مما تقرر في بدائه النحو أن الفعل الماضي يدل على زمان انقضى ، فذلك حده في النحو ، فزمانه بالنظر في مبناه قد تقدم وانتهى ، خلافا لزمانه في سياق الشرط ، على سبيل المثال ، فإذا قيل : من ذاكر نجح ، فهو مبهم مطلق ، إذ يجري مجرى الأصل أو القاعدة ، وهي مما يعم جميع أجزاء الزمان فيصدق فيمن ذاكر بالأمس وفيمن يذاكر اليوم وفيمن سيذاكر غدا فهو يعم كل من يذاكر في جميع أجزاء الزمان وفي جميع بقاع المكان فمثله في ذلك كمثل الإيمان ، فإن من آمن وعمل صالحا نجا ، بل القاعدة في هذا المثال أحكم فهي عام محفوظ لا مخصص له بالاستثناء خلافا لمن ذاكر فقد يعرض له ما يُفَوِّتُ عليه النجاح وإن كان ذلك استثناء لا يقاس عليه فالقاعدة في هذه الحال أغلبية لا كلية خلافا للقاعدة الإيمانية فهي كلية فمن آمن وعمل صالحا فهو ناج في جميع أجزاء الزمان وفي جميع بقاع المكان وهو عموم يستغرق ، من وجه آخر كل مكلف ، ذكرا كان أو أنثى ، إنسا أو جنا ، حرا أو عبدا ، عربيا أو أعجميا ، فلا مفاضلة إلا بالتقوى ، فَعَمَّ المثال الماضي في سياق الشرط ، عم جميع أجزاء الزمان ، فهو مبهم مطلق يحتمل حال إطلاقه أن القائل قد قصد ناجحا في الزمن الماضي أو آخر في الزمن الحاضر أو ثالثا في الزمن المستقبل ، فَعَمَّ هذا المثال سواء أكان مثالا أغلبيا أم مثالا كليا ، وهو من تقريرات صاحب "الكتاب" التي فاق فيها أقرانه ممن وضعوا حد الفعل في اللسان فكانت عبارته ، كما يقول بعض المحققين ، جامعة مانعة وكانت من وجه آخر مصيبة لكبد الفائدة ، وهي زمان وقوع الفعل على وجه يجاوز نظر الناظر في حده ومبناه القياسي ، الماضي أو المضارع أو الأمر ، فهو ينظر في زمان الحدث وهو غرض رئيس من أعراض البنية اللفظية للأفعال إذ تستعمل للدلالة على وقوع الحدث في زمان ما ، فدلالتها مركبة من الحدث الذي يقوم بالذات ، وهو الوصف سواء أكان اختيارا كالأكل أم عارضا لا يرد كالموت ، وسواء أكان خيرا يمدح كالطاعة أم شرا يذم كالمعصية ، فدلالة الفعل مركبة من الحدث ومن زمان وقوعه معا ، كما يضرب بعض المحققين المثل بقول القائل : الزاني يُرْجَمُ ، فهو في قوة الشرط في قول القائل : من زنى رجم ، فالفعل المضارع "يُرْجَمُ" قد أُبْهِمُ زمانه وَأُطْلِقَ وإن كان بالنظر في تقرير النحو القياسي مئنة من زمان حاضر أو مستقبل ، فدلالته ، لو تدبر الناظر ، تَسْتَغْرِقُ ما مضى من الزمان من لدن شُرِعَ هذا الحكم ، فقد جَرَى إنفاذه في أَفْرَادٍ اقْتَرَفُوا هذه الجناية زمن الرسالة وبعدها ، فصار من لدن زمن النزول وإلى آخر الزمان ، صار أصلا محكما فهو قانون عام لا ينسخ ، فالشرع قد استقر بقبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَلَئِنْ كَانَ الحكم في نفسه مما يقبل النسخ ، فهو مما يحتمل النسخ قوة ، إلا أنه لم ينسخ بالفعل بل قد أحكم باستقرار الشريعة ، وإن رام من رام نسخه فلا ينسخه إلا نسخا باطلا يصدق في دلالة النسخ المطلقة في اللسان وهي الإزالة كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار فإزالة الأفكار والأحكام والثوابت واستبدال غيرها بها مِمَّا قد فُجِعَ به الناس في ثوابت الدين وأحكامه ، أصولا أو فروعا فلم يعد الخصم يجتزئ على الطعن في الفروع وذلك مما يعظم شؤمه إلا أن الشؤم الأعظم ما إليه يَتَوَسَّلُ بذلك فهو يطعن في الفروع توسلا إلى الأصول فلا يجترئ ، مبدأ الأمر ، أن يطعن في أصول الدين وشعائره الرئيسة التي تميز دار الوحي من غيرها كالأذان والصلاة ...... إلخ ، بل يمكر أن يظهر النصح في النقد والمراجعة ، والإنصاف في الجدل والمناظرة ، وهو ما يخدع به الناظر أن يظهر الإنصاف والتجرد من كل علم سبق قد رسخ في النفس واستقر فصار من مبادئ الضرورة استنادا إلى قيم كلية جامعة هي قيم الفكر والحضارة التي تميز كل أمة من غيرها ، فيدعو صاحبه أن ينسلخ من أصوله