مما أسهم بدور فاعل في ترسيخ الطرح العلماني في الشرق وتشييد بنيانه ما كان من التأصيل الفكري الذي قام به الشيخ الأزهري الذكي الوثاب الذي شُغِفَ بالعلم والمعرفة وحب الاطلاع ولكنه كان كسائر أبناء الشرق مهزوما الهزيمة النفسية مبهورا بالحضارة الغربية فكانت رحلته إلى باريس جواز مرور أصدره الشيخ رفاعة الطهطاوي لقيم الحضارة الغربية إلى العقل الشرقي الرسالي ، فكان عمله في "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" هو تقريب العلمانية إلى الحضارة الإسلامية فكسى قيم فرنسا لحاء الإسلام وحاول تقريبه إلى الأذهان ، كما قد صنع "ابن سينا" قبل ذلك في إطار الدرس الفلسفي ، فَقَرَّبَ ، كما يقول بعض المحققين ، فلسفة أرسطو إلى الدرس الإسلامي بعد أن كساها لحاء الوحي إذ استعمل مفرداته بعد أن فَرَّغَهَا من مضمونها وشحنها بدلالات معرفية تَنْتَمِي إلى فضاء فكري آخر ، فيستعار اسم "الملائكة" ، على سبيل المثال ، بعد أن يُفَرَّغَ من مضمونه الرسالي ثم يشحن معنى آخر يَنْتَمِي إلى الفضاء الفلسفي اليوناني الذي يخالف عن فضاء الرسالة بل ويناقضه في مصادر الأدلة وطرائق الاستدلال ، فالملائكة هي العقول الفعالة .... إلخ من المضامين الفلسفية ، فذلك ما استعمله الشيخ الطهطاوي ، وهو أمر يتكرر في كل عصر تعظم فيه الهزيمة النفسانية كما هي الحال الآن فيلجأ بعض المهزومين وإن كان بعضهم من المخلصين ، يلجئون إلى تبرير جرائم الغرب الفكرية والسياسية والعسكرية ومحاولة إلباسها ثياب القيم والأخلاق والحضارة ، فيدفع عن الغرب ما لا يدفع الغرب عن نفسه ، فهو غربي أكثر من الغرب ! ، فيجتهد في تقريب العلمانية إلى الإسلام في خطابه إلى الشرق ، ويجتهد في المقابل أن يقرب الإسلام إلى قيم الغرب في خطابه في المركز ! ، فهو حلقة وصل وجسر عَلَيْهِ تَعْبُرُ قيم الغرب إلى الشرق ، في خيانة من أعظم الخيانات الفكرية ، إذ ما يصنع لا يصب إلا في قَنَاةِ الغالب ، فهو يُرْضِيهِ أو يَسْتَرْضِيهِ إذ يروم إصلاح دينه وتجديده ليصير أهلا أن يلتحق بركب الحضارة المركزية ، وهو يخدع أبناء الجلدة فَيُهَوِّنُ من شأن الصراع الحضاري مع المركز ويجعل الأصول واحدة في محاولة ساذجة لتبسيط أصول الحضارات بالنظر في القيم العامة المطلقة التي أجمع عليها العقلاء كلهم ، فالغالب هو الذي يستفيد من هذا التقريب فإن أصوله ثابتة محكمة وعلى من رَامَ الالتحاق بها أن يقترب منها فهي عزيزة لا تُنَالُ بالنقد أو التأويل إلا في إطار التبشير الذي يستوجب قدرا من التقية الفكرية ! ، فأصول الغرب هي الأصل ، وعلى الشرق أن يعيد النظر في أصوله الحضارية فَيُجَدِّدُ أو يُحْدِثُ ، أو يُبَدِّلُ وَيُحَرِّفُ ، أو يمحو وينسخ ...... إلخ أَيًّا كان الاسم ، فَلْيُسَمِّهِ الشرق ما شاء سواء أكان القائل مخلصا قد ضل الطريق فظن أنه تجديد تَسْتَرِدُّ به حضارة الشرق هَوِيَّتَهَا وتجيب عن السؤال الرئيس في أي نهضة : من نحن ؟! ، وهو السؤال الذي كان بالأمس يُثِيرُ سخرية المسئول فالسائل يسأل عن أمر بدهي يُنَزَّلُ منزلة العلم الضروري ، فمصر بعد أن دخلها الإسلام بدأت في الدخول فيه شيئا فشيئا ، فلم يكن الأمر ، بداهة ، دفعة ، لا سيما وهو آت في أعقاب احتلال روماني اسْتَنْزَفَ مصر ولكنه أضفى عليها طابعه ، ولو بطول زمانه ، فلا يخفى أن الحقبة الرومانية حقبة رئيسة في تاريخ مصر القديم فآثارها في العمران وآثارها في نظم الحكم والإدارة كان أمرا واقعا ، ولو بقوة القمع ، فمعادلة السياسة قد استقرت لقرون ، وطبقات المجتمع قد تمايزت ، فكانت النخبة الرومانية الحاكمة ، والنخبة اليهودية التي مارست وظيفة التجارة فكانت مجموعا وظيفيا اقتصاديا قريبا من السلطة كحال النخبة الاقتصادية في أي حكم مركزي مستبد فهي دوما أقرب إلى السلطة في إطار معادلة محكمة يَتَبَادَلُ فيها الطرفان الامتيازات ، أو تَشْتَرِي فِيهَا النخبة الثرية الامتيازاتِ من السلطة ، فَتَكُونُ المعادلة : المال فِي مقابل الأمن والامتيازات الاقتصادية ، وهي معادلة تَتَكَرَّرُ في كل حكم عسكري مركزي ، فالدولة الرومانية وإن كان لها رصيد من نظم الإدارة إلا أنها لم تخرج أن تكون قوة احتلال مسلحة وتاريخها تاريخ توسع كقوة استعمار خارجية تمددت في فضائها الاستراتيجي جنوب المتوسط وشرقه ، وحضارتها كما يذكر الباحثون في الآداب ، حضارتها المسلحة قد نَسَخَتْ حضارة الإغريق ذات الطابع الفكري ، وإن وَثَنِيًّا ، مع أنها لم تخرج ، لو تدبر الناظر ، عن قيم المركز ، فَقِيَمُ الوثنية التي تخالف عن قيم الرسالة السماوية ، قِيَمُهَا واحدة وإن اختلفت الأسماء فالمسمى والجوهر واحد ، فكان في التأصيل الفلسفي الإغريقي : ترسيخ الطبقية فَثَمَّ فارق بين السادة والعبيد في أثينا استنادا إلى الفوارق العرقية بين الجنس اليوناني وبقية الأجناس ، وكان فيه من ضرورة استخدام القوة لنشر قيم الحضارة الإغريقية فهي وسيلة استلاب الثروات واستنزافها لمصلحة المركز الذي يستمتع بمعظمها وَيُلْقِي بِفُتَاتِهَا إلى الأطراف وهي وسيلة الفتح الحضاري ! بحد السيف فَتُفْرَضُ قِيَمُ الحضارة الغالبة قهرا وهي الدعوى التي يطلقها المركز في حق الحضارة الرسالية إطلاقَ الجناية ولا تخلو من إجمال فإن استعمال القوة في الفتح أمر لا ينكره تاريخ الرسالة بل إنه يفخر به ويزهو إذ به ظهر القدر الفارق بين حروب حضارة مرجعها الوحي الذي يعزز في النفوس القيم والأخلاق ويروم تحرير العباد من عبادة بعضهم ، سواء أكان ذلك بقوة احتلال وقمع من خارج أم بأخرى من داخل كما يرى الناظر في هذه الأعصار ، فأمصار الشرق قد احتلت من داخلها وإن كانت نخبة الاحتلال تستمد شرعيتها السياسية من خارج فلم تخرج بلاد الشرق أن تكون محتلة من الخارج ، وإن كانت صورة الاحتلال الآن من داخل فهي بأدوات محلية ولكن الأهداف