اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الرمز الديني والرمز السياسي

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:06:21 AM

    المشاركات
    4,755
    العمر
    40

    الرمز الديني والرمز السياسي

    في بعض الأحداث السياسية الكبرى التي تشهد تحولات نوعية في الولاءات والاستراتيجيات قد تعظم الحاجة إلى بطل مخلص وقائد ملهم وحكيم مجدد لقيم السياسة والحضارة ..... إلخ ، وقد تكون النقلة إيجابية ، فتصنع الأقدار من قلب الأحداث قيادة راشدة كما صُنِعَ الملك الناصر صلاح الدين من قلب المحنة الصليبية ، وكما صُنِعَ الملك المظفر سيف الدين قطز من قلب المحنة التَّتَرِيَّةِ ، وقد تكون النقلة سلبية فهي انهيار حضاري يحتاج ، أيضا ، إلى بطل مخلص ! ، يصنع صناعة ليؤدي المهمة بإتقان دون أن يثير الانتباه بل يَجِدُ الناظر مَنْ يؤيد ويعضد وَيَحْتَفِي بالرمز إلى حد القداسة وإن لم يخرج الأمر كله عن حد النجاسة ، فَثَمَّ من خان فَلَمْ يَنْصَحْ للعامة فَثَمَّ كسب يخصه ولو غَشَّ لأجله الناس جَمِيعًا ، وثم من غَلَبَ عليه شؤم السحت فاستمع الكذب فهو سَمَّاعٌ يُصْغِي فإذا جاء الحق أَعْرَضَ وَنَأَى بجانبه ، فسرعان ما يُصَدِّقُ دعاية الكذب والتدليس فهي تواطئ المحل الخبيث ، وذلك قياس الحكمة فَلَا يقبل خَبِيثَ القول إلا خبيث المحل ، وهو قول تافه خفيف المحمل تقبله النفوس الوضيعة ، وأما دعاية الحق ، في مقابله ، فهي مما ثَقُلَ مَحْمَلُهُ ولكن عاقبته إلى خير ، ولا يصبر فَيَبْلُغُهَا إلا شريف النفس عَلِيُّ الهمة ولا يجزع فينقطع فَيَرْضَى بالخبيث التافه إلا وضيع النفس دني الهمة ، وأولئك هم ذَخِيرَةُ البطلِ الذي يُخَلِّصُ فَهُمْ جنده من المواطنين الشرفاء الذين يستعملهم الزعيم في معاركه السياسية فهم من يوطدون أركان الحكم وهم الذين لا يعصون الزعيم فِيمَا أَمَرَهُم ويفعلون ما يؤمرون ، فقد نجحت آلة الدعاية في صناعة هذا الرمز ، سواء أكانت الصناعة محكمة أم رديئة ، فهذا البطل هو الناسخ لكل شيء ، فهو ناسخ للقيم والمبادئ الرسالية ، بل وناسخ لثوابت الدولة الوطنية الحديثة ! ، لا سيما ثابت الأمن القومي ، فلا بد أن يحظى بأي شرعية سياسية تجعله أهلا لهذا النسخ ، لأنه سيتخذ قررات صعبة جدا لم يجرؤ من قبله أن يتخذها فكان لإصلاحاتهم ! خط أحمر وهو قد جاوز منها ما استطاع وفي الجعبة كثير وإن لم يطق إنفاذ الأمر كله ، فَمَاتَ أو قُتِلَ أو عُزِلَ ، فسوف يقوم زعيم جديد يكمل ما شرع فيه الأول من مشاريع التجديد والتحديث ، فَكُلَّمَا مات ظالم قام آخر على وزان كما قال عبد الرحمن بن أبي بكر ، رضي الله عنهما ، لما دعا مروان بن الحكم أهل المدينة أن يبايعوا يزيد فإنما أردتم أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام آخر ، فهو على سنته ماض وإن اختلفت الشخوص فالجادة واحدة وكل زعيم صُنِعَ على عين المركز لا محالة سالكها فلا يملك من أمره إلا ذلك على تفاوت في خطواته فَثَمَّ من يخطو فيبطئ فعنده من بقايا الثوابت ما يكبح ، وثم من يخطو فيسرع فلا كابح لجماحه إذ صناعته أتقن فلم يعد للداخل في صناعته حظ إلا المادة الخام من اللحم والدم وأما العقل والفكر فذلك مما قد صُنِعَ في فضاء آخر من الحضارة له من القيم ما يخالف عن الأصل بل وينقضه نقضا ، فشرعية الحكم من الخارج فلا ينظر بداهة في أمور الداخل إذ لا تَرْسَخُ مشروعيته بها إلا بقدر ما يواطئ مصالح الخارج فهو عنها يرضى بل قد يأمر بها في أحيان لِيُنَفِّسَ الغضبة فلا تفسد الطبخة ، ولا بد أن يكون هذا البطل ذو تركيبة نفسانية خاصة جدا ! ، فهو رجل متواضع القدرات يشكو من تضخم "الأنا" وهو ما يفضحه خطابه السياسي المتواضع جدا بمعيار السياسة القديمة والحديثة ! ، الأخلاقية والبراجماتية ، وحاله حال من شبع بعد جوع مع رقة دين وغلظ قلب ففيه من أخلاق البداوة ما يذم كما يرى الناظر في ملوك وحكام كانوا بالأمس حفاة لا يجدون النعال فصاروا الآن ملوكا وَرُءُوسًا على الأسرة لا كالملوك في رؤيا صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيها : "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة" ، فأولئك ملوك على منهاج النبوة فكان لهم الملك اسما وحقيقة لا ملك الصورة التي تستعار وليس لها من الأصول ما يرسخ فألجأتها الحال إلجاء أن تَبْتَغِيَ العزة في غيرها فهي ، كما يتندر بعض رجالات الحرب في المركز ، هي تفتش عندنا عن شيء واحد وهو شرعية الحكم فتبذل من الأديان والأخلاق وأصول الحضارة وثروة الأرض ما به تشتري الحماية والدفع فإيمانها بِقُوَّةِ المركز ثابت محكم في العقيدة السياسية ، فصاحبها ليس ذا صفة حضارية تجعله أمينا على القيم والأخلاق فضلا عن الأديان والأحكام ، وذلك ، بداهة ، يطعن في أمانته السياسية فلا يؤتمن على الأوطان ، ولو بالمعيار السياسي الوطني العلماني ، فليس أمينا على ثوابت الأمن القومي الذي يَتَلَاعَبُ به كيف شاء إذ ليس ثَمَّ وَازِعٌ من قرآن أو سلطان ، ومعنى القرآن هنا يجاوز المعنى المتبادر إلى الذهن ، فإن القرآن هو الدين ، والدين ، كما يقول بعض المحققين ، يجاوز ، أيضا ، ما قد يَتَبَادَرُ إلى الذهن من العقائد والشعائر والأحكام ، فهو فطرة الإنسان التي تكبح غرائزه وَنَزَوَاتِهِ ، وهو ، كما يقول المحقق آنف الذكر ، هو الأصل الأخلاقي لأي حضارة أو ثقافة ، فَثَمَّ عقل يَتَشَكَّلُ فهو يستمد قيمه وأفكاره من الوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه ، سواء أكان الوسط الخاص الذي تلعب فيه الأم الدور الرئيس فهي الرحم الذي تجمع فيه الخلقة وهي المحضن الذي تَتَشَكَّلُ فيه الفكرة ، أم كان الوسط العام ، فهو تال في التأثير ، فيكون من تَشَكُّلِ اللسانِ ، وهو اللغة التي يجاوز دورها دور الإفهام والإفصاح عما يَعْتَمِلُ في النفس من أفكار ومشاعر ، فهو يحكي القيم الحضارية التي يحملها المتكلم فالمرء مخبوء تحت لسانه ، فمهما تجمل فإن لسانه يفضحه ، كما تسمع الأذن الآن من خطاب سياسية منحط يندرج في خطاب الشوارع الذي يحرض ويتحرش فهو ، لو تدبر الناظر ، يحكي قيمة سياسية رئيسة ، وهي قيمة الأداة الوظيفية التي تُثِيرُ المشاكل ، ولو تدبر الناظر خطاب هيئات سياسية تَنْبِزُ الآخر أنها من صنعت منه بشرا ولكنها ستعيده إلى وضعه الأول ! ، لعلمت ما تَنْطَوِي عليه هذه النفس من خبث ، كما يرى الناظر الآن في إشكال اقتصادي في القرن الإفريقي طرفه الأول أهل البلاد فهم الإنسان الأول ! الذي امْتَنَّ عليه الطرف الآخر أن أمده بأسباب الحضارة فصيره إنسانا كامل الأهلية ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، استنساخ لخطاب الاستعمار إذ غَزَا الأطراف فكانت دعايته أنه هو صاحب الحضارة التي تتلخص في عنوانين رئيسين : القوة واللذة ، فاحتل المركز الأطراف ليعلمها أصول الحضارة ويخرجها من وصف إنسان الغابة إلى وصف إنسان الحضارة ! ، فقد احتكر مادة الحضارة احتكار العرق والعنصر مع ما امتلك من أدوات القوة والثروة ، فذلك خطاب يستنسخه الآن مجموع وظيفي في الإقليم قد نشأ في إطار فكرة وضيعة ترى كل شيء يقبل البيع والشراء فتلك ثقافة الكائن المستهلك الذي لا يرى قيمة تستحق التعظيم إلا احتياج البدن ، فنظرته ، لو تدبر ، هي ما يخلع عنه وصف الإنسان ، فلا يجاوز أن يكون أَدَاةً من جملة أدوات في السياسة تَمْلِكُ المال فهي تُوَظِّفُ غيرها في صورة تحاكي صورة البلطجي المشاكس الذي يستعين به طرف على طرف نظير ما يدفع الأول ، فالبلطجي شخص وظيفي عدم الانتماء فهو فارغ من أي قيمة دينية أو أخلاقية أو سياسية وإنما يعمل عند من يدفع أكثر بِغَضِّ النظر عن طبيعة العمل ، فليس ثم حاجز من القيم والأخلاق يصلح معيارَ قبولٍ وَرَدٍّ لما يُعْرَضُ من الوظائف ، ولو حقيرة بأي اصطلاح يستخدمه العقلاء ! ، فإن الْبَغِيَّ لا تخجل أن تقارف الخطيئة نظير ما يبذل فلا معيار عندها إلا من يدفع أكثر ! ، وربما أطلقت شعار فضيلة وأخلاق ، فكان لها رصيد من الشعارات ! ، فهي حيلة نفسية تدفع بها عن نفسها صورة العاهرة التي تحتقرها أي نفس لها حظ من فطرة وإن خالفت عن محكم الشرعة فكفرت وفجرت ، فلا زالت النفوس تكره لفظ الداعر والخائن والبلطجي ...... إلخ ، فذلك حاجز لطيف لم تنجح المذاهب البراجماتية حتى الآن في اختراقه ، وإن اخترقت حَوَاجِزَ كثيرة أعطت الذريعة لكل من يقارف الجريمة أن يجد من التأصيل الفلسفي ما يُبَرِّرُهَا ، فكان نفي الحقائق المطلقة فهي الحاجز اللطيف آنف الذكر ، فالحقائق المطلقة التي يجردها الذهن وهي أبسط صورة تحصل في النفس فلا كلفة في تصورها إذ جردت من قيود الإلزام الشرعي أو القانوني ، فَهُيِّئَتْ بيئة التشريع أن تُقِرَّ كل قبيح ، وصار ذلك بحكم القانون أمرا جائزا ، وَهُيِّئَتْ لها من الدعاية ما يُرَوِّجُهَا ويكسر الحاجز النفساني الذي يحول دون قبولها فيكون التطبيع الفكري معها ، فهو ، لو تدبر الناظر ، أخطر مما يَرُوجُ الآن من التطبيع السياسي والاقتصادي فليس ذانك إلا وسيلة إلى غاية أعظم وهي التطبيع الفكري الذي يمسخ النفوس وَيُلْغِي الفارق الحضاري ، ولو في التصورات المجردة في الذهن ، فقد صارت ، كما يَتَمَثَّلُ بَعْضَ الفضلاء ، صارت مخزون شعارات جوفاء ، فالصدق والأمانة والكرم والشجاعة ، والوطنية ولو بالاصطلاح العلماني المحدث ..... إلخ ، كل أولئك من بقايا الرجعية التي لا زالت تسكن النفوس المتخلفة عن ركب حضارة جديدة قيمتها الرئيسة : المنفعة المادية وليس ثَمَّ شيء سواها ، فهي في نفسها ذريعة لا تحتاج إلى ذريعة أخلاقية ، إذ صار لها من التأصيل الفكري والفلسفي والسياسي ما يجعلها مذهبا لا تَتَحَرَّجُ النفوس أن تَنْتَحِلَهُ ، بل إنها تُعَيِّرُ من يخالفها ويستمسك بأهداب أي قيمة فكرية ، ولو مجردة في الذهن ، فهو شخص متخلف قد فاته قطار الحضارة الذي ينطلق الآن بأقصى سرعة فلا يلتحق به إلا من تجرد من القيود العتيقة ، قيود الأديان والأخلاق والمبادئ ، وهو أمر ، كما تقدم ، يعكر صفوَه ما بقي في النفوس من آثار الفطرة الأولى ، العدو اللدود للحضارة الجديدة التي جعلت كل شيء نسبيا يقبل التفاوض استنادا إلى نظرية المصلحة المادية ، النظرية البراجماتية ، فإن كانت الدعارة سبيلا إلى تحقيق فائض جيد من الثروة يضمن قدرا أعلى من الرفاه ، فهو ، على أي حال ! ، نشاط اقتصادي مربح ، بل وَلَهُ أَثَرُ نَفْعٍ يَتَعَدَّى فهو يسهم في زيادة الدخول ، ويضمن تدفق العملة الصعبة فيحصل من نشاط التجارة ما يدير العجلة الاقتصادية ، فَتَزِيدُ القوة الشرائية بما يحصل من تدفق الأموال القذرة التي تبذل الأديان والأبدان والأوطان والثروات ..... إلخ نظيرها ، ومهما حصل من تأصيل فلسفي لهذه النظرية فإن حاجز الفطرة ، ولو بقايا مجملة ، يحول دون صيرورة هذه النظرية اللاأخلاقية محل إعجاب واستحسان وإن تَوَفَّرَ لها من بيئة التطبيع في التشريع والسياسة والحرب ما يضفي عليها الشرعية ، فَسُنَّتِ القوانين المفصَّلة التي تخرجها من دائرة التحريم والتجريم ، بل قد صار لها من الامتياز ما يَحْسُنُ ، فهي ، كما تقدم ، مما يُدِرُّ الربح وَيُنَشِّطُ الاقتصاد ...... إلخ ، فلا زال مع كل أولئك ، لا زال ثم حاجز لطيف وإن في نفس الداعر والخائن والبلطجي ، لا زال ثم حاجز لطيف يحول دون هضم هذه الفكرة الوضيعة ، وإلا ما اضطر أن يسمي ما يقترف بغير اسمه ، بل إنه يسميه في أحيان بضده ، فتجده أعظم الناس احتفاء بالشرف والأمانة والأخلاق ، وإن كان على ضدها فقد علم بما بقي من الحقائق المطلقة التي جاوزها وخرق ناموسها ، قد علم أن ما يقارف هو محل استهجان واحتقار ، فلا يجرؤ أن يصرح ، فليس ثم داعرة تجهر بوظيفتها طلبا لمدح الناس وثنائهم ، فلا تجد آنذاك إلا نفور النفوس ، وإن لم تنطق فالعين تحكي وحكايتها تكفي فهي في أحيان كثيرة تُفْصِحُ ما لا يفصح النطق لا سيما إن جاوز الأمر حده فَعُقِلَ اللسان وَأُلْجِمَ فلا ينطق إذ لا يجد من الكلام ما يجزئ في توصيف الحال ، فالأصل الأخلاقي ، كما تقدم ، ولو معان مجملة في النفس ، هو منهاج حكم على الأشياء بالحسن والقبح على وجه يبلغ حد الضرورة العلمية الملجئة إلى التصديق فيحصل من اليقين الذي لا يجعل الخيانة أمانة ، والدعارة وظيفة شريفة ...... إلخ من قلب الحقائق والماهيات إذ يطلق عليها من الأسماء الشريفة ما يُسَوِّغُ المسمَّيَاتِ الحقيرة كما أُثِرَ عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يحكي ما يرى الناظر الآن من استباحة المحرمات أن تسمى بغير اسمها حيلةً نفسانيةً تُسَكِّنُ الضمير ، إن كان ثم بقايا منه ! ، وتضفي على المحرم شرعية بها يروج فصاحبها ، لو تدبر الناظر ، يدخل في حد الذم والوعيد في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فكان من نص الأثر أَنْ : "ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يجاوز الخمر ، فَهُوَ في هذا الخبر يجري مجرى المثال لمعنى أَعَمَّ ، فلا تقتصر جناية التزييف في الأسماء والتغييب للأذهان التي تَسْتَقِرُّ فيها هذه التُّرَّهَاتُ ، لا تَقْتَصِرُ على الخمر ، وإنما تَعُمُّ كل قبيح في القول والفعل ، فَيُعْطَى من الاسم ما يُسَوِّغُ تَعَاطِيهِ فَيَزُولُ الحاجز النفساني الذي يحول دون قبوله ، كما يرى الناظر الآن في عالم السياسة ، فإن الخيانة الحضارية والسياسية والعسكرية والاقتصادية تُكْسَى لحاء التطبيع وهو اصطلاح سياسي سيئ السمعة لدى قطاعات كبيرة من جماهير الشرق ، مع أنه اصطلاح وضع لِتَبْرِيرِ معان أسوأ سمعة ! ، فكيف لو سميت الأشياء باسمها ؟! ، إذن لافتضح قُبْحُهَا وَقُبْحُ من يُرَوِّجُهَا ، فهو صائل على الدين والحضارة والفكر ، وهو خائن في أمور السياسة والحكم ، ولو بالمعيار البراجماتي الذي يَتَشَدَّقُ به لِيُبَرِّرَ جنايته فهو يَرُدُّ الناس إلى معيار وضيع لا يعظم إلا المقابل المادي ولو نظير ثوابت أجمع العقلاء عليها ، فَلَيْتَهُ وَفَّى بشرطه البراجماتي ، فلا هو وَفَّى بالمعيار الأخلاقي ، ولا هو وَفَّى بالمعيار البراجماتي ، فلا دين ولا دنيا ! ، ولا حضارة ولا مادة ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أن النفوس ما كانت لِتَرْضَى أن تُسْتَرَقَّ فَتَمْنَحَ حريتها في النظر والاستدلال والحكم على الأشياء ، فتمنحها لحاكم جائر يعطل الشرائع والفضائل أو كاتب كاذب يُزَيِّفُ الحقائق ... إلخ دون أنفة أن تسوى بالبهائم العجماوات ، إلا أنها أصغت إلى الكذب فصارت سماعة له فلم يكن سماعها عارضا وإنما تقصدت الاستماع فَرَكَنَتْ إلى الكذب والظلم ، ولم تغادر مجلس الخوض في الباطل ولم تجاوز الزور كريمة ، فيحصل لها من وصف الفئة الشريفة ما ورد في كتاب الشريعة : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) ، فحصل لها من فساد التصور ما أفسد أحكامها على الأشياء وذلك ، أيضا ، مما حكاه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنْ : "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خُدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ , وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ , وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ , وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" ، فسميت الحقائق بغير أسمائها ، بل صارت على أضدادها ، فصار الكاذب والخائن محل الرضى ، وصار الصادق والأمين محل السخط ، فانقلب معيار الحكم الذي يخالف عن بدائه العقول بما أحدثت دعاية السحر من معيار جديد يُخَيِّلُ ما ليس بحق ، فهو وَهْمٌ لا وجود له خارج النفس ، فَيُسْتَرْهَبُ السامع بما يطلق من ألقاب المدح والذم وإن وضعها في غير مواضعها بل صَيَّرَهَا ، كما تقدم ، على أضدادها ، فصار السامع يَتَعَاطَى من الباطل ما ألحقه بقبيل البهائم ! التي لا تملك من منطق العقل ما يجعلها تحكم ، ومنطق اللسان ما يجعلها تُفْصِحُ ، كما تقدم من دور اللسان الذي يحكي ما استقر في النفوس من القيم والأخلاق ، فطريقة الأداء فضلا عن الألفاظ والاصطلاحات تحكي معنى يجاوز الكلام المفهم ، فهو يحكي انتماء المتكلم وما يُعَظِّمُ من قِيَمٍ ، فهو يؤمن بها ولأجلها يعمل ، فلا يكون خطاب السياسة ، وإن منحطا يضاهي خطابات الشوارع ، لا يكون مادة سخرية وَتَنَدُّرٍ ، فذلك قد يشغل السامع عن معنى أدق وألطف ، فهو يفصح عن أخلاق القائل وانتمائه الذي يجاوز انتماء اللون والعرق ، فيكشف عن مناط الولاء والبراء الذي يَنْتَحِلُهُ ، وهو الذي يحدد العدو الاستراتيجي الذي يهدد الأمن القومي ، ذلك الاصطلاح الفضفاض الذي يخيط كل حاكم منه نعلا على مقاسه ، فلكلِّ مرحلةٍ خطاب سياسة وحرب واقتصاد يلائمها ، على وجه يفضي إلى التناقض ، ولو في خطاب الدولة الواحدة ، فلا ثوابت إلا المصلحة التي تقضي حينا بمدح واحد وذم آخر ، ثم تَنْقَلِبُ الآية وَتُنْسَخُ فليست محكمة فلا محكم إلا المصلحة بمعناها المادي الضيق ، فمبناها الأثرة فالحاكم قد يختزل المصلحة العامة ، ولو مادية ، في مصلحته الخاصة ، فما يحققها فهو معيار الأمن القومي الجديد على وجه يجيز تبدل الولاءات بل وانقلابها ، فهي متشابهة يجب يردها إلى محكم المصلحة المادية ، ولو مصلحة واحد بالنوع كنظام حكم يضاهي التشكيل العصابي في بِنْيَتِهِ التنظيمية وأهدافه الاستراتيجية التي تَتَلَخَّصُ في كلمات قليلة : البلطجة والسرقة والخيانة لأي معيار أخلاقي والتحول إلى مجموع وظيفي خادم يعمل نظير ما يُدْفَعُ من أَجْرٍ فهو تحت الطلب لمن يدفع أكثر ، وَيَزْدَادُ الأمر سوءا بما يكون من تقليص دائرة المصلحة ، ولو مصلحة العصابة ! ، فتصير المصلحة مصلحة واحد بالشخص هو رئيس العصابة الذي يَنْفَرِدُ بالقرار ويستأثر بمعظم الغنائم مع ما يجره على بقية العصابة من تَبِعَاتٍ وخسائر مادية وأدبية ، فَتَتَحَوَّلُ صورة السياسة من دولة اللصوص فهم مجموعة من البشر قد تَوَاطَئُوا على اختطاف كيان سياسي وتمزيق نسيج اجتماعي بما يُرَوِّجُونَ من الرذائل بعد تبديل الأسماء ، كما تقدم من سياسة : "يسمونها بغير اسمها" ، فانهيار منظومة الأخلاق انفتاح اجتماعي يواكب شروط الحداثة ولو خالف عن معيار التكاليف والتقاليد ، ولو في مجتمعات محافظة يُزَلْزِلُ أركانها مراهق حديث عهد بالسياسة فضلا عن نقص في التكوين النفساني يجعله سريع التأثر والخضوع ، فلا يملك من أسباب القوة الذاتية ما تقدم من الأصول الحضارية المحكمة ، ولا يملك من الحلم والأناة ما يجعله يفكر قبل أن ينطق وَيَتَفَلْسَفَ فيطعن بخطابه الفج ما استقر في ضمير المجتمع ، ولا يصبر فهو يَتَعَجَّلُ زعامة ليس لها بأهل وذلك ما يجعله يطلب المدد من خارج ، وهو مدد يبذل ثمنه من الفكرة والثروة معا ، فهو خسران عظيم في الأولى وفي الآخرة ، وتلك صفة المجموع الوظيفي الأمثل الذي يطيق هذا الدور الفكري والسياسي والعسكري والاقتصادي التابع ، فلا بد من ضعف في التكوين ورغبة في التحكم والسيطرة يداوي بها الحاكم الوضيع جراحا غائرة في النفس ، فهزيمة الفكر والحضارة لا تجبرها سلطة أو ثروة ، فلا يزال صاحبها في انحطاط وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الجاه والترف ، وكلما ضاقت دائرة الاستبداد كان تحول الدولة من صورة العصابة آنفة الذكر إلى صورة الإله الفرد الذي يَنْفَرِدُ بالحكم واتخاذ القرار ، ويعبث بالقيم والأخلاق ، ويضع معيارا جديدا في السياسة والحرب ، فهذا الكائن الوظيفي هو وحده من يستجيز العبث بكل معيار ، ولو معيار سياسة محدث ، فيغير حد الإقليم ويفرط في ذخائره ويشن من الحروب ما يهدم به الأديان والعمران ويفني به الأبدان ، فلا يكترث إن أُزْهِقَتِ النفوس آلافا ، ولا يجد غضاضة أن يقصف العزل بقوة نار غاشمة تجرف الأرض وتهيئها أن تَقْبَلَ من صفقات السياسة ما يَرَاهُ الناظر الآن في بلاد الشرق فالأمر لا يقتصر على مسرح العمليات العسكرية في بقعة كسيناء ، والأمر لا يقتصر على اصطلاح سياسي كاصطلاح "صفقة القرن" ، فهو أمر مركب في إجراءاته وغاياته ، فهو يمهد عقول الجماهير أن تقبل حزمة إجراءات تجاوز حد التطبيع السياسي والاقتصادي فقد قطعت فيه المجموعات الوظيفية الحاكمة شوطا كبيرا ، على وجه أدهش الخصوم كما يظهر الآن في كلام رجال السياسة والاقتصاد في كيان يهود ، فَبَعْضُهُمْ يَتَعَجَّبُ من مستوى التنسيق والتطبيع الرفيع مع أنظمةِ حكمٍ طالما تشدقت بعداوة يهود ، فهم العدو الاستراتيجي الأول ، فكان النسخ الذي طال هذا الأصل الفكري والسياسي ، وبعضهم يَتَعَجَّبُ أن صار رفاه يهود كسبا يَتَبَجَّحُ به بعض أولئك فهو هدف في شباك الخصم ! ، وذلك ما يحكي طبيعة العدو الاستراتيجي الجديد على وجه يستوجب تغييرا في مفهوم الأمن القومي ، فلم يعد الخصم الذي تلقت شباكه الهدف هو كيان يهود بل صار جارا آخر عداوته قد نسخت عداوة يهود في إطار ما يَلْتَئِمُ الآن من تحالفات وأحزاب صار فيها كيان يهود عضوا رئيسا ، بل ورائدا يقود في تحالف الصفقة العظمى ، فهي ، كما تقدم ، ناسخة للثوابت السياسية والحدود الجغرافية ، البرية والبحرية ، وهي ، وهو الأخطر ، ناسخة للثوابت الفكرية والحضارية ، فَتَطْبِيعُهَا هذه المرة قد جاوز ما تقدم في مراحل سابقة من الخيانة السياسية والعسكرية المستترة ، فصار خيانة لقيم الفكر والحضارة ولن يطيق ذلك إلا ساسة فَقَدُوا انتماءهم لهذه الحضارة ، ولو حدا أدنى يضع للخيانة سقفا ، فهي ، هذه المرة ، ذات سقف عال جدا ، وهو أمر ، لو تدبره الناظر ، يقوم به ، في الظاهر ، أفراد ، فلا يحظى بقبول ، وإنما ثم واحد في المركز لقبه الرسمي أنه الرئيس الأمريكي ، رئيس العالم الذي يحكم من المكتب البيضاوي في إطار نظرية القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، فتلك صورة لاحقة من نظام دولي ذي قطب واحد نسخت صورةً تَقَدَّمَتْهَا من نظام دولي ثُنَائِيِّ الأقطاب ، فصار مركز التحكم والسيطرة في واشنطن ، ولو بالنظر في الخطاب السياسي الرسمي فصناعته أشد تعقيدا أن ينهض بها واحد وإن بَرَعَ ما بَرَعَ في فن السياسة فكيف إن كان جاهلا أخرق كالجالس الآن في البيت الأبيض ، وهو ما يحكي طبيعة أطراف الصفقة في الأطراف ، فثم أربعة أطراف أعقلهم كالعادة ! ، طرف يهود فيكاد يكون هو الرأس المدبر بما يملك من نفوذ سياسي في المركز عبر وسائط ضغط فاعلة هي ، لو تدبر الناظر ، منشأ الصفقة ، فليست نظرة طارئة وإنما هي فكرة راسخة لها من رجالات التأصيل والتخطيط والتمويل والتنفيذ ما يخرج بها من القوة إلى الفعل ، ولو خالفت عن معيار الأمن القومي الأمريكي كما قد حذر بعض عقلاء السياسة في واشنطن الأحمق المطاع في البيت الأبيض ولكنه أبى الانقياد ولعل ذلك من المكر الكبار أن يأذن الرب ، جل وعلا ، بِزَوَالِ هذه الصورة السياسة الجائرة ، صورة النظام الدولي أحادي القطب لِيَنْشَأَ على أنقاضه نظام جديد يكون ، في أدنى أحواله ، أقرب إلى العدل وأبعد من الظلم بما يكون من توزيع القوة على أقطاب ، فإن توزيع القوة يحقق من الاستقرار ، ولو نِسْبِيًّا ، ما يجعل المصلحة تَتَوَزَّعُ تَبَعًا لِتَوْزِيعِ القوة فلا تصير القوة في يد واحدة ، ولا تكون المصلحة مصلحة واحد سواء أكان حضارة أم نظام حكم أم واحدا يستبد في الأنظمة السياسية الإلهية ! ، وإن كانت الصورة واحدة : إله يحكم الأرض سواء أكان حضارة تهيمن فهي ترى نفسها فوق الحضارات كلها فَلَهَا من سلطان الولاية ما يجعلها مصدر القيم والمبادئ التي يجب على بَقِيَّةِ الحضارات الخضوع لها طوعا أو كرها ، أم نظام حكم يمارس وظيفة الألوهية في نطاق أضيق ، نطاق الدولة التي احتكرت أسباب القوة التشريعية والقضائية والتنفيذية لا سيما الأخيرة التي تَتَضَخَّمُ فَتُجَاوِزُ الحد بما يكون من استبداد يعظم فكلما عَظُمَ فصاحبه يفسح لقوة التنفيذ فيعطيها من صلاحيات القمع والقتل ما يرسخ أركان الملك بذريعة الحفاظ على الهيبة ، وكلما أَوْغَلَ نِظَامُ الحكم في الاستبداد فإنه يَتَحَوَّلُ من نظام ذي أجزاء تَتَكَامَلُ تارة وَتَتَصَارَعُ أخرى على وجه يحصل به من الاتزان ما يخفف وطأة القمع ، فذلك من فضائل الصراع السياسي بين أجنحة النظام المستبد ، كما يتندر بعض الفضلاء ، فهو يشغل الظالمين بعضهم بِبَعْضٍ ، خلاف ما لو تقلصت دائرة السياسة فاختزلت في واحد قد ضاهى الصورة الفرعونية فصارت قطب رحى السياسة وذلك ما ينبئ الناظر بهشاشة فكرية وسياسية وَكُلٌّ ، كما يقول جمع من المحللين ، كُلٌّ يَرُومُ حظه من هذا النظام الدولي الجديد فيحرص أن يستعمل أوراقه الفاعلة وأن يحشد من أسباب القوة الناعمة والخشنة ما يجعل له ثقلا في ميزان السياسة فهي تنشأ من توازنات قوى تلعب دور الرادع الذي يحفظ اتزان المعادلة فلا تختل .