فيصير بلا أصول فما أسهل اقتناصه بدعوى عالمية جامعة ، هي ، كما يتندر بعض المحققين ، ضرب من الهذيان لأنه أمر لا يمكن أن يحصل في الخارج إلا أن ينخلع الإنسان من قيم حضارته فيدخل لزوما في قيم الحضارة التي تخاصم حضارته ، كما يدخل المغلوب في دين الغالب وحضارته ، فيطالب الغالبُ المغلوبَ أن يَنْخَلِعَ من قيم حضارته قبل أن يناظره ، فيطالبه بهذا المطلب العجيب الذي يخرج عن حدود النقل والعقل والفطرة ! ، ولم يمتثله ، فهو يأمر غيره بالبر وَيَنْسَى نفسه إن صدق أن التجرد من كل كتاب صحيح في النقل وكل قياس صريح في العقل ، إن صح أن التجرد من هذه المحكمات هو عين الإنصاف والتجرد ! ، فكان من العلم الضروري أن ثم لكل حضارة أصولا وقيما جامعة مانعة تَمِيزُهَا من بَقِيَّةِ الحضارات ، فَلَئِنْ اصطلح ، تجوزا ، أن ما يحصل في هذه الأعصار نسخ ، فهو نسخ باصطلاح اللسان ، فهو إبطال لقيم الوحي الحاكمة وفروعه واستبدال دين الحضارة الغالبة به ، فَلَيْسَ ذلك النسخ الاصطلاحي في الشرع فَفِيهِ معنى يزيد على النسخ المطلق في اللسان ، فالنسخ مطلقا هو الرفع والإزالة ، فيصدق برفع الحكم الشرعي بآخر مثله ، ويصدق في جنس آخر محظور يَتَحَكَّمُ فيه الناسخ فَيُعَارِضُ المنقولَ بالمعقولِ أو بذوق محض يتحكم في النسخ بلا شبهة من قياس هي ، مع فسادها ، أهون من تحكم محض لا يستند إلى العقل فذلك يشبه ، من وجه ، من يمارس السياسة النَّفْعِيَّةَ فَيُضْفِي عليها بعض المعاني الأخلاقية لتروج فيجتهد أن يُزَخْرِفَهَا ليستر قبحها ، خلافا لمن يمارسها كفاحا بلا ستر ، فهو يجهر بالقول الباطل .

والشاهد أن حكم الرجم قد جَرَى إنفاذه في أَفْرَادٍ اقْتَرَفُوا هذه الجناية زمن الرسالة وبعدها ، فكان رجم ماعز والغامدية ، رضي الله عنهما ، وهو مما وَقَعَ نهاية الرسالة على وجه يعضد القول إنه محكم لم ينسخ ، فكان نسخ لفظه المشهور دون معناه ، فهو من كتاب الله ، جل وعلا ، المحكم بالنظر في دلالة الكتاب الأعم ، وهي دلالة التشريع ، وهو ما يحصل بالوحي آيا أو أخبارا ، ويحصل ، لو تدبر الناظر ، بأي دليل سواء أكان منقولا أم معقولا ، فَالْقِيَاسُ الاصطلاحي ، كما قد حَدَّهُ أهل الشأن ، هو ، عند التدبر والنظر ، من كتاب الله ، جل وعلا ، لا أنه نص مُنَزَّلٌ ، وإنما هو مفهوم مستنبط من النص أو من قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ علمت باستقراء النصوص ، فذلك كتاب التشريع الذي يجري مجرى الجنس العام الذي تندرج تحته آحاد ، فَثَمَّ كتاب الإيجاب كما في قول الرب جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، فذلك مما حُذِفَ فاعله للعلم به ، بداهة ، فالكاتب هو الله ، جل وعلا ، فذلك اسم اشتق من مادة الكتب ، وهي مئنة من الجمع ، محسوسا كان أو معقولا ، فَكُتِبَتِ الألفاظ كَتَائِبَ كما يُكْتَتَبُ الجند في الكتائب ، فالكتب جنس عام تندرج فيه آحاد ، فَثَمَّ الكتب المحسوس كما في اكتتاب الجند ، وكما يقال باصطلاح المال المعاصر في اكتتاب الأسهم ، فَيُعْرَضُ الشيءِ أسهما تُبَاعُ للأفراد فهم يكتتبون إذ يجمعون من الأسهم ما يطيقون ، فكلما اشتروا سهما جمعوه إلى ما قبله فذلك كتب آخر محسوس ، وَثَمَّ كَتْبٌ آخر معقول ، ككتب الحروف والكلمات والجمل فهي حروف اجتمعت فكان منها الكلمات ، ومن الكلمات كانت الآيات ، ومن الآيات كانت السور ، ومن السور كان الكتاب ، فَثَمَّ كَتْبٌ وهو الفعل ، وثم مكتوب مجموع وهو المفعول ، وثم كاتب جامع ، وهو الرب الشارع ، جل وعلا ، فذلك وصف الفعل ، فَاسْمُ الوصفِ منه اسم وصف ذاتي ، ومنه اسم وصف فِعْلِيٍّ ، كالكاتب من الكتب ، وهو كسائر أوصاف الفعل التي تُنَاطُ بالمشيئة فَقَدُمَ نَوْعُهَا وَحَدَثَتِ الآحاد ، وهو وصف اتصل زمانه أزلا وأبدا ، فهو الكاتب أولا والكاتب آخرا ، فَكُتِبَ الصيام زمن الرسالة ، وَكُتِبَ قبله ، لو تدبر الناظر ، في العلم الأول ، ثم كتب ثانيا في لوح التقدير الجامع ففيه كتبت الشرائع والأحكام ، ثم كان كتب التنزيل على قلب البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو كتب محكم إذ لم يكن ثم ناسخ ، فاتصل زمان الحكم ، فكتب الشريعة قد انقطع بقبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولم ينقطع الوصف وإن لم يكن ثم كتب شرعي ، فالرب ، جل وعلا ، كاتب بالقوة أزلا فهو من وصفه الذي لا يَزُولُ عنه فلا يكتسب كمالا كان عنه عريا ولا يزول عنه كمال كان به ممدوحا فهو الأول والآخر بالذات والوصف على حد الكمال المطلق ، وهو ، جل وعلا ، كاتب بالفعل إذا شاء الكتب ، شرعا أو كونا ، فكان من الكتب في الآية : كتب الصيام المحكم فلم ينسخ ، وهو كتب إيجاب بالنظر في السياق إذ وَرَدَ فيه النص على شهر الصيام الواجب ، شهر رمضان ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن دلالة "أل" في "الصيام" دلالة عموم تستغرق كتب الصيام الواجب ، وكتب الصيام المندوب ، فيجري ذلك مجرى الاشتراك الجائز على وجه تَتَّسِعُ به دلالة المعنى ، فكتب الصيام ، من هذا الوجه ، كتب اشتركت دلالته فاستغرقت الجنس الواجب والجنس المندوب ، وإن كان الأول على حد الإلزام والثاني على حد التخيير ، وهو ، من وجه آخر ، كتب محكم لم ينسخ ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن النسخ فيه يجري ، من وجهين ، فإن الصوم لم يشرع على الهيئة المخصوصة في الشرع ، من طلوع الفجر إلى غياب الشمس ، فكان إفطار الصائم إلى جزء من الليل وبعده يكون الإمساك قبل طلوع الفجر ، فَكَانَ زمنُ الصيامِ يَسْتَقْطِعُ جزءا من الليل ، بل أكثره ، ثم كان النسخ تخفيفا كما في قوله تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) ، وكما كان الْكَتْبُ على حَدِّ ما لم يُسَمَّ فاعله للعلم به بداهة ، فكذلك التحليل ، فإن من يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ هو الرب الحكيم المهيمن ، جل وعلا ، وإن نُسِبَ ذلك في نصوص إلى النبي المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الخبر المأثور : "إِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ" ، فكان من العموم ما استغرق بدلالة الموصول "ما" ، وكان من التشبيه ما ينصرف إلى دلالة الإلزام لا إلى درجة الحجية فما حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما حرم الله ، جل وعلا ، في الإلزام ، فالتحريم مئنة من نهي قاطع لا تخيير فيه ، وما حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من وجه آخر ، ليس كما حرم الله ، جل وعلا ، بالنظر في تَرْتِيبِ الحجية لا في أصل الحجية ، فكلاهما حجة ، ولكن الحجة على درجات ، فحجة القرآن أعلى من حجة السنة ، فنسبة التحريم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تجري ، من وجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به العام وهو جنس التشريع كله ، وذلك جنس يستغرق التحليل والتحريم ، الإيجاب والندب .... إلخ ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ وَيُوجِبُ ويندب .... إلخ ، لا أنه يستقل بوظيفة التشريع فيكون ندا للرب الشارع ، جل وعلا ، فذلك ، بداهة ، معنى انْتَفَى في الرسالة الخاتمة وكل رسالة نازلة ، فقد جاءت الرسالات كلها بالتوحيد ، وهو يعم الاعتقاد والتشريع جميعا ، فلا يشرع إلا الرب ، جل وعلا ، وإنما تُشِرِّعُ الرسالات بلاغا وَبَيَانًا ، لا ابتداء تشريع فذلك وصف الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فصار اسم التشريع ، من هذا الوجه ، عنوانا تندرج فيه أنواع منها الصحيح ومنها الباطل ومنها المحتمل ، ومنها ما اتحدت فيه الجهة ومنها ما انفكت ، فاسم الشارع يصح إطلاقه على الرب ، جل وعلا ، فهو الشارع الأول الذي