والدوافع والاستراتيجيات والتكتيكات من خارج مع احتفاظ الداخل بهامش إدارة كبير لا سيما في اقْتِسَامِ ما فَاضَ عن حاجة المركز من الغنائم ! ، فالمركز لا يروم التدخل في أدق التفاصيل فيكفيه وضع الإطار العام المحكم فالجميع لا يخرج عن طوعه ، اختار أو كره ، فمعادلة السياسة الآن تتحكم فيها قيمة القوة المسلحة وَتَوَابِعُهَا من القوى التي تُقَيِّدُ حركةَ المجتمع وتستنزف عقله قبل ثرواته ، فجاءت الرسالة لتحرر الشعوب من الاحتلال من خارج وتابعه من داخل ، فكلاهما يرتبط بالآخر ارتباطا عضويا في إطار شبكة محكمة من المصالح لا تقيم وزنا لأي مبادئ ، ولو أرضية ، فلا يحسم هذه المادة الفاسدة إلا فتح الوحي الذي نزل به روح القدس عليه السلام فكان في حروبه ما به استبان القدر الفارق بين حروب الحضارة الرسالية ، وحروب حضارات أخرى غايتها تحقيق اللذات واستلاب الثروات ، فالقوة كانت وسيلة رئيسة في التأصيل الفلسفي الإغريقي ، وكانت اللذة ، في المقابل ، غاية رئيسة على وجه فج يقزز ، ولم تخرج الحضارة الرومانية عن هذا الإطار الفكري وإن كان لها من الفعل العسكري ما زاد على الحضارة الإغريقية التي اكتفت بالتأصيل فجاء الرومان الذين باشروا التنفيذ ، وكانت مصر إحدى ضحايا المركز ، كما هي الآن وسائر بلاد الشرق ، فإن العقل الحاكم في المركز واحد لم يتبدل فلا زال يتأول القيم الأولى في نسخ فكرية وسياسية جديدة تواكب العصر وتستعمل أدواته مع احتفاظها بإرث السلف ! ، وهو ، أيضا ، مما يعيبه المركز ومجموعاته الوظيفية الفكرية في الشرق فإن من رام الرجوع إلى أصول الحضارة الرسالية فهو رجعي متخلف ! ، وأما رجوعهم إلى قِيَمٍ سابقة على الوحي بل وسابقة على معنى الإنسانية الرشيدة ! فهو التجديد والتحديث اغترارا بوسائل جديدة استعملوها في تحقيق الغايات القديمة فلم يخرجوا عن إطارهم الفكري والسياسي فلا زالت وثنية الفكرة والغاية هي الرائدة لهذا العقل المركزي الذي نجح في احتلال مصر فكان له أَثَرٌ كبير في بِنَائِهَا السياسي والاجتماعي ، كما تقدم ، فكانت نخبة الرومان الحاكمة ، ونخبة يهود الاقتصادية التي تَنْشَأُ تلقائيا ، كما ينوه بعض المحققين ، بعد استقرار الحكم العسكري فهي النخبة الوظيفية الأقدر على الاستفادة من القمع فغالبا ما تجيد تبادل المنافع مع نظام الحكم ولا تخرج في ذلك عن قانون محكم وهو قانون الأقليات المتساندة ، فهي تدور في فلك الأقلية الأقوى التي تحكم بشرعية القوة الجبرية فتحيط نفسها بدوائر خادمة ، كالدائرة اليهودية في المثال الروماني فضلا عن دوائر أخرى من أقليات محلية من القبط الذين ارتبطت مصالحهم ووظائفهم بالسلطة فهي التي تُوَفِّرُ لهم الخبز وإن استعملتهم في قمع بقية الشعب كما يرى الناظر الآن في المجموع الوظيفي الذي يحتكر القوة المسلحة في بلاد الشرق فهو يدور في فلك السلطة وهو السياج الذي يحوطها نظير ما يَنَالُ من خبز به يمتاز عن بقية الشعب فخبزه أجود ، وإن لم يخرج ، لو تدبر الناظر ، أن يكون من الفتات ، ولكن كِسَرَهُ أكبر وأشهى ! ، فكان النظام الروماني العسكري في المركز ومن حوله الأقليات اليهودية والقبطية المستفيدة ، وكانت الأغلبية المصرية المقموعة كالعادة ! ، فالاحتلال دوما يحدث انقلابا في البناء الفكري والاجتماعي في الأمة التي يحتل أرضها فلا يقتصر الاحتلال على الأرض وإنما يطال نظم الفكر والسياسة والحرب والإدارة والاقتصاد ... إلخ فهو مشروع كامل يَرُومُ طمس الهوية المستقرة واستبدال أخرى بها هي هوية المحتل الذي يُبَشِّرُ بالفتح الحضاري ، وتلك ، أيضا ، دعوى يطلقها كل وافد سواء أكان وافدا بالوحي المنزل أم وافدا بالوضع المحدث ، والتاريخ ، كما تقدم مرارا ، هو الحكم العدل في هذه الخصومة الحضارية المستحكمة ، فلا ينكر الناظر دور الحقبة الرومانية في صناعة الهوية المصرية كرافد من روافدها ، ولو بالقمع الذي طال زمانه فأحدث أَثَرَهُ ، ولو سلبا ، فكان من فتح الرسالة ما أضاف بُعْدًا جديدا بل قد أثبتت الأيام والوقائع أنه قد احتل مرتبة الصدارة فصار هو البعد الرئيس في تكوين الهوية المصرية فكانت إسلامية بامتياز وإن استفادت من روافد أخرى إن بالإيجاب أو بالسلب فكان الإسلام في المركز وما حوله فهو خادم يعزز هذه الهوية الجامعة التي لم تجد الأقليات حرجا أن تدخل في حكمها بل وَتَنْطِقَ بلسانها وَتَتَزَيَّى بِزِيِّهَا وَتَتَشَرَّبُ أفكارها مع احتفاظها بدينها فلم يكن الفتح يضطهد النصارى الأرثوذكس كما اضطهدهم النصارى الكاثوليك وإن لم ينكر الناظر في تاريخ مصر الإسلامية أن ثم وقائع اضطهاد تداخلت أسبابها ، ولكنها كانت عارضا خارجا عن جادة العدل وهو الأصل فكانت الاستثناء الذي يُرَوِّجُ له المركز ونخبه الثقافية في مصر أنه الأصل ! ، فكان الإسلام هو حكمَ الاضطهاد والقمع وكان هو الصائل على هوية مصر العلمانية حتى جاءت الحملة الفرنسية التي حررت مصر من التخلف والرجعية ، فكانت محاولة لاسترداد مصر العلمانية الحديثة ! ، ولكن الشعب الرجعي المتخلف أبى فقاوم هذا الفتح ونجح في دحره وطرده ، ونجح ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن يفرض كلمته على السلطان العثماني فأجبره أن يمنح المصريين حق اختيار حاكمهم بثورة أخرى على الوالي العثماني ، ونجح في صد الحملة البحرية البريطانية ، فكان هذا الشعب الرجعي المتخلف الثائر على الفتح العلماني الوافد ! ، الفرنسي والبريطاني ، فذلك مد هائل لا يقوى المركز على مواجهته فلا زال في مصر من هوية الرسالة ما يطيق دفع الصائل الوافد ، وهو ما اقتضى خطوة تكتيكية إلى الخلف ، فتحديث مصر بالقوة الجبرية الأجنبية قد فشل ، فجاء الجنرال الذي يَنْتَمِي ، ولو في الظاهر ، إلى حضارة الشرق فهو يحمل اسم نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، جاء محمد علي