    فَمَا يَرَى الناظر من تعلق الأمر بمركز في واشنطن ، وأربعة أطراف رئيسة في كيان يهود ومصر والخليج ، وأكثرهم ، كما تقدم ، تَافِهٌ لا يحسن يُبِينُ ، خارجٌ عن أصول الحضارة فهو فاقد للانتماء ، طالبٌ لمعونة الخارج الذي يستخدمه في وظائف الخدمة السياسية والعسكرية والاقتصادية ، فما يرى الناظر من هذه الصورة الساذجة ، مركز وأربعة أطراف ، ليس إلا ما يطفو على السطح ، فما خفي من التدبير والمكر فهو أعظم ، فَثَمَّ نواة صلبة مركبة من مجموع أفكار ومصالح هي من يصنع قَرَارَ السياسة في المركز حتى إشعار آخر ، وتفردها على هذا النحو المستفز وإن لحلفاء يشاطرونها قيم الحضارة والسياسة كالحلفاء الأوروبيين ، تَفَرُّدُهَا على هذا النحو يحكي طبيعة النظام الدولي آنف الذكر ، فهو أحادي القطب ، وذلك ما بشرت به الإدارة الجمهورية إبان ولاية الرئيس بوش الأب بعد حرب الخليج الثانية في خطاب مشهور أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة واكب سقوط القطب الثاني الاتحاد السوفييتي ، ثم جاء ابنه الرئيس بوش الابن ، الأحمق المطاع أيضا ! ، ليضع مسمارا في نعش هذا النظام الدولي فكانت حروب أمريكا في بلاد الأفغان والعراق مِمَّا اسْتَنْزَفَ هذا القطب وَأَضْعَفَهُ ، ولو شيئا فشيئا ، فلا يحصل التغيير في السياسة والحرب دفعة ! ، وقد تكون الصفقة الحالية وهي مما يعارض حقائق راسخة في الفكر والسياسة والتاريخ والجغرافيا وإن وافقت أهواء قِلَّةٍ وظيفية مُتَنَفِّذَةٍ ، قد تكون هذه الصفقة مسمارا ثانيا في نعش القطب الأوحد الذي ضج الحلفاء قبل الأعداء من استبداده ، فَفَشَلُهَا ، لو تدبر الناظر ، يهيئ مشهد السياسة لقيام نظام دولي جديد ، يظهر فيه من الأقطاب ما ينازع القطب الأوحد ويغالبه على ما اطرد من سنة الكون في التدافع فلا تقتصر على ما يتبادر من تدافع الأبدان في ساحات الحرب ، وإنما تستغرق تدافع الفكر والسياسة ، فنظم السياسة لا تزول فجأة ولا تنشأ فجأة وإنما جعل الرب ، جل وعلا ، لكل شيء قدرا ، وهي فرصة لأي قوة طامحة أن تَتَبَوَّأَ مقعدا في النظام الجديد كقطب رئيس أو كفاعل مُؤَثِّرٍ ، ولو في إطار الإقليم ، على أقل تقدير ، ولكلٍّ حلم سياسي يواطئ وزنه النسبي إن في الإقليم أو في العالم ، فلا يستوي من يروم ريادة وتأثيرا ومن يقتصر دوره على المجموع الوظيفي الذي يستخدم في أي مشهد سياسي أو عسكري فهو نظام سياسي بدرجة مرتزق أو بلطجي ! ، و :
    عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ ******* وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
    وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها ******* وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ .

    فلا يستوي الجليل والحقير بداهة : (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك من قياس العقل الصريح الذي يفرق بين المختلِفَيْنِ في الحكم تَبَعًا لاختلافهما في الوصف .

