرا كعامل يؤثر لا عامل يصنع الحدث لا سيما وهو يفتقر إلى نظرة استراتيجية بعيدة المدى وإن اعتذر من اعتذر أنه أبدا ، مُنْهَكٌ مُجْهَدٌ بعد كل ضربة يَتَلَقَّاهَا وذلك ، أيضا ، محل عتاب بل وَذَمٍّ ، فإن الضربة تَتَكَرَّرُ كُلَّ جيل من نفس الخصم بنفس الكيف وإن اختلفت شدتها وآثارها ، فإذا بلغ به الجهد كل مبلغ كانت إعادة تأهيله ، أيضا ، كما تؤهل الدولة العسكرية في كل مرحلة ، فهو رقم رئيس في معادلة السياسة لا سيما في الشأن الداخلي وهو أمر لا يقلق المركز بل إنه يحرص على ذلك لأنه يعلم أن الإسلام السياسي صمام أمان لأي نظام سياسي يحكم الأطراف فيميل إلى سياسة الاحتواء بالجزرة فإن جاوز الإسلام السياسي الحد فَثَمَّ عصا غليظة كعصا 54 و 56 وأخيرا يوليو 2013 ، ثم تكون المداعبة بنفس الجزرة ترغيبا بعد العصا ترهيبا ، ويكون من صفقات السياسة ما يعيد تأهيله لأداء دور آت في قابل الأيام ، والله ، جل وعلا ، أعلم بالغيوب وما تخفيه الصدور ، فَثَمَّ الآن ، وهو محل الشاهد ، ثم صراع ظهرت آثاره في العلن بَيْنَ جيلِ أكتوبر وجيل كامب ديفيد ، فجيل كامب ديفيد يُنَكِّلُ برجل كبير المنصب من رجالات أكتوبر وهو رئيس الأركان السابق ، فيبعث بذلك رسائل عدة منها أنه قد نجح في القضاء على جيل انتهى دوره ، فكانت نسخة 2013 التي خرجت من رحم نسخة 81 ، فنشأت في عصرها الذي دارت فيه عجلة التطبيع السياسي والعسكري والاقتصادي وإن أخفق التطبيع الفكري والاجتماعي ، فضلا أن هذه النسخة ، نسخة 2013 سوف تنفذ مهاما سياسية وعسكرية جديدة لا تطيقها نسخة 81 ، كما أن نسخة 81 قد نفذت مهاما لا تطيقها نسخة بطل الحرب والسلام ، فلكلِّ نسخةٍ ، كما يقول بعض الفضلاء ، وظيفة لا تطيقها النسخة السابقة ، مع حضور الإسلام السياسي إما لاعبا بقدر ما يتاح له ، أو في السجن حتى يتعلم الأدب ! إن جاوز طموحه الخط الأحمر فَحَدَّثَتْهُ نفسه أن يحكم ، ولو حكما صوريا باهتا ! ، فنسخة يوليو 2013 لها وظائف لا تطيقها نسخة 81 ورئيس الأركان السابق رجل من رجالاتها ، فالتنكيل به ، من هذا الوجه ، إعلان ولاء صريح فنسخة 2013 أداة المركز في طرحه السياسي الجديد في المنطقة والذي يمثل الحراك العسكري البانورامي ! في سيناء الآن جزءا منه وإن كان حراكا ذا أهداف كثيرة في الداخل وفي الخارج ، فالنسخ ، لو تدبر الناظر ، نسخة محمد علي الأولى ، ونسخة 1882 البريطانية ، ونسخة يوليو 52 ، ونسخة 70 ، ونسخة 81 ، ونسخة 2013 ، كل هذه النسخ مع اختلافها وما بَيْنَهَا من صراعات داخلية إلا أنها جميعا لا تخرج عن ثابت رئيس قد وضعه المركز الذي أنشأها جميعا وهو : الدولة العلمانية العسكرية الصلبة التي يكون الجيش فيها صانع السياسة المباشر أو من وراء ستار مع هامش سياسي للتيار الإسلامي بوصفه القوة الجماهيرية الأكبر ، وهو هامش يَتَّسِعُ تارة كما كانت الحال في السبعينيات ، ويضيق أخرى مع شد وجذب يعطي فسحة لا بأس بها كما كانت الحال من 81 إلى 2011 ، وَيَنْعَدِمُ ثالثة كما هي الحال الآن ولو حتى حين بعد أن يَعِيَ الإسلام السياسي الدرس الذي تكرر وهو ، مع ذلك ، لا يفقه حقيقة الصراع فلا زال يناور في حيز ضيق قد حده المركز ، فلا زال يَرُومُ الصفقة القياسية مع الدولة العسكرية ، ولو على استحياء ، أو تصريحا من هنا أو هناك يُحَمَّلُ قائلُه التَّبِعَةَ إن أحدث ضجة ! ، وكأن المبادرات السياسية مبادرات فَرْدِيَّةٌ يطلقها صاحبها من رأسه نيابة عن غيره دون رجوع أو استشارة ! .
    والمركز لا زال يحتفظ بورقة رئيس الأركان في يده ، فهو الآن ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاءِ ، يُكْسَى لحاء المقاوِم المنقِذ لمصر من الضياع ، كما قد كُسِيَ النظام الحالي نفس اللحاء فهو مخلص مصر من الفوضى السياسية والفاشية الدينية والأزمات الاقتصادية ، فرئيس الأركان الآن يُصْنَعُ على مهل ، ولو ورقة احتياطية ، فصانع القرار لا يحسن به أن يضع بَيْضَهُ كله في سلة واحدة ، وطرح رئيس الأركان المدني ! ، ليس عند التدبر والنظر ، إلا محاولة جديدة لإعادة تأهيل الدولة العسكرية المترهِّلَةِ ، فهو ، من وجه ، طرح أخطر من طرح النظام الحالي ، فالنظام الحالي ، كما يقول بعض المحللين ، إما أن يمرر طرحه أحادي الرؤية فَتَنْتَقِلَ البلاد إلى مرحلة عظمى من مراحل الاستبداد المركزي وذلك لا يُثِيرُ امتعاض المركز لا سيما وهو يؤدي وظائفه السياسية بكفاءة ! ، وإما أن يفشل وينهار وانهياره يفضي إلى انهيار الدولة بثورة أو فوضى كبيرة يُتَوَقَّعُ ، باستقراء السنة الربانية ، يُتَوَقَّعُ أن تكون أكبر بكثير من الفوضى الجزئية التي حدثت بعد 11 فبراير 2011 ، فكلما زاد القمع كان رد الفعل ثورة أو فوضى أكبر ، أو هما جميعا ، وذلك ما يُفْضِي إلى صناعة قيادات جديدة في الفكر والسياسة تخرج من رحم هذه الفوضى ، ولن تكون ، بداهة ، تابعة للمركز فَقَدْ طُبِخَتْ هذه المرة في مطبخ آخر غير مطبخه وهو ما يجعل السيطرة عليها أصعب بل قد تَتَعَذَّرُ لا سيما في مبادئها الْفَتِيَّةِ فنار الفوضى قد عَمَّدَتْهَا ، باصطلاح السياسة والحرب ، فَصَلُبَ عُودُهَا واستوت على سوقها ، وذلك ، بداهة ، ما يجعل رئيس الأركان في هذه الحال هو الخيار الذي يجب تأهيله سياسيا ليلعب دور المنقِذ ويعقد من المصالحة ما يَنْزِعُ فتيل الأزمة قبل انفجارها ، فهو ، لو تدبر النظر ، أخطر من النظام الحالي فليس إلا إعادة تأهيل جديدة للدولة العسكرية العلمانية في نسختها السابعة هذه المرة ! ، مع ظهور مفاجئ من لندن ، عاصمة السياسة الدولية وأحد معاقل التيار الإسلامي السياسي في منفاه الاختياري تارة والإجباري أخرى ! وهو ما يجعله تحت سمع بريطانيا ونظرها ! ، مع ظهور مفاجئ لزعيم تيار إسلامي لطيف يقدم كالعادة البديل السلمي ! ، فما تصنع الدولة العلمانية العسكرية العنيفة من تشكيل لهوية المجتمع تحت تهديد السلاح ! ، فهو يطيقه بطريقة ناعمة دون حاجة إلى قوة مسلحة فهو يحتاج فقط هامشَ سياسةٍ أوسع لا يهدد مصالح المركز بل هو يُحَقِّقُ ما يريد من الفصل بين الدين والسياسة بذريعة الفصل بين الدعوي والسياسي دون حاجة إلى عنف سياسي أو عسكري ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قد يكون خطرا أعظم مِنْ كُلِّ ما تقدم فهو اختراق نوعي للمرجع الفكري لحضارة الشرق وإن تم بأدوات تَنْتَسِبُ إلى هذه الحضارة وإن نسبة ربما تكون أشد إجمالا وسذاجة من نسبة الإسلام السياسي القياسي ، فالأمر لا يعدو أن يكون مزيدا من التنازل الفكري سعيا في نجاح سياسي ! .