أحدث الشرع ابتداء فهو وصف الفعل الذي يضاهي الكتب آنف الذكر ، فَشَرَعَ وَكَتَبَ فهو وصف فعله الذي اتصف بِنَوْعِهِ أزلا ، وَشَرَعَ وَكَتَبَ بما أحدث من آحاد الشرائع إيجابا وتحريما ....... إلخ ، فيحدث منها ما شاء كيف شاء متى شاء على وجه تظهر به آثار الحكمة في التشريع ، كما تقدم في تشريع الصيام ، فكان كَتْبُهُ ابتداء كتب إيجاب لأيام كيوم عاشوراء على القول إنه كان واجبا حتى فُرِضَ صيام رمضان فَنُسِخَ إيجاب الصوم في عاشوراء ولم تُنْسَخِ الإباحة ، وذلك جنس آخر من الْكَتْبِ ، فَثَمَّ كَتْبٌ يَنْسَخُ الحكم الأول كله فهو ينسخ أصل المشروعية ، وثم آخر ينسخ بعض الحكم ، إن في الوصف أو في القدر ، فنسخ وصف الصيام في المثال آنف الذكر ، صيام عاشوراء ، نُسِخَ فلم يعد واجبا ، ولم ينسخ أصل المشروعية فهو مندوب ، فصح إطلاق اسم الشارع على الرب ، جل وعلا ، فهو الذي شَرَعَ ابتداء في العلم الأول ثُمَّ سطر شرائعه في الكتب ، في كتاب التقدير الأول ، وفي كتب الرسالات التي نُسِخَتْ بالكتاب الخاتم ، وصح إطلاقه ، من وجه آخر ، على أصحاب الشرائع ، عليهم السلام ، فهم شارعون لا أنهم يستأنفون أحكاما من عقولهم ، وإنما يُبَلِّغُونَ ألفاظ الرسالات وَيُبَيِّنُونَ معانيها ، فذلك محل الاحتمال آنِفِ الذكرِ الذي تَنْفَكُّ فيه الجهة ، فإن قُصِدَ أنهم شارعون يُبَلِّغُونَ وَيُبَيِّنُونَ فذلك معنى صحيح ، وإن قُصِدَ أنهم يستأنفون الأحكام من عقولهم فذلك معنى فاسد .

وأما المعنى الفاسد الآخر فهو ما يكون من وُضَّاعِ الشرائع المحدثة فيصدق في أحدهم أنه شارع ولكنه يشرع الأحكام الفاسدة التي تناقض أحكام الرسالة النازلة ، وإن شرعوا ما يُوَافِقُهَا فَاتِّفَاقًا لا قصدا أن يصيبوا معاني الرسالة وإنما وافق بعضها أهواءهم فحكموا بحسنها وأجروها استنادا إلى مرجع أول يُغَايِرُ مرجعَ الوحي ، فكان الوضع هو المبدأ وكان الوحي بعده ، فمعيارهم في الْكَتْبِ هو الهوى وما سواه يقاس عليه وإن كان وحي الرسالة ، فإن وافقت الرسالة أهواءهم فهي تقبل ، وإن لم توافق فهي رد ، فمن عمل عملا ليس عليه هواهم فهو رد ، في مقابل ما روت عائشة رضي الله عنها ، فـ : "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" ، وذلك فُرْقَانٌ مُبِينٌ لا يقتصر على أحكام التشريع وإنما يَعُمُّ قِيَمَ الحضارة وأصولها ، فأصول الرسالة في شق ، وأصول خصومها في آخر ، أيا كان مرجعهم في النظر والكتب ، فإنهم جميعا يأرزون إلى أصل واحد وهو الهوى والذوق وإن اختلفت آحاده في الخارج وَتَغَايَرَتْ بل وَتَنَاقَضَتْ وَتَصَارَعَتْ فكان بَيْنَهَا من الجدال والجلاد ما اشتد فلا يخرجون جميعا أن يكونوا من المحدثات الأرضية التي تخالف عن أصول الرسالة السماوية ، فهم آخر أمرهم ، وإن اختلفوا في الفروع ، فالأصل الذي يصدرون عنه واحد وهو الهوى والذوق في مقابل مرجع الرسالة في التصور وَالْكَتْبِ وهو الوحي ، فهو واحد محكم ، وَهُمْ كَثِيرٌ متشابه ، فَقِيَاسُ العقل الصريح أن يُرَدَّ المتشابه الكثير إلى محكم واحد ، لا أن يُرَدَّ المحكم إلى المتشابه فَتَتَنَاثَرُ أجزاؤه وتتفرق دماؤه بين قبائل المتشابه التي لا حصر لها فهي بعدد العقول والأذواق إذا أبت الانقياد لمرجع الوحي ، فلكلٍّ عقل وذوق كما تقدم مرارا من تقرير بديع لبعض المحققين إذ يُبِينُ عن حقيقة الخلاف بين العقول وما يحسم النِّزَاعَ بَيْنَهَا ، فلا يحسمه إلا مرجع من خارج يجاوزها وليس ذلك إلا الوحي المنزَّل فهو الذي بَرِئَ من الحاجة والافتقار وما يعرض للعقول من الأعراض والأمراض ، فسلم من النقص والخطأ فصار له من وصف الإحكام والصحة ما يصيره مرجعا من خارج يرجح بين أحكام العقول إذ تعارضت ، كما يرجح النظر بَيْنَ طرفي الجائز فهو يحتمل الإثبات ويحتمل النفي فلا بد من مرجع آخر من خارج يرجح الإثبات تارة والنفي أخرى .