    وإنشاء الدول العظيمة يستوجب رجالا عظاما ، وإنشاء الدول الحقيرة ، في المقابل ، يستوجب رجالا من الجنس الحقير ، فـ : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) ، فعموم الآية يستغرق كل المقدورات ما حُمِدَ وما ذُمَّ ، ما عَلَا وما سَفُلَ ، وذلك جنس يثير الاشمئزاز إذ لا يقيم اعتبارا لأي قيمة إلا القيمة مدفوعة الأجر ! ، وهو ما يحول الكيان السياسي الذي يجاوز حده حَدَّ التنظيم والإدراة للشأن العام ، وإن كان ذلك من أعظم ما يجب على رجال السياسة والحرب والإدارة ، فإن الولاية العامة تستوجب كمال النصح للرعية في أمر الدنيا ، ولكن ثم وظيفة أشرف وهي رعاية القيم الحاكمة ، فالكيان السياسي يحكي حضارة وفكرة ، وهو ما يظهر في الأداء السياسي ، فَلُغَةُ السياسةِ تجاوز حد الإفصاح في بَيَانَاتِ الرياسة ، فهي تحكي بلغة اللسان ولغة الجسد الْقِيَمَ الحاكمة ، فإذا انحطت القيمة وصارت السياسة غنيمةً يَتَقَاسَمُهَا لصوص لا حظ لهم من الفكرة والحشمة ، فصاروا تجار شنطة أو سماسرة باللغة الدارجة ، فأقصى ما يطمحون إليه بَيْعُ أي شيء نظير عمولة صغيرة تحكي صِغَرَ من يقبضها ، فهو بَيْنَ قزم جاهل أو آخر خائن أو هما معا ! ، وطبيعة هذا العقل الضعيف المهزوم أنه لا يَتَوَرَّعُ أن يُفَرِّطَ في أي شيء ، فالقيمة الأخلاقية الحاكمة هي القيمة البراجماتية ، وتحقيق الربح العاجل هو الغاية مع شح وَأَثَرَةٍ يَغْتَرُّ صاحبها بما يملك من أدوات السلطة على وجه يتحول به الكيان السياسي إلى وكيل أعمال تابع فلا يستقل بِقَرَارٍ في سياسة أو حرب أو اقتصاد ، فما يملك من قوة القانون والجبر قد صار أداة وظيفية تحقق أهدافا رخيصة ، ولو بمعيار القيمة المادية البراجماتية ، فمن يتخذ القرار لا يَعْنِيهِ إلا ما يحقق من ربح خاص ، وربح السمسار لا يحفظ فكرة ولا ثروة ، فهو كائن وظيفي لا يستند إلى مرجع أخلاقي يؤهله أن يدير شأنا عاما ، فالأثرة والشح والجهل والخيانة الحضارية ونظيرتها السياسية والاقتصادية فضلا عن الهزيمة النفسانية التي تبدل الولاءات فهي للأقوى الذي يملك الثروة ، فالجميع له خادم ، فتلك قيمة فكرية قبل أن تكون اقتصادية ، فالاقتصاد يحكي قيم الحضارة والسياسة ، فالحضارة تَنْشَأُ من الأفكار ، وهي خطوط عريضة تحصل في الذهن تَبَعًا لروافد الدين والأخلاق والتاريخ ، فهي صانعة أي حضارة في الدنيا ، صحت أو فسدت ، فمعيار يهود ، على سبيل المثال ، يحكيه التاريخ مبعثَ المسيح ، عليه السلام ، فقد اتخذوا ساحة البيت المقدس ، ملعب حمام وسوقا للصيارفة ، فصار الترف والمال ، وهو من أسباب القوة ، صارا هُمَا القيمة الفكرية العظمى لأمة يهود آنذاك ، فَتَرَاجَعَ دورهم الحضاري الذي تَرَاكَمَ من نبوات تَتْرَى تأرز جميعها إلى التوراة ، وانتقل مركز الثقل من نُبَوَّةٍ ومُلْكٍ زَمَنَ داود وسليمان ، عليهما السلام ، وهما يمثلان ريادة الوحي في السياسة والحرب ، انتقل مركز الثقل من هذه النبوة إلى ملعب الحمام وسوق الصيرفة ! ، وذلك ما يؤذن بانهيار سياسي ، كما يرى الناظر اليوم في بلاد الشرق ، فإن قيمة المال قيمة عظمى تباع لأجلها القيم والمبادئ والأخلاق فتلك بضاعة المفلس الذي لا زال يصدق حديث الخرافة الديني الذي يعده بِجَنَّةِ غيبٍ ! ، فجنة الشهادة أولى بالرعاية ، وذلك الإسراف في تعظيم المادة يفضي إلى حال من الإحباط والعزلة كما وقع بعد صيرورة الملك عضوضا زمن بني أمية ، فإن استئثارهم بالملك والثروة مع ما قَارَفُوا من عنف شديد ضد من يعارض وإن زِيدَ في ذلك من روايات حملت دعاية المذهب والطائفة على خلفية أعمق وهي خلفية حضارة مهزومة ، حضارة فارس التي وجدت في أحداث السياسة الظالمة لا سيما قتل الحسين رضي الله عنه شهيدا مظلوما فكان ذلك المشهد حدثا مركزيا في الدعاية المذهبية فَتَبَلْوَرَ من الأفكار ما جاوز حد الخلاف السياسي فلا بد له من تأصيل فكري يستند إلى قيمة حضارية تجعل له من الحجة ما يُقْبَلُ لا سيما والطرف الآخر ، بنو أمية ، قد خرجوا بالملك عن طريقة العدل المثلى ، فَفَقَدَ الملك وظيفة من أعظم وظائفه ، مع ما كان لهم من تعظيم الشرع وحركة الفتح فَزَالَ من العدل قَدْرٌ لا يجحده الناظر ، وَبَقِيَ منه قدر آخر لا يجحده ، فكان من عنف السلطة مع المخالف ما حمل كثيرا من الفضلاء أن يعتزلوا الشأن العام وهو ما أفرز بعد ذلك حركة التصوف فمن مبادئها الرئيسة ما ظَهَرَ من التَّرَفِ بعد استقرار الفتح وانفتاح الدنيا مع ضيق الفضاء السياسي فكان الملك العضوض الذي استبد بالسلطة وَاسْتَأْثَرَ بصناعة القرار وَقَلَّصَ دائرة الشورى إلا في فترات يقظة لم تطل كخلاف الراشد السادس عمر ، أشج بني أمية رحمه الله ، فاعتزل من اعتزل على طريقة التصوف التي ظهرت بواكيرها في ذلك العصر ، فإن كثيرا من الناس قد اشتغل بأسباب الترف إما طلبا للذة أو تَنْفِيسًا عن كُرْبَةٍ فقد وجدوا في النفوس على نظام حكم أقصاهم وَقَلَّصَ دورهم السياسي وذلك ، لو تدبر الناظر ، تقليص للدور الإنساني ، أن يَعْزِلَ النظام الناسَ عن دائرة صنع القرار الذي يَتَحَمَّلُونَ تَبِعَاتِهِ بعد ذلك فَيَحْتَجُ النظام أنه يوفر المأكل والمشرب في الأنظمة ذات الفائض من الثروة فماذا يريد الناس إلا الأكل والشرب إذ تحولوا في نظر النظام إلى قطيع من البهائم ! ، ويحتج في الأنظمة الفقيرة أنه حافظ للأمن يخوض معركة الوجود فلا صوت يعلو على صوتها ! ، فكان اشتغال الناس بما يصرفهم عن الأمور الجليلة فاشتغلوا باللذات لا سيما والحال قد اتسعت والغنائم قد كَثُرَتْ فكانت حركة الفتح آنذاك نشيطة وقد استثمرت في النفوس الشريفة التي رامت حمل الرسالة إلى أرجاء الأرض فكان ذلك مما حُمِدَ للنِّظَامِ مع ما اعتراه من نقص فلم يخرج بذلك عن دائرته الحضارية فلا يوجد عاقل يتهمه أنه خائن وإن استجاز أن يصفه أنه ناقص عن حكم الرسالة والخلافة الراشدة ، فحركة الفتح حركة مركبة لا يمكن اختزالها في الصورة البراجماتية الساذجة التي يُرَوِّجُهَا المستشرقون بما تَشَبَّعُوا به من لسان حضارتهم المادية التي لا تَرَى حركة السياسة والحرب إلا طلبا لمصالح اقتصادية وجيوسياسية تكرس هيمنة القوى العظمى في المركز على نظائرها الصغرى في الأطراف ، ولم تخل ، في المقابل ، مع أغراضها الرسالية ، لم تخل من مكاسب سياسية واقتصادية ، ولو كانت تَبَعًا ، فكان لها أَثَرٌ في نظرية الحكم ، وإن لم تَبْلُغْ أن تُوَظَّفَ كمحرك رئيس لصناعة السياسة والحرب فَتَتَحَوَّلَ الخلافة إلى إمبراطورية استعمارية براجماتية لا غاية لها إلا الغنيمة مع ما وقع من جور وظلم في الأطراف المفتوحة استند إلى ما تقدم من مركزية العصبية العربية ، فاشتغل الناس باللذات إما فتنة بالدنيا ، وإما إحباطا ويأسا فنفسوا غضبهم من إقصاء السلطة وتهميشها في اللذات ، وهو أمر يَعْظُمُ كُلَّمَا عَظُمَ الاستبداد فَتَجِدُ فئاما من الناس قد اشتغلوا بالترف لا رغبة فيه وإنما تسكينا لأوجاع النفس أن لم يصر لها في الحياة دور ، فأفرز هذا الإفراط في الشهوات ما تقدم من حركة التصوف كَرَدِّ فِعْلٍ مزدوج لاستبداد السلطة وترف الرعية ، فكان اعتزالهم الطائفتين وركونهم إلى العزلة وهو ما أفضى بعد ذلك إلى تطور في الظاهرة الصوفية فقد خرجت عن حد الظاهرة الاجتماعية فصارت ظاهرة فكرية لها تأصيل امتزج في أدوار التصوف المتأخرة بالفلسفة فصار مسلكا باطنيا في التأويل ، واشتغل بعض آخر بالمقاومة المسلحة رَغْبَةً أن يرجع بالأمر إلى جادة العدل ، كما كان من اجتهاد الحسين ، رضي الله عنه ، إذ خرج يعارض بَيْعَةَ يزيد ، وكما كان من خروج حفيده زيد بن علي بن الحسين ، رحمه الله ، في خلافة هشام بن عبد الملك ، وإن كان خروجه في التأصيل والتوصيف دون خروج جده الشهيد ، واشتغل منهم قسم ثالث بطلب العلم ونشره وتلك وظيفة من أعظم الوظائف ، وهو ما فسر به بعض المؤرخين ظهور طبقة العلماء من الموالي ، فإنهم في ظل هذا النظام المركزي المستبد ذي العصبة العربية لم يجدوا فرصة المشاركة في صناعة القرار السياسي بعد تقلص دائرة الشورى عنهم فاشتغلوا بطلب العلم طلبا لمركز اجتماعي شريف في إطار حضارة تعظم العلم وأهله فما كان ظهورها إلا بعلوم الرسالة فأشرف صناعاتها العلم بالوحي والذب عنه بالسيف ، فهي أمة الكتاب الهادي والحديد الناصر وهما صناعاتان اشتغل بهما الفضلاء زمنَ بني أمية بعد انغلاق الفضاء السياسي ، فكان من الخير آنذاك أن فضاء العلم والجهاد كان مفتوحا خلافا لأعصار لا فضاء فيها لا في فكر ولا في سياسة ولا في حرب بل لا يكاد الإنسان فيها يلتقط أنفاسه التي تَعُدُّهَا عليه سلطة جارة مستبدة فقدت انتماءها الحضاري فلم تحسن توظف طاقاتها بل قد صارت عبئا عليها فهي تقصي ذخيرتها البشرية بما تقارف من القمع ، وهي تبيع ذخيرتها الاقتصادية بل ورقعتها الجغرافية بثمن بخس دراهم معدودة ، فلم يكن ذلك ، بداهة ، أَمْرًا يُتَصَوَّرُ في خلافة بني أمية مع ما تقدم من نَقْصِهَا السياسي واستبدادها المركزي فكانت حركة التاريخ تَتَسَارَعُ ، فقطعت البشرية شوطا من الحضارة في عقود قليلة بما بَزَغَ في مكة من فجر النبوة وسطع بعد ذلك في سماء الشرق ، وكان فضاء الجغرافيا الإسلامية يَتَمَدَّدُ بقيم حضارته وَعُدَّةِ حَرْبِهِ ، فكان كتابه وسيفه يحوطان الرسالة فهو أبعد ما يكون عن تهمة الخيانة الحضارية التي عمت بها البلوى في هذه الأعصار لما غابت النظرية السياسية الرسالية الجامعة فانقطع السلك الناظم لحبات انفرطت فهي تفتش الآن عن ذاتها إذ قد فقدت مادة الهوية والمرجع فهي تَنْتَقِلُ من مالك إلى آخر قد حاز رقبتها فصارت إلى رق الحضارة الغالبة التي تتلاعب بها تلاعب الصبية بالكرة ، فقد انحطت من أمة ذات رسالة وريادة إلتى مجموعة وظيفية تابعة لا ولاء لها وإنما غايتها ما تَتَرَبَّحُ ولو باعت لأجله ما باعت من بضاعة الفكر والحضارة الكاسدة في سوق السياسة الدولية المعاصرة ! ، فلم يكن لأمة الشرق في الأعصار الماضية ، ولو أعصار الملك العضوض أو نظيره الجبري أو هما معا ! ، لم يكن لها من وصف المجموع الوظيفي ما صار الآن لقبا احتكرته بامتياز ، فلئن تقلص دور الرعية في صناعة القرار ، كما تقدم زمن بني أميةَ ، فدورهم الحضاري لا زال فاعلا ، فكان من نقص السياسة زمنَ الأمويين ، أن تقلصت دائرتها فخرج منها الموالي العجم ، بل وخرج منها أكثر الرعية العربية ، بل قد تقلصت بعد ذلك فصارت عصبة ربيعة في ظل معادلة سياسة أطرافها يَتَنَازَعُونَ مراكز التحكم والسيطرة ، وإن لم يخرج الأمر عن العرب ، ربيعة وقيس ، فكان الخلفاء الأوائل يحسنون توزيع القوى على أطراف المعادلة ليحصل من حال الاتزان ما يقر به الملك ويرسخ قبل أن يخل المتأخرون بها فكان ذلك من أسباب سقوط الدولة ، فإن تقلص دائرة السياسة ابتداء بخروج الموالي ثم بخروج فئام من العرب ، هذا التقلص قد سارع في نشوء مراكز المعارضة بما تراكم في النفوس من الغضب من جراء الإقصاء والتهميش بل والقتل والتنكيل في أحوال ، وهو ما أحسن بنو العباس استثماره فقد استثمروا في غضب خصوم الأمويين الذين تكاثروا بما فشا في متأخريهم من سوء السيرة في الحكم ، فجمع بنو العباس أطياف المعارضة خلف رمز مبهم أطلقوا وصفه فهو "الرضى من آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم" وذلك محل اشتراك بين آل البيت ، رضي الله عنهم ، فجمعوا بهذه الدعاية الماكرة أبناء علي وفاطمة ، رضي الله عنهما ، وهم صفوة الآل وكثير منهم قد بذل من دمه في سبيل الرجوع بالحكم إلى طريقة مثلى ما جعل لهم من الرمزية الأدبية ما يصلح عنوانا لأي تغيير ، فاستثمر بنو العباس في هذه البضاعة السياسة أيما استثمار ! ، وكان من أخطاء الأمويين لا سيما المتأخرين ما أهدوا إلى العباسيين ، فحمق الخصم وغباؤه يكون في أحيان من أبرز أسباب الانتصار عليه ، وكان ما كان من انتقال الملك إلى العباسيين الذين لم يخرجوا في الجملة عن طريقة بني أمية في الاستبداد بالسلطة ، وإن كانت هذ المرة ذات عصبية فارسية ، فانتقل الحكم من ناقص إلى أنقص ! ، ومع ذلك بَقِيَ عنوان الوحي بارزا بل وفاعلا ولكنه لم يكن ، بداهة ، كاملا ، لا سيما في الشأن السياسي ، فقد انْتُزِعَ من الناس حق أصيل وهو حق اختيار الحاكم ، فلم يكن الأمر ، كما يقول بعض المحققين ، أَمْرَ خلافٍ على نظام الحكم ، وإنما كان الخلاف من يحكم ، فنظام الحكم قد استقر بعد اكتمال الرسالة ، فكان إكمال الدين ، وهو ، كما تقدم مرارا ، أمر يجاوز العقد والنسك ، فهو نظام الحياة ومعيار القيم والأخلاق الذي يحكيه لسان المنطق الظاهر ، فيحكي ما يمازج الجبلة النفسانية مُمَازَجَةَ الدم واللحم والعظم والعصب ، فهو نواة الإنسان الصلبة التي تجاوز صورة الحس ، فالجنان الناطق بما يحمل من قيم ومبادئ تجاوز القوة واللذة وهما معيار الحق في شريعة الغاب ! ، الجنان الناطق الذي يجاوزهما هو الحد الفارق بين الإنسان وسائر أنواع الحيوان ، فالإنسان كائن ذو دين وأخلاق وتاريخ ، وتاريخه يجاوز حد التأريخ لِلصِّرَاعِ على الغذاء ، كما يقول نظار الشيوعية الذين رَدُّوا التدافع الفكري والحضاري إلى العامل المادي ، فكان تفسير التاريخ انطلاقا من هذه الزاوية الضيقة التي اختزلت الإنسان في احتياجاته البيولوجية ، وكان الانتقاء من تاريخ الحروب ما أَيَّدَ هذه النظرية دون أن يعرج الناظر على تاريخ الرسالات ، فهي الأصل المحكم الذي تَنْشَأُ منه الحضارات ، وإن خالف الناس عنها بل وكان أكثرهم على جادة تخالف جادتها فطال زمان الانحراف فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة الوحي فهو يُبِينُ عن منهاج الرشد والعدل ، فكانت النبوة ، عند التدبر والنظر ، عامل التقويم الذي يعالج انحراف الحضارات الإنسانية إذا خرجت عن الجادة الرسالية ، فهي سبب رئيس في استقلالها بوصف العقل ، مناط التكليف بحمل الأمانة ، أمانة الفكر والسياسة والحرب ، فهي تأويل محكم لما قد نَزَلَتْ بِهِ الرسالات من الوحي المنزل ، فذلك دين الإنسان الذي يميزه عن بقية الأنواع ، فاختراع دين آخر يجعل القيمة المادية هي مناط الفعل والتأثير ومرجع السياسة والحرب ، فيتحول صانع القرار السياسي إلى حيوان مادي لا يفتش إلا عن الربح العاجل ومآله الانتفاع به في نشاط بيولوجي لا يحصل به التمايز بين العاقل وغيره ! ، كل أولئك مما يُظْهِرُ شؤم العدول عن الوحي وصيروة الدين منهاجا يحدث في الأرض بما يكون من صراع الطبقات على موارد الغذاء وأسباب اللذة على وجه تصير به القيمة العظمى هي القوة ، فهي السبب الذي يحسم أي نِزَاعٍ ، وهي صك المشروعية الذي يُتِيحُ لحامله أن يحكم بما يهوى فهو يضع من الدين ما يُرَسِّخُ رياسته ويحفظ مكاسبه ، على ما تقدم مرارا من دلالة الدين التي تستغرق كل حركة اختيارية فلا بد لها من قيمة أخلاقية تأرز إليها ، ولو قيمة صغرى فاسدة ، فإن السياسة البراجماتية دين يهواه صاحبه وينتحله فمرجعه الأخلاقي هو الربح المادي وما وراءه فهو حديث الخرافة آنف الذكر فليس إلا حديث المثل العليا التي سطرت في كتب الوحي الصفراء ! ، فهي صفراء عتيقة فد انقضى زمانها إذ انتقل الإنسان من طور الدين إلى طور العقل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، إيذان بانتقال مركز صنع الحضارة من السماء إلى الأرض ، فيصير الدين أرضيا يحقق