    وهذه النسخ العسكرية ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، على ما بَيْنَهَا من خلاف قد يبلغ حد التصفية السياسية أو الجسدية إلا أنها جميعا إذا اشتد الخطر تَنْسَى ما بَيْنَهَا من الخلافات البينية إذا أطل الوحي برأسه ، ولو على استحياء ، وتأويل ذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، اجتماع الخصوم على منصة سياسية واحدة إبان الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في صيف 2012 ، فوقفت كريمة الزعيم الخالد وأبوها رائد الاشتراكية ، ووقفت أرملة بطل الحرب السلام وزوجها رائد الرأسمالية ، ووقف معها ابن أخ لزوجها مع ما بَيْنَهُمَا من خصومة ، ووقف المرشح الذي يدين بالولاء لصاحب الضربة الجوية التي فتحت باب الحرية ! وقد اتهمته عائلة الرئيس الراحل السادات اتهاما مباشرا عقيب أحداث يناير 2011 أنه ضالع في اغتيال الرئيس ولو بالتآمر غير المباشر في حادث المنصة المشهور ، ووقف الجيش بأجهزته كافة خلف هذا المرشح الذي نكلت به السلطة الآن وأجبرته أن يتنازل في مشهد مهين بعد أن كان يوما خيارها الوحيد للبقاء على قيد الحياة ، فلا يخفى ما كان بينه وبين أجهزة الجيش آنذاك من خصومة كبيرة لا سيما وهو ينظر في حالهم أنهم قد تآمروا على أستاذه ومثله الأعلى كما كان يصرح ، فَوَقَفَ الجميع خلف هذا المرشح استنقاذا للدولة العسكرية وهي ، كما تقدم مرارا ، دويلة وظيفية في يد المركز فالصراع الرئيس مع صاحب القرار لا مَنْ يُنَفِّذُهُ وإن بدا أنه صانعه لا سيما في التفاصيل الجزئية وهي دويلة براجماتية بامتياز تقف حيث تنتهي مصالحها لا مبادؤها فليس لها ، ابتداء ، مبدأ محكم ! ، فَوَقَفَتْ نُسَخُهَا جميعا وقفة صدق خلف ذلك المرشح الذي أُطْلِقَ عليه آنذاك أنه حامل لواء الدولة المدنية الحديثة ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، أمر يثير الضحك أن يكون حامل لواء الدولة المدنية على ما يتبادر إلى الذهن من إطلاقها ، أن يكون جنرالا من كبار جنرالات الجيش ! ، كما يروج الآن في حق رئيس الأركان فهو ، أيضا ، الأمل في إحياء الدولة المدنية الحديثة التي لا يحسن يُحْيِيهَا إلا ضباط الجيش ! ، وهي ، لو تدبر الناظر ، الدولة العلمانية ضد الإسلامية في الشرق فذلك ثَابِتُهَا الرئيس الذي لا يُنْسَخُ ولا يَتَبَدَّلُ ، فوقف كل أولئك ممن تقدم ذكرهم في مقابل الدولة الدينية الكهنوتية ! فاكتسبت المعركة بعد أيديولوجيا لا يخفى ، وَتَنَاسَى الجميع خلافاتهم المستحكمة التي تبلغ حد السجن والإقامة الجبرية بل والتصفية الجسدية إن لزم الأمر ، وقف الجميع وقفة صدق ضد العدو الأخطر على دولتهم المدنية الحديثة فهو يهدد أمنها القومي كما سطروا في كتبهم التي يُدَرِّسُونَهَا في معاهد الأمن والحرب ! ، فالإسلام ، ولو شعائر وهديا ظاهرا ، خطر رئيس على الأمن القومي للدولة المدنية الحديثة ، فالقوم قد حرروا الأمر دون مجاملة مع إفراط الخصم في المجاملة والمداهنة التي تحمل لقبا يثير السخرية إذ يجمع المتناقضين : لقب الدولة المدنية بخلفية إسلامية ! ، فهي دول علمانية ضد إسلامية تَرَى الإسلام عدوها الاستراتيجي الأول وهي مع ذلك بخلفية إسلامية ! ، وكل أولئك مما يحكي مَا تَقَدَّمَ من إشكال الهوية في الشرق ، فهذه الصراعات ما كانت لِتَقَعَ إذا كان الشرق ذا هوية تعبر عن جذوره الفكرية فما وفد عليه من الهوية العلمانية هو الذي وَلَدَّ هذا الصراع بين نخبة تمثل الأقلية الغالبة بما أمدها به المركز من أدوات الدولة المركزية والقوة الجبرية ، فَتَسَلَّلَتْ إليها الأفكار العلمانية التي أثارت إشكال الهوية ولم تكن يوما محل إشكال إلا بما راج من شبهات وافدة ساهم في رواجها ما كان من حال الشرق المتخلفة ، فبرزت إشكالية الصراع بين الهويات القومية والعرقية الجزئية مع ضعف الهوية المركزية الجامعة ، فبرزت الأفكار الطورانية في المركز في إسطنبول وكان فيها من العنصرية ما نَفَّرَ الأطراف التي رَدَّتِ الباطل بِبَاطِلٍ آخر يضاهيه بل قد زَادَ عليه فِي الفساد بالنظر فيما آل إليه الصراع ، فكان من الهويات القومية المحدثة ، العربية والكردية والأمازيغية .... إلخ ، ما صارع الهوية الطورانية ولم يرجع الجميع في الصراع بداهة إلى الهوية الرسالية الجامعة فوحدها ما يحسم هذا الصراع المفتعل الذي أذكى المركز ناره ، وهو ما يرى الناظر اليوم آثاره ، على سبيل المثال ، في تَرَاشُقٍ جديد بين مصر وتركيا على خلفية ترسيم الحدود مع قبرص ، وهو إجراء سياسي مصري كان فيه من الكيد السياسي لتركيا ما لا يخفى في إطار تدشين لتحالف شرقِ متوسطي يدخل فيه الكيان اليهودي للوقوف أمام الخصم التركي ، وإن لم يخل الأمر من سؤال أثاره بعض المعلقين ، إذ تحرك تركيا الآن لا يخلو من تساؤل ، فقد عقدت قبرص التي لا تعترف بها تركيا اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع كيان يهود دون رجوع إلى تركيا في مخالفة للقانون الدولي ، ولم يصدر من تُرْكِيَا آنذاك تعقيب خلافا لما كان في الترسيم المصري القبرصي الذي فَرَّط به النظام في مصر في حقوق مصرية سيادية إن في المياه الإقليمية أو في الثروات الغازية مجاملة لكيان يهود فهو داعم رئيس ومجاملة لقبرص اليونانية خصم تركيا التي صارت العدو الاستراتيجي في إخلال صريح بمفهوم الأمن القومي المصري الذي يرى دولة في حجم تركيا ودورها الحضاري والسياسي ، يراها عدوا استراتيجيا ولا يرى كيان يهود كذلك ! ، وهو ما يجعل المشاكلة في الدور ما ينحط بمصر إلى دركة تضاهي دركة الكيان اليهودي فقد صارا جميعا من المجموع الوظيفي الذي يستعمله المركز في إدارة الأطراف على تفاوت ، بداهة ، فكيان يهود مجموع وظيفي أقوى فدرجته في الوظيفة أعلى ، والأمر ، كما تقدم ، لا يخلو من تساؤل ، وكأن الجميع يحسب الحساب لكيان يهود ، إن