فَكَتْبُ الصومِ آنفُ الذكرِ ، كَتْبٌ محكم لم ينسخ ، وقد يقال إن النسخ قد جرى ، كما تقدم ، من باب التدرج في إيجاب الصوم ، فكان صوم عاشوراء الواجب ثم نسخ إيجابه فصار مندوبا ، فذلك كتب ناسخ من الأثقل إلى الأخف بالنظر أن عاشوراء قد انْتَقَلَ من الواجب إلى المندوب ، فذلك نظر يقتصر على عين المنسوخ ، ومن الأخف إلى الأثقل بالنظر أن الناسخ كان صيام شهر فهو أثقل بداهة من صيام يوم ، وكان ثم تَدَرُّجٌ آخر ظهر فيه معنى النسخ ، فكان الإيجاب ابتداء على التخيير ، ثم صار على الإلزام ، فكان ثم جواز ألا يصوم ويفدي وإن كان يطيق الصوم ابتداء ، ثم نسخ ذلك وإن لم تُنْسَخْ مشروعية الفدية ، فَاقْتَصَرَتْ على من لا يطيق الصوم ، وأما من أطاقه فالصوم في حقه واجب ، فَيُقَالُ ، من وجهٍ ، إن النسخ في الصوم قد جَرَى ولا زَالَ ، وإن بَعْدَ انقطاعِ الوحي ، لا أن ثَمَّ مَنْ يُحْدِثُ له حكما جديدا ، وإنما صح ذلك بالنظر في معنى النسخ الأعم ، وهو مطلق الإزالة ، فإن ذلك يصدق في الرخصة ، فهي نسخ بالنظر في معنى الزوال المطلق ، فَفِيهَا يَزُولُ حكم الأصل ويسقط لا مطلقا ، وإنما لعارض يدور معه الترخص وجودا وعدما ، فهو نسخ بالنظر في معنى الإسقاط المجرد في الذهن فيصدق في أي إسقاط سواء أكان مؤبدا أم مؤقتا لعارض يدور معه ، كما تقدم ، وجودا وعدما ، وهو ليس نسخا بالنظر في معنى النسخ في الاصطلاح فإن الرخصة لم يسقط فيها حكم الأصل أبدا ، وإنما سقط لعارض فإذا زال العارض زال موجب الرخصة فسقطت ورجع الحكم إلى الأصل الأول وهو العزيمة ، فالكتب ، كما تقدم ، جنس عام ، فثم كتب محكم وآخر منسوخ ، وثم كتب الإيجاب وكتب الندب ، كما في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ) ، على القول إنه محكم لم ينسخ فيكون إحسانا إلى الوالدين إذا لم يَرِثَا لمانع كاختلاف الدين ، فيكون الإحسان إليهما بالوصية فضلا عما يحصل به من تأليف القلب ، وذلك مندوب ليس بِفَرْضٍ ، وَثَمَّ كَتْبُ العزيمةِ وَكَتْبُ الرخصةِ ، وَثَمَّ كَتْبُ النصِّ وَكَتْبُ الاستنباطِ ، وثم كَتْبُ الآي ، كما في كَتْبِ الصيام في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، وَثَمَّ كَتْبُ الأخبارِ كما في رجم الزاني ، فقد كُتِبَ آيا متواترا ثم نُسِخَ ، فصارت الأخبار دليل الإحكام ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا ، وَأُمِرَ أُنَيْسٌ الْأَسْلَمِيُّ ، أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا" ، فكان القضاء بالكتاب ، ودلالته هنا دلالة الكتاب آحادا ، فمعناه يجاوز المعنى المعهود الذي يتبادر إلى الذهن وهو الكتاب المتواتر ، فهو كتاب حُكْمٍ نافذٍ ، كما في قوله تعالى : (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) ، أي حكمه ، فهو كتابُ تحريمٍ لما تَقَدَّمَ من محرمات النكاح ، وكذلك الشأن في خبر عمر ، رضي الله عنه ، المشهور : "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَرَأْنَاهَا ، وَعَقَلْنَاهَا ، وَوَعَيْنَاهَا ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ" ، فكان من إجماع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في هذا الموضع ، ما يعضد هذا الحكم ، فالإجماع قبل مقتل عمر ، رضي الله عنه ، محل اتفاق بين من أطلق القول إن الإجماع ينضبط ، وبين من قصر انضباطه على ما كان من اجتماع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، قبل أن يَتَفَرَّقُوا في الأمصار ، وما كان ذلك إلا بعد مقتل عمر فإنه كان يمنعهم أن يخرجوا من المدينة فكان له من هيئة الشورى ما يُعْتَبَرُ إجماعه إذ يسهل حصره ، فأعيان المجتهدين عنده ، فَلَمَّا قُتِلَ أَذِنَ لهم عثمان ، رضي الله عنه ، أن يَتَفَرَّقُوا في الأمصار لِيُفَقِّهُوا الناسَ أمرَ دينهم لا سيما وقد اتسعت رقعة الأرض بما كان من الفتح ، فكان من الإجماع ما اعتبر في خبر عمر ، رضي الله عنه ، ولو إجماع السكوت ، فأهل الشورى حاضرون مُتَوَافِرُونَ ، وليس ثم شبهة إكراه ، فكان سكوتهم في موضع البيان بَيَانًا إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فهو دليل إحكام بالنظر في المعنى وإن نسخت تلاوة اللفظ ، فالكتب ، من هذا الوجه ، يحتمل كتب الإحكام للتلاوة والمعنى ، ويحتمل كتب الإحكام للمعنى دون التلاوة ، كما في الرجم ، محل الشاهد ، فكتابته بالنظر في دلالة الحكم والمعنى ، كتابة محكمة ، وإن كانت كتابة اللفظ منسوخة .