مآرب السياسة والحرب ، فمعيار الحسن والقبح هو ما يحقق اللذة والثروة ، وكل أولئك مِمَّا يُظْهِرُ افتقار الأرض إلى وحي السماء الذي تجرد من عوارضها فهو يقوم ما اعوج من معيار التصور والحكم ، فاكتمال الدين قد حسم المرجعية الفكرية والسياسية للشرق ، وذلك محل اتفاق في كلام المتقدمين مهما عظم الخلاف والجدال بل وصار القتل والاغتيال هو صك المشروعية الذي يحتل به القوي منصب الرياسة غصبا ، فزاد الشر أن صار الملك جبرا ، فضلا عما تقدم من سنة الملك العضوض ، فكان من نَقْصِهِ الأول أن صار عضوضا لا شورى فيه إلا اسما بلا مسمى وصورة بلا حقيقة فلا تجاوز حد الإجراء الْبُرُوتُوكُولِيِّ ، وإن كان وجوده ، كما يقول بعض الفضلاء ، ولو رمزا ، خيرا من عدمه ، فيكون الأمر شحا وأثرة صريحة لا تقيم وزنا لوحي أو شريعة ، فكان من هذا النقص ما انضاف إليه الغصب الذي يكون بالحرب تارة ، والاغتيال السياسي أخرى ، فَزَادَ النقص أن صار صك المشروعية في تولي الحكم هو القوة الغاشمة التي لا تعرف رَحِمَا فهي عقيم ، كما أُثِرَ عن عبد الملك بن مروان ، وذلك ما أدى إلى إقصاء أهل الحل والعقد ومن ورائهم الرعية ، فهم الهيئة الانتخابية التي تُسْتَدْعَى في الملك الراشد لتختار لا لتبايع كرها وإن في صورة اختيار ، بل قد زاد الأمر زمن بني العباس فكانت البيعة كرها بيمين الطلاق وهو ما جعل الإمام مالك ، رحمه الله ، يفتي أن لا طلاق لمكره ، وهي مسألة في الفقه ظهرت آثارها في السياسة فهي تُحِلُّ من بايع مكرها من يمينه الذي بايع به فهو يمين استكره عليه فلم يكن ثم معيار شورى صحيح يعطي حق الاختيار الحر ، فهيئة الانتخاب بعد مقتل عمر ، رضي الله عنه ، اتسعت فدخل فيها الجواري في الخدور كما أثر عن عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، الذي لم يترك بيتا في المدينة إلا استشاره في أمر جليل كأمر من يَلِي الخلافة في منعطف خطر قد اغتيل فيه رأس الدولة فلم يكن ذلك مبررا لأي إجراء استثنائي تعلن فيه حال الطوارئ سنوات إذ البلاد يَتَهَدَّدُهَا العدو ولا صوت كالعادة يعلو فوق صوت المعركة ! ، فَلَمْ يَرَ الناظر في اختيار عثمان ، رضي الله عنه ، من ذلك شيئا ، وإنما كانت شورى نَوَّهَ بها أهل العلم والدراية فَلَمْ يُجْمِعُوا على أحد ما أجمعوا على عثمان ، كما قد أثر عن أحمد ، رحمه الله ، فكانت بَيْعَتُهُ من أكمل البيعات ، حقيقة لا دعوى ، وتلك حال فكرية وسياسية متقدمة تجعل هذه الأمة ، على حداثة عهدها بالحضارة فلا زالت فيها آثار بداوة في العيش ، ولكن الفكر قد نما وازدهر فلم يكن ثم من الجفاوة والغلظة ما يقسم المجتمع إلى طبقات يحصل بَيْنَهَا من الصراع ما يورث الأحقاد التي تَتَرَاكَمُ فهي مادة ظلم تزيد في الاحتقان فيكون الانفجار السياسي وما يواكبه في العادة من فوضى واضطراب في الأفكار ، فكلما زاد القمع والاستبداد كان الانفجار أعظم ، واعتبر بما يُرَى الآن من فوضى عمت أرجاء الشرق ، فإن الداء قد رُكِّبَ من تعطيل الوحي وتلك أعظم مصيبة ، وتعطيل الشورى ، وهو لازم الأول فإن الوحي لا يكون حاكما الحكومة المثلى إلا أن تكون الشورى هي معيار الاختيار ، فَيُعْطَى الإنسان حقه السياسي أن يختار من يَنُوبُ عنه في منصب الرياسة فهو الأجير الذي تستعمله الرعية ليحكم فيها بالرسالة السماوية ، فلم يكن لها في المقابل فسحة أو خيرة في مرجع الحكم ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، فكان اختلاف الناس ونزاعهم في طريقة الاختيار ، فكانت شورى الخلافة الراشدة ، ثم صارت إجماعا لجأت إليه الجماعة السياسية حقنا للدماء وهو اختيار الحسن ، رضي الله عنه ، فكان من الاجتماع على تولية معاوية ، رضي الله عنه ، ما حصلت به صورة ملك يغاير الخلافة الراشدة ، وفيها من الرحمة والعدل ما لا يجحد الناظر ، ولكنه لم يرجع بالأمر إلى الصورة المثلى التي جعلت الجارية في خدرها تدلي برأيها في اختيار الحاكم ، فكانت المدينة آنذاك ، مركز إشعاع حضاري وسياسي ، وإن كانت حديثة عهد بالملك ، فقد أنجزت في طريق الإصلاح السياسي ما جعلها في معيار الحضارة تسبق الإمبراطوريات العظمى ذات النظم السياسية والعسكرية العتيدة وذات الفلسفات القديمة ، فإنها ، مع ذلك ، لم تنجح في صناعة حضارة تستوفي الغايات الرسالية فلا تقتصر على اتساع الرقعة وزيادة الثروة وما يصاحبها من الترف ، مع حراسة الآلة العسكرية فهي آلة الحرب التي لا غاية لها إلا التوسع رغبة في قهر الشعوب الضعيفة وانتهاب ثَرَوَاتِهَا ، وهي ، من وجه آخر ، آلة الكسب إذا تحولت إلى أداة وظيفية لا دين لها إلا الربح ، وهي ، من وجه ثالث ، أداة قهر للشعب ، فالسلطة تقيم من الحواجز النفسانية بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرعية ما يظهر في خطاب الاستعلاء الذي قد يَبْلُغُ في أحيان حد التأله ، فصاحبه يَسْتَنِدُ إلى مشروعية مركبة من نخبة تمسك بمفاصل السياسة بما لها من الجاه والرياسة ، ورأس المال الذي صار شريك السلطة في قمع العامة ، فخرج عن وظيفته أن يعم به النفع ، فصار حكرا بيد فئة احتكرت فضاء التجارة ، كما قد احتكرت نخب الحكم فضاء السياسة ، وَثَالِثَتُهُمَا نخبة الحرب التي احتكرت أدوات القوة الصلبة ، وحصل لها من تخمة السلطان ما جعلها تفتش عن مكاسبها ، فلم يعد لها من البأس ما ترد به الخصم ، بل هي أقرب إلى الفرار حال النزال ، واعتبر بما يضربه بعض الفضلاء من ذاكرة تاريخ دام ، وهو تاريخ الغزو التتري للشرق الإسلامي ، وهو تاريخ يعجب الناظر فيه ، إذ لم تكن القوة الرئيسة التي طاردت جلال الدين ، آخر ملوك الخوارزميين ، لم تكن إلا عشرين ألفا غزوا بلادا امتدت من الصين إلى فارس ، فَفِيهَا من الشعوب ما يفوق عدده عدد النخبة التترية بأضعاف كثيرة ، وكأن الجند التَّتَرَ كانوا يغزون بلادا بلا حاميات عسكرية وبلا قوة بشرية تمثل الحواضن الشعبية التي تُكْسِبُ رجال السياسة والحرب قوة في اتخاذ القرار فلا تَرْتَعِشُ اليد إذ تَرَى من صلابة الجبهة الداخلية ما به تطمئن ، ولا يسري الخوف في الناس وإن أحاط بهم العدو فَثَمَّ قيادة لها من شجاعة السياسة والحرب ما يجبر الكسر ، واضرب له مثلا آخر ، بالصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، فإنه قد اتسم بشجاعة سياسة وحرب بها استبان القدر الفارق بينه وَبَيْنَ غيره من قادة الفتح ، مع عظم شأنهم وتقدم رتبهم ، فإنه بَثَّ في القلوب الشجاعة بما أبدى من صلابة ، مع تجرده في الحرب واستناده إلى مرجع الوحي ، فاكتسبت الحرب شرعية صحيحة وهيأ لها القدر قيادة رشيدة ، وذلك ما به يظهر نقص المثال العسكري آنف الذكر ، مثال الجند الخوارزمي ، فكانوا أداة قمع سياسي وإن كانوا في الظاهر حماة الأرض والحدود ، فَافْتُضِحُوا بخيانتهم لأهل سمرقند إذ اختاروا الانحياز وإن شئت الدقة فَقُلِ الفرارَ وَتَرَكُوا أهل البلاد يواجهون القوة التترية المحترفة المحترقة شَوْقًا أن تستأصل الحضارة والنوع الإنساني كله ! ، فلم يكن الجند الخوارزميون على مثال صحيح في الفكر والحرب بل قد صاروا بعد ذلك مجموعا وظيفيا يفسد في الأرض ويمارس أعمال السلب والنهب ، فتحولوا إلى قوة قتال تستأجر كأي قوة مرتزقة معيار ولائها الأوحد ما يحصل لها من الأرباح نظير ما تُنَفِّذُ من مهام ، صحيحة أو فاسدة ، وإن كانوا بالأمس جندا نظاميا فإن ضعف الولاء والنسبة قد حولهم فورا ! من جند نظامي إلى آخر مرتزق لا غاية له إلا الكسب ، وذلك يدل ، بداهة ، على ضعف العقيدة السياسية ، ولو أرضية ، كما يرى الناظر ، على سبيل المثال ، في المجموع الروسي المرتزق في بلاد الشام وقد قُتِلَ منه بالأمس القريب مئات في قصف جوي من قوات التحالف الدولي إذ جاوز الخط الأحمر فرام الاستيلاء على حقل من حقول الثروة فكانت الضربة وظهر أن مئات من المرتزقة قد قَضَوا وكثير منهم كان بالأمس جندا نطاميا في الجيش الروسي فلما خرج من الخدمة تحول إلى مرتزق تجنده شركة أمن خاص في روسيا وهي شركة "فاجنر" ، وهي الآن الأشهر مع غموض وخفاء في توصيفها القانوني ، فما أسهل أن يتحول الجند النظامي إلى جند وظيفي مرتزق بل قد يحصل ذلك وهو لا زال على قيد الخدمة النظامية فقد تحولت جيوش بأكملها إلى مجموعات وظيفية تُنَفِّذُ المهام التي أُوكِلَتْ إليها فالسلطة السياسية التي تصدر عنها قد صارت هي الأخرى ! للإيجار فهي تصدر عن مراكز أعلى تأمرها فلا تملك إلا التنفيذ في إطار نظام سياسي هرمي من المركز إلى الأطراف التي تشكل القاعدة التي لا دور لها ، بداهة ، في صناعة القرار السياسي فهي آلة التنفيذ ، فلا يوجد مرتزق يملك رؤية سياسية ! .
    فاستعمل الصالح نجم الدين أيوب بقايا الجند الخوارزميين في وظيفة شريفة وهي استرجاع بيت المقدس الذي لم يسلم أهله ، مع ذلك ، من بطشهم وإفسادهم في الأرض ! ، وهم ، في الأصل ، عناصر صنعتهم القيادة الخوارزمية على عينها ففسادهم واجتراؤهم على الحرمات يحكي فساد قيادتهم ، فما تخلقوا بهذه الأخلاق إلا اسْتِنَانًا بها فهي من أعطاهم الضوء الأخضر إذا رَبَّتْهُمْ على السفك والسلب والنهب وانتهاك الحرمات ، كما أن جند الصديق ، رضي الله عنه ، في حروب الردة قد تَشَرَّبُوا أخلاقه ، وهي أخلاق النبوة التي حملها عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أخلاق : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، أخلاق : "انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ ، وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، لا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا ، وَلا طِفْلا ، وَلا صَغِيرًا ، وَلا امْرَأَةً ، وَلا تَغُلُّوا ، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" ، أخلاق : "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لا تَعْصُوا وَلا تَغُلُّوا ، وَلا تَجْبُنُوا ، وَلا تَهْدِمُوا بَيْعَةً ، وَلا تُغْرِقُوا نَخْلًا ، وَلا تُحْرِقُوا زَرْعًا ، وَلا تُحْسِرُوا بَهِيمَةً ، وَلا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً ، وَلا تَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا وَلا صَبِيًّا صَغِيرًا ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّذِي حَبَسُوهَا ، فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدِ اتَّخَذَتِ الشَّيَاطِينُ أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ أَفْحَاصًا فَاضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَسَتَرَوْنَ بَلَدًا تَغْدُو وَتَرُوحُ عَلَيْكُمْ فِيهِ أَلْوَانُ الطَّعَامِ ، فَلا يَأْتِيكُمْ لَوْنٌ إِلا ذَكَرْتُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَلا تَرْفَعُوا لِوَاءً إِلَّا حَمِدْتُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ" ، فالعدل مع الخصم حتم لازم ، ولو في أعظم مواضع الخطر شدة ، فلا يكون ذلك ذريعة إلى انتهاك الحرمات ، ولو كان أصحابها أعداء ألداء خصومتهم قد بلغت حد الردة ، كما في حروب الردة زَمَنَ الصديق الأعظم رضي الله عنه ، وهي من أعظم صور المفاصلة الأيديولوجية وما يَتَفَرَّعُ عنها من المفاصلة في السياسة والحرب ، فكانت وصية النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخليفته الصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، وكان امتثال القادة إبان الحرب لها ، كان ذلك ، عند التدبر والنظر ، سبب إحراج لكل من يَتَشَدَّقُ بهذه المعاني الجليلة وهو يقارف أبشع جريمة في السياسة والحرب فلا تجده إلا أحرص الناس على ادعاء العدل والحرية .... إلخ ، فلا يطيق امتثال هذه الوصايا إلا رجال تشكلت عقولهم في حواضن الوحي فوحده ما يسمو بالإنسان وَيُبْرِزُ خاصته الشريفة ، خاصة العبودية الاختيارية لرب البرية ، جل وعلا ، بامتثال منهاج كامل لا غاية له ولا حظ فهو كلام الغني الحميد ، تبارك وتعالى ، فلا يطيقه إلا رجال تحملوا أعظم أمانة فَأَدَّوْهَا كما تحملوها وتأولوا أحكامها فامتثلوها ، فكانوا ، عند التدبر والنظر ، معيار حضارة كاملة هي الحجة على من يدعي الانتساب إليها فلا بد من معيار تقاس به دعواه فكانت تلك الحقبة الزاهرة التي خرج فيها رجالات الوحي يبلغون كلمات الرب ، جل وعلا ، كانت شاهد عدل على صدق الرسالة ، وكانت مثال حضارة تفردت به الرسالة ، لا جرم كانت عناية خصومها ، في الداخل وفي الخارج ، أن يطعنوا في هذا المثال الحضاري ، فإنهم إن طعنوا فيه فقد أسقطوا المعيار فوضعوا محله ما يلائم الأهواء والأذواق ، فهو ، كما تقدم ، يفضح زيف دعواهم الأخلاقية التي يتوسلون بها إلى غايات براجماتية محضة ، فما أعظم الشؤم الذي يحصل إن راجت شبهاتهم التي بها يقدحون في عدالة الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، سواء أتحملوها من حضارات غابرة اتخذت الدعاية المذهبية ستارا تطعن من ورائه في دين الرسالة الذي استأصل ملكها أم تحملوها من نظار المركز في الأعصار المتأخرة إذ لبسوا مسوح العلم والبحث والتحقيق ولم يكن لهم نصيب من العدل والإنصاف إذ تشبعوا بقيم التعصب والكراهية التي تطمس البصائر فلا ترى الحق وإن رأته فلا يزيدها ذلك إلا حرصا على كتمانه وتشويهه فهو ، كما تقدم ، يفضح زيف دعواها إذ يهزم قيم حضارتها من أول جولة ، فإذا سقط الرمز ، رمز النبوة والخلافة الراشدة وهما صورة التأويل الصحيح لقيم الرسالة ، فما بعده أيسر ، فكان من تحري العدل في السياسة والحرب ما به تقام الحجة على كل حضارة تَزْعُمُ ذلك ، فهو معيار تقاس به التجارب فَيَسْتَبِينُ الصادق من الكاذب ، فالعدل مع الأعداء حتم لازم فكيف بالعدل مع الرعية وهم الأصل ، فنظام الحكم الظالم يعكس الآية ، على طريقة : أَسَدٌ عَلَيَّ وفي الحروب نعامة ، وتلك حال الدولة الخوارزمية لا سيما والقيادة السياسية ، قيادة جلال الدين ، قد آل بها الأمر إلى مناكفة الجيران فساءت علائقها بالدول المحيطة ، وهي تمثل العمق الاستراتيجي ، ولو بالنظر البراجماتي المحض فضلا أن أكثرها يدخل في الدائرة الحضارية التي يَنْتَمِي إليها الخوارزميون ، وإن عظم الخلاف السياسي ، حتى استجاز الخليفة العباسي الناصر لدين الله أن يُرَاسِلَ التتار ويحرضهم على قتال خوارزم شاه ليشغله بهم وما درى أن الدور على ملكه آت ولو بعد حين ، فكلا الطرفين قد جَفَا فلم يصب الحق الرسالي بل ولم يحسن يستعمل العقل السياسي البراجماتي ، فكان عداء جلال الدين لجيرانه لا سيما العباسيين في العراق ، وقد كانوا في طورهم الأخير فكان لهم نوع استقلال سياسي في بغداد وأجوارها لم يكن ، لو تدبر الناظر ، حكاية لثقل استراتيجي يمتلك أدوات قوة ذاتية ، سياسة أو عسكرية ، وإنما كان إشعارا بضعف عام اعترى الدول المجاورة ، فلم تفرض هيمنتها على بغداد مع احتفاظها بالخلافة رمزا دينيا ، كما كانت الحال في السلطنة البويهية الشيعية أو السلطنة السلجوقية السنية ، وإن شهد الأمر بعد ذلك ازدهار السلطنة الأيوبية ومقدَّمُهَا الملك الناصر صلاح الدين ، رحمه الله ، قد عاصر الخليفة العباسي الناصر لدين الله الذي طالت خلافته ستة وأربعين عاما أو يزيد ، مع خمول ذكر وفساد مذهب ، فكان ازدهار السلطنة الأيوبية التي اتسع نفوذها فدخل في سُلْطَانِهَا الموصل وأجواره ، فكانت