تركيا أو مصر ، وتركيا ، مع ما تشهده من مشروع يروم استقلال القرار ، فلا يمكن إنكاره ، إلا أنها لم تخرج حتى الآن عن وصف المجموع الوظيفي فهي جزء من معادلة السياسة الدولية ومعادلة الحرب الأطلنطية ، وإن شئت الدقة فَقُلْ إن الجميع يحسب الحساب لمن يقف وراء كيان يهود من النظام الدولي بل والمحيط الإقليمي العربي ! ، فالصدام مع كيان يهود الآن مخاطرة كبيرة ثمنها غالٍ جدا ! ، وإن أجاب بعض المحللين الأتراك بأن تركيا قد أرسلت قطعتين بحريتين إلى شرق المتوسط بعد ترسيم الحدود البحرية بين قبرص وكيان يهود في رسالة ذات مغزى سياسي ، ولكن هل أحدث ذلك تغييرا في موقف قبرص وكيان يهود ؟! ، وفي المقابل يستثمر النظام في مصر هذه القضية في صناعة العدو الاستراتيجي الذي يحشد به الجبهة الداخلية ، كما يصنع الآن في معركته المصيرية مع الإرهاب الأسود ! في سيناء والدلتا والجبهة الغربية في إعلان حرب على كل معارض في أي مكان ، فَثَمَّ حشد تمارسه المجموعات الوظيفية الإعلامية على وجه ساذج مستنسخ من أدبيات : لا صوت يعلو على صوت المعركة ! ، وعينه على المشاركة الشعبية الكبيرة في الانتخابات الرئاسية فلا بد أن يحظى بإجماع وتفويض لمجابهة هذا العدو المتربص بأمن مصر المائي وَثَرَوَاتِهَا الغازية ...... إلخ ، مع رفع سقف الخطاب وإبراز العضلات بتحريك حاملة الطائرات المصرية تجاه المنطقة محل النِّزَاعِ ، فقد جاء وقت استعمالها على وجه أبان عن حكمة القيادة إذ سارعت في شرائها ! ، فمصر لها أنياب ومخالب وإن كان الناظر لا يَرَاهَا إلا ضد تُرْكِيَا وكل من يخالف مصالح الكيان اليهودي والقوى الإقليمية الداعمة فلا يخرج النظام عن توجهاتها السياسية إلا بهامش مناورة ضيق لتحقيق بعض المكاسب الجزئية التي تَتَّسِمُ بسذاجة الرؤية السياسية ، مع مراهقة سياسية لا تخلو من مزايدة في تَغْيِيرِ اسم شارع سليم الأول وهو من أشهر شوارع حي الزيتون في القاهرة ، مع تَغْيِيرِ اسمه مَحْوًا لاسم السفاح العثماني سليم الأول الذي غَزَا مصر وقتل طومان باي بطل المقاومة الشعبية ...... إلخ ، ودخول العثمانيين إلى مصر هو ، كأي حدث تاريخي ، أمر لا يخلو من إجمال فهو مشهد مركب لا يخلو من إيجابيات أعظمها تحرك القوة الإسلامية العظمى آنذاك لحماية مياه البحر الأحمر وسواحله من غزوات البرتغال الذين كانوا آنذاك في أوج قوتهم البحرية فدخلوا للمرة الأولى في المياه الإقليمية الإسلامية على وجه يهدد الأمن القومي الإسلامي بل ويهدد عمق مصر الاستراتيجي في الساحل الإفريقي مع ما تردد من نية البرتغال أن تطوق مصر من الجنوب بل وتقطع عنها مياه النيل بتفجير الجبال وسد المجرى المائي بكتل صخرية ضخمة فذلك مخطط قديم حديث لإضعاف مصر وتحجيم دورها السياسي المركزي في المنطقة ، فكان دخول تركيا لمصر من هذا الوجه فتحا سياسيا استراتيجيا لا سيما مع ضعف المماليك عن القيام بواجبهم التاريخي في حماية مصر والشام والحجاز وسواحل البحر الأحمر حتى مضيق باب المندب ، وزد عليه ما تَرَدَّدَ من تحالف المماليك مع الصفويين أعدء العثمانيين ، فكان من التحالف السري ما وقع في يد السلطان العثماني فكان حراكه من هذا الوجه دفاعا مشروعا عن النفس ، ولم يخل الأمر من تجاوزات في الفعل العسكري مع ما اشتهر به سليم الأول من حدة في الطبع ومبالغة في السفك ، فضلا عن طموح سياسي أثمر تَنَازُلَ الخليفة العباسي الصوري في مصر عن الخلافة لسليم الأول ليجمع السلطة السياسية والسلطة الروحية مَعًا فَيَصْدُقُ من هذا الوجه أنه انْتَزَعَهَا جَبْرًا وَتَغَلُّبًا ، وإن أجيب بأنه انْتَزَعَهَا من خليفة بلا صلاحيات ! ، فرأى أنه الأولى بها إذ صلاحياته أعظم فهو الأحق بالخلافة ، وكان من النقص الذي أصاب مصر ما يأخذه بعض المؤرخين على سليم الأول إذ اجتهد في نقل مركز الثقل الثقافي والحضاري من القاهرة إلى عاصمة الخلافة الجديدة إسطنبول ، وهو ما أدى إلى تراجع دور القاهرة وإن بقي لها من وهج الحضارة والثقافة ما لا يغفل عنه بصر صحيح ، فجمع من الصناع والكتاب وما يمكن أن يطلق عليه اصطلاح القوة الحضارية الناعمة جمع منهم عددا كبيرا رافقه إلى إسطنبول فانتقل مركز الثقل بذلك من القاهرة إلى إسطنبول ، وقد يعتذر عنه أنه أراد الاستفادة من هذه الكوادر الفاعلة في مرحلة سياسية جديدة تَتَحَمَّلُ فيها السلطنة العثمانية من أعباء الخلافة ما لم تكن قد تحملتها من قبل إذ كانت سلطنة بلا خلافة فلم يكن لها من المنصب الأدبي ما يجعلها محل مساءلة إن قَصَّرَتْ في حق العالم الإسلامي كله ، ومع كل ذلك لم يشهد العالم الإسلامي آنذاك أزمة هوية ، ولم يقل أحد إن الأتراك قد اعتدوا على هوية مصر وإن احتلوا أرضها ونقلوا عقولها المبدعة إلى إسطنبول ، لأن الهوية الرسالية الجامعة جعلت هذا السؤال بلا محل من الإعراب ، فهما وإن تَنَازَعَا بل وَتَقَاتَلَا فلم يخرج ذلك عن إطار حضاري جامع فَانْتَقَلَتِ القيادة من طرف إلى آخر يَنْتَمِي إلى نفس المعسكر الحضاري فهو أشبه بِانْتِقَالِ السلطة الدموي ! من الأمويين إلى العباسيين فَاقْتُرِفَ فيه من الجرائم ما قد صار مضرب المثل ولكنه لم يكن انتقالا للسلطة خارج الإطار الحضاري الجامع للخصمين ، خلافا لما وقع بعد ذلك فمحمد علي باشا ، على سبيل المثال ، قد نقل مصر من المعسكر الإسلامي إلى المعسكر العلماني اللاديني ، خلافا لانتقال السلطة من القاهرة المملوكية إلى إسطنبول العثمانية فالجميع قد انضووا تحت لواء هوية إسلامية جامعة جعلت العمق الاستراتيجي واحدا وهو العمق الإسلامي الذي يشكل الكيان السياسي المتجانس الذي لا يشكو من أزمة الهوية التي شكا منها في العصر الحديث لما ظهرت القومية الطورانية في إسطنبول ، فصار انتقال السلطة في نفس البقعة معضلة كبرى ، فقد انتقلت هذه المرة من معسكر حضاري إلى آخر يناقضه فانتقال السلطة من