كخيار بديل لاستيعاب هذه الثورة المصرية ذات الطابع الإسلامي ، فنجح محمد علي في خداعها واحتوائها ثم الانقلاب عليها انقلابا فاق حد الانقلاب في السياسة والحرب والإدارة ، فكان انقلابا على القيم والأفكار الراسخة في الوجدان المصري من لدن الفتح الإسلامي ، فقمع الهوية الإسلامية بقوة الجبر وعبثا رام ترسيخ العلمانية في الوجدان المصري ونجاحه حتى الآن إنما يظهر في إطار ضيق هو إطار النخبة الحاكمة بأجزائها الكلاسيكية في أي نظام قمع واستبداد ، فلا بد ، كما تقدم مرارا من تأصيل بعض المحققين ، لا بد من حاكم عسكري في المركز وحوله دوائر من النخب المنتفعة تَتَفَاوَتُ قُرْبًا أو بُعْدًا منها تَبَعًا لحاجته إليها وحاجتها إليه فالجميع يتساند لتحقيق غاية رئيسة وهي قمع أسباب المقاومة في الداخل ، وأخطرها السبب الذي يدور الصراع عليه حتى الآن ، وهو سبب الهوية ، فكلما استفاق الشعب ، ولو بعض استفاقة ، في ثورة أو فورة أو أي حراك سياسي ينحاز تلقائيا إلى هوية المجموع الغالب ، كان الانقلاب ، وهو أمر تكرر فكان الانقلاب دوما ، إما خشنا أو ناعما ، فكان محمد علي الجنرال القديم الذي انقلب على ثورة مصر المركبة على الاحتلال الفرنسي والغزو البريطاني واستبداد السلطة العثمانية الحاكمة دون خروج عن إطار الهوية الجامعة فإن المصريين لم يَثُورُوا على السلطنة المسلمة ، فالإطار الحضاري واحد ، وإنما ثَارُوا على استبدادها واستئثارها باختيار الْوَالِي دون رجوع إلى أصحاب الحق الأصيل ، فَانْتَزَعُوا حق الاختيار بعد قرون من الاستبداد ولكنهم في مفارقة عجيبة وضعوا الأمانة في يد خائن لحضارتهم وهويتهم كان ضرره أعظم من ضرر الوالي العثماني ، فصراع محمد علي معهم لم يكن صراع استبداد فقط ، وإنما كان صراع هوية ، وكذلك كان الشأن في ثورة 19 على الاحتلال البريطاني فإنها في بعض أدوارها قد رفعت شعار هوية إسلامية يُعَزِّزُ انتماء مصر إلى السلطنة العثمانية بوصفها السلك السياسي الناظم لحبات الشرق استنادا إلى الإسلام عَقْدَ فكرٍ وسياسةٍ جامعٍ فسارعت بريطانيا أن تُعَزِّزَ في مصر قيم الوطنية باستعمال الزعيم فهو شخصية تظهر في كل جيل ! ، فيكون هو الرمز الذي تلتف حوله الجماهير ليقضي على ثورتها إن طوعا كما حصل في ثورة 19 أو كرها كما حصل في حراك يناير 2011 فكان حراكا رام به المجتمع استرداد بعض حقوقه ومنها حق الهوية الذي ظهر بعد ذلك ، ولو في استحقاقات سياسية باهتة ضُخِّمَتْ وَأُعْطِيَتْ أكبر من حجمها ولكنها كانت مؤشرا أثار قلق المركز فلا زالت هوية الإسلام ، ولو مجملة ، هي الأقوى ، وكان المجتمع آنذاك في حال تحفز ووثوب فلا بد من جنرال جديد كالجنرال محمد على ، الأصل الذي يستنسخ منه المركز بقية الجنرالات ، فلا بد من جنرال جديد يقمع هذه الفوضى كما قد قمعها محمد علي الذي نجح في القضاء على ثورة مصر بعد طرد المحتل وأعادها إلى المربع الأول بل قد رجع بها فصارت أسوأ مما كانت ، فكذلك كان الجنرال الذي قضى على الفوضى في يناير 2011 ، فَقَمَعَ الحراك الْفَتِيَّ بعد خلع المستبد ، ورجع بمصر إلى أسوإ مما كانت عليه قبل يناير 2011 ، فهي صورة مستنسخة ، وإن شائهة ، من صورة محمد علي ، فكلاهما بَاشَا المركز الذي يرعى مصالحه في الشرق ويقمع أي حراك يعارضها ، وأبرز سؤالاته ، كما تقدم ، سؤال الهوية الذي صار الآن محل نظر ! ، بعد أن كان من المسلمات البدهية ، فكان السؤال عنه ضربا من العبث ، واليوم يُطْرَحُ السؤال مجددا ، وعدم استقرار الحكم العسكري في مصر حتى الآن ، مؤشر أن السؤال لا زال يطرح ، ولو في العقل الباطن ، فقد اشتغل الظاهر بعوارض الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ، فالمجتمع لا زال يفتش عن ذاته ، والصراع حول هويته لا زال يحتدم ، وهو ، كما تقدم ، ما حمل بعض المتعجِّلين أن يرفع راية استسلام فيمارس نوعا من التدجين والتلفيق بتقريب القيم العلمانية إلى الشرق ، سواء أكان حسن النية يرى صنيعه حلا للإشكال ، أم كان خائنا لحضارته فهو يعلم أنه تحريف وتبديل وطمس وإزالة لقيم الحضارة وأصولها ، ولكنه يكسوه ، أيضا ! ، اسم التجديد ، فهذا الاسم قد صار من أشد الألفاظ إجمالا في هذا العصر ، فهو يحتمل التجديد حقا ، نِيَّةً وَفِعْلًا ، فيكون كشفا لما قد خَفِيَ وَانْدَثَرَ من أصول الحضارة ، ويحتمل حقا ، نِيَّةً لا فِعْلًا ، فصاحبه قد أخطأ في الفعل وإن كان له حظ من حسن القصد ، فظن أن التجديد هو تقريب أصول حضارته إلى الحضارات الأخرى من موقع المهزوم الذي يستجدي الاعتراف بشرعيته الفكرية فيقدم لأجل ذلك ما يقدم من التنازلات الحضارية ، كما يرى الناظر في عالم السياسة من قادة يفتقدون إلى الشرعية السياسية فيبذلون من الثمن الباهظ ! من القرار السيادي بل والجغرافيا السياسية والاقتصادية ما به تُشْتَرَى الشرعية ولو مصافحة عابرة لزعيم كبير مَنْ حظي بشرف لقائه فهو الرئيس الشرعي وإن خالف عن قيم الشرعية السياسية التي يُقِرُّهَا النظام الدولي نفسه ! ، فهو نظام تحكمه معادلة سياسة طرفها الرئيس : المصلحة والقوة ، فالمبادئ تَتَوَارَى وأحسن أحوالها أن يُصَدَّرَ بها خطاب السياسة الرسمي ، وهو الخطاب الْمُمِلُّ ! ، أو أن تكون ذريعة إلى تبرير القرارات البراجماتية إذ تُكْسَى لحاء أخلاقيا جذابا وما سوى ذلك فلا مكان له إلا في الكتب التي علاها التراب واصفر ورقها وإن كانت دواوين الوحي فليست إلا كلاما يَتْلُوهُ العجائز رجاء الأجر والبركة ! ، فالسياسة البراجماتية ، كما يقربها بعض فلاسفة السياسية في المركز ، البراجماتية جسر تعبر به الأفكار المثالية إلى حيز الواقعية ! ، فالواقع هو الذي يحكم في المبادئ ، فهي تخضع لسلطانه النافذ ، فهو معيار التحسين والتقبيح استنادا إلى شواهد الحس الذي لا يجاوز الحاجة الطارئة فلا يصلح أن يقيم حضارة