الجزيرة ركنا ثالثا من أركان الدولة الصلاحية ، مع دمشق والقاهرة ، ومع ذلك حرص صلاح الدين ألا يستفز الخلافة في بغداد ، فذلك ما يقدح في شرعية دولته التي قامت على معان رسالية أَبْرَزُهَا مشروع التحرير ، وإن لم تخل من معان سياسية كان من محدداتها الرئيسة عدم الاصطدام المباشر مع الخلافة العباسية بل والحرص على إقامة علائق طيبة معها فهي مصدر شرعية روحية يحتاجها صلاح الدين وهو يخوض حرب التحرير ضد حملات الصليب ، فلم يغامر أن يفرض عليها ما يشبه في الأعصار المتأخرة ، الحماية السياسية والعسكرية المباشرة كالتي فرضتها بريطانيا العظمى على مصر عشية انطلاق الحرب العالمية الأولى لما اختار عباس حلمي الثاني الانحياز إلى الباب العالي في إسطنبول وهو آنذاك جزء من المحور الذي ناجز الحلفاء بقيادة بريطانيا فَخُلِعَ عباس وأعلنت الحماية مع الاحتفاظ بسلطان يمثل الشرعية السياسية المتراكمة لأسرة محمد علي ولو اسما بلا مسمى ولا صلاحيات بل قد تم توظيفه سياسيا في الطعن في الشرعية العثمانية إذ أطلق على حسين كامل لقب السلطان في مقابل السلطان العثماني مع استنساخ خلافة في مصر تضعف من سلطان الخلافة الروحي في إسطنبول وقد كانت آنذاك في قبضة رجالات الاتحاد والترقي الذين أبقوا عليها اسما بلا مسمى فَانْتَزَعُوا صلاحياتها الزمانية استنادا إلى مرجعية علمانية تُفَرِّقُ بَيْنَ السلطتين : الروحية والزمانية وذلك تأويل لقيم الثورة العلمانية في أوروبا والتي نجحت أن تفصل بين الدين والحكم ثم الدين والحياة لاحقا فأبقى رجالات الاتحاد والترقي على هذه المرجعية الروحية ستارا يحكمون من خلفه حتى تأتي الفرصة المناسبة للانقلاب الحضاري التام ، فَخَلْعُ السلطان عبد الحميد ، رحمه الله ، كان ، عند التدبر والنظر ، انقلابا سياسيا نجح إلى حد بعيد في تطويق المرجعية الرسالية أو ما تَبَقَّى منها إن شئت الدقة فكان النجاح السياسي الإجرائي وهو نجاح لا يكتمل إلا بانقلاب آخر على المرجعية الروحية كما قد نصت عليه اتفاقية لوزان 1923 فهي موجة انقلاب أخرى أكملت الموجة الأولى فنسخت ما تبقى من آثار المرجعية الرسالية ولو رمزا روحيا مجردا من الصلاحيات السلطانية الحاكمة فلم يبادر رجال الاتحاد والترقي بانقلاب كامل لئلا يستفزوا في النفوس حمية الدين التي تَرَى في الخليفة رمز وحدة تجاوز الوحدة السياسية على الأرض فهو رمز المرجعية الواحدة وإنما اقتضت الحكمة أن يكون التدرج في الانقلاب فلم يكن للموجة الأولى شرعية حكم ولو مصطنعة فلا يخلو أن يكون عدوانا على رمز الخلافة استنادا إلى دعاية عمادها الشائعات الكاذبة فليس لهم على الأرض إنجاز سياسي أو عسكري فكانت الحرب العالمية الأولى خطوة على هذا الطريق فهزيمة الدولة تطعن في شرعيتها لا سيما وقد رضخت لاتفاقية سيفر 1920 التي تَقَصَّدَتْ إهانة الدولة وهي إهانة لشرعيتها الفكرية قبل شرعيتها السياسية ثم كانت صناعة الرمز السياسي الذي يلعب كالعادة ! رمز المخلص ، فكانت حكومة أنقرة المقاومة في مقابل حكومة الباب العالي في إسطنبول وهي الحكومة المنهزمة المستسلمة ، وأفسح الطريق لحكومة أنقرة أن تحرز انتصارات ميدانية فنجحت في تحرير أجزاء من الهضبة الأناضولية وذلك صك الشرعية الجديدة لا سيما والأتراك شعب مقاتل يعظم الزعيم القوي الذي لا يستسلم فَصُنِعَ أتاتورك بطل حرب يستثمر هذه البطولة في إجراء سياسي أبطل المرجعية الرسالية فأحدث انقلابا هائلا في هوية البلاد التي صارت علمانية صلبة فلا يقوم بهذا الانقلاب إلا قائد مخلص قد فَوَّضَهُ الشعب فهو المنقذ وهو ، لو تدبر الناظر ، المطبِّعُ مع قيم الحضارة في المركز وذلك يشبه ، من وجه ، تطبيعا آخر في السياسة انتهى باتفاقية السلام في مارس 79 فافتقر إلى شرعية سياسية يجترئ صاحبها على هذا الانقلاب الهائل الذي أعاد النظر في الاستراتيجية السياسية والعسكرية الكلاسيكية التي تَرَى كيان يهود العدو الاستراتيجي الأول ، ولو انطلاقا من المرجعية القومية ، وهو ما يجعل التخطيط والتسليح والتدريب يتواءم مع هذه الاستراتيجية فكان هذا الانقلاب الذي لا يقوده بداهة إلا بطل منقذ فهو مخلص آخر ظهر في الشرق بعد المخلص الأول أتاتورك ! الذي استنسخ منه ما استنسخ من المخلِّصين والمجدِّدين فلا دور لهم إلا إحداث النقلات النوعية الفكرية والسياسية التي تختزل المسافات وَتُزِيلُ الحواجز بين الأطراف والمركز فَبِهِمْ يَتَوَغَّلُ المركز في الأطراف فهم الرسول الذي يُبَشِّرُ بقيمه ، طوعا أو كرها ، وهي قيم تصنع دينا جديدا للشرق إذ تصنع له حضارة جديدة معيارها الأخلاقي معيار مادي أركانه ما تقدم مرارا من قيم الدولة الليبرالية : القوة وسيلة واللذة غاية ، وكلاهما مجموع مركب فالقوة جنس تحته آحاد فثم قوة السياسة بما تملك السلطة التنفيذية من قوة إصدار المراسيم التي تكتسب المشروعية بصدورها من سلطة تحظى بالمشروعية وإن لم تحظ بالشرعية ! ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء في مأخذ لطيف فإن المشروعية إجراء سياسي بحت قد يفتقر إلى المرجع الأخلاقي الذي به تُكْتَسَبُ الشرعية ، فيكون الْحُكْمُ غصبا وتكون الشورى صورة ويكون الانتخاب زورا ومع ذلك يمتلك صاحب هذه المشروعية من سلطة إصدار المراسيم ما يجري مجرى الأمر الواقع فعنده من أدوات القوة الأخرى ! لا سيما القوة الصلبة ما يجبر به الرعية أن يدخلوا في حكمه ولو افتقر إلى أدنى مَعَايِيرِ الشرعية الرسالية والسياسية ، وهي القوة التي تمنحها السلطة لأفراد السلطة التنفيذية ، أحسنوا استعمالها أو أساءوا ، والإساءة ، بداهة ، هي الأقرب في حال الظلم والاستبداد لا سيما والسلطة تختار أفسد العناصر فهم الأطوع إذ ليس ثم من المرجع الرسالي أو الأخلاقي ما يَزَعُ فضلا أن السلطان هو الآخر لا يَزَعُ بل إنه يحرض ويفوض فيعطي رجال السلطة التنفيذية الضوء الأخضر فلن يكبل أيديهم ! مع نقص عظيم في التكوين النفساني فصاحبه يستمتع بهذه القوة المفرطة والصلاحيات المطلقة ، ولو ضد مجتمع أعزل ، فلا سلطة تحوطه ولا قانون يحميه بل قد تواطأت هيئات الحكم جميعا ، التنفيذي والتشريعي والقضائي ، أن تقهره فيكون من قوة السلطة ما يعطي الرخصة ولو في القتل والانتهاب وانتهاك الحقوق والحرمات وهو أمر يستحق التدبر ، فزي السلطة في نفسه يكسب صاحبه من الحصانة ما يثير التندر ، كما يحكي بعض الفضلاء ، فمن يرتدي زي السلطة ، ولو مؤقتا ، كأن يكون على قوة تجنيد إجباري أو استدعاء ..... إلخ ، من يرتدي زيها فهو يحظى بالاحترام والتقدير فهو ابن السلطة ، ولو مؤقتا ، فتعطيه من صلاحياتها ما يفضح تكوينه النفساني فثم من استبطن مادة خبث تستمتع بالسلطة استمتاع أبنائها الشرعيين بل وربما زادت فمارست من شهوة الاستبداد والرياسة ما يدل على دناءة الأصل ، فإن من علامتها الضعة والصغار حال العجز فإذا حصلت قدرة كان الظلم والتَّعَدِّي باستعراض القوة ، مع خضوع تام لأي قوة أكبر ، وذلك أمر يستغرق السلطة الجائرة من رأسها الحاكم إلى أصغر عناصرها ، فكلما ظلم واستبد في الداخل افْتُضِحَ بما يكون من الذل والخنوع أمام رءوس المركز بل ورسله وَمَبْعُوثِيهِ ، فهم أقوى منه ، وهم ، من وجه آخر ، مصدر رئيس من مصادر مشروعيته فلم يكن لحكمه أن تَقَرَّ أركانه إلا بدعم وتأييد من المركز استنادا إلى معادلة سياسة براجماتية لا تستند إلى أي معايير أخلاقية ، فالدعم والتأييد في مقابل التطبيع مع المركز تطبيعا يجاوز التطبيع الذي يتبادر إلى الذهن في هذه الآونة بما اخْتَزَنَتْهُ الذاكرة الشرقية من العداء الأصيل مع كيان يهود الدخيل ، وكذلك الشأن في أجزاء السلطة الهرمية التي تكتسب المشروعية من القوة الصلبة ، فالقيادة الأعلى تستعرض قوتها ضد المجتمع الأعزل بل وضد أجزاء أخرى من السلطة دونها فهي تحتها في الرتبة والنفوذ والصلاحيات ، فإذا زالت هذه القوة رجع صاحبها وضيعا كما كان ، فإذا انتهى تجنيد الشاب فَزَالَ عنه اسم السلطة وخلع زيها الرسمي ، انقلب عدوا لها من جديد ! ، فهو تافه حقير بعد أن كان البطل العظيم ، فمعيار الحسن والقبح هو مدى القرب من السلطة والدخول في أجهزتها التنفيذية ، ولا توجد نَفْسٌ إلا ولها نُزُوعٌ إلى القوة فهي تجتهد في تحصيل أسبابها المادية والمعنوية ليحصل لها من الحشمة والتوقير ما يدفع عنها العدوان والبغي ، فذلك قدر مشترك ، وإنما يظهر القدر الفارق في الغاية التي لأجلها تستعمل هذه القوة ، وفي أسلوب استخدامها ، فالحرب ، على سبيل المثال ، قَدَرٌ عام فهو تأويل ما أجرى الرب ، جل وعلا ، من سنة التدافع بين الناس ، ورغبة كل أمة أن تُبَشِّرَ بقيمها فتجاوز بها حدها السياسي الضيق فهي تَرَى فيها من الخير ما يجب نشره وتعميمه فيكون لها من السلطان والحكم صدارة بها تمتاز عن غيرها ، فهي المرجع الأعلى ، فذلك ما يفضي إلى التدافع قدرا نافذا ، كما يرى الناظر اليوم من رغبة المركز أن يحكم العالم بقيم حضارته ولو أفضى ذلك أن يُحَرِّكَ جيوشه ويستعمل أدواته الفاعلة في الضغط السياسي والحصار الاقتصادي ..... إلخ ، فذلك قانون يعم وغض الطرف عنه في أي توصيف لحقيقة الصراع هو أمارة عظمى من أمارات الهزيمة النفسانية ، فلا بد من توصيف صحيح لحقيقة الصراع ، فَكُلٌّ صَاحِبُ دعوى تبشير بالحق وتحرير من الظلم والاستبداد والرجعية والتخلف .... إلخ ، فإذ استوت الدعاوى فلا بد لكلٍّ منها شاهد هو ما يراه الناظر في غايات هذه الحرب فهي مما يفضحه سلوك الغالب إذا تمكن ، فيظهر من القدر الفارق ما صح أن تُحَدَّ به الحضارة ، فهي ، من وجه ، سلوك الغالب المنتصر ، فقيم حضارته تظهر في تعاطيه مع الطرف المغلوب المنهزِم ، وهو مما يصح أصلا عاما ، فإن حضارة السلطة تظهر في تعاطيها مع المجتمع وهو الآن الطرف الأضعف في معادلة السياسة والحكم ، فإن كانت سلطة جور واستبداد فهي تفرط في العنف والقمع بكافة صوره مهما أظهرت من مقال العدل والتسامح والحرية والإخاء والمساواة ...... إلخ ، فلسان الحال يفضح زيف المقال ، وحضارة القوي عموما تظهر ، كما يقول بَعْضُ النُّظَّارِ ، في تعاطيه مع الضعيف ، فالمجتمع إذا انحرف فحاد عن جادة الرحمة والعدل ، لا سيما إن كانت السلطة جائرة مستبدة فعدوى القسوة والعنف تَنْتَقِلُ من السلطة إلى المجتمع ، فيصير العنف ثقافة ، فَكُلُّ قَوِيٍّ يمارس العنف ضد من هو أضعف منه ، فرئيس العمل بما له من قوة السلطة يمارس الظلم ضد الموظفين ، ورجل السلطة التنفيذية يمارس العنف ضد العامة بل وضد من تحته من رجالات السلطة ، والرجل يمارس العنف ضد المرأة ، والأب يمارسه ضد ابنه ، والغني يمارسه ضد الفقير ، وصاحب الأرض يمارسه ضد الوافد كما يظهر في المجتمعات العنصرية ، البدوية أو الحضرية ، الشرقية أو الغربية ، فَهُوَ مِمَّا قَدْ عَمَّتْ به البلوى على وجه يُظْهِرُ للناظر القدر الفارق بين مجتمع الأنصار في المدينة ، وهم أصحاب الأرض ، والمهاجرين الوافدين ، وبين مجتمع ينظر فيه أصحاب الأرض للوافد أنه خادم وربما عبد وإن كان حرا ! ...... إلخ ، ومعيار الحضارة في أي مجتمع يمكن حده في تعاطيه مع : المرأة والطفل وذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء والغرباء ، فإذا كان المجتمع يحترم هذه الفئات وهي حلقات أضعف فهو مجتمع قد بلغ من الحضارة حدا كبيرا ، وإذا لم يحترم هذه الفئات بل جعلها ضعفها ذريعة لانتهاك حقوقها فهو مجتمع بدائي متخلف وإن حقق من طفرة التقنية ما حقق ، فَلَمَّا تُهَذَّبْ طبائعه بَعْدُ ليصير إنسانا مكتمل الإنسانية ، واضرب له مثلا بما يقارفه المجتمع المتخلف ضد ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب الإعاقات العقلية فثم من تبلغ به الدناءة والانحطاط أن يتخذهم مادة لذة فيعتدي عليهم بالاغتصاب أو التحرش ، فضلا عن التوسع في انتهاك الحق الآدمي بالضرب والتعذيب والتجويع في دور رعاية رسمية ! ، فذلك مجتمع قد بدأ في الخروج شيئا فشيئا عن حد الحضارة بل وربما الإنسانية في دور تال ، وقد تعرضت الكنيسة الكاثوليكية من سنوات قلائل لفضيحة مدوية ظهر بعد ذلك أنها أمر ذائع فيكاد يكون عُرْفًا في آباء الكنائس ! ، فاعتدى قس كبير على عدد أكبر ! من الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة فاختار أضعف الدوائر لينتهك حقوقها إذ أَمِنَ العقوبة وَأَمِنَ الفضيحة فهم لا يحسنون يفصحون عما تكن صدورهم ، وهو أمر تكرر فما خفي من الفضائح أكثر وأعظم ، ولعل ذلك ، من وجه آخر ، هو السبب الذي حمل رائد الإصلاح البروتستانتي مارتن لوثر أن يطالب بإباحة الزواج في طبقة الرهبان ففضائحهم الأخلاقية قد أفقدت الكنيسة المصداقية حتى صارت مضرب المثل في المجون وهو مِمَّا صار مادة أدبية متداولة ، فكان من القصص والروايات الأدبية ما رَسَّخَ في الأذهان صورة القس أو الراهب الفاجر وهو ما أسهم في ترسيخ القيم العلمانية اللادينية استنادا إلى الفضائح الكاثوليكية الدينية ! ، فكان الخروج عن قانون الفطرة سببا في قدح عظيم في الشرعة ، وهو ما اتصل إسناده إلى العصر الحاضر فلم تصغ الكنيسة الكاثوليكية لنصح مارتن لوثر ، فكان ما تقدم من همجية الآباء في الاعتداء على حرمات الصم البكم من الأطفال ، فحالهم كحال ذاهب العقل الذي فقد القدرة أن يدفع عن نفسه ولم يجد من قوة المجتمع ما يحميه من العدوان ، فهو مجتمع متخلف وإن بلغ ما بلغ من الرَّفَاهِ والتَّرَفِ ، فقد اختزل الحضارة في أدواتها وإن لم يحسن استعمالها ، فصارت الحضارة الآن ! ، استثمار مليارات الدولارات ، ستين أو يزيد في هيئات رسمية أنشئت للترف ! ، وذلك اسم جديد في هيئات الحكم والسياسة ! ، وليس ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا إفسادا للمجتمع بتحريضه أن يسلك الجادة الإسرائيلية زَمَنَ المسيح عليه السلام فكان اتخاذ البيت المقدس سوق صيرفة يحقق المال فهو السبب ، وملعب حمام وذلك الترف الذي يبلغ حد السفه ورقة الديانة فلا يعظم صاحبها شعائر الله ، جل وعلا ، وهو ما كان سببا في التعجيل بالهلكة بما كان من استباحة الرومان أمةَ يهود بعد رفع المسيح عليه السلام ، وفي التاريخ عبرة ، فالبيت الحرام في مكة إن صار ، هو ، أيضا ، ملعب حمام أو ورق ، كما في حادثة لم تبلغ حد الظاهرة ولكنها مؤشر ذو دلالة على وتيرة متسارعة تدفع بالمجتمع دفعا نحو الهاوية وإن كانت الدعاية الرسمية أنها تحديث وتطوير يهتم بأدق التفاصيل في باب الترفيه ! ، فصار لعب الورق نشاطا تعقد له المسابقات مع ما يكون فيه من تضييع الأوقات وإهدار الأموال ، وتلك ، كما تقدم ، غايات عظمى في أي نظام سياسي يشكو من مرض مركب ، فهو راغب في الاستبداد بالسلطة وإن لم يكن لها أهلا ، فطموحه أكبر من قدرته العقلية والسياسية ، وهو مهزوم فكريا ، باحث عن أي شرعية سياسية ولو استمدها من العدو الحضاري الاستراتيجي الأول في المركز فلا ينالها إلا أن ينزل على حكم المركز وأن يبذل له من صور التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية ما تصير لأجله القيم الرسالية هدرا بل قد تصير في دور تال : حديث الخرافة آنف الذكر ، فالواقعية السياسية تجعل الاستمساك بالأصول الرسالية مثالية جوفاء قد انقضى زمانها فلا مكان لها إلا زاوية الإهمال في الكتب الصفراء التي تحض على الكراهية والعنف ، أو المتاحف التي تُزَيِّنُهَا المصاحف ! .