إسطنبول الإسلامية إلى أنقرة العلمانية ، العاصمة الجديدة لتركيا الطورانية ، انتقال حضاري يجاوز حد الانتقال السياسي كما في انتقال السلطة آنف الذكر من مصر المملوكية إلى إسطنبول العثمانية ، فمارست إسطنبول الطورانية عنصرية مقيتة ضد الأطراف كما في ممارسات جمال باشا السفاح في بلاد الشام وهو زعيم من زعماء حركة الاتحاد والترقي ، الحركة التي تَبَنَّتِ الأفكار القومية الطورانية فكان من ممارستها العنصرية ما أضعف الرابطة الإسلامية الجامعة ، وإن لم تَبْلُغْ ما قد سُطِرَ من مبالغات المؤرخين الذي يناصبون الخلافة العثمانية العداء ، ولكنها كانت عاملا في نشوء الهويات القومية في الأطراف وهو ما أفضى آخر الأمر إلى الإجهاز على الهوية الرسالية الجامعة فانقطع السلك الناظم وصارت حباته دويلات تُفَتِّشُ عن هوية بديلة ، وتعقد من التحالفات مع المركز ما يضمن لها الاستقرار فهي ، كما تقدم ، كيانات هشة تفتقر إلى أسباب الدعم من الخارج ، وأعظمها خطرا وأظهرها أَثَرًا في نفس الآن ! ، هو ما تلجأ إليه هذه الكيانات السياسية من عقد التحالف مع كيان يهود ، ويكاد يكون حليفا وثيقا لأي انقلاب في المنطقة ، خشنا كان كما كانت الحال في تركيا 80 ومصر 2013 أو ناعما كما كانت الحال في تركيا 97 فقد أعقبه تحالف وثيق لا سيما في الشأن العسكري بعد اتفاقية مشهورة عقدها رئيس الوزراء التركي مسعود يلمظ ، خصم الإسلاميين الأقوى آنذاك بعد أن تسلم السلطة عقيب الإطاحة الناعمة برئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان ، وهو أمر يراه الناظر ، أيضا ، في الانقلابات السياسية والثقافية الناعمة في الخليج فلا يخفى تقاربها الشديد مع كيان يهود في مقابل تباعدها من الحواضن الشعبية وهو أمر يظهر ، أيضا ، في مصر ، فبقدر ما تَتَبَاعَدُ السلطة من الحواضن الشعبية بل وتجهر بعدائها بما تَتَّخِذُهُ من إجراءات قاسية يكون تَقَارُبُهَا وتحالفها مع كيان يهود ، حليف كل انقلاب سياسي يأتي بأقلية حاكمة تفتقر إلى حواضن شعبية في الداخل فهي تشاطره وصف الأقلية ووصف الغربة فلا تشعر بالانسجام مع الأغلبية التي تحكمها كرها ! ، فذلك قاسم مشترك يصح معه أن يطلق عليها لقب "الأقليات المتساندة" ، وهو اصطلاح صكه بعض الفضلاء في سياق التنويه بنظام الحكم العلماني في الشرق بعد زوال الكيان السياسي الإسلامي الجامع فهو يعتمد على نواة صلبة تحتكر أسباب القوة الخشنة ولا تخرج أن تكون أقلية تساندها أقليات أخرى ، سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية .... إلخ ، مع استبعاد الأغلبية واستمداد أسباب القوة من المركز ، فتلعب جميعا دور المجموعات الوظيفية الخادمة لمشروع وافد لا جذور له في أرض الشرق المسلم ، وذلك ما يُلْجِئُهَا أن تَتَسَانَدَ فهي أقليات تشعر بالغربة والوحشة في محيط تخالفه الهوية الفكرية والسياسية وتخالفه الغايات والأهداف ، فهي تخالفه ابتداء وانتهاء ، فلا تحكم السيطرة عليه إلا أن تجتهد في إضعافه مع حرصها أن تستأثر بأسباب القوة ، وتَتَعَاضَدَ وَتَتَسَانَدَ في مواجهة هذا العدو المتربص ! ، فقد أصبح الداخل هو عدوها وهذا سر اقترابها من كيان يهود فالجميع ، كما تقدم ، أقلية عدوها الرئيس هو الشرق نفسه بهويته الرسالية وشعوبه التي لا تَزَالُ مع ما اقترف ضدها من جريمة التغريب لا زالت تحتفظ برصيد من هويتها يجعلها تمانع وتدافع مشروع التطبيع ، فانتقاده الآن قد صار الآن جريمة تعاقب عليها الأقلية الوظيفية الحاكمة وإن كان المنتقِد امرأة على مواقع التواصل الاجتماعي ! ، فانتقادها لم يجاوز حد الكلام الذي قد يصيره بعض المفتين خروجا على توجهات ولي الأمر وإن كانت مما يخالف عن حكم الشرع بل وحكم العقل والسياسة وإن براجماتية محضة فإن المسارعة في هذا التهريج السياسي الذي اصطلح أنه التطبيع هذه المسارعة تهدد الأمن القومي بالمعنى العلماني لأنها تحدث تصدعات غائرة في العقل والوجدان الجمعي وذلك مبدأ الانشقاق السياسي وما يليه من انفراط العقد ولو بعد حين فذلك أمر يتراكم فلا يظهر أثره حالا ، وإنما تستجمع منه النفوس ما يظهر أَثَرُهُ الجمعي بعد حين ، فلا يَرَى الناظر الآن في السلوك السياسي المراهق إلا حلقة جديدة من حلقات التفريط في الأمن القومي فكما كانت حرب الخليج الثانية ناسخة لما اصطلح أنه الأمن القومي العربي ، وكما كان غَزْوُ العراقِ في حرب الخليج الثالثة مؤكدا لهذا النسخ ! ، فالناظر الآن يرى من حلقات التفريط في الأمن القومي الخليجي ما يظهر في الحصار الراهن ، والتفريط في الأمن القومي في جزيرة العرب ما يمارس من عبث في جغرافية اليمن السياسية ، والتفريط في الأمن القومي المصري فحدث ولا حرج إن في سيناء أو في ملف المياه أو في ملف الحدود البحرية أو في ملف الحدود الغربية ....... إلخ ، والقائمة تطول ، والتفريط في الأمن القومي الإقليمي الذي يرى تركيا عدوا استراتيجيا مع ما لها من ثقل حضاري وسياسي يمثل جناحا فاعلا من أجنحة الإسلام السني ، والناظر في أحوال أمصار كالعراق والشام ومصر ، ولك أن تتأمل ضعف القيادة السياسية في هذه المراكز الحضارية السياسية الرئيسة لتدرك حاجة الشرق الآن إلى هوية رسالية جامعة تحفظ له أمنه القومي على قاعدة فكر وسياسة صحيحة ، فإذا وضعت هارون الرشيد محل القيادة الحالية في بغداد ، ونور الدين زنكي محل القيادة الحالية في دمشق ، وصلاح الدين الأيوبي محل القيادة الحالية في القاهرة ظهر لك حجم الكارثة الاستراتيجية التي يشكو منها الشرق الآن في مقابل الأسماء آنفة الذكر فهي مَنْ حَفِظَ الأمن القومي الإسلامي حقيقة لا دعوى صارت مما يَتَشَدَّقُ به كل صانع للسياسة معاصر ، وهو يقارف من الجرائم ما ينقض هذه الدعوى ولو طبقا لمعطيات الأمن القومي انطلاقا من نظرية الدولة الوطنية العلمانية فضلا عن الدولة الرسالية الجامعة .

    ونظرية الأمن القومي في إطار سياسي براجماتي ، نظرية نسبية كسائر نظريات الحداثة ، فهي تخضع لتقاسم المصالح على الأرض أو التَّنَازُعِ عليها ، وهي تَتَطَلَّبُ إعدادا كبيرا للرأي العام باستحضار أجواء الحرب إن كانت المصلحة فِيهَا ، وأجواء السلام إن كانت المصلحة فِيهَا دون رجوع إلى معيار رسالي أو أخلاقي إلا في إطار التبرير وتسكين الضمائر باختلاق أعذار وذرائع تُبَرِّرُ الجرائم التي تُقْتَرَفُ باسم الدفاع عن الحقوق ومكافحة قوى الشر والإرهاب ...... إلخ ، فلا بد من تهيئة للرأي العام لا سيما في مراحل التحول الفكري من استراتيجية أمن قومي إلى استراتيجية أخرى ، وذلك ما لا يكون ، بداهة ، في يوم وليلة فَيَبْدَأُ الإعداد بعد انتهاء الساسة من عقد الاتفاقيات التي تنسخ ما استقر في الوجدان العسكري من العدو الاستراتيجي ، فهو ، لو تدبر الناظر ، عدو السلطة التي احتكرت خطاب الدولة والمجتمع فهي وصية على الأديان والأبدان ! ، وإن استندت إلى أسباب القوة الجبرية ، فلا تَرَاهَا إلا ساعية في إضعاف المجتمع لتحكم السيطرة عليه فتضع له الأهداف والقيم العليا ولو تحت تهديد السلاح ! ، فلكلِّ سلطة عدو استراتيجي يلائم أهداف المرحلة ! ، وأول من تَطَالُهُ هذه العملية هو الفرد الذي يقاتل على الأرض ، على اختلاف رتبه ومهامه ، فلا بد من نزع العدو القديم بعد انتهاء دوره في مرحلة سابقة ، واستبدال العدو الجديد به فَلَهُ دور آت مع سعي جاد أو هازل ! في تشكيل العدو الجديد ، فيحصل التغيير التدريجي في العقد السياسي والعسكري ، مع ما يكون من طمس للبصائر وتغييب للضمائر وإغراء بالمكاسب وتبرير يرضي غريزة الأخلاق فضلا أن يكون الفرد انتهازيا بلا مبادئ فقد يَسَّرَ على القيادة مهمة التغيير فولاؤه التام لمن يُعْطِيهِ أكثر ولو غدر وخان واقترف من الجرائم ما تُدِينُهُ شريعة السماء المنزَّلة بل وشرائع الأرض المحدثة ، فضلا أن يزيد الأمر فتكون الخيانة العظمى إن بمعيار الوحي أو بمعيار الوضع ، فإعداد هذا النمط الفكري والأخلاقي الذي تسهل السيطرة عليه ترغيبا بالمكاسب تارة أو ترهيبا من مخالفة الأوامر أخرى ، إعداده ، لو تدبر الناظر ، أمر يجاوز حد الفرد إلى الوعاء الاجتماعي الذي يَنْشَأُ فيه الأفراد ، فلا تنظر إلى سلوك المقاتل وقد تحول إلى مرتزق جائع يسرق الأطعمة ويذبح الأغنام ليستفيد من لحومها فهو إنسان فقير من القيم جائع قد حرم فحولته السلطة إلى كيان مشوه لا يجاوز سلوكه في أحيان سلوك الكلب الأجرب فلا يحظى باحترام السلطة بل هي من تقصد إهانته والتحقير من شأنه وإهمال عقله وبدنه لينشأ ضعيف العقل والجسد فذلك عنصر رخيص الثمن يسهل استعماله في أي عمل قذر مع إعطائه شحنة معنوية تصور له أن ما يصنع هو البطولة العسكرية أو البطولة الدينية إذا كان الحافز دينيا كما يرى الناظر في الحافز الديني في الحملات الصليبية قديما وحديثا فهل يتصور عاقل ما بلغت الحال بالنفسية الصربية الموتورة في حرب البلقان الأخيرة فقد شوهتها الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية حتى صارت تفاخر بما تقترف من جرائم تنحط بها إلى دركة دون دركة الحيوان ! ، فتلك طبيعة العنصر المقاتل في الجملة فَهِيَ ثَقَافَةُ مجتمعٍ وُضِعَ له معيار محدد كما يوضع معيار الحذاء ، فكلُّ سلطةٍ تُرِيدُ حذاءً على مقاسها ، وذلك أمر قد عمت به البلوى في الشرق فالسلطة تخالف في توجهاتها القيم العظمى التي نشأت عليها المجتمعات ، فكان السعي في تشويه هذه القيم ونسخها بأخرى تلائم أغراض السلطة العلمانية اللادينية فضلا أَنَّهَا سلطة تابعة ، فَلَيْتَهَا تستقل بِقَرَارٍ أو استراتيجية ، وكان السعي في تربية هذه المجتمعات تربية التابع الذليل ، فيكون التخويف تارة بآلة القمع ، والتجويع أخرى بالتقتير في الرزق ، فالسلطة قد تحولت إلى إله يرزق فتارة يوسع وأخرى يضيق وتلك فلسفة السلطة في الدولة المدنية الحديثة ! ، فهي الدولة الإله ! ، كما اشتهر من اصطلاح السياسة المعاصرة ، فَلَهَا صلاحيات تعدل صلاحيات الإله ، إن في الغرب أو في الشرق ، وإن كان إله الشرق السياسي أشد قمعا إذ لا يخرج رأيه من عقله فارتباطه بالمركز إن ارتباط الولاء أو ارتباط المصالح أو هما معا ، ارتباطه بالمركز يجعله يخاصم المجتمع بما له من رصيد فكري وثقافي يخالف عن فكر المركز وثقافته ، فلا بد من تصنيع حذاء يلائم قياس السلطة ، فصناعة الرأي العام لا تخرج ، عند التدبر والنظر ، أن تكون صناعة لحذاء تَرْتَدِيهِ السلطة ، ولكل سلطةٍ ، كما تقدم ، مقاس يلائمها ، فضلا أن تَتَحَوَّلَ السلطة نفسها إلى حذاء في قَدَمِ غَيْرِهَا وربما انحطت دركتها فصارت جوربا يُلْبَسُ وَيُخْلَعُ ، فتصير تابعة لسلطة أعلى إن في الإقليم أو في المركز ، وما بلغت بها الحال كذلك إلا عبر مراحل طويلة من التمهيد والإعداد لرأي عام يرضى خطة الخسف بل وَيُسَبِّحُ بحمد من وَضَعَهَا ! ، وإن خالف عن أحكام السماء والأرض ! ، فَرَضِيَ بسفك الدم المعصوم وَانْتِهَاكِ الحرمات ، ولو تدبر مآله ، لعلم أنه ، أيضا ، في مرمى النار إن لزم الأمر ، فإن خالف عن طاعة الدولة الإله فهو عبد آبق لا تقومه إلا عصا السلطة الغليظة تأويلا لقول أبي الطيب :
    لا تشتر العبد إلا والعصا معه **** إن العبيد لأنجاس مناكيد .