والكتاب ، من وجه آخر ، مئنة من العقد ، فهو كتاب بين اثنين ، وفيه من دلالة الإيجاب ما يضاهي إيجاب الشرع بالنظر في دلالة الإلزام ، كما في كتاب العتق في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) ، فدلالة "أل" في "الكتاب" ، من هذا الوجه ، دلالة عهد خاص ، فهو كتاب أرضي لا سماوي ، بالنظر أنه يكتب في الأرض وَأَنَّ طَرَفَيْهِ اثنان من البشر فليس ككتاب الشريعة فهو كتاب من السماء نَزَلَ ، وطرفاه لا يستويان ، فَثَمَّ ربٌّ شارعٌ حاكم بما سطر في كتابه وثم عبد محكوم فلا يطيق الخروج عن كتاب التشريع بالنظر في دلالة التكليف ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، وإن خرج عليه فَعَصَى فلا يخرج عن كتاب التكوين ، فهو كتاب نافذ قد جمعت فيه الأعيان والأرزاق ، وجمعت فيه الأحوال الكاملة والناقصة ، الإيمان والكفر ، الطاعة والمعصية ، التقوى والفجور .... إلخ ، فتلك أحوال الأديان ، وفيه ، أيضا ، من أحوال الأبدان ما عم الكامل منه والناقص ، فمنه الطول والقصر ، الْبَيَاضُ والسوادُ ... إلخ من الأعراض اللازمة فلا تفارق البدن ، ومنه الشبع والجوع ، الري والظمأ .... إلخ من الأعراض الطارئة فلا تلازم البدن فلا ينفك يَعْتَرِيهِ منها ما يَتَعَاقَبُ ، فَبَعْدَ الشدةِ فرجٌ ، وبعد الضيق سعة ، وبعد الحرمان عطاء ، فكتاب التكوين قد استغرق ما تقدم من الأضداد على وجه استغرق الأعيان والأحوال جميعا وذلك ، لو تدبر الناظر ، مئنة من قدرة بالغة في خلق الأضداد والنقائض ، وحكمة بالغة في تدافعها ، فذلك كتاب تكوين قد عم المقدورات جميعا ، الشرعية والكونية ، فـ : (مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، فذلك كتاب أطلق إذ نُكِّرَ ، فصار من المجمل الذي يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، فكان من السياق قرينة تُبَيِّنُ إذ رجحت انصرافه إلى كتاب التكوين ، فكتاب التشريع ليس فيه من ذكر الأرزاق المقدورة ما قد فُصِّلَ ، وإنما يَرِدُ ذلك آية اعتبار في الوحي المنزل على حد الإجمال في الذكر فليس من وظائفه أن يُبِينَ عن أقدار الكون المفصلة ، وليس من وظائفه أن يستغرق سنن الكون ذكرا ، فإن ذُكِرَ بَعْضُهَا فتمثيلا لعام يجري مجرى الإعجاز الكوني ، وهو يندرج في الإعجاز الخبري ، إذ يخبر بغيب لَمَّا يَقَعْ تأويله ، فمنه غيب لَمَّا يقع تأويله بالنظر في دلالة التأويل أنه وقوع ما قد أخبر به الشارع ، جل وعلا ، فيقع كما قد أخبر ، ومنه ، وهو محل الشاهد ، غيب لَمَّا يَقَعْ تفسيره ، فقد وقع تأويله في الكون فكان من السنن الذي يدركه الناظر ولا يحسن يفسره ، فلا يدرك السبب إذ ليس ثم من طرائق البحث ما به يَفْسُرُ المعنى ويظهر ، وكان سنن آخر يخفى يقع تأويله في الكون ، وليس ثم من طرائق البحث ما يرصده ، فأشار إليه الوحي إعجازا في مواضع ، وكان من تأويله بعد ذلك بما رصدت طرائق البحث فحصل الإعجاز الخبري أن صَدَّقَ العلمُ التجريبي العلمَ التشريعي الذي ذكر الآية لا قصد الاستيعاب فليس من وظائفه ، كما تقدم ، أن يستغرق سنن الكون فليس كتاب علم في الطب أو العمارة أو الفلاحة .... إلخ ، فكتاب الوحي المتواتر ، وهو أول ما ينصرف إليه الذهن إذا أطلق لفظ "الكتاب" أو "كتاب الله" ، هذا الكتاب مبناه الإجمال لا التفصيل إلا في مواضع من الآيات الشرعية كآي المحرمات من النساء والمحرمات من الأطعمة والإرث والاستئذان .... إلخ ، وكذا الشأن في آي التكوين ، فمبناه فيها الإجمال ، فـ : (فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ، إلا في مواضع تفصيل يلطف كما في تأويل التذكير والتأنيث في الجنين أنه من نطفة الرجل لا من نطفة المرأة في قوله تعالى : (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) ، فإذا صُبَّ المني في الأرحام فهو الذي يحمل مادة التذكير أو التأنيث ، كما قد عُلِمَ بعد ذلك بطرائق تجريب دقيقة كانت غَيْبًا ثم صارت شهادة فَوَاطَأَتْ شهادةَ الرسالة ، فكان في الكتاب المتواتر من الإجمال ما هو أصل ، إن في الشرع أو في الكون ، إلا استثناء سبقت الإشارة إليه ، وكان في الأخبار تفصيل عظيم لجمل من التشريع فالأخبار تُبِينُ عما أجمل من الكتاب ، فهي كتاب آخر يضاهيه ، كما تقدم ، من قسمة الاسم في الخارج إلى كتاب الآيات وكتاب الأخبار والآثار ، وكان في الأخبار ، أيضا ، جمل من الآي الكوني وإن لم يكن ذلك ، كما تقدم ، وظيفة الوحي فليس كتابا في علوم الكون وإنما يشير إليها إعجازَ إخبارٍ وحضا على التدبر في آي الأرض والسماء ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم الأمر أَنِ : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فتفصيل المقادير إنما يكون في كتاب التكوين ، فتلك القرينة التي صرفت دلالة الكتاب المنَكَّرِ في قول الرب المعظم جل وعلا : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، إلى كتاب التكوين فهو الإمام المبين في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ، فدلالة العموم في "كل شيء" مما يرجح معنى التكوين ، وإن احتمل ، من وجه آخر ، أن يكون كتاب التشريع ، وَيَرِدُ على ذلك أنه لم يحص كل شيء ، وقد يجاب أنه يَعُمُّ كل شيء في الشرع فقد جاء بالكفاية كما في قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) ، فذلك كتاب التشريع ، وقد يقال ، أيضا ، إنه باستقراء الأحكام لم يحصها جميعا فكان في الأخبار والآثار ما ليس في الكتاب المتواتر ، فالسنة تستأنف الأحكام كما القرآن ، على ما تقدم من قول صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ" ، والقياس والاعتبار يستأنف منها أحكاما تُعْقَلُ من دلالة الآي والآثار مما يدرك العقل مناط الحكم فيه فيقيس ما جَدَّ من الفروع على أصوله بجامع العلة معقولةِ المعنى ، وقد يجاب إن القرآن قد أحصاها ، وإن لم ينص على أعيانها ، فقد جاء بأصولها ، من وجه ، فضلا أنه أشار إلى حجية بقية الأصول التي بها علم تفصيل الأحكام ، فأشار إلى حجية السنة في قول رب البرية جل وعلا : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وأشار إلى حجية القياس في مواضع الأمر بالاعتبار والتدبر والتفكر ..... إلخ ، فقد أحصى كل شيء في الشرع من هذا الوجه ، وإن كانت دلالة الآية : (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ، مما ينصرف إلى كتاب التكوين بالنظر في قرينة السياق فهي مما رجح إذ النَّكِرَةُ محل إجمال فتحتمل الكوني والشرعي ، فَرَجَّحَ السياق الكوني على الشرعي ، وإن احتمل الشرعي ، على التفصيل المتقدم ، وكذلك الشأن في الكتاب في قوله تعالى : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، فَثَمَّ من رجح ما يتبادر إذ دلالة "أل" في هذا السياق مئنة من العهد الخاص وهو كتاب التكوين ، فما فَرَّطَ فيه ، جل وعلا ، من شيء ، فالعموم الذي استفيد من ورود النكرة "شيء" في سياق النفي قرينة ترجح كتاب التكوين وهو لوح التقدير ، وهو ، لو تدبر الناظر ، يعم كتاب التشريع ، أيضا ، فالرسالات جميعا قد سطرت فيه ، وذلك موضع يحسن فيه التعظيم فأسند الفعل في "فرطنا" إلى ضمير الجماعة مئنة من التعظيم ، وقد يقال ، أيضا ، إنه يحتمل كتاب التشريع فَلَمْ يُفَرِّطْ فيه الرب ، جل وعلا ، من شيء في الشرع ، وذلك يجري مجرى ما تقدم من دلالة الإحصاء ، فلم يفرط ، جل وعلا ، في كتاب التشريع من شيء ، بما نص عليه وهو الأقل ، وبما جمع من أصوله التي فصلتها بقية الأصول سنة وقياسا ..... إلخ ، فهو الذي دل على حجيتها ، وبما جمع من قواعد الشرع الكلية التي لا تخرج عنها الأحكام الجزئية ، فلم يفرط في شيء ، من هذا الوجه ، لا أنه قد جمع كل الأدلة في جميع الأحكام فلا يقول أحد بذلك ، ولو أهل الظاهر ، الذين قصروا الحجية على المنصوص فأبطلوا القياس المعقول ، على تفصيل في ذلك ، فإنهم لم يقصروا الأمر على كتاب الوحي المتواتر وإنما جمعوا إليه في الاحتجاج كتاب الأخبار ، خلافا لمن غلا في الاستدلال بهذه الآية أن حملها على كتاب الشرع المتواتر فجعل دلالة العهد في "أل" مئنة من عهد خاص وهو القرآن ، فأبطل الاستدلال بما عداه ، ولو سنة تُؤْثَرُ ، وذلك ما حذر منه صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر المشهور أَنْ : "يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي ، فَيَقُولُ : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ ، أَلا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ" .
والشاهد أن ثم كتابا آخر هو كتاب العقد بين اثنين من البشر ، كما في كتاب العتق آنف الذكر : (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) ، فدلالة "أل" فيه مئنة من عهد خاص وهو ما تقدم من كتاب العتق .

وكذلك الشأن في دلالة "أل" في "الكتاب" في قوله تعالى : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فذلك اصطلاح اقتصر على أهل الكتاب الأول ، التوراة والإنجيل ، فكان من حسن الاختيار أن خوطبوا بالكتاب في مقام التذكير بمجيء البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو يُذَكِّرُ بكتاب من جنس ما نَزَلَ عليهم من الكتاب ، فهم أعلم بالرسالات من غيرهم فخوطبوا بكتابها استمالة لهم من وجه ، فَيُذَكِّرُهُمْ بالمشترك الرسالي وإن بَدَّلُوا فيه وَحَرَّفُوا فلم تَنْقَطِعْ نسبتهم إليه ، ولو نسبة إجمال ، وإقامة للحجة عليهم ، من وجه آخر ، وكذلك الشأن في مقام الذم تسجيلا للجناية في قوله تعالى : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فَذُكِّرُوا بوصف الكتاب تسجيلا للجناية فعندهم من حجة الكتاب ما به يستبين الصادق من الكاذب فَفِيهِ ذكر الكتاب الخاتم فَلَمَّا جاءهم الكتاب الخاتم يُصَدِّقُ نَبَذَ فريق منهم كتاب الله ، جل وعلا ، وإضافته إلى اسم الله ، جل وعلا ، آكد في تسجيل الجناية إذ يعظم الجرم بعظم من قد اقْتُرِفَ في حقه ، ولا تخلو الإضافة أن تكون من إضافة الوصف إلى الموصوف فإن الكتاب من كلم الرب المعبود ، جل وعلا ، وكلمه ، كما تقدم مرارا ، من علمه ، وهو يحتمل فإنما أنهم قد نَبَذُوا الكتاب الخاتم مع ما تقدم من البشرى به في كتابهم وإما أنهم قد نَبَذُوا كتابهم إذ حادوا عن جادته فلم يصدقوا ما به قد بُشِّرَ من الكتاب الخاتم فَنَبْذُهُمْ الكتاب الخاتم هو ، عند التدبر والنظر ، نبذ لكتابهم فالسياق يحتمل كلا الوجهين فنبذوا الكتابين على حد التلازم فمن نَبَذَ الكتاب الأول فقد نَبَذَ الآخر إذ لم يصدق بِبِشَارَةِ الأولِّ بالثاني ، ومن نَبَذَ الكتاب الآخر فقد نَبَذَ الكتاب الأول الذي به قد بَشَّرَ فَكَذَّبَ بُشْرَاهُ ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى المشترك الذي يدل على أكثر من وجه ، فصح في مواضع الجمع بَيْنَهَا وهو مما قد يستأنس به من يجوز العموم في دلالة المشترك .

ودلالة "أل" في الكتاب تحتمل عهدا آخر يلطف وهو كتاب سيبويه ، رحمه الله ، فاصطلح أنه الكتاب إذ مات قبل أن يسميه ، فصار علما بالغلبة على كتاب سيبويه كما قد مَثَّلَ به أهل النحو للعلم بالغلبة فيجري مجرى "المدينة" إذا أطلقت فهي مدينة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، مهجره ومدفنه في يثرب .

والله أعلى وأعلم .