    والمجتمع إذا فشا فيه الترف فسدت أخلاقه وقسا قلبه على الضعيف وسهل عليه التفريط في الأحكام بل وربما بلغت الحال أن يفرط في الثوابت رجاء متاع عاجل قد رُبِّيَ عليه وَنُشِّئَ فصار هو معقد ولائه وبرائه الأول وربما الأوحد .

    وكلما استبدت السلطة واستجمعت صلاحيات الحكم فلا يكون ذلك إلا بِتَقْزِيمِ العقول حتى يصير أصحابها كالقرود وإن كانوا في مسلاخ البشر ! ، فإذا استنفد النظام أسباب البقاء وجرت عليه سنة الزوال فالانفجار يعظم بقدر ما قارف من استبداد كان سببا رئيسا في التخلف الذي يزعم أنه يكافحه بما يدخل على المجتمع من التحديث والترفيه ، فقد نَزَعَ من الناس مادة العقل بما قارف من الاستبداد ، فلا يكون بعد انهياره إلا فِعْلُ المجنون فلم يكن ثم من الديانة أو الحكمة ما يكبح جماح الفوضى التي يتذرع أي نظام مستبد أته يكافحها ولو تدبر لعلم يقينا أنه سبب رئيس من أسبابها ، بل هو السبب الأول ، وهو يفسد في المرجع الفكري والحضاري إفسادا أعظم وأشد خطرا ، بما يصادر من السلطان الروحي إذ يحرص على سيادة اسمية على البقاع المقدسة ، كما يرى الناظر الآن من سعي حثيث لبعض السفهاء أن يستجمع المساجد الثلاثة تحت سلطانه السياسي فيحصل له من السلطة الروحية ما يجعله أداة فاعلة يعاد بها رسم الفكرة في العقل ، فضلا عن رسم الأرض وتقسيم الثروة ، فلم يجاوز حد المجموع الوظيفي التابع وإن كان في دعاية الكذب : رمزا يجدد في الدين والفكر والسياسة والحرب وكل شيء ! ، فلا يقوم بهذه المهام المقدسة في التحديث والترفيه ، وحقائقها ، لو تدبر الناظر أعمق ، فهي مهام التطبيع والتقسيم ، فلا يقوم بها إلا رموز قد صُنِعُوا على عين المركز وإن كانت الدعاية كاذبة والفضيحة ظاهرة .