    وذلك ، لو تدبر الناظر ، مناط ابتلاء عظيم ، إن بالنظر في معيار الوحي أو معيار الأخلاق الضرورية التي أجمع عليها العقلاء كافة ممن لهم حظ ، ولو ضئيلا ، من الضمير فضلا أن يكونوا من أصحاب الورع والدين ، فَفِي هذه النَّوَازِلِ يُظْهِرُ الرب ، جل وعلا ، من خبايا الصدور وخفايا النفوس ما قد تستره السلامة ، فإن كان من الابتلاء قدر تَبَيَّنَ من بكى ممن تباكى وفزع كل إلى مِثْلِهِ ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) .

    فابتذل اصطلاح الأمن القومي حتى صار فضفاضا يَقْبَلُ التشكيل تَبَعًا لأهواء السلطة ، فالعدو الاستراتيجي الذي تشكله عبر أذرعها الإعلامية هو من ينازعها الجاه والرياسة والثروة فيهدد مكاسبها التي صارت وطنها الذي تدفع عنه بدماء من تجنده طوعا فهو مُرْتَزَقٌ يقاسمها المكاسب ، ولو فتات الموائد ، أو كرها فهو مغلوب على أمره إذ خرج من وعاء اجتماعي مقهور قد وضع معياره من أراد حذاء يلائم قدمه ! ، وما يراه الناظر اليوم في سيناء هو تأويل قِيَاسِيٌّ لجهد فكري وسياسي وعسكري نجح في تشكيل العدو الاستراتيجي الجديد وهو عدو لحضارة المركز التي صنعت هذه السلطة بمعيار محكم يؤتي أكله تِبَاعًا ! ، فلم يكن كيان يهود ، لو تدبر الناظر ، عدوا استراتيجيا لهذه السلطة المدنية ! من لدن الحملة الفرنسية وهي أول مواجهة بين الغرب والشرق بعد قرون من سقوط القسطنطينة وهو إعلانُ تَفَوُّقٍ للشرق في مرحلة تاريخية من مراحل الصراع ، أصابه ، كَمَا يُنَوِّهُ بَعْضُ المحققين ، بكسل وخمول فَرَكَنَ إلى فتح عظيم أحدث تحولا سياسيا هائلا في العصر الوسيط ، واشتغل خصمه ، في المقابل ، بتحصيل أسباب القوة السياسية والعسكرية حتى فجأ الشرق بحملة حديثة أبانت عن قدر فارق هائل بين الشرق النائم والغرب المتحفز الذي جاء هذه المرة بخطة كاملة جاوزت حد الغزو العسكري الكلاسيكي ، بل إن هذا الغزو العسكري المباشر قد فشل في تَثْبِيتِ أركانه ، وإنما كان الخطر الأعظم من بذرة فكر وسياسة ألقاها المحتل في أرض الشرق ثم رحل ، فَتَعَاهَدَهَا محمد علي باشا وأبناؤه بالرعاية التامة ، فوصل لِقِمَّةِ السلطة الهرمية في الدولة المدنية ، الدولة الإلهية ! ، وصل إلى قمتها رجل قد تماهي مع قيم المركز بل وتبجح بذلك في رسائل مشهورة وإن حصل الصدام بينه وبين المركز في مواضع فكان ذلك تقليما للأظفار إذ طالت لا قطعا للأصابع فهي أصابع خبير وإن جاوز الحد في مواضع فصار له من الطموح ما يخل بمعادلة التوازن السياسي والعسكري الإقليمي والدولي ، فلم يكن المركز وأذرعه الوظيفية ، ومنها الذراع اليهودية التي ظهرت آثارها الفاعلة في مرحلة تالية ، لم يكن هذا المركز عدوا لسلطة مدنية حديثة تشكلت وفق نظريته السياسية العلمانية ، فلا تخالفه في المبادئ وإن اختلفت معه فالخلاف خلاف توازناتٍ ومصالح ، فالدولة المدنية الحديثة ، لا سيما دولة يوليو 52 قد جعلت الكيان اليهودي عدوا استراتيجيا ، وحقيقة الأمر أنه عدو تكتيكي فهو عدو مرحلي حتى يُشَكَّلَ العقل السياسي لشعوب المنطقة أن تَقْبَلَ وجودُ هذا الكيان ، فالكيانات السياسية الحديثة في الشرق لم تجد حرجا أن تجاور كيان يهود من لحظة المنشأ بل ومن لحظة الوعد في 1917 وما تلاه من إجراءات ، فما يسرب من الوثائق يشهد أن الجميع لم يعارض وإنما الإشكال في تهيئة الرأي العام الذي لا زال يرى يهود عدوا تاريخيا لا سيما وإرثه الثَّقَافِيُّ الرسالي يرسخ هذه العقيدة بجمل من النصوص قد بلغت حد التواتر لفظا ومعنى ، فلا يمكن تجاوزها دفعة ! ، ويوم أخطأ حسني الزعيم في سوريا وهو من أوائل العسكر الذين انقلبوا فسارع في التطبيع الذي تشرب قيمه فأعلن عما لم يحن الأوان بعد لإعلانه أنه يرضى بجوار كيان يهود ، كان الفشل الذريع إذ لم يكن الرأي العام قد هُيِّئَ لهذه النقلة الفكرية النوعية ، وإنما يكون التطبيع شيئا فشيئا حتى ترسخ العقيدة الجديدة ، فهي عقيدة فكرية وسياسية وعسكرية تَرَى يهود كيانا وُجِدَ لَيَبْقَى ! ، فالكلام عن زواله أو إزالته دعاية ديماجوجية قد أكل الزمان عليها وشرب فهي دعاية المد القومي ذي الحنجرة القوية الذي لم ير الناظر في تاريخه إلا المعارك التي تدار في غرف العميات المغلقة وسلاحها الرئيس ميكروفون الإذاعات الثورية ، فانتهى عصر العاطفة وجاء عصر العقل الذي يَرَى التطبيع غاية عظمى ، فذلك ما انتحلته السلطة في الشرق بعد انهيار الكيان السياسي الجامع ، وتشظي الشرق على دول ودويلات قامت على فكرة سياسية جديدة وهي فكرة الدولة الوطنية الحديثة التي تَتَبَجَّحُ أنها بلا دين بل هي الإله الذي يدين به الناس فَتَمْلِكُ من نفوذ الحس والمعنى ما يجعلها الرب الأعلى ، فلم تكن سلطة تدين بولاء فكري وسياسي للمركز ، لم تكن يوما تَرَى حرجا في نشأة كيان يهود بل ورعايته ليكون الكيان الأقوى ، وتكون توابع له فهي توابع للمركز الذي أنشأه وهي لا تطيق ، أبدا ، الخروج عن فلكه المحكم ، وإنما الإشكال في الشعوب التي لا زالت تعيش خرافة الماضي فلا يمكن علاجها من هذا الداء إلا علاجا يَتَدَرَّجُ كعلاج المدمن الذي لا يكون دفعة وإنما يكون شيئا فشيئا حتى يشفى من إدمان الدين وهي نظرية تقارب النظرية الشيوعية في عدائها للدين ، وإن لم توافقها في نظرية الحكم والسياسة ، على تفصيل في ذلك ، فالدين أفيون الشعوب فإذا شُفِيَتْ من وساوسه فهي تَقْبَلُ التطبيع بل وتطلبه بادي الرأي ، على وجه يجعل المعركة الرئيسة ، لو تدبر الناظر ، هي معركة الوعي وصناعة الرأي الذي يرجع بالشرق إلى أصوله الرسالية والفكرية الأولى ، والناظر في حال مصر اليوم وقد فقدت ريادتها في الشرق وصارت كيانا تابعا للمركز بل وجوربا في قدم قوى في الإقليم فذلك تطور جديد في دورها الوظيفي السياسي والعسكري ، الناظر في حالها يدرك أنها تعيش حالا من الغيبوبة الفكرية والأخلاقية ، على وجه يحاكي حالها إبان الحكم الفاطمي الذي أخرجها من سياق السياسة والتاريخ والجغرافيا ! ، لا سيما في مراحله الأخيرة التي شهدت انهيارا تاما لدور مصر في الشرق ، فكانت السلطة التي تخالف الشعب أصوله الفكرية والثقافية ، فسعت في إلهائه تارة وإضعافه أخرى مع ما وقع من مجاعات وفوضى سياسية وحرب أهلية بين فصائل الجيش ذي العصبيات المختلفة ، المغاربية والتركية والسودانية ، وكلها يخالف عن عَصَبِيَّةِ الرعية فهي العدو الاستراتيجي الأول ! ، فَأُخْرِجَتْ مصر من معادلة السياسة وكان الحدث الرئيس الذي أبان عن ذلك هو سقوط البيت المقدس في قبضة الصليبيين في الحملة الثانية 492هـ ، فبيت المقدس هو معيار الأداء السياسي في الشرق فإذا نهض فالبيت تحت سلطانه كما حدث بعد ذلك إذ نهض الشرق المسلم تحت قيادة الملك الناصر صلاح الدين ، ومصر ، ولو في هذا العصر الذي اشتد فيه ضعفها ، مصر تشكل جزءا رئيسا من هوية الشرق ، ولو بالنظر في تعدادها الكبير ، فإن الناظر في هوية الشرق الرسالية يرى أنها هوية عربية بالنظر في لغة الرسالة الخاتمة لا تعصبا لجنس العرب ، وربع العرب الآن من مصر ، على وجه يجعلها وإن اشتد ضعفها ركنا رئيسا من أركان الهوية الشرقية التي تَتَعَرَّضُ الآن لحملة تشويه وتحريف ، ومصر هي الهدف الأكبر لهذه الحملة ، فإن الناظر في تاريخها يرى أنها حصن رئيس من حصون الشرق فكانت توصيات السياسة في المركز بعد فشل حملات الصليب الأولى أن من أخطائها الرئيسة عدم البدء بمصر فهي المركز ، فالاشتغال بغزوِ الأطرافِ وترك المركز يجعله يُمِدُّ الأطراف بما به تُقَاوِمُ وَتُغَالِبُ ، وَتَدَخُّلُ مصرَ زمن الأيوبيين قد أحدث تحولا جذريا في معادلة الصراع بعد أن نجحت الحملات الصليبية في احتلال بيت المقدس لما أُخْرِجَتْ مصر من الصراع زمن الفاطميين ، فسرعان ما عادت بعد انتقال السلطة إلى قيادة تشاطر المصريين القيم والأفكار ، ففي غضون ست سنوات من 564 إلى 570هـ نجح الملك الناصر صلاح الدين في تَرْتِيبِ البيت المصري ثم شرع في مرحلة التوحيد حتى 582هـ ، فاشتغل بتوحيد الجبهة الشامية والجزيرة الفراتية وضمهما إلى مصر ، ثم كانت مرحلة التمكين في حطين وما بعدها ، فمرحلة تحرير من السلطة الفاطمية المحتلة ، ثم مرحلة توحيد بين مصر والشام ، ثم مرحلة تمكين بِانْتِصَارِ عظيمٍ في حطين ، وتلك مراحل قياسية في أي مشروع إصلاحي ، وأي مشروع إصلاحي أو آخر تخريبي في الشرق ! ، لا يجعل مصر هدفه الأول فهو مشروع فاشل لأن مصر ، وإن أخرجت من سياق السياسة بل والتاريخ في أحيان كما هي الحال الآن ، مصر هي ربع اللسان العربي الذي اختزن قيم الهوية والفكر في الشرق ، ورجوعها إلى سياق الأحداث لم يستغرق زمن الناصر صلاح الدين إلا ست سنوات رغم أنها خرجت آنذاك من احتلال فاطمي استغرق 209 سنة ! .

    وتقزيم الكيان السياسي لا يكون إلا بقوة غاشمة أحدثت الآن في الشرق تحولا نوعيا في نظرية الأمن القومي ! كما يرصد بعض الفضلاء أحوال الجيوش العربية ، فكثيرٌ منها قد صارت حربه حصرا على الشعوب ! ، فالجيش العراقي يشارك أمريكا غزو الموصل العراقية ، والجيش السوري حاله أشهر أن تُذْكَرَ ! ، والجيوش الخليجية تدك اليمن ، وجيش الكرامة في شرق ليبيا وهو يزعم أنه الجيش الوطني يضرب ويحاصر بَنِغَازِي ودرنة ، والجيش المصري الآن قد انضم إلى قائمة الشرف ! ، وذلك تحول هائل في نظرية الأمن القومي التي صارت أَثَرًا بعد عين ! ، وهي تخطو بهذه السلطة السياسية العلمانية الصلبة نحو كارثة كبرى ربما يحصل بها الفرج ، كما يضرب بعض الفضلاء المثل بما كان من فشل السلطة العسكرية في الأرجنتين في حرب فوكلاند في 1982م فقد كانت آخر طوق نجاة للسلطة أن تصنع أي نصر تُوَحِّدُ به الجبهة الداخلية المنقسمة فتطيل عمرها ولو بضع سنوات كما يصنع النظام الآن في مصر في حَمْلَتِهِ مُتَعَدِّدَةِ الأهداف ! ، من حشد الرأي العام وإعطاء الذريعة إلى القمع وإسكات أي معارضة ، ولو ناعمة ، وإحكام السيطرة على الداخل قبل الاستحقاق السياسي القادم وإلا فما دخل العمق المصري في الدلتا بما تصنع القوات في سيناء ؟! ، فتلك أهداف داخلية فضلا عن أخرى خارجية ربما كانت الأخطر فهي منشأ الحراك وباعثه الرئيس سعيا في إتمام عملية التهجير القسري باستعمال قوة نارية مفرطة تحرق الأرض وتهجر أهلها ، وهي خطوة رئيسة من صفقة سياسة تعطي كيان يهود شرعية سياسية جديدة بالاشتراك مع أطراف الصفقة وليس منهم أهل الشأن من أصحاب الحق من الفلسطينيين ! ، كما يتبجح مبعوث واشنطن ، فأي صفقة هذه التي لا يدخل فيها صاحب الحق الرئيس طرفا ؟! ، وهي صفقة غايتها صياغة نظرية جديدة للأمن القومي في الشرق الأوسط الجديد ، فكيان يهود في المركز ، وأمنه القومي يَتَمَدَّدُ فهو الآن من النيل إلى الفرات بعد إخراج حواضر الإسلام : بغداد ودمشق والقاهرة من معادلة الصراع وتحولها إلى توابع سياسية ومجموعات وظيفية غايتها الرئيسة صيانة الأمن القومي اليهودي فهو الآن معيار الأمن القومي الرئيس في المنطقة نَظِيرَ بقاء المجموعات الوظيفية المرتزقة في سدة الحكم بما يقدم المركز من دعم ، مع ما يمارسه الإعلام من تحريض معتاد على التجسس والإبلاغ عن أي إرهابي يكفر بقيم السلطة المدنية المنتخبة ، فالمواطنون الشرفاء مجموع وظيفي فاعل في الأنظمة السياسية القمعية التي تدين للخارج بالولاء ! ، فكانت حرب فوكلاند 1982م ، كما تقدم ، آخر طوق رامت به السلطة العسكرية في الأرجنتين النجاة ، فَلَمَّا هُزِمَتْ كان ذلك إيذانا بانسحابها من المشهد ، وفي المقابل كانت مارجريت تاتشر ، المرأة الحديدة في بريطانيا ، طرف الخصومة الثاني في حرب فوكلاند ، كانت تشكو من انخفاض شعبيتها على أعتاب الانتخابات ، كما هي الحال في مصر الآن ، فَصُنِعَ الحدث في فوكلاند لتخرج منه تاتشر منتصرة قبل الانتخابات ! وهو ما ساهم في ارتفاع شعبيتها وكان توليها السلطة بشرعية النصر في فوكلاند وبعدها اتخذت إجراءات غاية في القسوة فَمَعَهَا الشرعية والتفويض الجديد ! ، كما قد صنعت في أزمة عمال المناجم التي كشرت فيها عن أنيابها وكان من الاعتداء على عمال المناجم ما جعل العمال يخاصمونها حتى يوم وفاتها بل قد وَقَفُوا وظهورهم لجثمانها وهو يسير في الشوارع فلم تَنْتَهِ العداوة بَيْنَهُمَا لا في حياة ولا في موت ، فالنظام الآن في مصر يفتش عن الشرعية بعملية عسكرية بانورامية ! ، والسنة الكونية فضلا عن العقوبة الربانية الرادعة تَقْضِي أن تَنْزِلَ بمصر صدمة كبرى كصدمة 5 يونيو ، تجعل السلطة تضعف فتغادر طوعا أو كرها كما قد صنعت السلطة في الأرجنتين بعد نازلة فوكلاند .

    ولا تمزق القيود التي تحيط الآن بالشرق إلا بثورة أفكار تحرر الأبدان من عقالها فتحرر عقد العلم والعمل لربها ، جل وعلا ، فليس ثَمَّ مادة تحرير أعظم من محكم التنزيل فهو رائد النفوس أن تَتَحَرَّرَ من قيد الكهنوت والجبروت فتحطم أصنام الديانة الباطلة والسياسة الجائرة ، وتعيد تعريف الهوية وتضع حدود الوطن الجديد ، فهو وطن العالمين جميعا فيجاوز ما قد ضاق من أوطان الدول الحديثة التي ضاق أفقها وصار نظرها في اصطلاح الأمن القومي فهو اصطلاح سياسي حادث تَتَحَكَّمُ فيه الأهواء فَتُوَسِّعُهُ تارة وَتُضَيّقُهُ أخرى فيخضع لما ترى السلطة فهو ، لو تدبر الناظر ، أمنها وإن نسبته زورا إلى الوطن أو القوم ، فهو أمن خاص يحفظ نظام الحكم سواء اختزل في أَمْنِ النظام أو أَمْنِ رأسه القابع في سدة الحكم بقوة الجبر ، فهو الدولة وهو الوطن وهو الإله الاعتباري الذي يضع معيار السياسة والحرب ، فأمن البلاد يضيق في شخصه ولو أهدر ما أهدر لأجله من أمن العامة وحقوقهم المادية والمعنوية ، فجاء الوحي ليوسع ما قد حجره النظر السياسي المحدث ، فجاء بنظر جديد في اصطلاح الأمن ، فهو رحمة عامة تجاوز الحدود الأرضية ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، وهو أَمْنٌ يستغرق كل من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم ، فـ : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ، فاشتق حكمه من وصفه ، وذلك ما يستوجب نفي ضده ، فكان نفي الظلم ، فهو ما يُخْلِي المحل من مادة الفساد الذي يستغرق سائر أجناس الظلم في الفكر والشرع والسياسة والحرب ، فكان من العموم في الآية ما استفيد من حد اللسان ، فالنكرة "بظلم" في سياق النفي مئنة من العموم ، كما قد قَرَّرَ أهل الأصول والنظر ، فكان من نَفْيِ الظلم ما يُخْلِي المحل من وصف النقص قبل أن يُحَلَّى بضده من مادة العدل ، فذكر الإيمان في الآية عدلا لها في الدلالة ، فإن جوهر الإيمان هو العدل إذ يقضي أن يعطى كل حقه ، فيعطى الإله الحق ما يستحق من توحيد العقد والشرع وتعطى آلهة الأرض ، ومنها الإله السياسي المحدث ، تعطى حقها من الذم ، فكان من عطف التلازم بين إثبات الإيمان ونفي ضده من الظلم ما به يحصل الأمن الذي عم بدلالة "أل" في "الأمن" ، فاستغرق الدارين ، فالأمن في دار التكليف قد أبان الوحي عن أسبابه ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، والأمن في الدار الآخرة لمن سلك جادة الأمن في الأولى فالجزاء من جنس العمل ، فكان من أمن الجنان ما يذهب الأحزان في الأولى باتباع الهدى ، فـ : (إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، وفي الآخرة ، فـ : (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) ، فكان من الأمن ما عم الدارين وعم الأوصاف فاستغرق وجوه المعنى ، فاطمئن القلب بذكر الرب ، جل وعلا ، فـ : (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، فحصل من الذكر ما يطمئن به الجنان ، وإن خُوِّفَتِ الأبدان ابتلاء به تمحص النفوس ، فـ : (نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 13-02-2018 في 03:58 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •