مما تقرر في أخبار الشرع أن ولاية النبوة الأعم مما اختص به الرجال دون النساء ، فجاء التذكير في الاسم الموصول "مَنْ" جاء على الأصل في قول الرب جل وعلا : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) ، فكان السؤال في واقعة الإسراء ، فالآية مكية الزمان مقدسية المكان ، وهي مما يُضْرَبُ مثلا لِرَدِّ القسمة المكانية أن المكي ما نَزَلَ بمكة والمدني ما نَزَلَ بالمدينة فهذا مقدسي بالنظر في مكان النزول ، فيقدح في القسمة المكانية آنفة الذكر ، فكانت القسمة الزمانية لا المكانية هي القسمة الثنائية الأدق ، وقد ابتدأت الآية بالسؤال استعلاما ولا يخلو من دلالة إيجاب بالنظر في أصل الوضع فهو يُبِينُ عن أصل الدين ، دين التوحيد الذي بُعِثَ به الأنبياء ، عليهم السلام ، وهو أعظم ما يسأل عنه طالب الهداية والنجاة لا سيما إن كان نبيا تكليفه يجاوز ذاته فهو يبلغ ويبين ما بعث به من آي التوحيد والتشريع وأعظمه ، كما تقدم ، آي التوحيد الذي سأل عنه من سبقه لا سؤال الحيرة والشك وإنما سؤال التقرير والجزم ، فهو يقين آمن به من لدن نَزَلَ عليه مبدأ البعثة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، سؤال وإن اختص به صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو من أسري به إلى البيت المقدس وشهد جماعة الأنبياء ، عليهم السلام ، إلا أن السؤال يعم بدلالة المعنى ، فإن كل مكلَّف إذا طالع قصص الأنبياء ، عليهم السلام ، وعلم من خبرهم مع أقوامهم ما قد عُلِمَ بالتواتر ، فإنه كالسائل يستفهم عن دينهم وما آلت إليه حالهم وحال أقوامهم ، صدَّقُوهم أو كذَّبوهم ، فإذا علم جزما أن من صدقهم قد نجا ومن كذبهم قد هلك فاطرد عنده القياس فلا يطيق الإ الإقرار بصحة دينهم وهو التوحيد الذي يَنْفِي كل معبود بحق سوى الرب ، جل علا ، بل وإن طالع في عالم الشهادة أحوال المؤمنين وما يحصل لهم من التثبيت مع فجور خصومهم في العداوة وما يكون لهم من التمحيص وما يعقبه من فرج بعد شدة بِقَدْرِ ما يسألون رب العزة ، جل وعلا ، ويستشفعون عنده بالاستمساك بعرى الملة ، فيكون لهم من التمكين بقدر ما يحررون من عقد التوحيد ويمتثلون من حكم التشريع ، فإذا طالع ذلك علم يقينا أن التوحيد هو قطب الرحى في الأولى والآخرة ، فبه السعادة والتمكين في الأولى ، وبه النجاة والأمن في الآخرة ، فعم السؤال ، من هذا الوجه ، وإن توجه ، بادي الرأي ، إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل وزيد من القرينة ما يرجح اختصاصه وحده بهذا الأمر لما تقدم من مشهد الغيب ليلة الإسراء فلم يشهده أحد لِيَتَوَجَّهَ إليه الأمر كما توجه إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فعم السؤال ، مع ذلك ، فهو يجري مجرى ما تقدم مرارا ، من عموم الخطاب في آي الكتاب وإن توجه ابتداء التوجه الخاص إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إذ هو من يُبَلِغُّ وَيُبَيِّنُ ، فهو يعم ، من وجه آخر ، بدلالة المعنى إذ الأصل في التكليف العموم إلا أن ترد قرينة تخصص ، فكان من القرينة ما اتسعت به دائرة المعنى فصار من الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فَخُصَّ المخاطب الأول به وَعَمَّ بقرينة ما تقدم من قرينة العموم في التكليف ، فيجري مجرى المجاز عند من يجوزه في اللسان والشرع ، فهو ، كما تقدم ، مجاز العمومية إذ اتسعت دارة المعنى باتساع دائرة التكليف ، كما تَقَدَّمَ ، وكان ثَمَّ عموم دل عليه الموصول "مَنْ" ، ومناط التعليل فيه هو معنى الإرسال المتعدي الذي اشتقت منه الصلة "أرسلنا" ، ولم يخل السياق من معنى الجلال فهو أمر يدل على كمال القدرة والرحمة أن أرسل رب العزة ، جل وعلا ، رجالا يبشرون وينذرون ، فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين المجموع مَئِنَّةً من التعظيم ، وهو جار على أصل الوضع المذكَّر فَلَمْ يبعث الله ، جل وعلا ، إلا رجالا ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) ، فالنص هنا لا دلالةَ تغليبٍ فيه فهو يقتصر على الجنس المذكر الذي اختصه الرب ، جل وعلا ، بِوَظَائِفِ الرسالة ، بلاغا وبيانا ، فتلك وظائف لا تطيقها جبلة الأنثى بما رُكِزَ فيها من نُقْصَانِ العقلِ وضعف البدن وحب الاستتار فلا يوافق الاشتهار طباع النساء إلا إذا بُدِّلَ الطبع ولا يكون ذلك إلا بالمخالفة عن أمر الشرع ، فقد جاء يوافق الطبع لا استرسالا وإنما تهذيبا واستصلاحا ، فإذا رامت النساء الاشتهار اختيارا بلا مصلحة راجحة ، فكان الأمر كشفا لزينة يجب سترها ، وكان من الخروج والولوج ما يَفْضُلُ الحاجة ويزيد فهو تَرَفٌ يكره وقد يبلغ بصاحبه جنس المحرم ، فثم خروج اضطرار كما قد عمت به البلوى في أعصار اختل فيها نظام الشرع فلم يكن ثم من كفالة النساء ما يكفيهن مؤنة الخروج ، فهو مما يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فإن طلب الرزق الحلال من أشرف الوظائف وإن كان ذلك من وظائف الرجال فلما اختل الناموس وذهبت المروءة وصارت النساء بلا عائل يكفل ، سواء أكان ذا ولاية خاصة أم أخرى عامة يجب فيها من كفالة النساء ما لا يجب في غيرها ، فكفايتهن مؤنة العيش من آكد الواجبات على من وَلِيَ ولاية عامة إن كان ثَمَّ نُصْحٌ لرعيةٍ وهو من آمارات الكرم والمروءة فلا يهين النساء إلا من لؤم طبعه سواء أتوجهت جنايته إلى أهل بيته أم إلى غيرهن فكان من عموم البلوى بِشَرِّهِ ما تَعَدَّى ضرره مع ما ينتحل زورا من مروءة فيتكلف من إكرام النساء في الظاهر ما يخالف عن طبعه اللئيم فضلا أنه لا يحسن يميز ، فَثَمَّ دناءة أصل تجعله يَتَكَلَّفُ من أخلاق الرقة مع ذوات الجاه والحظوة فَوَدَّ لو محا أصله الذي يعيبه في كل مجلس فهو يجتهد أن يخفيه ويتكلف من النسب الشريف والطبع اللطيف ما يخالف عن حاله الدنية ، فَيَتَزَلَّفُ إلى من علاه في الجاه والثروة رجاء أن يصير منهم ولا يداوي داءه أن يصير منهم في الصورة بل وأن يعلوهم في الرتبة فلا زالت النفس تُلِحُّ بدناءة الأصل فلا يشفيها إلا ادعاء الشرف واللطف وإن كان من أثقل أهل الأرض ظلا وأشدهم بلادة وجفاوة فيدفع عن نفسه دناءة الأصل بهذه الحيلة ولا ينظر في حالَ نساءٍ هن أولى بالرعاية والترفق ممن لا عائل لهن ولا كافل إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، فلو تَدَبَّرَ الجاهل المخذول لعلم أن كفالتهن لا سيما إن ولي أمرا من أمور العامة ، لعلم أن ذلك من أشرف وجوه البذل فَقَدْ خَرَجَ منهن من خَرَجَ مضطرا فألجأتهن الحاجة أن يخالفن عن الطبع والجبلة ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، خروج اضطرار ، إن لأداء شعيرة واجبة كخروجهن للحج والعمرة فهو جهادهن الواجب كما في قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "عَليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجُّ والعُمرةُ" ، فكان من دلالة الإيجاب ما دَلَّتْ عليه "على" فهي مئنة من استعلاء ، فالأمر الواجب يكون من أعلى إلى أسفل ، وثم تَنْكِيرٌ في لفظ "جهاد" مئنة من النوعية وثم إطناب بالوصف المقيِّد "لا قتال فيه" ، وبعد الإجمال كان البيان على حد التوشيح ، ولا يخلو من إيجاز الحذف على تقدير : هو الحج والعمرة ، فأبان عن الماهية بذكر أجزائها في الخارج وهي الحج والعمرة ، ولا يخلو البيان بالنظر في الجنس العام أن يكون واحدا مطلقا في الذهن وهو جنس الزيارة المخصوصة إلى البيت المحرم ، فهو الجنس المطلق ، وآحاده في الخارج حج وعمرة ، فَزِيَارَةٌ مخصوصة في الزمان والمكان وهي الحج ، وأخرى مخصوصة في المكان دون الزمان وهي العمرة فهي تجوز في كل وقت على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ من كره العمرة في زمن الحج ، والصحيح جوازها بل قد تَقَصَّدَهَا النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أشهر الحج فاعتمر في ذي القعدة إبطالا لسنن الجاهلية إذ كانوا يمنعون الناس أن يعتمروا إذا دخلت أشهر الحج ، وَثَمَّ من استدل بهذا الخبر أن العمرة واجبة كالحج إذ عطفت عليه والأصل في العطف التغاير في الذات والتماثل في الحكم فكلاهما واجب ، فاستفيد حكم الإيجاب في العمرة أن عُطِفَتْ على واجب وهو الحج فما عُطِفَ على واجب فهو واجب ، وأجيب بأن دلالة الاقتران من أضعف الدلالات ، كما قرر أهل الأصول ، وقد ضربوا لذلك المثلَ المشهور من قول الرب المعبود جل وعلا : (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ، فعطف الواجب من إيتاء الحق على المباح من الأكل ، فاختلفا في الحكم وتعاطفا في اللفظ ، فالعطف في الخبر قد يحمل على نظر يُفَصِّلُ ، فإن الجهاد جنس عام تندرج تحته آحاد ، فمنه الجهاد الواجب ومنه الجهاد المندوب ، فيحمل الواجب أنه الحج ، ويحمل المندوب أنه العمرة ، جمعا بين الأدلة ، وقد يقال إن من العمرة ما يدخل في نسك الحج كما في التمتع فهو يلحق به إذ يدخل في ماهية الفرض الواجب ، فَيُلْحَقُ به ، فيجري ، ولو من وجه ، مجرى الزيادة في التسبيح على القدر الواجب فِي الركوعِ والسجودِ ، فَمَا زَادَ عن تسبيحة فهو مندوب ، من وجه ، وهو ، من آخر ، يدخل في حد الواجب بجامع المجاورة فإن الركوع موضع يستغرقهما جميعا ، فكذلك العمرة التي يُدْخِلُ صاحبها الحج عليها ، فهي وإن كانت بالنظر في الجنس المطلق مندوبة إلا أنها لما جاورت الحج في زمان الفعل دخلت في ماهيته ، ولو من وجه ، فاكتسبت الإيجاب من ذلك ، ولو لم تكن واجبة بالنظر في حدها المطلق في الذهن ، فَثَمَّ ، وهو محل الشاهد ، ثَمَّ خروجهن لِمَا وجب من الحج والعمرة ، وخروجهن يطلبن العلم الواجب إن عجز الزوج عن ذلك فالأصل أن يَتَعَلَّمَ من فرائض الدين ما يُفَقِّهُ بِهِ نَفْسَهُ وأهله فَيَكْفِيهِم مؤنة الخروج ، فإن لم يكن أهلا لذلك فلا يجوز له أن يمنعهم الخروجَ طَلَبًا للفرضِ المشروع ، وما زَادَ من نَفْلِ العلم فالزوج صاحب الحق فإن أذن فذلك فضل لا سيما إن كان ثَمَّ نَفْعٌ عام ولم يكن في خروجِ أهله نَقْصٌ في دين أو دنيا ، وإن مَنَعَ فذلك العدل ، فهو صاحب الحق ، كما تقدم ، بما قد وَكَلَ إليه الوحي من وظيفة القوامة والسيادة التي لا يشرف بها إلا الكريم الذي يحفظ أهله ، فكان من الخبر ما يجري مجرى الإنشاء ، فـ : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، فهو يوجب على النساء طاعة الرجال فَلَهُمْ من الدرجة ما اختصهم به رب العزة ، جل وعلا ، وهي درجة تكوين بالنظر في الجبلة ، ودرجة تشريع بما قد أوجب ، جل وعلا ، من النفقة ، فكان النَّصُّ إذ الباء مَئِنَّةٌ من السَّبَبِيَّةِ في قول رب البرية جل وعلا : (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، فَثَمَّ تفضيل يجري مجرى التكوين فلا اختيار فهو اصطفاء محض ، فاختص الرجال بجبلة أقوى وعقل أكمل ، وتلك أسباب توجب الرياسة والتصدر ، وإن كان النظر في ذلك ، من وجه آخر ، نظر مجموع لا جميع ، فهو يجري مجرى التفضيل بالنظر في الجنس لا في الآحاد ، فمجموع الجنس المذكر قد فُضِّلَ على نظيره المؤنث ، لا أن جميع الآحاد في الجنس الأول أفضل ، فَثَمَّ من الرجال آحاد تقاعسوا فلم يَبْلُغُوا رتبة الفضل فكان من التقصير في وظائف الديانة والقوامة ما انحط بهم فكثير من النساء خير منهم وأفضل ، فلا يقدح تفضيل آحاد من جنس النساء على نظائرهم من الرجال ، لا يقدح في الأصل المحكم الذي أخبر به الوحي المنزل إذ قضى بِتَفْضِيلِ الرجال ، فكان من ركائز الطبع والجبلة ، ومن كمال العقل ما لأجله اختصوا بالقوامة ، وهي ، لو تدبر الناظر ، على درجات ، فأعظمها قوامة الرسالة فهي أشرف وظائف البشر فاختص بها الجنس المذكر ، على خلاف مشهور ، وهو ، لو تدبر النظر ، لم يجاوز حد النبوة الخاصة إيحاء بجمل من الأوامر ، كما في إيحائه ، جل وعلا ، إلى أم موسى ، عليه السلام ، في آي القصص ، فـ : (أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ، وذلك ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، أمر عظيم يخالف عن العادة والطبع ، ولا يخلو من حكمة وبشرى عظيمة ، فحسن ، من هذا الوجه ، إسناد الأفعال في "أوحينا" و "إنا" و "جاعلوه" ، إلى ضمير الجمع مئنة من التعظيم ولا يخلو ، كما تقدم مرارا ، من دلالة جمع لا بالنظر في الذات القدسية فهي واحدة ، وإنما يصح الجمع بالنظر في أوصاف الثَّنَاءِ والحمد ، فكان من صفات القدرة والحكمة والرحمة ، والمكر بفرعون ما حَسُنَ به إسناد الأفعال إلى ضمير الجمع ، وكذا قال من قال في نبوة الْبَتُولِ ، عليها السلام ، إذ خاطبها روح القدس ، عليه السلام ، وناداها من تحتها ، وقد أجيب بأن ظهور الملك لا يستوجب إثبات النبوة ، وثم آثار ظهر فيها الملك في صورة البشر فرآه بعض الصالحين فلم يصيروا بذلك أنبياء ، بل ورآهم بعض الكفار يوم بدر ، كما في الخبر المشهور ، فَأَسَرُوا من الكفار جملة إذ نَزَلُوا من السماء مددا .

فكان الخلاف المشهور في هذه القوامة الرسالية العظمى على وجه يَرْجُحُ فيه اقتصارها على الرجال فضلا أن مناط الخلاف يضيق إذا انصرف المخاطب إلى النظر في معنى الرسالة الأعم دون معنى النبوة الأخص ، فمن النبوات ما قد اقتصر على صاحبه فكان بلاغا خاصا كما في بلاغ أم موسى فكان التكليف خاصا بها أن ترضع ابنها ، الكليم عليه السلام ، فإن خافت فَلْتُلْقِهِ في اليم ، وكما في بلاغ البتول ، عليها السلام ، فكان التكليف خاصا بها أن لا تخاف وأن تهز جذع النخلة وأن تأكل وتشرب وتقر عينا وألا تكلم من البشر أحدا صَوْمًا جاز في الشرعة الإسرائيلية وإن نُسِخَ بعد ذلك .

وكان من القوامة ما يخلف النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به فَتِلْكَ قوامة السياسة العظمى إذ تَنُوبُ عن النبوة ، فلا تصح إلا في حق الرجال ، فهي كالنبوة في الاشتهار وإن كانت دونها في الفضل فليس فيها من فضيلة الوهب ما في النبوة فليست اصطفاء ربانيا وحقا إلهيا ورسالة تخليص من الشر ..... إلخ كما في مذاهب في السياسة فاسدة ودعاية فيها كاذبة وهو مِمَّا قد عمت به البلوى في أعصار الطغيان ، وإن لم تخل الإمامة الْفُضْلَى من اصطفاءٍ أن يهيئ ، جل وعلا ، من أسباب الصلاح ما به يصلح الإمام فيكون من توفيقه أن يُعَظَّمَ الشرع ومن تسديده أن يَشْتَغِلَ بفضائل في الديانة والسياسة تجعله أهلا للولاية فلا يخلو من تكليف أن يلازم صاحبه فضائل العلم والعمل ، السياسة والحرب ، فتلك فضائل منها ما يوهب ، فثم رجال قد خلقوا للملك والرياسة فكان من عظم النفس وعلو الهمة ما جعلهم أهلا أن يتصدروا وإن لم يَتَقَصَّدُوا ، فيصدرهم الناس بما لهم من فضائل لا كما يَرَى الناظر في أعصار يُصَدَّرُ فيها السفيه عاجز الرأي ، فضلا أن يصدر الخائن فيؤتمن ، فَتِلْكَ السنون الخداعة في خبر الرسالة أَنْ : "سَيأتي على الناسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ ، يُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ ، و يُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ، و يُؤْتَمَنُ فيها الخَائِنُ ، و يُخَوَّنُ فيها الأَمِينُ ، و يَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ . قيل : و ما الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قال : الرجلُ التَّافِهُ ، يتكلَّمُ في أَمْرِ العَامَّةِ" ، فيكون من أشراط الساعة ما قد أخبر به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ؛ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ" ، فَثَمَّ من فضائل الملك ما قد ركز في النفس هبة من الرب ، جل وعلا ، وثم منها ما يكتسب فهو يزيد في الملكة المجملة تفصيلا وَبَيَانًا ، فتلك ، أيضا ، من القوامة التي اختص بها الرجال ، فكان من خبر الذم ما يستوجب إنشاء النهي ، فـ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ، فأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم إخبار النفي القاطع فدلالته تَعُمُّ إذ تَسَلَّطَ على المصدر الكامن في الفعل "يفلح" ، فضلا عن وُرُودِ النكرة "قوم" في سياق النفي فهي نص آخر في العموم فيستغرق جميع الأقوام فتلك سنة كونية اطردت ، ولا تخلو من سنة تشريع تَقْصُرُ هذه الولاية على الرجال ، فَنَفَى وجوه الفلاح كلها بما تَقَدَّمَ من دلالة العموم إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يفلح" ، ودلالة "لن" مما يجري مجرى الاشتراك فهي تحتمل التأقيت وتحتمل التأبيد ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، فَدَلَّ النَّفْيُ في هذا السياق على التأبيد فهو قانون يَطَّرِدُ وأدنى أحواله أن يجري مجرى التغليب فلا عبرة باستثناء يندر ، فالنادر لا حكم له ، كما يقول أهل الشأن ، فلا فلاح في العاقبة في ولاية النساء ، وإن كان ثم صلاح ظاهر ، فلا يخلو زمان من رجال لهم من الفضيلة والحزم ما يفوق النساء ، وإن بلغن من العقل ما بلغن ، فذلك ، في المقابل ، مِمَّا لا يجحده ناظر ، فَثَمَّ مِنَ النساء مَنْ قد عقلن أمور السياسة والحرب ولكن غلبة العاطفة ونقص العقل عارض لا تسلم منه امرأة إلا إن خرجت عن حد المرأة فَانْقَلَبَتْ رجلا ! ، فذلك مما يذم إذ يخرج صاحبه عن قانون الفطرة فيجتهد أن يَتَشَبَّهَ بجنس آخر يخالف عنه في الطبائع فيشبه ، من وجه ، ما قد عمت به البلوى في أعصار بُدِّلَتْ فيها الفطرة فضلا عن الشرعة ، فصار من الرجال مخانيث في الهيئة أو في الأخلاق ، فخرجوا عن قانون الجبلة كما تخرج النساء إن تشبهن بالرجال فكلاهما مناط ذم ولعن إذ يخالف صاحبه عن قانون الحكمة الكونية الذي يمدح به رب البرية ، جل وعلا ، فـ : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، حكم يستغرق فدلالة العموم فيه محفوظة فلا مخصص ، فذلك جعل التكوين النافذ ولا يخلو من دلالة حكمة بالغة فَيُقَدَّرُ لكلِّ مخلوق من الهيئة الباطنة والظاهرة ما يلائم وَظِيفَتَهُ فِي الكون ، وهو فعل الرب ، جل وعلا ، فذلك وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، ولا يخلو أن يكون من مطرد الطريقة فَهُوَ من القدر الأول بالنظر في نوع الوصف فهو قديم النوع ، فَقَامَ بالذات القدسية قوةَ فعلٍ نافذة وحصل من آحاده في الخارج في كل خلق حادث ، حصل منه ما يصدق الأصل فهو تأويل القوة بالفعل على وجه يواطئ العلم والتقدير الأول ، فآحاد المجعولات في الخارج تأويل صادق لوصف الجعل الرباني بالقدرة النافذة والحكمة البالغة ، فالحكمة تَقْضِي أن يوضع لكل شيء في الكون أو في الشرع قدر يلائمه فيحصل من الخير ما يوجب الثناء على الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، وقد زِيدَ في المعنى بِتَقْدِيمِ ما حقه التأخير "لكل شيء" ، فهو مئنة من الحصر والتوكيد ، ولا يخلو تَنْكِيرُ "قدرا" من دلالة نوعية فَثَمَّ من نوع التقدير ما يلائم كل مقدر مجعول في الخارج ، وهو ما يعم ، كما تقدم ، التكوين والتشريع جميعا ، فحكمته في التكوين كما في خلق الرجال والنساء على طبائع تختلف فَكُلٌّ قد اختص بَوَصْفٍ يَفْتَقِرُ إليه الآخر على وجه يحسن فيه التعاضد لا التعارض والتناقض أن يخرج كلٌّ عن طبعه ويروم التشبه بضده فكان الذم واللعن ، كما تقدم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يعم وجوه التشبه كلها إن في الهيئة أو في الطبع ، فيدخل فيه ، من وجه ، ما تقدم من ذم ولاية النساء فلا تخلو من تشبه بالرجال ، وإن حصل من بعضهن كفاية في السياسة والحرب ، وهو أمر لا يجحده الناظر الذي يتصفح تاريخ الأمم والدول إلا أنه يجري مجرى الاستثناء من الأصل فلا يقاس عليه ، فَغَايَتُهُ أن يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها لا أن يكون أصلا يمدح فهو من العدل والمساواة ! ، وإن خالف عن معيار العدل المحكم فهو يقضي ، كما تقدم مرارا ، أن يُعْطَى كل ذي حق حقه ، فيوضع الشيء في الموضع الذي يلائمه ، فأمر السياسة والحرب وما فيه من الصدام والضرب وما يوجبه من الاشتهار ، هذا الأمر مما يوافق جبلة الرجال فهي الأكمل والأقوى ، كما تقدم من طلب الرزق ، فالأصل أن يباشره الرجال ، فلا تكون مباشرة النساء له إلا ضرورة تقدر بقدرها ، كما قد أُثِرَ من إمامة المرأة ، فقد استدل من أجازها ! ، وهي ، أيضا ، من القوامة العامة ، فإمامة الصلاة كإمامة الحرب بل الاصطلاح المشهور في كتب الفقه والأصول أن يطلق على الولاة لقب الإمامة في الصلاة والحرب ، فاستدل من استدل في تحكم عجيب أجرى فيه الاستثناء مجرى الأصل ، فقد أَمَّتْ أم ورقة ، رضي الله عنها ، أهل بَيْتِهَا إذ لم يكن أحد فيهم يحسن القراءة الواجبة إلا هي ، فصار ذلك من الضرورة التي تقدر بقدرها ، فَتَحَكَّمَ من تَحَكَّمَ في توسيع المناط فجعل ذلك أصلا يقاس عليه ، فخالف عن معيار العدل في الحكومة فهو يوجب العمل بالأصل فلا يخرج الناظر فيه إلى الاستثناء إلا لدليل يستثني أو ضرورة تلجئ ، وهي ، كما تقدم مرارا ، مما يقدر بقدره ، فيدخل ، أيضا ، في العموم المحفوظ في قول الرب المعبود جل وعلا : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ، فكان من التوكيد بدلالة "قد" إذ دخلت على العامل الماضي "جعل" فأفادت التحقيق ، كما يقول أهل الشأن ، وقد أطلق فعل الجعل فهو يستغرق ، فثم جعل التكوين وثم جعل التشريع ، كما في جعل الضرورة آنفة الذكر فهي مما يقدر بقدره فيكون من إذن الحاجة ما يستباح به المحرم لغيره ، كما قد قال أهل الشأن في رخصة العارية فجاز بيع الرطب بخرصها تمرا مع حصول التفاضل في الجنس الواحد فذلك من الضرورة التي تقدر بقدرها على وجه تندفع به الحاجة ، وهو مما فصل أهل الشأن حكايته في كتب الفروع ، ويكون من إذن الضرورة ما يزيد فيستباح به المحرم لذاته ، كما في استباحة الميتة حال المخمصة الْمُهْلِكة ، فاستبيح من أكل الميتة ما خالف عن الأصل الثابت فهو محكم لم ينسخ وإنما عُلِّقَ العمل به في هذا الموضع بعينه لعارض طرأ من جوع مُهْلِك ، فالدليل الحاظر محكم لم ينسخ وإنما استبيح المحظور لحاجة أو ضرورة تقدر بقدرها ، كما يضرب المثل ، أيضا ، بما كان عام الرمادة ، فكان تعليق الفاروق ، رضي الله عنه ، حد السرقة فقد قام من المانع ما يوجب ذلك فلم يكن إبطالا أو نسخا ! ، فقد انقطع الوحي فَأَنَّى أن ينسخ أحد حكما من أحكامه إلا تعطيلا تعظم به الجناية على الوحي بل وتبلغ بصاحبها حد المروق من الدين على تفصيل في أحواله ، فلا يطيق الفاروق بداهة ولا يطيق غيره أن يُبْطِلَ حدا من حدود الشريعة ، وإنما نظر في الأمر نظر الفقيه المحقق ، فإن الحكم لا بد له من شروط تُسْتَوْفَى وموانع تَنْتَفِي ، فكان مانع الجوع عام الرمادة مما أوجب تعليق الحد لا إلغاءه ، فإذا زال المانع استأنف الحاكم العمل بالحد ، على وجه يواطئ القياس الصريح فإن حصول المانع يحول دون النفاذ ، وَانْتِفَاءَهُ ، في المقابل ، يوجب النفاذ ، فكان من جعل التكوين ، إن في الجلال أو في الجمال ، فَثَمَّ جعلُ تكوينٍ به إهلاك من كفر وظلم فذلك وصف الجلال ، وثم جعل تكوين به إنجاء من آمن وعدل فذلك وصف الجمال ، وكان من جعل التشريع ، إن في العزائم وهي الأصل ، أو في الرخص وهي الاستثناء الذي يقدر بقدره ، فكان من ذلك ما حسن معه إطلاق الفعل في قوله تعالى : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ، ولم يخل من ثَنَاءٍ عظيم على الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، إذ أحكم الخلق والشرع جميعا فكان من العدل ما يواطئ حده الصحيح فهو يَقْضِي أن يوضع كل شيء في موضعه الذي يلائمه ، فذلك عام لا مخصص له ، وقد زِيدَ في تقرير المعنى حصرا وتوكيدا بما تَقَدَّمَ ذكره من تقديم ما حقه التأخير "لكل شيء" ، ولا يخلو تنكير "قدرا" من دلالة نوعية تحتمل التعظيم أو ضده ، فهي ، من هذا الوجه ، تجري مجرى المشترك الذي ازدحمت فيه المعاني على وجه يلجئ الناظر أن يفتش عن مرجح يحسم النزاع بين الدلالات فقد تنازعت لفظا واحدا ، فوجب ترجيح بعضها على بعض ، وإن صح في أحيان أن يعم المشترك بدلالاته جميعها أو بعضها ، فذلك ، أيضا ، خلاف الأصل ، فهو استثناء لا يقاس عليه وإنما يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فمن جوزه لم يجعله الأصل في دلالة المشترك ، وإنما نظر في السياق فلم يجد من يحول دون الجمع بل وجد من زيادة الدلالة ما يُثْرِي السياق فاستحسن ذلك إذ يرفد اللفظ الواحد بمعان كثيرة ، فكان من دلالة السياق ما رَجَّحَ معنى التعظيم في سياق الثَّنَاءِ على الرب الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بالنظر في جنس الفعل ، وهو التقدير ، فَتَقْدِيرُ الرب ، جل وعلا ، كجعله ، فمنه تقدير الكون ومنه تقدير الشرع وفي كلا النوعين من آثار الكمال ما يوجب الثَّنَاءَ على رب العباد ، تبارك وتعالى ، ولا يخلو اللفظ ، لو تدبر الناظر ، من دلالةِ اشتراك بالنظر في آحاد المقدورات فمنها الجليل ومنها الدقيق فجعل لكل منهما من القدر ما يلائمه ، فصح ، من هذا الوجه ، حمل اللفظ على كلا الوجهين ، وهو ما يرفد المعنى الأول ، معنى التعظيم بالنظر في فعل التقدير ، إذ يعظم التقدير ويمدح إذا كان فيه من العدل ما يضع كل شيء في موضعه ، خلافا لمن حده بالتسوية مطلقا ، وجعل ذلك ذريعة إلى التسوية بين المختلفات فخالف عن قياس العقول الصريحات ، كما تقدم في دعوى التسوية المطلقة بين الرجال والنساء في جميع الوظائف والولايات فذلك خروج عن قانون العدل وفيه يكون من تشبه كل جنس بالآخر ما قد نهى عنه الرب الشارع ، جل وعلا ، إذ يخالف عن مقتضى الحكمة الربانية البالغة ، ولا تخلو اللام في "لكل شيء" ، لا تخلو ، لو تدبر الناظر ، من دلالة اختصاص واستحقاق ، فالحق يوضع في محله الذي يلائمه ، فاستحق المحل من الوصف والتكليف ما يلائمه ، فكان من أجناس الولاية آنفة الذكر ما اختص به الرجال فحصل لهم بها معنى القوامة في آي النساء ، فـ : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، فهي تستغرق ولاية النبوة ومعنى الاختصاص فيها أعظم بالنظر في قَبِيلِ الرجال فضلا عن النساء ، فلا تحصل لكل رجل فليست مما يكتسب بدربة أو فكرة أو عزلة ..... إلخ من طرائق التصوف والفلسفة إذ جعلت النبوة محل اجتهاد يباشر صاحبه من الأسباب ما يصير به نَبِيًّا تُكْشَفُ له حُجُبُ الغيبِ ويحصل له من الوحي صور تخاطبه ! ، فهي تأويل الحركة الباطنة في المعقولات ، فمصدر الوحي نظره ! فهو يرجح أي نظر إذ فيه من قوة الذكاء والحدس ما يجعله محلا يقبل آثار الوحي بالقوة ! ، فإذا اجتهد في تحصيل أسبابها صار نَبِيًّا بالفعل ! ، فلا يحصل من هذه النبوة وهي أعظم ولاية تحصل لبشر لا يحصل منها شيء باكتساب ، ولا يحصل منها شيء إلا لجنس الرجال ، على وجه أوجب ، كما تقدم ، إبطال دلالة التغليب في اسم الوصل في قول الرب جل وعلا : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) ، فدلالة "مَنْ" : دلالة الإفراد والتذكير في اللفظ ، ودلالة الجمع والتذكير في المعنى ، فلم تجاوز حد التذكير فلا تغليب فيها كما قد يقال في نحو قوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) ، فإن إيجاب الجماعة مما اختص به الرجال لما تقدم من فضيلة الاستتار في حق النساء ، وإن كان الخلاف في هذا الموضع أهون من الخلاف في موضع النبوة ، فإن للنِّسَاءِ أن يحضرن الجمعة والجماعة ما لم يكن في ذلك مفسدة تَرْجُحُ حضورهن ، فحضورهن جائز ، بل قد يبلغ حد الندب إذا استفدن به من العبادة والعلم ما ينفع على وجه لا يخل بحق الزوج ، فهو الْقَيِّمُ ، فلا يكون ذلك إلا بإذنه ، وقد يَبْلُغُ ، في أحيان ، حد الإيجاب كما تقدم من حال المرأة إذا احتاجت من العلم ما هو فرض عين عليها لا سيما في الأحكام التي اختصت بها النساء من الحيض والحمل والولادة والنفاس والرضاع ..... إلخ ، فإن لم يكن الزوج يَفْقَهُهَا فيجب عليها الخروج لطلبها ، فالخلاف في أمر الصلاة أهون ، وإن كانت جماعتها فرضا على الرجال دون النساء ، على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ من جعلها من السَّنَنِ المؤكد ، وَثَمَّ من جعلها من فرض الكفاية على وجه تقام به الشعيرة وتظهر ، وثم من جعلها من فرض العين فَتَارِكُهَا يأثم وإن كانت صلاته صحيحة تجزئ فالجهة في هذه الحال قد انفكت وثم من جعلها شرط صحة فالجهة لا تَنْفَكُّ فلا تبرأ الذمة إلا بأدائها جماعة في المسجد إلا لمانع معتبر ، كما في حال الخوف الشديد أو المطر الغزير أو البرد القارس .... إلخ ، كما في الأثر المشهور وفيه : "أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ، ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" ، فكان من الخلاف في أمر الصلاة ما هو أهون ، كما تقدم ، فجاء النهي أن تُمْنَعَ النساء المساجدَ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهُنّ تَـفِـلات" ، وهو نهي يدل على التحريم ولا يخلو من دلالة الإرشاد ، فضلا عن احتراز ختم به الخبر ، فكان أمر آخر يفيد بدلالة المفهوم ألا يخرجن إن كن متعطرات بل قد ورد النهي عن ذلك ، فـ : "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية" ، فذلك وعيد يوجب بداهة التحريم القاطع ، فخبر الذم بلقب الزِّنَى يدل بداهة على فحش الفعل وتحريمه وإن لم يكن زَنًى يوجب الحد ، فالزنى ، لو تدبر الناظر ، جنس عام تندرج فيه آحاد ، فمنه ما يوجب الحد وهو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن من الإيلاج في فرج حرام ، ومنه ما يوجب الذم كما في الخبر المشهور ، فـ : "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا ، الْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ ، وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ التَّقْبِيلُ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ ، وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْيُ ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ" ، فكان من الاحتراز ختام الخبر أن يخرجن تفلات كناية لا حقيقة ، فالرائحة الكريهة مما يذم ، بل قد تبلغ في أحيان حد التحريم كما في ريح الثوم والبصل في الصلاة ، وعليها قِيسَ كل ما يؤذي الإنسان من ريح تكره ، فكذلك الشأن في الريح الكريهة من رجل أو امرأة فهو مما يُجَافِي عن كمال الطبع فضلا عن مخالفة حكم الشرع فَفِيهَا من الأذى ما يَتَعَدَّى ضرره ، فيدخل من هذا الوجه في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" ، فالتفل كناية عن عدم التطيب ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر يعم كل طيب تظهر آثاره فيعم ما يظهر لونه وما يظهر ريحه ، وَيَعُمُّ سائر أجناس الزينة التي تظهر ، فالمعنى ، لو تدبر الناظر ، يجاوز حد الطيب المتبادر ، فكان من نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنْ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهُنّ تَـفِـلات" ، كان منه ما يحسن تخصيصه فَثَمَّ من الأحوال ما يحسن فيه المنع لا تعسفا وإنما يكون من الوصف ما يوجب ذلك كالتقصير في حق الزوج بالإكثار من الخروج إلى المسجد ، فتلك نافلة لا تقدم على حق الزوج ، أو ما تقدم من التطيب ، أو إذا كان ثَمَّ من فساد الحال والزمان ما يجعل الستر في البيوت أولى لا سيما في أعصار الفتن التي تستباح فيها الحرمات وتفسد المروءات .
والشاهد أن ولاية النبوة ولاية رجال ، فدلالة "مَنْ" ، كما تقدم في قوله تعالى : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) ، دلالة تذكير لا تعم النساء بدلالة التغليب ، وكذلك الشأن في ولاية السياسة والحرب ، ومثله يقال في الولاية الأخص ، وهي قوامة الرجل في بيته ، وهي النوع الثالث من أنواع الولاية ، فجاء النص عليها في آي النساء في قوله تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، ولم يخل الخبر من دلالة الإنشاء أن تطيع النساء الرجال بما لهم من قوامة ، وذلك ، بداهة ، مما يخص في كل أمر ألا يكون معصية للخالق ، جل وعلا ، وهو مما قُيِّدَ بمناط تفضيل يجري مجرى التكوين ، وهو ما اختص به الرجال من كمال البدن والعقل ، وَقُيِّدَ بآخر يجري مجرى التشريع فنفقة الرجال على نسائهن واجبة ، فكان من القوامة ما هو تشريف بزيادة في التكوين ، وما هو تكليف فيجب على الرجال من النفقة ما لا يجب على النساء على وجه أحكمت به الآي وظهر به من العدل ما يوجب الثناء على الرب ، جل وعلا ، أن هيأ لكل جنس ما يلائمه من الوظائف وأمده بخصائص في الجبلة والطبع تلائم هذه الوظائف ، ولا يخلو وصف القوام من دلالة مبالغة فمثال "فَعَّال" ، من أمثلة المبالغة القياسية ، وهو مما يَزِيدُ في المعنى على ما اطرد في فن البلاغة ، إذ زيادة المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى ، ولا تخلو "على" من دلالة استعلاء وَتَمَكُّنٍ وهو ما يرسخ معنى القوامة ، فحصل من الطباق إيجابا بين الرجال والنساء ما استغرق قسمة العقل والحس ، فجاء الخبر الذي لا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة إنشاء فَثَمَّ أمر يتوجه إلى الرجال أن يباشروا من وظائف القوامة ما به صلاح الحال فهو يجري على سنن الفطرة ، فجبلة الرجال تلائم وظائف الكسب والكد ، وجبلة النساء تلائم وظائف الرعاية والتربية ، وكان من التفضيل ما يجري مجرى التعدي ، وهو تفضيل في الكون والشرع ، فَفُضِّلَ الرجال بالنظر في الجبلة الكونية ، وفضلوا في الحكمة الشرعية فكان لهم من وظائف التكليف ما اختصوا به ، من إمامة الصلاة وإمامة السياسة والحرب وقوامة البيت ، فجامعها ، كما تقدم ، جنس أعلى ، وهو جنس الولاية ، فمنها العام ومنها الخاص ، وكان من تكرار الباء في "بِمَا أَنْفَقُوا" ، كان منه ما يجري مجرى التوكيد بِتِكْرَارِ العامل الجَارِّ في المبنى ، السببي في المعنى ، وثم مناط تعليل آخر وهو المعنى الذي اشتقت منه الصلة في "بِمَا فَضَّلَ الله" ، و "بِمَا أَنْفَقُوا" ، فتفضيل الله ، جل وعلا ، الرجال على النساء وهو حكم كون ، وما يكون من نفقة الرجال على النساء وهو حكم شرع ، هذا المجموع المركب من معنى كوني وآخر شرعي هو مناط القوامة ، فالحكم قد يُعَلَّلُ بأكثر من معنى فيجري ذلك مجرى العلة المركبة ، فإن العلة في الأصول قد تكون مفردة وقد تكون مركبة مجموعة من أكثر من معنى ، كما في المثال المشهور في تعليل الربا في الأجناس المنصوصة من المطعومات ، فثم من اعتبر الكيل والاقتيات ، وثم من اعتبر الكيل والادخار .... إلخ على تفصيل في ذلك ، وهو أمر يظهر فيه من وجوه الحكمة والنظر ما يواطئ طرائق البحث المحكمة ، فإن اجتهاد العقل في التقسيم والسبر ، وهو استقراء يجتهد فيه الناظر أن يستجمع الأوصاف فَيَسْبِرَهَا وَيَمِيزَ ما اطرد فلا يؤثر ، وما يؤثر فهو مناط التعليل ، وقد تكون العلة معنى مجموعا ، فلا يحصل الحكم إلا بحصول المجموع من أجزاء ، كما في هذه الآي ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مناط اعتبار يَنْفَعُ فهو يُبِينُ ، كما تقدم مرارا ، عن مواطئة النقل الصحيح للعقل الصريح .

والله أعلى وأعلم .