    ويبقى الإشكال أي الرمزين يتخذ رائدا يهدي ، رمز الرسالة وما قدمت لهذا العالم من رجالات الفكر والسياسة والحرب وما سطر التاريخ من أيادها البيضاء التي تجاوز حد المثالية الجوفاء ، فلم تكن الصورة كلها مثلى فليس ذلك إلا لأصحاب العصمة من الأنبياء عليهم السلام ، فلا تخلو الصورة من نقص قد يعظم في أحيان ، ولكنه لم يكن حال وقع إلا خروجا عن جادة الرسالة التي لا تداهن أوليائها ولا تظلم أعداءها ، فلا يكون تعظيمها ذريعة إلى الغلو في رجالاتها وتكلف التأويل البعيد لِتَبْرِيرِ أخطائهم وإنما غاية الأمر أن يعتذر لهم بما تقدم من سابقة الفضل ، فلا تكون دعوى الموضوعية الفارغة ! ، لا تكون ، من وجه آخر ، ذريعة إلى الطعن فيهم بإبراز مثالبهم وكتمان فضائلهم .

    فَيَبْقَى الإشكال ، كما تقدم ، أتكون الرسالة هي الرمز أم يكون الرمز ما يرى الناظر في هذه الأعصار من أقزام السياسة والحرب ممن لا حظ لهم من فضيلة ، لا في دين ولا في دنيا ، فلا هم من أهل الورع والديانة ولا هم من رجالات الحكم والسياسة ، فليسوا أبناء هذه الحضارة وإن تكلفوا إليها نسبة فهي ، في الجملة ، نسبة زور باطلة .


    فالرمز ، كما تقدم ، حتم لازم ، وهو لا يخرج ، لو تدبر الناظر ، أن يكون صورة مركبة من : أحمق مطاع في القلب ، وحوله مجموعات الوظيفة الخادمة على ما قرر بعض الفضلاء من نظرية الجنرال في المركز ، وإن كان مدنيا النشأة والتعليم والزي ، فهو جنرال في الفكر يمارس من القمع والاستبداد ما قد يرجح في أحيان استبداد الجنرال العسكري .
    فالجنرال هو نواة النظرية الصلبة ، وإن كان في حقيقة الأمر أداة وظيفية ، وهي ، من وجه آخر ، لا تخلو من ظاهرة الأجنحة ، فليس واحدة بالشخص ، وإنما وحدتها وحدة النوع الذي تندرج تحته آحاد ، منها ما يصنف من الصقور الكاسرة ، ومنها ما يصنف من الحمائم وإن جارحة ! ، ومنها ما يُحْدِثُ التَّوَازُنَ بين الاثنين ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، قسمة لا يخلو منها أي طيف فكري أو سياسي أو عسكري فهي ظاهرة إنسانية عامة ، وحول هذه النواة التي تَتَرَكَّزُ فيها مادة الحمق ، وتملك من أسباب القوة والثروة ما يجعلها مناط السمع والطاعة الذي يُضَمَّنُ في أحيان كثيرة معاني السمع والطاعة لولي الأمر فتعظم الجناية على الوحي بِوَضْعِ النصوص الصحيحة في مواضع باطلة فهو أمر يفتن الناظر إن لم يكن له من علم الرسالة حظ ، فحول هذه النواة الحمقاء المطاعة ! ، أفلاك تَنْتَظِمُ الأقليات المتساندة ، فَثَمَّ الأقلية التنفيذية ، المدنية والعسكرية ، فهي أدوات فعل مباشر على الأرض ، في السلم والحرب ، وَثَمَّ الأقلية الفكرية التي توفر الغطاء الأيديولوجي ، وهي الأخطر لو تدبر الناظر ، فهي التي تصنع الهوية الجديدة على معيار ما تُرِيدُ السلطة ، وهي هوية لم تصنع في محيطها الفكري الذي تزعم الانتساب إليه ، لا جرم يجد الناظر بما له من رصيد الفطرة وإن لم يكن من أهل العلم والفكرة ، يجد الناظر فيها نفورا فهي هوية وافدة من خارج وإن تَوَلَّى كبرها في الداخل من يلبس مسوح العلم والدعوة ، فليست إلا اختراقا فكريا أوصت به مراكز البحث في المركز ، فلا بد من رسالة جديدة تنسخ الرسالة القديمة ولو حملت نفس الاسم ! ، وهو أمر يكسى لحاء التجديد والتحديث الخداع ، فكانت وصية صناع الفكر في المركز ، كما ينوه بعض الفضلاء ، أن يُدْعَمُ طيف تقليدي واسع ذو توجه دِينِيٍّ لا يخاصم ، في الجملة ، مرجع الوحي ، فهو قاعدة مثلث ضلعاه الآخران من صناعة المركز ، صناعة خالصة أو غالبة ، فهما الأقرب إليه في الفكرة ، ولكنهما لا يحظيان بالقبول في أوساط العامة ، بل خطابهما إذ يخاصم الرسالة فهو يستفز في قلوب أتباعها مشاعر العداوة ، فلا بد من غطاء ديني ناعم بعد فشل الطرح العلماني الصلب ، ولا بد من هوية جديدة تحتكر الحقيقة الدينية الوسطية ولو أقصت الجميع فاشتدت خصومتها لكل معارض ، وإن زعمت المحبة والتسامح ، فهذه الهوية المركبة من فكرة وافدة أوحت بها مراكز البحث في المركز ، وهيئة علمية تَتَبَنَّاهَا وتضع لها من التأصيل ما تصدر عنه خطابات الدعوة إلى الدين الجديد ! ، وهيئة سياسية تدعم بما لها من نفوذ ، فضلا عما تغدق من نقود ! ، والبراجماتية السياسية قد تقضي في أحيان أن تستعين الفكرة بأطياف أخرى خارجة عنها في الجملة ، بل ربما كان العداء بَيْنَهَا مستحكما ، ولو في التأصيل النظري ، فلا تجد ما يمنع من التحالف مع الإسلام السياسي في أمصار ، ولو تكتيك حرب فالمشهد مسلح ، ومع الإسلام السلفي في أخرى ، ولو تكتيك حرب فالمشهد ، أيضا ، مسلح ! ، بل والإسلام الجهادي في ثالثة ، ولو تكتيك حرب فالمشهد ، أيضا ، مسلح ! ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أبعد الثلاثة عنها بالنظر في الأيديولوجيا وإن نجحت في توظيفه ما لم تَنْجَحْ في توظيف الاثنين ، على تفصيل في ذلك ، فهو أمر شَدِيدُ التَّعْقِيدِ في إطار معادلة مركبة ، في الفكر والسياسة والحرب .
    فالنواة الصلبة التي يَقْبَعُ فيها الأحمق المطاع ، رمز التجديد والتحديث ، نَوَاةٌ معقدة التركيب ، بَيْنَ رُءُوسِهَا من الصراع على الزعامة السياسية أو الروحية ما يدل على فساد القصد ، وهو ، وحده ! ، سبب في الفشل وإن كانت الفكرة صحيحة وكم فشلت تجارب إصلاح بما حصل في نفوس قادتها من حظ نفس في الرياسة ، خفي أو ظهر ، ففساد القصد ، وحده ، سبب في الفشل ، فكيف إذا انضاف إليه فساد الفكر ، فهو ، كما تقدم ، طرح وافد من خارج وإن تَوَلَّى كِبَرَهُ رجالات يَنْتَسِبُونَ إلى العلم والدعوة في الداخل فَهُمْ من بَسَطَ جمله ووضع له خطة العمل ، وكان من رجالات الحكمة الدينية ما شكل الظهير الفكري الذي يمارس وظيفة الخداع الاستراتيجي للجماهير فيختار الجناح السياسي من أطياف التدين الطيفَ المهادن الذي جَرَّدَ الدين من وظيفته الرئيسة ، وظيفة الخلافة في إقامة الوحي وسياسة الدنيا به ، وهي وظيفة تعم كل إقامة دينية ، من إقامة الصلاة إلى إقامة الزكاة إلى إقامة كل شعيرة وشريعة في السياسة أو في الحرب أو في الأخلاق ....... إلخ ، فتلك وصاية الأنبياء عليهم السلام أَنْ : (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فكان التصوف هو البديل ، كما يظهر في هيئات الحكمة الإسلامية التي ظهرت في الآونة الأخيرة ، ومركزية التصوف في اتخاذ القرار الروحي الذي يصدر من شيخ الطريقة الذي يَتَحَمَّلُ أسرارها تَحَمُّلَ الإرث ، فضلا عن سلطة هرمية تَتَدَرَّجُ من الشيخ إلى الأتباع وهم على أنحاء تَبَعًا لِتَرَقِّيهِمْ في الطريقة بما سلكوا من جادتها ، هذه المركزية التي تَتَّسِمُ بقدر كبير من القمع والاستبداد الروحي هي اختيار السلطة المركزية المستبدة التي تمارس هي ، أيضا ، القمع ، ولكنه قمع سياسي ، فلا تريد إلا هيئة دينية تَقْمَعُ الرأي العام بسلطان روحي يحاكي السلطان الكهنوتي في العصر الوسيط ، فَتُوَظِّفُهُ في خدمة السلطة بما تملك من التأثير الروحي فضلا أنها مثال قياسي لدين لطيف يمارس التخدير الناعم للمشاعر ، وهو اختيار المركز قبل أن يكون اختيار السلطة في الأطراف ، فلا بد من مرجع دين وسياسة في الأطراف يحظى بالاعتراف الرسمي فهو يَنُوبُ عن المركز في إدارة الصراع مع حضارة الأطراف ، وهو ما يكرس صورة الدولة المركزية التي تقمع بسلطان الروح الديني وسلطان الزمان السياسي ، وتلك دولة العصر الوسيط في المركز الذي يروم حُكْمَ الأطراف بها الآن ! في غش عظيم وإن أظهر النصح أنه ما جاء بجيوشه في الماضي وأفكاره في الحاضر إلا رغبة في تحديث الشرق وإخراجه من جهله وتخلفه ، فاختار صورة لا تخلو من توظيف للدين في صناعة الرأي العام ، وذلك توظيف سياسي يستخدم فيه الدين كأداة تَأْثِيرٍ وهو ما يُنَاقِضُ دعوى العلمانية اللادينية التي يَتَبَجَّحُ بها المركز وَتَتَبَجَّحُ بها السلطة التابعة له في الأطراف ، فالمركز لا يجد غضاضة أن يستحضر معنى الدين في دعايته السياسية والعسكرية ، فهو يَتَدَيَّنُ في معركة الوجود مع حضارة الرسالة ، فعلمانيته علمانية الأخلاق الفردية ، وأما أخلاق السياسة والحرب وإن كانت براجماتية في الباطن فلا غاية لها إلا القتل والتدمير والانتهاب ، فأخلاق السياسة والحرب وإن كانت براجماتية إلا أنها تفتقر إلى لحاء خادع من القيم والمبادئ يُسَوِّغُ تَجَرُّعَ ما يُقْتَرَفُ من الجنايات التي تُؤَرِّقُ بَقَايَا الفطرة والضمير في أي فرد وظيفي يمارس السياسة أو الحرب ، وكذلك الشأن في الأطراف ، بل الأمر فيها أظهر وآكد بما استقر في وجدان الشرق من آثار النبوات ، فلا بد من هيئة دينية ذات وجاهة ، تُقَدَّمُ لَهَا خَدَمَاتُ المال والدعاية نظير ما تقوم به من وظائف في السياسة فهي تضع معيار التدين الجديد الذي يريده المركز ، وهي تصدم الإرث القديم ، فهو إرث بَالٍ ولكنه راسخ في العقل الشرقي فلا بد من صدمة شديدة تُزَلْزِلُ أركان الدين القديم ، كما يقول بعض رموز التجديد السياسي المعاصر في تصريح يخاطب به المركز ، فالباطنية السياسية تشكو مما تشكو منه الباطنية الدينية من ازدواجية في الخطاب ، فثم خطاب للداخل وثم آخر للخارج ، وأيهما أقوى فرعايته أولى ، فَلَمَّا كان المجتمع في الأطراف هو الطرف المرجوح في معادلة السياسة المعاصرة ، كان انصراف السلطة عنه فلا تُغْنِي رفادته شيئا ، فالحاكم البراجماتي مخير أن يركن إلى طرف ضعيف لا ينصر ولا يحمي ، وآخر قوي في المركز يضفي الشرعية السياسية على السلطة الوظيفية في الأطراف ، واضرب له مثلا بما يذكر بعض المحققين من طرح الخديوي عباس حلمي الثاني الذي جاء بطرح سياسي استبشرت به المعارضة المصرية بكافة أطيافها فجاء يتحدى المحتل الإنجليزي في شخص المعتمد البريطاني ، ولكنه بعد حين أدرك أنه يخوض معركة خاسرة ، فالشعب لا يملك إلا التأييد بالهتاف والاحتجاج ! ، فليس له من أدوات القوة السياسية ما يخوض به عباس حلمي المعركة مع بريطانيا ، فاستعمل القانون البراجماتي المحكم ! ، واختار بعد حين من المشاغبة أن يخضع لسلطان بريطانيا ، ولو كرها ! ، فهو أرسخ ، فأمعنت بريطانيا في إذلاله قبل خلعه ، وهو أمر قد قَبَضَ ثمنه بعد ذلك ، فالبراجماتية السياسية تلجئ السلطة في الأطراف أن تختار ، طوعا أو كرها ، الطرف الأقوى وهو ، بداهة ، المركز الذي يدعم أتباعه ، ولو حينا من الزمان حتى يَنْتَهِي دورهم السياسي ، فيدعمهم حتى يحصل من التَّغَيُّرِ ما قد يلجئه أن يستبدل بهم رموزا جديدة ، وقد يكون الاستبدال اختيارا بلا اضطرار يلجئ ، فلا يرغب المركز في تابع لا يَنْفَعُ وإن كان مخلصا لقيم المركز فليس بخائن ولكنه قديم لا يواكب طموح المرحلة القادمة ، وذلك أمر يضرب له مثل لطيف في الرياضة ، فمن أسباب فشل الفرق الكبيرة التي تملك مؤهلات الفوز والتصدر ، أن يكون طموح المدرِّب دون طموحها ، فلا يحسن يستثمر طاقاتها بل هو يقزمها فلا تجاوز ما يطمح ، فمهما زادت قدراتها فهي هدر إذ المدرب دونها في النظر ، فضعيف يقود أقوياء لا يصنع انتصارا ولو كانت الطاقات وافرة فالقيادة عاجزة ، فكذلك الشأن إن زاد طموح المركز في الأطراف وكانت القيادة لا تُوَاكِبُهُ وإن أخلصت ، فلا بد من استبدال أخرى بها تلائم أهداف المرحلة الجديدة فتحقق طموح المركز الذي ارتفع سقفه فلا بد من قائد ثوري يجدد بما يكون من الصدمات الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية .... إلخ فهو صانع الهوية الليبرالية الجديدة ولو صناعة رديئة وهي ، كما تقدم ، تفتقر إلى التأصيل الفكري الذي يخدر الرأي العام ، فلا بد من اختيار طيف يلائم المرحلة ، فقد يكون واجب الوقت هو التشدد ! ، مزايدة لا تخفى ، فيختار الطرف الأصلب فكرة ، وإن كانت صلابته على الرعية لا السلطة فهي ، أبدا ، الخط الأحمر ، إن في الطرح المتشدد أو نظيره المتساهل ، وقد يكون واجب الوقت في أحيان أخرى اختيار الطرف الألين الذي يضفي على سياسة التغريب شرعية التجديد ، واضرب له مثلا بما يذكر بعض المحققين من إنشاء نابليون "الديوان" ، وهو هيئة سياسية اختارها من مشايخ الأزهر إذ علم دورهم في صناعة الفكر والرأي العام في مجتمع كالمجتمع المصري الذي كان آنذاك يُصَدِّرُ الأزهر في معاركه مع السلطة ، فكان يحظى باحترام الجمهور وهيبة السلطة معا ، فلا تمكن السيطرة على الجمهور إلا بالسيطرة عليه مع ما أصابه آنذاك من لوثة الكلام والتصوف والتقليد ، إلا أن دوره في دفع الصائل استنادا إلى إرث قد تَرَاكَمَ من ثقافة الوحي هو الدور الذي يخافه المحتل وتخافه السلطات التابعة له ، فلا بد من تدجينه وتنويم روح التعصب الكامنة فيه كما في نص رسالة نابليون إلى خليفته في مصر الجنرال كليبر ، فإذا نجح في جمع المشايخ حوله واصطنع منه ديوانا أو هيئة حكماء ..... إلخ ، فهم أداة فاعلة في توجيه الجماهير وصناعة رأي عام يرضى أن يهادن الاحتلال فيكون التعايش السلمي بَيْنَ السلطة والمجتمع عبر قناة وظيفية هي القناة الدينية المدجَّنَةُ ، فلا أخطر ، كما يقول نابليون ، من مشايخ يوحون إلى الأتباع بالقتال والشهادة وإن كانوا يرهبونها فلا علم لهم بالقتال ولكنهم أشد الناس خطرا إذ يحرضون عليه استنادا إلى مرجعية أخلاقية راسخة ، فالجماهير تنتظر فتواهم فإذا نجحت السلطة في مصادرتها وتوظيفها في توجيه الرأي العام أو مداهنته إذا اقتضى الظرف التكتيكي ذلك ، إذا نجحت السلطة في ذلك فقد كُفِيَتْ مؤنة الصدام المباشر مع الجماهير وهو صدام يكلفها كثيرا ويفضح عداوتها المستحكمة لثقافة المجتمع وقيمه فضلا أنه يُبِينُ عن احتقار السلطة للرعية فلا تكترث بها وإن أظهرت وُدَّهَا بل وتعظيمها فهي مصدر الشرعية والسلطة ! ، فيقضى الأمر باسمها وليس لها منه شيء ! ، فإذا نجحت السلطة في صناعة هذه الهيئات الدينية الحاكمة ونجحت في المقابل أن تقصي المخالف الذي يوقظ الجماهير من سباتها ، إذا نجحت في هذه المهمة المزدوجة : تقريب الخائن وإقصاء الأمين بل واستئصاله في أحيان ، فإن مشروع التجديد لا يطيق معارضا ، ولو اتسمت معارضته بالمداراة بل قد يدخلها من المداهنة ما يفسدها ، وهي ، مع ذلك ، محل سخط من سلطة التجديد الصادمة التي تصعق المجتمع بأطروحاتها ليستيقظ من رقدته التي طالت فلا بد أن يدخل دائرة التحديث ولو كرها ! ، وتلك جناية أخرى تقارفها السلطة مع أنها تَنْبِزُ من يخالفها بها ، فهو طيف ظلام يفرض التخلف على المجتمع بسيف الإكراه ، فلا بد من فرض قيم التنوير بالإكراه أيضا ! ، فلا يفل الحديد إلا الحديد ! ، فإذا نجحت السلطة التجديدية في صناعة هذه الهيئات الدينية فقد قطعت شوطا كبيرا في تدجين الجماهير فقد دجنت أرباب الفكر والفتيا ، إلا أن يكون في المجتمع من قوة الأفكار ما يجاوز حد التقليد ، فلا تفلح مركزية التصوف أن تصادر رأي الناس إذا اختاروا المقاومة ، كما يضرب بعض المحققين المثل بما تلا إنشاء الديوان الأزهري الفرنسي إبان الاحتلال ، فقد كان الجمهور يقظا إذ أسقط شرعية الديوان من اليوم الأول فاختار المقاومة ، وحكم على أعضاء الديوان بالإعدام الفكري والسياسي فقد انتهى دورهم إذ افتضح أمرهم فظهر من حظوظ النفس ما يدل على فساد القصد ، وليس أولئك ، بداهة ، بأهل أن يَتَصَدَّرُوا الجمعَ ، كما هي الحال الآن في الأطراف فكل نازلة فيها فاضحة على وجه لا يقتصر على رءوس الفكر والفتيا وإنما يعم ، لو تدبر الناظر ، كل أحد ، فكلٌّ في الفتنة يستبين قدره فلا يكون فيها من دعاوى الرسوخ والبطولة ...... إلخ ما يكون ، بداهة ، في أعصار السلامة ! .