وإنما غايته أن يشبع غريزة عاجلة ، إن نفسانية تروم الاستبداد أو جسدية تروم اللذة والمتاع ، فصارت القيم لحاء يكسو هذه الأغراض المادية لحاءً من المعاني الشريفة ليسوغ ابتلاعها فهي كسائر المكروهات إلى النفوس بما بَقِيَ فيها من آثار الفطرة الأولى ، فهي كسائر المكروهات لا تستسيغها النفس إلا أن تستعين عليها بما يُحَلِّيهَا وإن كانت شديدة المرارة ، فالقسمة ، كما تقدم ، ثلاثية ، فَثَمَّ من يروم التجديد قصدا ويصيب فعلا ، وثم من يَرُومُهُ قصدا ويخطئ فعلا كما تقدم من حال كثير من أبناء الدائرة الفكرية الرسالية في الشرق إذ هُزِمُوا أمام المركز فكانت الحيلة النفسانية لِتَبْرِيرِ ما يصنعون فهو خطأ فاحش ولولا حسن الظن بصاحبه لوجب الحكم عليه بالإقصاء التام بتهمة الخيانة الفكرية العظمى ، وثم من فسد قصده وفسد فعله معا ! ، فهو يروم تخريب الحضارة باسم التجديد ، وفعله ليس إلا تشويها لها بالسب والقدح وطمسا لمعالمها بالتبديل والتحريف ، ولا ينفك يَفْتَقِرُ إلى رفاعة طهطاوي آخر فهو شخصية رئيسة في أي نقلة نوعية من حضارة إلى أخرى فهو جسر أفكارٍ عابرٍ للحضارات والقارات ! ، حَسُنَ قصدُه أو سَاءَ ، وإن كان من حال الشيخ أنه أراد الإحسان ولكنه فُتِنَ بالمركز فأساء النقل فلم يكن نَقْلُهُ نَقْلَ الناقدِ المستبصر أو نقل المترجم الذي يتجرد فلا ينحاز في ترجمته إلى طرف دون آخر ، فَنَقْلُهُ كان نَقْلَ من يُقَرِّبُ أصول حضارة إلى أخرى تُنَاقِضُهَا ، فَقَرَّبَ قِيَمَ العلمانية إلى الحضارة الرسالية واجتهد في المقارنة الأصولية والفقهية ليختزل الفوارق بين الحضارتين اختزالا لا يخلو من تكلف ، فعمله ، من وجه ، يشبه ما يصنع أرباب التشريع المحدث فكان من دلائلهم أن فرنسا العظيمة ! قد أخذت روح القانون والتشريع فيها من الفقه المالكي وهو أحد روافد الفكر في الشرق ، فَيَهُونُ الفرقُ ، ولئن صدق ذلك فإن فرنسا لم تأخذ إلا روحا عامة في مقاصد كلية لا تجزئ في إنشاء بنية تشريعية كاملة ، فَقَدْ تَصَرَّفَتْ فرنسا بعد ذلك في هذه الروح العامة أن توافق ما تهوى فَتُقَيِّدَهَا بقيم حضارتها العلمانية التي تخالف عن قيم الحضارة الرسالية ، فلا يجزئ الاتفاق في الأصول الكلية المجملة إذ لا بد من تفصيل به يستبين القدر الفارق بين الحضارات فيكون التدافع بينها فهو سنة كونية جارية يروم مَنْ يروم من أرباب التقريب الحضاري ، يروم إبطالها ، علم أو جهل ، أحسن القصد أو أساء ، فَتَقْرِيبُهُ ، لو تدبر الناظر ، من جنس التقريب بين الأديان والتقريب بين المذاهب ، مع اختلاف أصولها ، فكان رفاعة الطهطاوي شابا غريبا في محيط حضارة باهرة ، ومن تلك حاله فهو يفتقر إلى الحاضن ، فإذا أسدى إليه أَحَدٌ معروفا فهو يَعْظُمُ في عينه فيحمل الجميل طول عمره ، كما يحكي التاريخ من مبدأ لطيف حصل به الارتباط ثم الولاء الفكري الكامل بين محمد علي وفرنسا ، فكان الشاب اليافع محمد علي يجد ، كما ينقل بعض الفضلاء ، يجد من مسيو "ليون" التاجر الفرنسي في "قَوَلَة" ، يجد منه العطف والتشجيع فارتبط به إنسانيا قبل أن يرتبط به فكريا وتلك طريقة محكمة في دعوة الناس إلى اعتناق الأديان والأفكار ، فلا بد أن يحصل من الاتصال النفساني ما يمهد للاتصال الفكري ، فالأول ذريعة إلى الثاني ، فتوثقت العلائق الإنسانية بين محمد علي ومسيو "ليون" ثم كان الولاء الفكري الذي جاوز حد الولاء السياسي البراجماتي ، وهو ما تأوله محمد علي بعد ذلك فكانت أطروحته السياسية الفريدة أطروحة فرنسية استلهمت قيم الثورة العلمانية فكانت هي حجر الزاوية في مصر المدنية الحديثة ! ، فكذلك كانت حال الشاب الأزهري رفاعة الذي وجد نفسه أمام حضارة باهرة ووجد من رجالاتها من يمد يده فيحتضنه ، كما صنع مسيو "جومار" الذي أسلمه ، كما يذكر بعض المحققين ، أسلمه إلى المستشرق البارع مسيو "سلفستر دي ساسي" ، فاحتضنه كلاهما بقوة وكان من عظيم المنة ما جعل الشاب يدين لهما بالولاء فقد شجعاه على الدرس والبحث لِمَا آنَسَا فيه من الذكاء والجد في طلب المعارف ، وكانت سنواته الست من 1826 إلى 1831م ، سنوات التكوين الجديد الذي يَنْسَخُ التكوين الأزهري العتيق ، وإن كان لرفاعة من الورع والديانة ما يحول دون استسلامه التام للخصم ، فَثَمَّ رِكْزٌ أول قد استقر في نفسه من قيم حضارته وأصولها فلم يجد بُدًّا من الجمع والتلفيق ليحسم هذا الصراع الشديد في داخله بين القديم والجديد ، ونظر المركز آنذاك لا يقتصر على الشيخ رفاعة وإنما هو جيل أول يبذره الغرب في أرض الشرق وعينه على الأجيال التالية التي تكون أكثر تَشَرُّبًا لقيم حضارته فهي نخبة تصنع على مكث ، وكل جيل جديد فيها أقرب إلى قيم المركز وأبعد عن قيم الوحي ، فجرعة العلمانية في ازدياد تدريجي لا يتعجل صاحبه المنتج النهائي في نخب فكر وسياسة وحرب قد عمت بها البلوى الآن في الأطراف ، فهي ثمرة أجيال بدأها الشيخ رفاعة ، فكان كالجيل الأول من المهاجرين إلى بلاد المركز ، فعين صانع القرار هناك ليست على هذا الجيل ، فقد تقدم العمر وتشكل العقل وتشرب قيما وأفكارا تخالف عن أفكار المركز فمهما حاول الاقتراب أو حاول المركز تقريبه فثم حاجز يحول دون إندماجه أو إدماجه على نحو تام فهو يعيش في هوامش يفسحها المركز لا حبا فيه فهو وافد من حضارة أخرى ، وإنما ينتفع بما بَقِيَ من عقله وجسده في أداء وظائف يغلب عليها في العادة وصف الثقيل وربما المهين لا سيما إن لم يكن من الكوادر المتعلمة ، فلا ينتفع به إلا في الخدمة الشاقة ، فَيَنْتَفِعُ بما لديه من عقل وجسد وعينه ، كما تقدم ، على الجيل التالي الذي ينشأ في أحضان المركز فيصنعه على عينه ليكون ذخيرة بشرية تسد النقص الحاد في العدد ، فيوشك المجتمع أن يتآكل وينقرض ! ، فلا بد من مدد بشري من خارج ، فكان نظر المركز في الأطراف فهو يصطفي منها على وجه يشبه في أحيان اصطفاء السيد للجواري والغلمان في سوق النخاسة ، فيصطفي العناصر الصالحة للعمل والإدماج ، ولو في أجيال تالية ، فَتَرَاهُ يُدَقِّقُ في الفوارق الأيديولوجية فهو يكره من يستمسك بأصول حضارته ، وإن كان يعظمه في نفسه ، إذ يرى من استمساكه بمبادئه ما يثير الإعجاب في أي نفس تعقل فتحسن تقدر الخصم حق قدره ، فيكرهه وإن عظمه في نفسه ، إذ استمساكه بأصول حضارة أخرى تخالف عن حضارة المضيف يجعل جدواه قليلة وربما عديمة ، فالأجيال التالية لن تقبل الإدماج إذ يحرص الجيل الأول على تغذيتها بالأيديولوجية المضادة ! ، فيحصنها ضد عدوى الحضارة الغالبة وذلك ، كما تقدم مرارا من نقل بعض الفضلاء ، هو تأويل الحضارة فهي قابلية النفس أن تَنْفِرَ من الفكر الوافد فهي تستمسك بأصولها وَتَعْتَزُّ بها وتفاخر ، وإن كانت عين الباطل ! ، فكيف بالوحي الذي يخجل منه الآن كثير ممن ينتسب إليه ؟! ، فلا يصلح هذا العنصر ولا يقبل المركز احتضانه ، فشرط الاحتضان الأول : أن يكون الوافد مهزوما ، فلم يكن مسيو "جومار" ليحتضن الشاب رفاعة لولا أنه آنس في عينه نظرة انبهار لا تخلو من انهزام ، فهو غرس صالح في أرض الشرق بعد أن ينهي البعثة ويعود إلى مصر فيجد من رعاية محمد علي ما يوفر له الدعم والحماية ، فهو يحمل أفكارا وافدة لا جذور لها في الشرق ، فلن تغرس إلا قهرا فلا بد من سلطة حاكمة تمتلك أسباب القوة لترعى هذا الطرح الوافد فهي ترصد له الميزانيات ، كما رصد محمد علي لإنشاء مدرسة الألسن التي جاوز دورها حد الترجمة ، فهي ، في نفسها ، مما لا يمدح ولا يذم لذاته ، وإنما تجري مجرى الوسائل فلها أحكامُ مقاصدِها ، فالترجمة قد تكون خيرا إن اقتصرت على ما ينفع وهو ما يحتاج الإنسان من معارف يستكمل بها تكوينه ، وأتباع الرسالة ، لو صحت نسبتهم إليها فجاوزت نسبة العرق واللسان ، لا يجدون حاجة أن يأخذوا من مترجمات المركز طرائق الفلسفة والنظر فقد هداهم الوحي إلى طرائق محكمة تغنيهم عن النظر في غيرها ، بل وأبان لهم عن أمور من الغيب لا يدركها العقل ، فلا يحتاجون إلى ترجمة الفلسفة والفكر إلا في إطار النقد الذي ينطلق صاحبه من قاعدة المنتصر المستعلي بحضارته لا الناقل المقلِّد الذي هُزِمَتْ روحه فصار وحي المركز عنده أولى بالتقديم من وحي الرسالة ! ، وإنما تعظم حاجتهم إلى ترجمة العلوم التجريبية ، وهي ، كما تقدم مرارا ، إرث إنساني مشترك لا تَتَفَاضَلُ فيه الحضارات ، فإنها قيم وأفكار ، لا تجارب في المعامل ، وإن كانت روح البحث العلمي ، وإن في الشق التجريبي ، روحا تصدر عن فكرة ، والشرق بالنظر في تاريخه وما أضاف إلى هذا الرصيد الإنساني المتراكم ، الشرق قد زَكَّى هذه الروح فلم يخمدها بل قد حض على النظر في آي الكون أخذا للعبرة وانتفاعا بما رُكِزَ فيها من قوة ، فَلَوِ اقتصر دور مدرسة الألسن على ذلك لهان الخطب بل لَحَسُنَ الفعل ولكن من أنشأها قد أنشأها وله سابقةُ ترجمةٍ لأفكار المركز وقيمه في تشويه يزعم التقريب تارة والتجديد أخرى ..... إلخ من الأسماء الخداعة ، فكانت دور مدرسة الألسن ، كما يقول بعض المحققين في توصيف بارع ، كان دورها نقل مركز الثقافة في مصر من الأزهر إلى مدرسة الألسن ، بما يحمله ذلك من رمزية الانتقال من قيم الرسالة إلى قيم العلمانية ، وكان تراجع دور الأزهر آنذاك أمرا لا يجحده الناظر لا سيما في الأعصار المتأخرة التي فشا فيها الجبر والتصوف والإرجاء والتقليد في الفروع فهي أدواء أصابت العقل الشرقي في مقتل فَتَرَاجَعَ دوره في صناعة الحضارة فلا يصنعها مُتَوَاكِلٌ أو متكاسل يَرْكَنُ إلى التقليد دون روح اجتهاد بها يجدد التجديدَ الصحيح الذي ينجو من مؤامرة التحريف والتبديل ، على التفصيل آنف الذكر ، فكانت هذه الأدواء مما أسهم في ازدهار الأفكار الوافدة من حضارة قد خرجت للتو من ثورة فكرية على الهيئة الكهنوتية وإن لم تحسن النظر فتعدل في الحكم وإنما جاوزت الحد برد فعل هائل انتقلت به إلى أقصى الطرف المخالف فكانت ثورتها علمانية ضد دينية ، فانتقلت هذه الأفكار إلى الشرق الذي لم يكن إشكاله الحضاري إشكال المركز فلم يكن ثم حضارة في الشرق إلا والوحي رائدها فإنه ما جاء ليقيد العقول بالخرافة ويسترق الأبدان ، وإنما كان دعوى تحرير مادتها التوحيد للإله المعبود بحق ، جل وعلا ، فهي التحرير الكامل للنوع الإنساني من الاستبداد الكهنوتي والسياسي ..... إلخ ، فكان من نقص الأزهر ما سهل انتقال مركز الثقل منه إلى مدرسة الألسن في إطار سياسي مشبوه ، فقد كان ولاؤه الكامل للمركز وكان عداؤه السافر لحضارة الشرق وقيمه الرسالية على وجه لا يطيق إخفائه وإن نجح ابتداء قبل أن يصل إلى سدة الحكم فيستبد بصنع القرار ، فداهن ابتداء وأظهر ما أظهر من زيف الورع والديانة ثم كان انقلابه الهائل وإظهاره لوجه آخر قبيح يتقصد الطعن في الوحي بالسب والشتم الصريح أو الغمز واللمز المبطن ، فضلا عن رغبة عظيمة في محوه وطمس معالمه فلا يلقن أتباعه إلا قيم الجهل والتطرف ! ، مع ولاء كامل للمركز فهو وكيله في الشرق وهو يخالف عن قطعان الحمير التي يحكمها كما كان محمد علي يقول عن رعيته في رسائل تَوَدُّدِهِ إلى المركز فهي تُبِيُن عن دخيلة نفسه وتلك عادة كل ظالم مستبد فهو يحتقر الشعب ويحط من قدره فلا يعدو في نظره أن يكون حيوانا في مسلاخ بشر فكيف إذا انضمت إلى ذلك هزيمة فكرية وسياسية وافتقار لأي شرعية فجمع بُغْضَ الشعب وَبُغْضَ حضارته ، وأبطن الولاء ابتداء ثم أظهره لحضارة الخصم مع ما اتسم به من انتهازية تجعل المصلحة هي القيمة العليا ، وذلك ما يدركه المركز إذ يستعمل أدواته الوظيفية في الشرق فمهما أظهروا من ولاء ، فالمركز يعلم من خبث النفوس التي اصطفاها وصنعها على عينه ! ، يعلم من خبثها ما يجعله يحترز ! ، فَلَيْسَ الوكيلُ كالأصيل وإن بلغ ما بلغ من الإخلاص والتفاني فكان غربيا أكثر من الغرب وعلمانيا أكثر من العلمانيين ، وضد إسلامي أكثر من ضد الإسلاميين ، فهو وكيل وظيفي قد خان حضارته فلا يأمن العاقل لخائن وإنما يحسن يوظفه في بعض المهام الفكرية والسياسية والعسكرية القذرة فإذا انتهى دوره فمآله معروف كما وقع لمحمد علي بعد انتهاء دوره ، فكان تحجيمه وتقليص نفوذه في معركة "نافارين" وهي من بواكير استغناء الغرب عن خدمات محمد علي وإن انتفع به بعد ذلك في مهام أخرى حتى خرف وذهب عقله ! ، فلا عجب أن يرعى المركز رجلا كهذا ، فهو لقيط في الفكر والحضارة ، قد أحسن المركز احتضانه ثم صناعته فشخصية مسيو "ليون" شخصية عابرة للعصور ، فَوَرَاءَ كل زعيم ثوري مجدد في الشرق مسيو "ليون" يَرْعَاهُ وَيُغَذِّيهِ بِقِيَمِ المركزِ ، وَوَرَاءَ كل مجددٍ فكري في الشرق طبقا لمعيار المركز ، وراءه مسيو "جومار" يشرف على تعليمه وَتَثْقِيفِهِ، أو يشرف في هذا العصر على رسالته العلمية ، الماجستير أو الدكتوراه ، فإن كان الوافد غريبا يروم الأنس ومبهورا بأضواء المركز ، فلا بد له من صدر دافئ يحتويه فهو يُزِيلُ وحشته ويمهد له الطريق ليقتحم نخبة الفكر والثقافة فيزول الحاجز بينه وبينها ، سواء أكان هذا الصدرُ الدافئ رجلا كما كانت حال الشيخ رفاعة أم امرأة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، سلاح أخطر ، فهو يشبه ، ولو من وجه ، التوظيف الاستخباراتي القذر في هذا العصر فالعنصر النسائي يلعب فيه دورا رئيسا ، مع القدر الفارق ، بداهة ، بين التوظيف الفكري فإن طبيعة الأفكار ، ولو في الماضي ! ، طبيعتها أنها لا تقارف الخطيئة الجسدية وإن اقترف صاحبها ما اقترف من الخطايا والكبائر الفكرية بل الخطيئة الجسدية ، كما يقول بعض المحققين ، قد تفسد الأمر فإن الأفكار لا يحملها إلا من تَرَفَّعَ عن دنايا الجسد ، أو هكذا يفترض في حامل الفكر وإن عظمت البلوى في هذه الأعصار فصار الفساد يستغرق العقل والجسد معا ! ، فالخطيئة الجسدية ، كما تقدم ، قد تفسد الأمر ، كما يضرب بعض الفضلاء المثل بمحرر المرأة الأشهر فقد كان طالبا ذكيا كرفاعة الطهطاوي رحل إلى باريس أيضا ! ، ليستكمل تكوينه العلمي فكان من الصدمة الحضارية ما يضاهي صدمة رفاعة الطهطاوي بل وتزيد فإن رفاعة كان شابا نشأ في الأزهر فكان له من قيم الحضارة الرسالية ما جعل هزيمته أصعب ، خلافا لجيل تال كان ، كما تقدم ، غرض المركز الرئيس فهو لا يَنْظُرُ في الجيل الأول وإنما نظره في الأجيال التالية التي تَتَشَرَّبُ قِيَمَهُ ما لا يَتَشَرَّبُهُ الجيلُ الأول ، فشتان جيل نشأ في حضارة فَتَشَرَّبَ قِيَمَهَا ثم جاءت أخرى تدافعها فَتَرُومُ نسخها ومحوها فلئن نجحت فنجاح جزئي فلا يزال العقل يحتفظ بقدر ، ولو ضئيلا ، من أصوله الحضارية الأولى ، ولا زال يجد في نفسه ممانعة فلا يستسلم للوافد الاستسلام التام وإن هُزِمَ آخر المطاف ، فالهزيمة ليست كاملة كما هي الحال في الجيل الثاني الذي لا يملك من رصيد الحضارة الأم ما يملكه الأول فلا يجد الوافد من يدفعه فهو ينتصر بلا مقاومة ، فالعقل قد رفع الراية البيضاء وسلم مع أول مواجهة ، فرحل الشاب اليافع كما رحل رفاعة قَبْلَهُ ووجد هذه المرة فتاة فرنسية مثقفة أخذت بيد الغريب المستوحش فعرفته على الطبقة الفرنسية المثقفة التي شكلت فكره الجديد الذي وَفَدَ به إلى مصر ، فكان سلاح المرأة ، ولو في إطار من الصداقة لم يقارف الخطيئة ، كان سلاحا خطيرا ، وهو سلاح استعمل بعد ذلك في صناعة عميد الأدب العربي ، فكان لزوجه الفرنسية دور كبير في تشكيل فكره ، فكان يقرأ في الأدب بعينها الفرنسية ، مع هزيمته النفسية الهائلة وفتنته العظيمة بأستاذه "مارجليوث" فقد غلا في حبه والتعلق به والنقل عنه وإن نسب المنقول إلى نفسه ! ، فكان لسان مقال الأستاذ وهو يطالع ما كتب تلميذه ، وإن شئت الدقة فقل ما سرق ! ، كان لسان مقاله : هذه بضاعتنا ردت إلينا ! ، ولا زال هذا السلاح الخطير ، سلاح المرأة ، يلعب دورا رئيسا في صناعة الوكيل الوظيفي ، الفكري أو السياسي أو العسكري ، سواء استعمل في إطار العفة أو في إطار الخطيئة فهو في جميع الأحوال من أخطر الأسلحة وأعظمها فتكا وإن كان سلاحا ناعما لا يستعمل القوة الخشنة ! .

والشاهد أن الغرباء قد استوحشوا فاحتضنهم المركز ثم استعملهم في الأطراف في مشروع علمنة وتغريب يجافي عن قيم الرسالة ، فكانوا غرباء ولو في بلادهم فتعاضدوا ، ولو باتفاق غير معلن ، كما تعاضد محمد علي ورفاعة الطهطاوي مع القدر الفارق بداهة بين الرجلين إلا أنهما قد تحالفا في إلقاء بذرة العلمانية في الشرق ذي الأصول الرسالية ، فكانا كأي اثنين في أرض غربة ، فهما يتعاضدان لِيُزِيلَا ما يشعران به من وحشة ، فكانا كجالية وافدة على حضارة الشرق ، وكان لهذه الجالية من التوظيف الفكري والسياسي ما وضع حجر الأساس لمشروع التغريب الذي كُسِيَ زورًا لحاء المدنية والتحديث ، فكان محمد علي بقوة القانون فهو الحاكم وقوة السيف فهو القاهر فهو الشق الصلب في هذا الغزو ، وكان رفاعة الطهطاوي بقوة الأفكار وبلاغة الأقوال ، وهي ، كما تقدم ، الأخطر ، فلم يخرج الرجلان أن تأولا ما قد جاءت به الرسالة من الكتاب الهادي والحديد الناصر ، فكان مع رفاعة كتاب العلمانية الهادي ومع محمد علي الحديد الناصر ! ، كما كان مع صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتاب الوحي الهادي وحديده الناصر ، مع القدر الفارق بداهة ، إلا أن السنة واحدة فهي محكمة جارية إن في الحق أو في الباطل ، فلا بد من فكرة ولا بد معها من قوة ، فلا يظهر الحق وقد جُرِّدَ من أسباب القوة الناعمة والصلبة لا جرم كانت عناية المركز أن يجرد الأطراف من قوتها الناعمة التي تقارعه في ساحات الجدال وقوتها الخشنة التي تقارعه في ساحات الجلاد .
وبعد أن تمكن محمد علي وازداد حكمه رسوخا شرع يضع من الأطر المحكمة ما به يُكَوِّنُ طبقة جديدة أو نخبة جديدة تجاوز حد النخبة السياسية أو العسكرية ، فَثَمَّ نخب فكرية وَثَمَّ نخب من التكنوقراط ، كما يطلق عليهم في هذا العصر ، وهي نخبة غير مسيسة أو مؤدلجة ، مع التحفظ في هذا الإطلاق فلا يوجد إنسان بلا قدر من الأيديولوجية والعقيدة السياسية ، ولو حد أدنى ، فإن تكنوقراط محمد علي قد تخرجوا في مدارسه التي أنشأها لترسيخ طرحه العلماني فلا تكون المدارس ، بداهة ، ذات توجه إسلامي ! ، وهو ما يشبه ، من وجه ، ما قد أنشئ بعد ذلك ولا زال من تنظيمات سياسية وشبابية اكتسبت لقب الاشتراكية في الحقبة الناصرية ، فكانت تنظيمات شديدة الإحكام والسرية ونجحت في استقطاب العناصر من كافة الشرائع العمرية والفكرية ، فكانت أداة فاعلة استخدمها الزعيم الخالد في صناعة رأي عام يؤيد مشروعه السياسي ، مشروع الزعيم الأوحد ! ، فهو مشروع شديد المركزية وذلك ما يَفْتَقِرُ إلى أقصى درجات التحوط والسرية ، فهو مشروع رائده الولاء المطلق للزعيم الأوحد ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بقرابين تدل على الولاء التام ولو وشاية بالأخ أو الأب وفي ذلك قصص مشهور يُؤْثَرُ في النقل وَيُؤَثِّرُ في النفس ، فَوَشَى من وشى بأخويه ليبلغ عند الزعيم من المكانة ما جعله مدير مكتبه ومخزن أسراره ، فكان العمل السري ورائده التجسس وكتابة التقارير أو تَلْفِيقُهَا ولو ضد الزميل أو الصديق ، وهو ما أفسد بِنْيَةَ المجتمع بما فشا فيه من ريبة وشك فلم يعد أحد يأمن لأحد ، فالمجتمع قد تحول إلى حفنة من المواطنين الشرفاء طبقا لمعيار النظم العسكرية المستبدة التي كانت أبواقها ولا زالت تُحَرِّضُ على الوشاية بأي معارض ولو في خلاف سياسي إجرائي لا يبلغ حد الاختلاف الأيديولوجي أو السياسي المباشر ، ولم يعد ثم مناط ولاء إلا الزعيم الذي يشرف بنفسه على وضع الاستراتيجية الفكرية والتنظيمية ويراجع العمل بشكل دوري بما يرفع إليه من التقارير السرية ، وذلك ما يُحَوِّلُ المجتمع إلى مجموعة من المخبرين تَتَحَيَّنُ أي فرصة لتقدم تقريرا أو معلومة تَنَالَ بها حظوة عند القيادة الأعلى في بناء هرمي محكم يقبع على رأسه ، كما تقدم ، الزعيم الأوحد ، في صورة فرعونية تحكي طراز الأهرام في العمران ، كما ينوه بعض الباحثين ، فهرمية المبنى تحكي هرمية أخرى في الحكم والسياسية التي تبلغ في أحيان كثيرة حد الألوهية والقداسة ، وهو ما يُرَامُ الآن استنساخه في نظم استبداد مركزي محكم يَرُومُ استعادة الذكريات القديمة ، ذكريات الجاسوسية التي لا تزدهر إلا في دولة المخبرين المدنية الحديثة ! ، وهو ما يفتقر ، أيضا ، إلى مؤسسة صانعة لهذه الأجيال شديدة الولاء ، كما قد نُقِلَ من أخبار عن عقد شراكة بين نظام الحكم في مصر وشركة ألمانية ومدرسة فرنسية لها ريادة كبيرة في صناعة القادة والساسة بإشراف استخباراتي مباشر فالهاجس الأمني والوجه العسكري حاضر في كل مشهد ، ولو في مشهد تعليم وَتَكْوِينٍ لأطر سياسية فلا تخرج أبدا عن إشراف الدولة العسكرية المركزية التي تروم صناعة ساسة ورجال دولة على مقاسها الضيق جدا ، فلا يخرجون آخر الأمر أن يكونوا رجال إدارة وتنفيذ لا دور لهم في صناعة السياسة وإنما يقتصر دورهم على التنفيذ انطلاقا من قاعدة الولاء المطلق فهي ، عند التدبر والنظر ، أداة لصناعة الموظفين لا لصناعة السياسيين أصحابِ الملكات مع ما تَتِّسِمُ به من نخبوية شديدة فهي تضع معيارا طبقيا في الاختيار وذلك أمر لم تسلم منه المدرسة الأم في فرنسا كما يظهر من توصيفها في بعض الموسوعات فهي تَتَّسِمُ بالنخبوية الشديدة وهو ما يجعل شَعْبِيَّتَهَا متدنية في عموم المجتمع الفرنسي ، فلا يسلم المركز ، وإن كان دور المجتمع فيه أقوى وأظهر أَثَرًا ، لا يسلم ، أيضا ، من طبقية سياسية واقتصادية وإن كانت الفوارق فيه أدنى من الفوارق العظيمة بين طبقات المجتمع في الأطراف ، وهو ما يجعل حل الإشكال في الشرق ، كما تقدم مرارا ، الرجوع إلى قيم الوحي لا قيم المركز ، فَفِي الرسالة مادة صحيحة تحسم هذه النخبوية المقيتة ، مادة : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .

فأمر الانقلاب الذي وقع في الشرق كان أمر الفيلسوف المفكر الذي أَصَّلَ لنظرية الحكم الجديد ، وأمر الجنرال المهيمن الذي يمتلك أدوات القوة الصلبة لِيَنْصُرَ الفكرة بقوة الجبر والقمع ، وكلاهما يبشر ولا زال بمشروع واحد ، مشروع التطبيع مع حضارة المركز ، فهو مشروع يجاوز ما قد يتبادر إلى الذهن الآن من تطبيع مع كيان يهود ، فهو خطوة رئيسة في التطبيع إذ يكون ابتداء من أقوى أدوات المركز الوظيفية في الشرق ، فهو خطوة رئيسة ولكنه ليس الغاية العظمى ، فَثَمَّ تطبيع أعظم شأنا ، وهو التغريب فهو ، لو تدبر الناظر ، تطبيع مع المركز الذي لا يرضى إلا بِتَطْبِيعٍ يكون فيه الغالب وما سواه فتابع ، فلا يرضى بداهة بِنِدٍّ يغالب ويدافع ، ولا يرضى بشريك يساوي ، أو حليف يضاهي ويقارب فَيَرُومُ ولو حدا أدنى من الاستقلال السياسي في القرار السيادي المؤثر ، وإن كان دونه في الرتبة ، فلا يرضى إلا التابع الذليل الذي لا يخرج عن وصف المجموع الوظيفي الوكيل الذي ينوب عنه في حراسة قيمه الفكرية وتحقيق مصالحه السياسية والاقتصادية ، فتلك معادلة السياسة في الشرق حتى إشعار آخر يَسْتَرِدُّ به الشرق هَوِيَّتَهُ الفكرية وأدواته السياسية والاقتصادية فيتخلص من قبضة الاستبداد المزدوج : قبضة الفيلسوف المفكر والجنرال المهيمن .
وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يجده الناظر في مطالعة سير بعض العلماء الذين هاجروا إلى المركز فلم يسلم كثير منهم أن يتحول إلى مجموع وظيفي يجاوز دوره حد الابتكار والاختراع المادي وإن كان دورا مؤثرا كما في سيرة عالم مصري راحل بلغ من الذكاء والفطنة والجاه والشهرة ما استحق به أعظم تكريم علمي في المركز ، ولكنه لم يخرج أن يكون خادما يُوَظِّفُ علمه في تطوير منظومات عسكرية تكرس هيمنة المركز بل ويستعملها كيان يهود ، وكيله المباشر في الشرق ، وجاوز دوره دور المجموع الوظيفي التقني فكان مجموعا وظيفيا لعب بعض الأدوار السياسية مع براجماتية ظاهرة في أدائه السياسي فهو يمثل العالم أو الفيلسوف الذكي الذي يحسن يَتَمَاهَى مع كل نظام سياسي على وجه لا يخرج عن غايات المركز ، ومن العجب أنه مع سعة العلم لم يجد غضاضة أن يَتَمَاهَى مع أنظمة حكم عسكرية عَظُمَ جهلها فهي من الناحية الأكاديمية لا تضاهيه في تعليمه الابتدائي أو المتوسط ، ولكنها تملك من أدوات الجنرال المهيمن ما يحتاجه لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية ، فضلا أن كلاهما أداة في يد المركز فهما عاملان يؤثران في معادلة السياسة والحكم ولكنهما لا يخرجان عن قواعدها ، فالمركز لم يَصْطَفِ نخبة الجنرال فقط وإنما اصطفى معها نخبة الفليسوف ، فثم تأصيل فكري وثم تنفيذ ميداني ولكلٍّ أدواته في إطار جامع من المصالح البراجماتية العاجلة .

وهذا المركب السياسي من قوة صلبة في المركز وأقليات حولها ، أقلية المال ، وأقلية الإعلام ، وأقلية الفكر والثقافة ، وأقلية الإدارة ..... إلخ ، هذا المجموع المتساند من أقليات تحكم أكثرية ، فلا بد أن يكون في المركز قُوَّةٌ صلبة تُرْهِبُ الأكثرية لئلا تبادر أو تتحرك ، ولا بد من نخب تُجَمِّلُ وَتُزَيِّفُ وَتُغَيِّبُ العقل الجمعي ما استطاعت ، ولا بد من نخب مال تُنْفِقُ بسخاء ، ونخب إدارة تدير مشهد الفساد على وجه يحقق مصالح النخبة المدنية الحديثة ! ، وهو ، كما يصفه بعض الفضلاء ، مراكب يَتَسَانَدُ فلا يَنْدَمِجُ فيتكامل ، فإن صاحب القوة لا يريد أقليات تجتمع فتكون يدا واحدة ! ولو ضد الشعب ، فيخشى على نفسه منها وإن كان اتحادها اتحاد أقليات لا تحظى بقبول الأكثرية فلا تخرج وإن تعاضدت أن تكون أقلية ، ولكنها قد تزعجه إذا اتحدت فهو حريص أن يَبْذُرَ فيها بذور الشقاق فهي تتطاحن وتتصارع وبعضها يتجسس على بعض ويقدم الحصيلة للزعيم الذي يحسن يوظفها في إذكاء هذه الصراعات البينية مع إمساكه بالزمام لئلا تخرج الصراعات البينية إلى مربع الفضائح الذي يكشف ستر الجميع أو مربع الفوضى الذي يهدد النظام فهو الذي يعطي الضوء الأخضر لبعضها أن يهاجم بعضا في إطار محكم ، فالإعلام قد يهاجم بعض المسئولين ، ولكنه ، بداهة ، لا يجرؤ أن يهاجم الزعيم أو أجهزته السيادية الصلبة لا سيما المؤسسة الحاكمة فإن تضجر من استخدام القوة فهو يتضجر من الأجهزة التنفيذية المباشرة .

فيصطفي الحاكم إذا كان من الأقلية ، يصطفي أقليات مثله لا تهدده فلا جذور لها في المجتمع ، فإذا أراد البطش بها إن انتهى دورها أو جاوزت حدها أو اضطر إلى ذلك في إطار سياسة التضحية بكبش الفداء امتصاصا لغضبة الجماهير إذا ثارت ، إذا أراد ذلك فلا يخاف عاقبةً ، والتاريخ يذكر من اصطفاء الفاطميين ، أقلية الحكم الإسماعيلية في مصر ، فقد قَرَّبَتِ اليهود والنصارى فكان لهما من وظائف السيادة ما قد اشتهر ، لا سيما في عصر المعز لدين الله وابنه العزيز بالله ، ومع ذلك ضحى العزيز بابن نسطورس النصراني لما زاد عن الحد فضج الناس واشتكوا من ظلمه فكان كبش الفداء الذي امتص به العزيز غضبة الجماهير مؤقتا قبل أن يعيده في منصبه بعد أن اشترط عليه أن يكثر من استعمال المسلمين فلا يقتصر على أبناء جلدته ! ، وهو ، بداهة ، كلام في الهواء وحبر على ورق ، فحرص الفاطميون أن تكون هذه الأقليات المتساندة بلا جذور ولا تأثير في الجمهور فهي نخب معزولة يسهل القضاء عليها دون إثارة الجماهير بل الجماهير نفسها تفرح لذلك وإن لم يكن القضاء على تلك النخب من أجلها وإنما اقتضت المرحلة ذلك ! ، فهو من تقاطع المصالح بين النظام والشعب بالقضاء على بعض بؤر الفساد في النظام على وجه لا يهدده فهو يَتَطَهَّرُ من بعض الأجزاء التي اشتد فسادها فوجب بَتْرُهَا وإن كان أصل الفساد راسخا ، وهو ما يفضي مع توالي عمليات البتر إلى ضعف النظام وتآكله ، فقد تركز الفساد في البؤرة المركزية ولم يكن للقيادة الغبية من الذكاء ما به تُوَزِّعُ فسادها على دوائر أوسع تَتَحَمَّلُ الضربات نيابة عنها .

والمركز ، لو تدبر الناظر ، قد استعمل هذه النظرية في إدارة بعض الملفات السياسية والأمنية في المنطقة كما اصطلح من نظرية "الأعمدة المتساندة" وهو اصطلاح صكه الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون ، فكانت الأعمدة المتساندة في الخليج هي إيران الشاه على الضفة الشرقية ، ودول الخليج على الضفة الأخرى ، فهما يتساندان : إيران بالقوة والخليج بالمال ليحققا أهداف المركز الاستراتيجية ، فليسا إلا مجموعين وظيفيين يتساندان فلا يتقاربان إلا بحدود فلا يندمجان إذ ثم فوارق أيديولوجية يحسن الغرب إثارتها في الوقت المناسب ، فهو حريص ألا يتقاربا أبدا إلى حد الاندماج ، وإن كانت نظم السياسة في الطرفين : أقلية ، فهي تَتَسَانَدُ ولكن المركز يخشى أن تَتَعَاضَدَ وَتَتَّفِقَ ، ولو سياسيا ، فاتفاقها الأيديولوجي محال إذ كلاهما ينطلق من قاعدة مذهبية تخالف الآخر بل وتناقضه ، فأقصى ما يمكن هو التعاون السياسي وهو ما لا يريده الغرب إلا في إطار خادم لمصالحه فإذا تبدلت الأحوال وكانت المصلحة في قرع طبول الحرب بين الضفتين ، كما هي الحال الآن ، فلا يجد المركز صعوبة في ذلك ، إذ الأعمدة ، كما تقدم ، متساندة لا متعاضدة ، فما أسهل تحريكها أو تحريك أحدها ليسقط الباقي كله على رأس الجميع في المنطقة .

والله أعلى وأعلم .