    فكان إسقاط الجمهور لشرعية الديوان الفرنسي وكان من صناعة القيادات الجديدة التي أفرزتها المقاومة ، فصنع الجمهور قادته الجدد بعد أن خذله أعضاء الديوان فهم جيل قديم قد احترق فَانْتَهَى دوره في أحسن أحواله ، إن لم يقل القائل إنه قد احترق وافتضح أمره ! ، فلم يكن الجمهور آنذاك جمهور النصارى في العصر الوسيط ، كما يُنَوِّهُ المحقق آنف الذكر ، فإن صناعة الديوان الفرنسي لم تنجح في توجيه الرأي العام أن يقبل الأمر الواقع فيرضى بسلطة الاحتلال عبر وسيط ديني أزهري يضفي عليها الشرعية كما كان الكهنوت يصنع في العصر الوسيط إذ يخدر روح الثورة على ظلم السلطة السياسية فيجعل الصبر على المظالم عجزا ، والقعود عن ردها ، والتخاذل عن الأخذ بأسباب الإنكار والمعارضة ، يجعل كل أولئك دينا يُنْتَحَلُ ! ، فسقط هذا الرمز إذ افتقر إلى أدنى قدر من المصداقية الفكرية والسياسية ، فصناعته لم تكن صناعة الجماهير وإنما صنعته السلطة المحتلة ليؤدي وظيفة سياسية استنادا إلى مرجعيته الأخلاقية ، فهو كمجالس الحكماء آنفة الذكر ، فهي رمز يدجن الرأي العام ، من وجه ، ويمارس وظيفة التشريع السياسي للسلطة بما يضفي على جرائمها من الشرعية الدينية والأخلاقية ! ، فضلا أنه دعاية تجديد في أوساط الفكر والسياسة في المركز فهو أمارة تجديد ثوري يصدم المجتمع المتخلف ، فما أعظم ما تقدم هذه الهيئات الدينية الوظيفية من خدمات فكرية وسياسية ، وأعظمها الأولى ، فخدمة الأفكار استثمار طويل المدى في عقول الأجيال القادمة خلافا لخدمة السياسة فهي قصيرة المدى لا يَنْتَفِعُ بها الانتفاع المباشر إلا السلطة المعاصرة ، وقد لجأ محمد علي إلى نفس الحيلة ، فكان نظره ، كما يقول بعض المحققين ، في القوة الفكرية والسياسية الجديدة التي أفرزتها مقاومة الاحتلال الفرنسي فالنخبة الجديدة من قادة الفكر وهم من علماء الأزهر فجمعوا إلى القيادة الفكرية القيادةَ الروحية ، هذه النخبة هي أخطر عدو يتربص بمحمد علي فلا بد من مهادنته حتى ترسخ أركان الملك ، فكان من غفلة هذه النخبة التي أفرزنها المقاومة ما أذهب الجهود العظيمة في مشروع التحرر سدى ، فقد بَدَّلَ الاحتلال من تكتيكه ، فكان الاحتلال بأداة وظيفية جديدة تَنْتَسِبُ إلى نفس الدائرة الحضارية ولو زورا فلم يكن محمد علي يوما ابن الحضارة الرسالية ، وإن حمل اسم نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء ، فهادم البناء السياسي الجامع في الأطراف استنادا إلى مرجعية الرسالة ، هادم هذا البناء كان يحمل اسم "مصطفى" ، وهو ، أيضا ، من أسماء صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكثير من خلفائه في ضرب الصحوة الرسالية وتكريس القيم العلمانية الفكرية والسياسية في الأطراف بذريعة التجديد الثوري ، كثير منهم يحمل أسماء العبودية لرب البرية ، جل وعلا ، وأسماء رسوله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فنجح محمد علي ، وهو مثل أعلى يقتدي به كل مجدد سياسي ! ، نجح في احتواء المشايخ فلجأ إلى سياسة "فرق تسد" ، وكان في النفوس من الحظوظ ما أحسن محمد علي استثارته بما قدم من إغراء الجاه والنفوذ ، فأقصاهم واحدا بعد آخر وبدأ بالأخطر فالأخطر ، فلم يكن ليرضى أن يشاطره أحد السلطة ، سواء أكان قوة فكر كالأزهر أم قوة حرب كالمماليك ، فنجح في تصفية الخصوم شيئا فشيئا حتى صار هو القوة الوحيدة في البلاد وبعدها شرع في بناء الدولة المدنية الحديثة ! ذات المرجع العلماني الصلب ، وكانت تلك الدولة ولا زالت أداة وظيفية فاعلة في يد المركز ، فكان محمد علي حربا على دعوة التوحيد في الجزيرة ، وكان حربا على دولة الخلافة في إسطنبول وكان عَرَّابَ القيم العلمانية ، لا سيما الفرنسية ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يُرَى اليوم في الأطراف ، فَثَمَّ سلطة ثَوْرِيَّةٌ مجددة في بلاد كثيرة ، تُنْشِئُ من مجامع الفكر والحكمة ما يواكب طموح المركز في هذه المرحلة ، وهي ، كما ينوه بعض الباحثين ، مع ما يظهر من صلابتها وتماسكها ، هي هجين مركب من أخلاط بَيْنَهَا من التَّنَافُرِ مَا يدل على حقيقة هَشَّةٍ وإن كانت الصورة صلبة ، فـ : (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) ، والجماهير هي صاحب الدور الأعظم أن تسقط هذه الرموز كما أسقطت رموز الديوان زمن نابليون وأن تصنع رموزها الجديدة التي تواكب طموحها ، فكما يصنع المركز رموزه في الفكر والسياسة والحرب على وجه يواطئ طموحه ، فالجماهير ذات المرجع الرسالي في الشرق لا بد أن تسعى ، أيضا ، في صناعة رموز تواطئ طموحها لتستأنف هذه الجولة من المدافعة الحضارية بين رسالة الوحي وخصومها في الشرق والغرب .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 53966

    الجنس : ذكر

    البلد
    الصومال

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : أدب

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل29/3/2018

    آخر نشاط:29-03-2018
    الساعة:01:24 AM

    المشاركات
    2

    بارك الله فيك أخي الكريم مميز جدا واصل

    العاب ديكور جديدة ورائعة فقط على www.jeuxdecoration.com

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •